المسألة (38): إن كان الاعلم منحصراً في شخصين بأن علم المقلّد إجمالاً أعلمية أحدهما. وهذه المسألة لها صورتان:
إحداهما: أن يكون أحد الشخصين هو الاعلم على الاطلاق من جميع العلماء، وهي ظاهر
المتن حيث قال: ولم يمكن التعيين والمراد بالامكان هو الاعمّ من العقلي والشرعي، إذ
ما يمكن عقلاً ولكن الشارع أجاز الترك للتسهيل على العباد أو لغير ذلك، فهو غير
ممكن بالتعبّد الشرعي، كموارد الضرر والحرج، فلو أمكن التتبّع والتعيين ولكنّه كان
محتاجاً إلى السفر المضرّ بحاله، أو كان حرجاً عليه، سقط لادلّة لا ضرر ولا حرج ما
دام الضرر والحرج باقيين، إذ الضروريات تقدّر بقدرها.
...فإن أمكن الاحتياط بين القولين فهو الاحوط....
هذا إذا أحرز المكلّف الامكانين أو أحرز عدمهما واضح، وأمّا من الشكّ في الامكان
العقلي أو في الامكان الشرعي، فمقتضى ما قاله جمع من بناًء العقلاء على الامكان
عقلاً وشرعاً ـ إلاّ في مثل دفع الضرر المحتمل ـ فالاصل العقلائي الممضى شرعاً بعدم
ظهور خلافه فيما لو كان لبان هو وجوب الفحص، ومعه لا تصل النوبة إلى الاُصول
العملية التي موضوعها الشكّ ـ المرتفع بالتعبّد العقلائي الممضى شرعاً ـ حتّى يقال:
الاصل عدم الامكان لعدم إحرازه إذ بناء العقلاء محرز.
ثانيتهما: أن يكون الشخصان هما الاعلم من الباقين، أمّا الاعلمية بينهما فلم تكن
مسلّمة، أو كانا مسلّمي التساوي.
والفرق بين الصورتين هو أنّ في الاُولى يعلم المقلّد أعلمية أحدهما عن الاخر، وفي
الثانية لا يعلم وجود أعلمية بينهما، أو يعلم انتفاء الاعلمية بينهما.
وبعبارة أُخرى: في الاُولى تعيين تفصيلي، وفي الثانية إجمالي.
أمّا الصورة الاُولى: فقال الماتن فيها بقول مطلق: فإن أمكن الاحتياط بين القولين
في كلّ مسألة مسألة إذ لا معنى لامكان الاحتياط وعدمه في الكلّ، لانّ مورد الاحتياط
هو كلّ واحدة واحدة من المسائل، لا الكلّ من حيث هو كلّ فهو الاحوط احتياطاً
وجوبياً، تحصيلاً للبراءة اليقينية عن الاشتغال اليقيني بتقليد الاعلم، لتنجّز
الواقع على المكلّف بالعلم الاجمالي به كالعلم التفصيلي ـ كما هو المشهور المنصور
والمحقّق في الاُصول ـ.
...وإلاّ كان مخيّراً بينهما.
واُورد على الاحتياط هنا: بالاجماع المنقول على عدم وجوب الاحتياط على العامي،
والسيرة على ذلك.
وأُجيب: بمنع الاجماع صغرى، لعدم تعنون المسألة في كلام كثير من العلماء، ومنع
السيرة صغرى موضوعاً، أو احتمال استنادها إلى ما استدلّ به على عدم لزوم تقليد
الاعلم، وغير ذلك، وكذلك منعها كبرى ـ كما عن البعض ـ.
واحتياط الماتن في المسألة وعدم الفتوى بها: إمّا لما نقل من الاجماع على عدم لزوم
الاحتياط على العامي، وإمّا لاحتياطه في أصل وجوب تقليد الاعلم، والثاني أظهر.
