المسألة (36): فتوى المجتهد تعلم بأحد أُمور، الاوّل: من طرق معرفة فتوى المجتهد
أن يسمع منه شفاهاً ولا إشكال ولا كلام في حجّيته، إذ السهو والنسيان والغلط مدفوعة
بالاصل العقلائي.
واحتمال التقية أيضاً مدفوع بأصل عدمها.
واحتمال عدم مطابقة قوله لاجتهاده ـ إذ الحجّة شرعاً هو اجتهاده، ونقله شفاهاً
إخبار عن الحجّة ـ مدفوع على سبيل منع الخلو: بالسيرة العقلائية (وهي العمدة) على
عدم التشكيك في أنّ ما قاله الشخص عن نفسه هل هو مطابق لما يعتقده أم لا ؟ والمسمّى
بتطابق الظهور مع القصد، أو أصالة أنّ ما قصده المتكلّم هو الظاهر من كلامه.
وأمّا غير السيرة العقلائية من سائر أدلّة حجّية قول المجتهد شفهاً فغير تامّة،
وذلك:
1. أنّ الايات كقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)(1) مجملة ولا
إطلاق لقبول الجواب وإن شكّ.
2. والروايات الارجاعية العامّة مثل « لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما
يرويه عنّا ثقاتنا »(2) والخاصّة مثل « العمري وابنه ثقتان »(3) ونحوه، لنفس
المناقشة في الاستدلال بالايات نظير (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(4)حيث لا
إطلاق له يشمل صورة الشكّ في السهو والنسيان بل يعرف ذلك من أصل عقلائي لنفي السهو
والغلط.
3. وأنّه ممّا لا يعلم إلاّ من قبله، وهو حجّة مطلقاً مع الاطمئنان وعدمه.
وهذا مردود أيضاً للاشكال فيه كبرىً إذ لا كلّية ظاهراً.
4. وأنّه من الاقرار على النفس، لضمان كلّ مفت ما يفتي به.
وفيه: أنّه خبر لا إقرار عرفاً، نظير من يخبر بأنّه اشترى كذا، وباع كذا، ونحوه
حيث إنّه ضمن البدل، ولو احتمل السهو ونحوه، دفع بالاصل المعتبر نوعاً، وإن شكّ
أو ظنّ شخصياً فالاصل الشرعي الاستصحاب، إلاّ إذا كان الشكّ بحيث يعني به العقلاء.
أقول الاولى حينئذ الاحتياط، خصوصاً إذا قامت قرائن على ذلك: كغلبة السهو على المجتهد، أو شدّة التقية ممّا يكون احتمال القول تقية قوياً جدّاً، ونحوهما ممّا لا حجّية معها للقول في المقام، لانّ الاصل العقلائي منصرف عن مثل ذلك، والايات والروايات إنّما أرشدت إلى ما جعله الاصل العقلائي حجّة لا أكثر من ذلك، فلا مورد لاحتمال إطلاق الادلّة الشرعية لمثله، لانّها لا إطلاق لها ومصبّها إمضاء ما هو ديدن العقلاء في حدود ديدنهم.
والحاصل: هو حجّية قول المجتهد، في المقدار المتعارف لدى العقلاء.
ومع الشكّ، فإن كانت حالة سابقة في البين من عدم السهو، أو السهو نفسه، استصحبت، وإلاّ فالاصل العقلائي محكّم، وهو: إنباء القول عن المعتقد،
هذا.
وفي حكم ذلك: كلّ ما أوجب العلم العادي بالفتوى، سواء كان قولاً، مثل التواتر،
أو الخبر المحفوف بقرائن توجب العلم به، أو عملاً كما لو رأى المجتهد يصلّي عند
استتار القرص قبل ذهاب الحمرة، فإنّه يعلم بأنّ فتواه ذلك، أو رآه يقرأ التسبيحات
الاربع مرّة واحدة في الثالثة والرابعة، أو رآه يترك قراءة السورة، ونحو ذلك.
ثمّ إنّ الهاتف، والمذياع، والتلفاز، واللاسلكي، والتلكس، والشريط الصوتي،
ونقل الاقمار الصناعية ونحوها، حكمها حكم المشافهة إذا حصل الاطمئنان إلى أنّ
المتكلّم هو المجتهد، وهذا تماماً يكون كما لو سأل العامي المجتهد عن مسألة فأجابه
المجتهد عن خلف الباب، وحصل للعامي اليقين بأنّ المجتهد نفسه قد أجابه، فكما لا
مجال للاشكال فيه، لا مجال للاستشكال فيما ذكرناه.
