المسألة (37): إذا قلّد من ليس له أهلية الفتوى، ثمّ التفت وجب عليه العدول، وحال الاعمال السابقة حال عمل الجاهل غير المقلّد... .


لو قلّد من ليس أهلاً

المسألة (37): إذا قلّد من ليس له أهلية الفتوى أي: ليس جائز التقليد، لا أنّه ليس جائز الافتاء، إذ جواز الافتاء أعمّ من جواز التقليد، لكونه متقوّماً بالاجتهاد فقط دون جواز تقليد الغير له فإنّه مشروط بالاجتهاد، والرجولة، والعدالة، وغيرها ثمّ التفت إلى أنّه ليس جائز التقليد وجب عليه العدول إلى من يجوز تقليده، لبطلان تقليده، وهو في الحقيقة ليس عدولاً إصطلاحياً، بل تقليد ابتدائي للجامع للشرائط، والتعبير عنه بالعدول إمّا بملاحظة المعنى اللغوي، أو بملاحظة أنّ تقليده له قد يكون لمعذّر عقلي أو عقلائي محض أو شرعي مثل الاطمئنان إلى ذلك، أو قيام البيّنة عليه، ونحوهما، ثمّ تبيّن الخلاف.


تكليف الاعمال السابقة

وحال الاعمال السابقة حال عمل الجاهل غير المقلّد وقد تقدّم تفصيل
... وكذا إذا قلّد غير الاعلم وجب على الاحوط العدول إلى الاعلم... .
الكلام عنه في المسألتين: السادسة عشرة والخامسة والعشرين، وأنّ عمله إن كان مطابقاً للواقع فهو صحيح سواء كان مقصّراً أم قاصراً، وإن لم يعلم مطابقته للواقع وكان قاصراً، وطابق عمله فتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حال العمل، أو الذي يجب عليه تقليده حين تصحيح عمله، أو كليهما ـ على الخلاف ـ أيضاً صحّ عمله، وإلاّ فلا معذّر عقلي له فيجب عليه تحصيل المؤمّن.
وقيل: إن كان تقليده مستنداً إلى معذّر شرعي فيكون صغرى لكبرى مسألة إجزاء الاحكام الظاهرية حتّى مع انكشاف عدم مطابقتها للواقع.
لكن المشهور لم يلتزموا بذلك، بل ذهبوا ـ خصوصاً المتأخّرين منهم ـ إلى أنّ الاحكام الظاهرية ليست سوى المنجّز والمعذّر، وهي غير مجزية عن الواقع إذا انكشف الخلاف.


إذا قلّد غير الاعلم

وكذا إذا قلّد غير الاعلم وجب على الاحوط العدول إلى الاعلم بناءً على وجوب تقليد الاعلم مطلقاً حتّى إذا استلزم العدول، خصوصاً إذا كان تقليده للاوّل مستنداً إلى دليل شرعي قام عنده على أعلميته ثمّ انكشف له خلافه، إذ ربما قيل بأنّ عمدة دليل تقليد الاعلم هو الدوران بين التعيين والتخيير الموجب لاصالة التعيين، وهذا لا يجري في المقام للاجماع المدّعى على حرمة العدول من الحي إلى الحي، فيدور الامر بين تعيين وتعيين، لا بين تعيين وتخيير.
اللهمّ، إلاّ أن يقال بأنّ القدر المتيقّن من الاجماع على حرمة العدول هو صورة تساوي المجتهدين، أو العدول من الافضل إلى الفاضل، فلا يشمل الاجماع هذه الصورة أصلاً، فيكون الامر دائراً بين تعيين الاعلم وبين التخيير بينه وبين البقاء على تقليد المفضول.
لكن قد يخدش ذلك باطلاق معقد الاجماع، ومعه يشمل الاطلاق الصور كلّها، كما قد يعكس الاستدلال بأنّ الاجماع على وجوب تقليد الاعلم قدر متيقّنه غير هذه الصورة، فتأمّل.