وإلاّ بأن لم يمكن الاحتياط كان مخيّراً بينهما في المسائل التي لا يمكن
الاحتياط فيها، لانّ آحاد المسائل هي المورد لوجوب تقليد الاعلم فيها، حتّى على
قول الماتن ومن قال بقوله: من كون التقليد هو الالتزام، فإن أمكن تحصيل قول الاعلم
والعمل به بالاحتياط في بعض المسائل دون بعض، وجب فيما أمكن، وتخيّر فيما لا يمكن
كالدوران بين المحذورين، مثل أن يفتي أحدهما بوجوب صلاة الجمعة ويفتي الاخر
بحرمتها.
قال المحقّق العراقي (قدس سره): « مع عدم سبقه بتقليد أحدهما، وإلاّ فربما يجيء
احتمال تعيينه فيستصحب »(1).
وقال النائيني (قدس سره): « إذا كانت أعلمية أحدهما محتملة دون الاخر، تعيّن من
يحتمل أعلميته »(2).
واختار السيّد البروجردي (قدس سره) في المقام التخيير مطلقاً مع احتمال التساوي قال
(قدس سره): « ولم يحتمل تساويهما وإلاّ كان مخيّراً مطلقاً »(3) وهو وجيه جدّاً، إذ
عمدة الادلّة على وجوب تقليد الاعلم هو ما ادّعي من بناء العقلاء على ذلك، ولا شكّ
أنّ بناؤهم ـ إن سلّم ـ فهو فيما كان معلوماً أعلمية أحدهما، أمّا إذا احتمل
تساويهما فلم يظهر لهم بناء على ذلك أيضاً.
أقول: تعليق المحقّق العراقي (قدس سره) في مقابل التخيير دون الاحتياط وهو واضح،
وفي حاشية العراقي ـ على طبعة أربع حواشي ـ هكذا: « وإلاّ فيجب بقاؤه على تقليده ».
فيه: في التعليقة الاُولى:
1. إن كان محتمل الاعلمية واجب التقليد، وجب تقديمه ـ لا أحتمل ـ وإلاّ فالاصل عدم
الاحتمال وللمحقّق العراقي (قدس سره) تفصيل في وجوب تقليد محتمل الاعلمية ـ بل
مظنونها ـ.
قال (قدس سره) عند المسألة الواحدة والعشرين من العروة من قول الماتن: « إذا كان
مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما ولا البيّنة، فإن حصل الظنّ بأعلمية
أحدهما تعيّن تقليده » قال العراقي (قدس سره) في التعليقة: « مع عدم احتمال أعلمية
غيره وإلاّ فاتّباع الظنّ بالترجيح نظر، بل العقل يحكم بالتخيير في الاخذ بأي واحد
منهما، اللهمّ إلاّ أن يدّعى بأنّ مظنون الاعلمية رأيه أقرب إلى الواقع ما لم يكن
قول غيره مطابقاً للاحتياط، فيتّبع حينئذ أحوطهما، فتأمّل ».
وهذا كما ترى ينافي ما ذكره (قدس سره) في التعليقة الاُولى على المسألة الثامنة
والثلاثين.
2. إنّ الاستصحاب لا مورد له في أطراف العلم الاجمالي.
وفي التعليقة الثانية « فيجب » لا أثر للاستصحاب، مع احتمال أعلمية الثاني وعدم
إمكان الاحتياط.
وأمّا تعليق النائيني (قدس سره) ففي محلّه بناءً على وجوب تقليد محتمل الاعلمية.
قال في المستمسك: « ظاهر الاصحاب الاتّفاق على عدم وجوب الاحتياط على العامي، من
دون فرق بين أن يتردّد الاعلم بين اثنين أو عشرة ـ مثلاً ـ وبين غيره من الفروض،
ولا تبعد دعوى السيرة أيضاً على ذلك لندرة تساوي المجتهدين، وغلبة حصول التفاوت
بينهم ولو يسيراً، وشيوع الجهل بالافضل وفقد أهل الخبرة في أكثر البلاد ـ أقول:
واختلافهم غالباً ـ وكون بنائهم على الاحتياط في مثل ذلك بعيد جدّاً »(4).