ويؤيّد: ما ذكرناه اعتماد العقلاء في أهمّ أُمورهم العرضية، والمالية، والدموية،
وغيرها على هذه الاُمور.
نعم، لو احتمل ـ عقلائياً ـ خلاف ذلك، كما إذا كانت للحكومة مصلحة سياسية في نقل
فتوى المجتهد في المذياع أو التلفاز، أو غيرهما،، وكانت قادرة على التزوير لضعف
المجتهد عن مقاومتها، أو احتمل احتمالاً معتنى به عند العقلاء التزوير في الشريط
الصوتي، أو نحو ذلك لم يعتمد عليها لعدم بناء من العقلاء على الاعتماد في هذه
الحال.
وما قيل: من أنّ حجّية بناء العقلاء إمضائية، وهذه الاُمور لم تكن في زمن الشارع، بل هي أُمور حادثة، فلم يتحقّق فيها الامضاء، فليست حجّة، غير وجيه إذ مع
الاطمئنان إلى هذه الاُمور يكون علماً عادياً وهو حجّة، فتندرج موضوعاً في فتوى
المجتهد فكلّما يدلّ على أنّ فتوى المجتهد حجّة يشملها كما لا يخفى.
وفي حكمها الاشارة المفهمة، لا المبهمة، سواء كانت بالرأس، أو باليد، أو
بالاصابع، أو بالسكوت إذا كان دالاً على المقصود. وغير ذلك ممّا تطمئن النفس
إليها، سواء كان الاطمئنان نوعياً فقط، أم شخصياً فقط أم نوعياً وشخصياً كما سيأتي
بحثه قريباً إن شاء الله تعالى.
... الثاني: أن يخبر بها عدلان....
الثاني: من طرق معرفة فتوى المجتهد أن يُخبر بها عدلان بناءً على ما هو الحقّ
المشهور من عموم حجّية البيّنة.
وقد مضى الاستدلال على ذلك في شرح المسألة العشرين عند بيان ما يثبت به اجتهاد
المجتهد، والمسألة الثالثة والعشرين في بيان ما تثبت به العدالة.
وفي طرق ثبوت التطهير: شهادة العدلين، وفي شهادتهما بعدم وجو الماء لجواز التيمّم، وفي دخول الوقت للصلاة قال المصنّف:
« يجوز الاعتماد على شهادة العدلين على الاقوى » وفي ثبوت الكسوف والخسوف وفي ثبوت
الهلال وفي أفعال وركعات الصلاة.
وأشكل صاحب العروة في شهادة العدلين مع إمكان العلم في موارد:
في القبلة (5)، والوجه « تحرّ القبلة » الظاهر في العلم، وشمول أدلّة البيّنة للخبر
الحدسي فيه إشكال.
وكذا في الصوم أشكل البعض بثبوته بالبيّنة، للروايات الخاصّة القائلة: « إذا رآه
واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف »(6).
أو التفصيل بين « في السماء علّة » فتقبل البيّنة، وبين العدم فالعدم، وقد فصل به
الاخوند ـ تبعاً للصدوق والشيخ الحلبي والقاضي وابني: حمزة وزهرة (قدس سرهم)(7)ـ
في حاشية مجمع الرسائل(8).
أو التفصيل بين سدّ باب إمكان العلم فيثبت بالبيّنة(9).
أو التفصيل بين التهمة وعدمها كما في الرياض (10). ونحوها للادلّة الخاصّة.
استدلّ لحجّية البيّنة بأدلّة:
الاوّل من أدلّة حجّية البيّنة وهو العمدة في العموم: موثّقة مسعدة بن صدقة عن
الامام الصادق (عليه السلام). وإن اعتبرت صحيحة بناءً على وثاقة كلّ رجال كامل
الزيارات وتفسير علي بن إبراهيم، لكنّها محلّ منع كما تقدّم غير مرّة.
والاشكال في هذه الرواية:
1. متناً: بأنّ « البيّنة » لا يراد بها المعنى الشرعي.