تنقيح المبحث

وتنقيح المبحث هو: أنّ الوجوه المحتملة في المسألة أربعة:
الاوّل: وجوب الرجوع إلى الاعلم: باعتبار أنّه يجب تقليد الاعلم ابتداءً واستمراراً فإذا وجد الاعلم زال مناط حجّية قول غيره، فيجب عليه العدول إلى الاعلم.
الثاني: وجوب البقاء، إذ تقليد الاعلم من باب القدر المتيقّن، ولا متيقّن في البين، لاستلزامه حينئذ العدول المحرّم، فيستصحب تقليده للاوّل.
الثالث: التخيير بين البقاء والعدول، لاشتمال كلّ واحد منهما على مزية، وعلى محذور، ولا مرجّح في البين، فيتخيّر بأصل التخيير، كما أنّه إذا كان المجتهدان سابقاً متساويين ثمّ صار أحدهما أعلم فيستصحب التخيير ولا يجب العدول أيضاً.
الرابع: الاحتياط بين القولين مع التمكّن منه لتحصيل البراءة اليقينية عن التكليف فالتخيير لعدم المرجّح الملزم في طرف.
وقد يفصّل في المقام: بأنّ دليل وجوب تقليد الاعلم إن كان أصالة التعيين فهي ساقطة في ما نحن فيه، للدوران بين التخيير وبين تعيّن هذا وتعيّن ذاك، وإن كان من جهة دليل خاصّ على وجوب تقليد الاعلم مطلقاً، وجب حينئذ العدول.
هذا بيان المسألة من الوجهة الاجتهادية.


وظيفة المقلّد وصورها
الصورة الاُولى

وأمّا وظيفة المقلّد فيها، فلها صور:
الاُولى: أن يفتي كلاهما بجواز العدول، أو يفتي كلاهما بحرمة العدول، أو يفتي كلاهما بوجوب العدول، وفيها لا إشكال في أنّ المقلّد يجب عليه العدول لانّ الحجّة ـ عنده ـ لا تخلو منهما، والمفروض اتّفاقهما في الفتوى.
وما يحتمل أو يقال: بأنّ الواجب حينئذ تعيين مرجعه، كصورة الاختلاف، فلا يصحّ الاستناد إلى كلي الفتوى المتّفقة بينهما.
في غير محلّه، إذ لا دليل معتبر على أصل لزوم التعيين فكيف في مقام الاتّفاق في الفتاوى الذي سبق أن نقلنا أنّ جمعاً من القائلين بوجوب تقليد الاعلم قيّدوه بصورة الاختلاف في الفتوى مع المفضول ؟


الصورة الثانية

الثانية: أن يكون أحدهما متوقّفاً في المسألة، والاخر مفتياً فيها، وقد ذهب البعض في ذلك إلى اطلاق القول بأنّ المقلّد عليه الرجوع إلى المفتي من الاعلم وغيره، لانّ الحجّة لا تخرج عنهما، والمتوقّف لا رأي له، فيتعيّن تقليد صاحب الفتوى منهما.
لكن قد يرد عليه: أنّ المتوقّف على قسمين:
أحدهما: من لا رأي له في المسألة.
ثانيهما: من فنّد تعيّن الرأيين، ورأى عدم حجّية هذا معيّناً، ولا حجّية ذاك معيّناً، فهو يرى عدم حجّية رأي الاخر، بل يفتي بوجوب الاحتياط حينئذ، وفي مثله كيف يكون الاخذ بقول المفتي أخذاً بالمتيقّن ؟


الصورة الثالثة

الثالثة: أن يفتي أحدهما بوجوب العدول، والاخر بحرمته، وقد أطلق البعض فيها وجوب الاحتياط، أو الاخذ بأحوط القولين في كلّ مسألة مسألة لكون الشكّ في المكلّف به الموجب للاحتياط مع الامكان، والتخيير مع عدم الامكان أو كونه حرجاً، وأطلق البعض الاخر ـ ولعلّهم أكثر المعاصرين والمقاربين ـ وجوب تقليد الاعلم مطلقاً في هذه الحال.
لكن ربما يقال: إن كان الذي يمنع عن العدول هو الاعلم، فلا وجه للعدول إليه، كما لا ملزم للاحتياط، إذ العامي بتحكيم عقله يرى فراغ الذمّة بتقليد الاعلم سواء كان واجباً أم راجحاً، فإذا رجع العامي إلى الاعلم في مسألة العدول إليه فحرّمه، كان الواجب على العامي البقاء على تقليد الاوّل، لانّ الاعلم أفتى له بذلك، ولم يكن من الدوران بين تعيين وتعيين حينئذ، إذ العدول فقط فيه محذور، وأمّا البقاء فلا محذور فيه للعامي بعد افتاء الاعلم له بوجوب ذلك.
نعم، اجتهادياً تكون المسألة من الدوران في مجال الاصل العملي.
وإن كان الذي يمنع عن العدول هو الاوّل، وكان الاعلم يفتي بوجوب العدول، فهنا يجب على العامي العدول، لانّ عقل العامي يحتّم عليه الرجوع إلى الاعلم، ومع ذلك لا مجوّز له بالبقاء.