وأشكل جمع من المراجع والشرّاح على فقرتي المسألة المذكور فيهما: الاحتياط،
والتخيير:
أمّا على الاحتياط: فبأنّ ذلك فيما كان المجتهدان مختلفين في الفتوى، إذ مع عدم
الاختلاف لا يجب تقليد الاعلم حتّى مع العلم والتشخيص، فكيف بالاحتمال وعدم
التشخيص ؟
وأمّا على التخيير: فبأنّ ذلك فيما إذا احتمل أعلمية كلّ واحد منهما، أمّا إذا
احتمل أعلمية أحدهما المعيّن فلا تخيير بل يؤخذ بالظنّ بالاعلمية، ومع فقد الظنّ
يؤخذ تعييناً باحتمال الاعلمية، لاصل التعيين في الدوران بين التعيين والتخيير.
والاشكالان وجيهان بناءً، وإن كان للتأمّل فيهما مبنىً مجال، وقد سبق عن الماتن
(قدس سره) تقدّم حتّى محتمل الاعلمية حيث قال: « فإن حصل الظنّ بأعلمية أحدهما
تعيّن تقليده، بل لو كان في أحدهما احتمال الاعلمية يقدّم »(5).
وأمّا تعليق النائيني والشاهرودي والخوئي والكلبايكاني وغيرهم ـ فتوى أو احتياطاً ـ:
« إذا كانت أعلمية أحدهما محتملة ـ دون الاخر ـ تعيّن من يحتمل أعلميته » فدليله ما
يلي:
1. إمّا بناء العقلاء.
وفيه: إنّ لزومه غير معلوم.
2. وإمّا أصل التعيين.
وفيه: أ ـ الاصل عدم ضيق التعيين، فتشمل الاطلاقات أو الاُصول الترخيصية.
ب ـ مقتضاه ـ ولم يقل به ـ إنّه إن كان احتمال الاعلمية في كليهما، لكن الاحتمال
في أحدهما أقوى، لزم الاقوى كما في تعليق كاشف الغطاء (قدس سره): « إلاّ إذا ظنّ
أعلمية أحدهما أو كان الاحتمال في أحدهما أقوى من الاخر، فيتعيّن ».
والميلاني قيّده بظنّ الاعلمية فقط.
3. وإمّا لعدم إحراز شمول الاطلاق من طرف غير محتمل الاهمّية.
وفيه: الاطلاق شامل، والاحتمال منفي بالاصل، ونفي احتمال الاهمية بالاصل ذكره
جمع من المحقّقين كالمحقّق الهمداني (قدس سره) قال في صلاته: « إنّ مجرّد احتمال
الاهمية غير مانع عن حكم العقل بالتخيير »(6).
وأمّا تعليق البروجردي (قدس سره) وبعض آخر: « ولم يحتمل تساويهما وإلاّ كان
مخيّراً مطلقاً » والوجه فيه: نفي احتمال الاعلمية بالاصل.
مع احتمال الاعلمية، أو الظنّ بها، هل يجب الفحص ـ بناءً على لزوم الترجيح به ـ ؟
فإن قلنا ـ كالمشهور ـ: بكون وجوب تقليد الاعلم مطلقاً، وجب الفحص.
وإن قلنا كالسيّد عبدالهادي وبعض آخر ـ: بكونه مشروطاً باحراز وجوده، فلا يجب.
وأمّا الصورة الثانية التي ذكرناها: وهي كون الشخصين هما الاعلم من بقية المجتهدين،
ولكن الاعلمية بينهما إمّا غير مسلّمة، أو كانا مسلّمي التساوي، فحكمهما يتّضح ممّا
ذكرناه في الصورة الاُولى، من الخلاف مبنىً وبناءً.
هذا، كلّه بناءً على وجوب تقليد الاعلم مطلقاً، وأمّا على القول بعدم الوجوب
فالمسألة غير محتاجة للبحث، للتخيير من البدء في تقليد أيّهما شاء.