2. وسنداً: بما قاله بعض: من أنّه ضعيف لعدم ثبوت اعتباره كمعظم من تقدّم على
العلاّمة (قدس سره) حتّى بعض من تأخّر كالمجلسي (قدس سره) في الوجيزة والمرآة
وغيرهما.
ومسعدة بن صدقة مجهول عند العديد من المتقدّمين وموثّق عند معظم المتأخرين.
والمتأخّرون كالعلاّمة اختلفوا في أنّه عامي بتري، والبتريّة أصحاب كثير النواء أو
المغيرة بن سعد أو سعيد أو غيرهما وهم فرقة من الزيدية، وكان يلقّب بالابتر وهم
يقولون: « علي أفضل الخلق بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وإمامة أبي بكر وعمر
صحيحة لترك علي لهما... ».
وصحيحة حريز عن الامام الصادق (عليه السلام) في قصّة ابنه إسماعيل قال: « فإذا شهد
عندك المؤمنون فصدّقهم »(11) استدلّ به على عموم حجّية البيّنة ـ بل تقدّمها على
بقية الامارات ـ جمع من الاعاظم منهم الشيخ الانصاري (قدس سره)(12).
الثاني من أدلّة حجّية البيّنة: فحوى ما دلّ على حجّية البيّنة في الموضوعات التي هي أهمّ عند الشارع: من الدماء والفروج والقضاء.
الثالث من أدلّة حجّية البيّنة: الاستقراء، إدّعاه الشيخ الانصاري (قدس سره) في
صلاته(13) وغيره أيضاً.
وهو من أقوى الاستقراء، ولعلّه لا يوجد عندنا في الفقه استقراء أقوى منه.
وأشكل بأنّ التامّ مفقود، والناقص غير مفيد.
وفيه: الناقص إن كان مثل هذا الاستقراء ـ الذي تجد مئات المسائل ومئات الروايات في
شتّى أبواب الفقه من الطهارة إلى الديّات ـ فهو حجّة عقلائية بلا إشكال.
الرابع من أدلّة حجّية البيّنة: بناء العقلاء، وهو كاف في باب الاطاعة والمعصية كما تقدّم غير مرّة.
ولا فرق هنا في الشهادة الفعلية والقولية كما مرّ.
فلو رأينا عدلين من المقلّدين للمجتهد المعيّن يقرءان التسبيحات الاربع مرّة واحدة، أو يتركان قراءة السورة في الصلاة الواجبة أو غير ذلك،
كفى ذلك في إثبات فتوى ذلك المجتهد لمقلّد آخر إذا لم يقم احتمال عقلائي آخر لوجه
ذلك العمل.
وبناءً على ما ذكرناه غير مرّة: من عدم قيام دليل معتبر على وجوب التعيين في مرجع
التقليد وكفاية استناد المقلّد إلى فتوى يعلم حجّيتها علماً وجدانياً، أو علماً
تنزيلياً، كما لو رأى شخص عدلين يتركان السورة في صلاة واجبة عمداً جاز له
الاعتماد على ذلك وترك السورة في الصلاة الواجبة، لانّ عملهما هذا بيّنة عملية على
جامعية المجتهد الذي أفتى بهذه الفتوى للشرائط، وكون فتواه ذلك، وإن لم يعرف هذا
الشخص ذلك المجتهد بعينه.
اللهمّ إلاّ أن يكون مثل هذا العمل مجملاً من جهة بعض شروط التقليد، كما لو احتمل
أن يكون العدلان باقيين على فتوى مجتهد ميّت، فإنّ هذا الثالث لا يجوز له تقليد من
قلّداه لكونه من تقليد الميّت ابتداءً ـ على المشهور من الاشكال فيه ـ أو نحو ذلك.
... الثالث: إخبار عدل واحد، بل يكفي إخبار شخص موثّق يوجب قوله الاطمئنان وإن
لم يكن عادلاً....
الثالث: من طرق معرفة فتوى المجتهد إخبار عدل واحد، بل يكفي إخبار شخص موثّق
يوجب قوله الاطمئنان وإن لم يكن عادلاً.