إشكال وجواب

وما يقال: من أنّه بعد تقليده للاوّل وجب عليه العمل بفتاواه، ومن فتاواه حرمة العدول عنه، فكيف يجوز له عدم العمل بهذه الفتوى وهو ذو حجّة حينئذ ؟
فإنّه يقال: بعد حكم عقل العامي بوجوب تقليد الاعلم، وبعد تقليده للاوّل بحساب أنّه الاعلم ثمّ انكشف الخلاف، فإنّه ـ مضافاً إلى أنّ وجوب تقليد الاوّل عليه كان تخيّلاً لا واقعاً، فليس العدول عنه عدولاً عن الحجّة واقعاً، بل عدولاً عن اللاّحجّة إلى الحجّة ـ يكون تقليده للاعلم واجباً عليه، ولا يعتبر مثله ذو حجّة.
وموضوع حرمة العدول أو عدمها ليست عقلية أوّلية حتّى يحكم فيها العامي بعقله، ليقع التعارض ـ عند العامي ـ بينه وبين تقليد الاعلم فيوجب الاحتياط أو التخيير، بل العامي يحكم عقله بالبراءة اليقينية في تقليد الاعلم، فيمضي عليه إن حرّم العدول، أو أوجب العدول.
فاطلاق القول بحرمة العدول، مثل اطلاقه بوجوب العدول محلّ إشكال.
وقد يقال: إنّ العامي على قسمين: فمنه المختلط والمحشور مع أهل العلم والفضلاء وقد سمع الكثير عن الاعلم ورجحان اتّباعه، فهذا هو الذي ربما يحكم عقله عليه براءة الذمّة بتقليد الاعلم، ومنه غير ذلك فإنّه ليس مسلّماً أن يحكم عقله بذلك مطلقاً، بل ربما لمرجّحات أُخرى ـ من أعدلية، أو أوثقية، ونحو ذلك ـ يتردّد في الترجيح فيكون أمره دائراً بين تعيين وتعيين، لا غير، فتأمّل.


الصورة الرابعة

الرابعة: أن يكون فتوى أحدهما اقتضائية والاخر لا اقتضائية: بأن يفتي أحدهما بجواز العدول والبقاء معاً، والاخر بوجوب أحدهما وحرمة الاخر، والمتّبع حينئذ أيضاً هو فتوى الاعلم على كلّ حال ـ بناءً على ما ذكر آنفاً لا مطلقاً ـ تحكيماً لعقل العامي دون معارض عقلي ملزم، فتأمّل.
نعم، في صورة تجويز الاعلم العدول والبقاء، وحكم الاوّل بأحدهما لزوماً، كان مقتضى الاحتياط ـ غير اللازم بنظر العامي ـ اتّباع فتوى المفضول من العدول أو البقاء، وفي العكس العكس.
...وإذا قلّد الاعلم ثمّ صار بعد ذلك غيره أعلم، وجب العدول إلى الثاني على الاحوط.


إذا صار الاعلم غير أعلم

وإذا قلّد الاعلم ثمّ صار بعد ذلك غيره أعلم، وجب العدول إلى الثاني على الاحوط والاحتياط هنا وفي الفرع السابق: إمّا لانّ الماتن احتاط في أصل وجوب تقليد الاعلم ـ كما مرّ في المسألة الثانية عشرة ـ وإمّا لانّ المورد معارض بالعدول من الحي إلى الحي فلا مجال للفتوى بطرف جزماً.
وأشكل غير واحد عليه: بأنّ الاحتياط ممّا لا وجه له، لمعارضة وجوب تقليد الاعلم بحرمة العدول من الحي.
لكن فيه: أنّ الاحتياط في مثل ذلك أحوط أُصولياً من الفتوى بطرف واحد.
وعلى كلّ حال: فالفرع هذا يشبه الفرع السابق، بزيادة أنّ تقليد الاوّل في وقته كان متعيّناً.
وقد يقال: بجريان استصحابه.
لكن فيه: أنّ الموضوع لتعيّن التقليد كان الاعلمية وقد زال فلا مجال للاستصحاب، فالكلام فيه جملة وتفصيلاً كالكلام في الفرع السابق، باستثناء ما أرجأنا تفصيله إلى المباحث الاتية من مسألة الاجزاء، والحكم الظاهري والواقعي: من أنّ في الفرع السابق كان تعيّن تقليد الاوّل على المقلّد خيالياً لعدم كونه أعلم حتّى وقت تقليده، وفي هذا الفرع تعيّن تقليد الاوّل واقعي لكونه أعلم من الباقين في وقت تقليده.