لا يخفى أنّ ذكر العدل الواحد في قبال العدلين غير تامّ، لانّه إن لزم العدلان
فالعدل الواحد لا أثر له، وإن صحّ العدل الواحد كان ذكر العدلين في قباله مستدركاً، وإلاّ لفسح المجال لذكر العدول أيضاً. إلاّ أنّ التسالم على العدلين واستظهار
كفاية العدل الواحد أوجب ذكرهما جميعاً، لئلاّ يكون تعداد الامارات خالياً عن
الامارة المتسالم عليها، فتأمّل.
ثمّ إنّ ثبوت الموضوعات بإخبار العدل الواحد محلّ خلاف وإشكال، حتّى أنّ معظم من
تقدّم على عصر شريف العلماء كان على العدم، ولذا نقل النراقي في مستنده الشهرة على
العدم.
وأمثال أصحاب الجواهر والحدائق والرياض أشكلوا في الامر، وتبعهم معظم من تأخّر،
حتّى أنّ صاحب العروة وإن أفتى بحجّية قول العدل الواحد في نقل فتوى الفقيه وفي بعض
آخر نادر من الموارد، إلاّ أنّه أشكل في معظم المسائل وإليك نماذج على ذلك:
1. التقليد: المسألة السادسة والثلاثون، أفتى بحجّية قول العدل بل الثقة أيضاً.
2. التقليد أيضاً: في الاخبار بأنّه خمر، المسألة السابعة والستون، أفتى بقبول قول
العدل.
3. فصل في ماء البئر: المسألة السادسة، أشكل في ثبوت نجاسة الماء بخبر العدل
الواحد، وكذلك في الامثلة الاتية.
4. ماء البئر أيضاً: المسألة التاسعة، في ثبوت الكرّية.
5. فصل في طرق ثبوت النجاسة: أوّل الفصل.
6. المطهّرات، السادس: ذهاب الثلثين، في ثبوته بالعدل الواحد.
7. طريق ثبوت التطهير، السابع: العدل الواحد.
8. فصل في التيمّم: المسألة الاُولى والثانية، شهادة العدل الواحد بعدم وجود الماء
أو بوجوده في الاكثر من سهم وسهمين.
9. الصلاة: أحكام الاوقات، المسألة الاُولى، في ثبوت الوقت بالعدل الواحد.
10. صلاة المسافر: المسألة الرابعة، في ثبوت المسافة بالعدل الواحد.
11. الصوم: ما يوجب القضاء دون الكفّارة، المسألة الاُولى والثانية.
12. الاعتكاف: المسألة الرابعة والعشرون، في ثبوت المسجدية والجامعية.
ولكن جمهرة ممّن تأخّر ـ شروعاً من العلاّمة (قدس سره) ومروراً بأمثال جماعة من
المعاصرين ـ أفتوا بكفاية العدل الواحد.
وهنا إشكال وهو أنّ الخبر الواحد إذا كان حجّة فلماذا الحصر في الادلّة في شتّى
الموارد بالبيّنة.
ويجاب أوّلاً: أنّ الروايات ليست في مقام الحصر، فمثلاً موثّقة مسعدة بن صدقة
التي جاء فيها: « والاشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به
البيّنة »(14) ليست في مقام الحصر، لانّه لا إشكال بثبوتها بالاقرار، والاستصحاب،
وحكم الحاكم، والشياع وغيرها.
وثانياً: لعلّ عدم ذكر الخبر الواحد لانّه في الموثّقة في مقابل اليد « وذلك مثل
الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة »(15) وفي العبد « لعلّه حرّ قد باع نفسه أو
خدع فبيع »(16) ونحو ذلك.
فالموثّقة غير رادعة عن بناء العقلاء.
وإشكال الحكيم (قدس سره) في المستمسك على العروة: بأنّه مع حجّية الخبر الواحد، لا
معنى لذكر البيّنة.
فيه أوّلاً: لعموم الحجّية في البيّنة مقابل كلّ الحجج، حتّى قدّمها البعض ـ كالشيخ
الانصاري (قدس سره) ـ على التحرّي الشخصي.
ثانياً: لمعلومية حجّية البيّنة دون الخبر الواحد.
ثمّ إنّ صاحب العروة الذي يشكل في معظم الموارد في العروة في الخبر الواحد كيف أجاز
هنا ؟
الجواب: 1. لعلّه لكونه هنا نقل حكم شرعي، فيكون ملاك حجّية الخبر الواحد في
الاحكام موجوداً فيه.
2. للسيرة في خصوص المورد.
ويبقى الاشكال عليه (قدس سره) في المسألة الاتية من بحث التقليد: « محلّ التقليد
ومورده هو الاحكام الفرعية العملية... لا في الموضوعات المستنبطة العرفية، أو
اللغوية ولا في الموضوعات الصرفة، فلو شكّ المقلّد في مايع أنّه خمر أو خلّ مثلاً
وقال المجتهد: أنّه خمر، لا يجوز له تقليده، نعم من حيث أنّه مخبر عادل يقبل
قوله، كما في إخبار العامي العادل »(17).
ويؤيّده ذكر كفاية نقل العدل الواحد في مجمع الرسائل(18) ولم يعلّق أحد من
المعلّقين وهم الشيخ والشيرازيان والكاظمان والنائيني والعراقي والحائري (قدس
سرهم).
أمّا قبول العدل الواحد فيما نحن فيه فلما مرّ غير مرّة من حجّيته، أمّا على القول
بحجّيته في الموضوعات ـ كما لا يبعد ـ فواضح، وأمّا على القول بعدم حجّيته في
الموضوعات واختصاصها بباب الاحكام فلما يلي:
1. لانّ حجّية قول العدل الواحد في نقل الفتوى شأن من شؤون الاحكام، ومناطهما
واحد، بل هو هو بعينه وذلك:
أ ـ لانّه اعتماد على خبر الواحد في تحصيل الحكم الشرعي، كما أنّ نقل زرارة عن
الامام (عليه السلام) اعتماد عليه في تحصيل الحكم الشرعي، فيشمله أدلّة حجّية الخبر
كلّها.
والفرق بينهما بأنّ ذاك حكم الله الواقعي، وهذا حكم ظاهري، أو مجرّد تنجيز وإعذار،
غير فارق.
إذ ـ مضافاً إلى أنّ ما يقوله الامام (عليه السلام) ليس دائماً الحكم الواقعي، بل
قد يكون حكماً ظاهرياً، أو تنجيزاً واعذاراً كالتقية ونحوها ـ أنّ حجّية الحكم
الواقعي ليست لانّ الحكم واقعي بل بما هو وظيفة شرعية للمكلّف، وهذا بعينه موجود في
نقل العدل الواحد فتوى الفقيه.
ب ـ ولانّه في الحقيقة إخبار عن قول الامام (عليه السلام) مع الواسطة، لعدم الفرق
مناطاً بل عرفاً بين نقل المعصوم (عليه السلام) ابتداءً وبين نقل ما يتضمّن نقل
الفتوى التي هي أيضاً إخبار عن مجموع أقوال المعصومين (عليهم السلام).
والفرق بأنّ الخبر نقل حسّي والفتوى نقل حدسي، غير وارد.
إذ في روايات حجّية الخبر الواحد ما يدلّ على حجّية استنباطات الرواة وفتاواهم
لسائر الناس، وقد استدللنا بها على حجّية التقليد والاجتهاد في شرح المسألة
الاُولى، فتأمّل.
2. وللسيرة المستمرّة الجارية بين المؤمنين بل المسلمين طرّاً على تلقّي فتاوى المجتهدين من العدول والثقات من دون تقييد بالعدد.
3. وللاجماع المحكي عن السيّد في المصابيح، والشهيد في الذكرى، وصاحب المعالم في المعالم وغيرهم، على جواز تعويل العامي على إخبار العدل عن فتوى المجتهد.
4. ولبناء العقلاء في كلّ دين وملّة في رجوعهم إلى أهل الخبرة على الاكتفاء في ذلك
بالعدل الواحد، أو الثقة الواحد، وحيث إنّه طريق عقلائي إلى صدق الطاعة ولم يرد ما
يردع به الشارع عنه كان حجّة إمضائية.
فإن قيل: ما ورد في لزوم البيّنة، صالح للردع عن هذا البناء.
قلنا: ليس في أدلّة البيّنة ما يكون عاماً لجميع الاُمور، وحاصراً للطريق في
البيّنة، إذ أدلّتها إمّا خاصّة ـ بالنصّ أو الظهور ـ بالمرافعات والخصومات، أو ذكر
معها طريق أُخرى تشمل قول الثقة.
5. وللعُسر والحرج في ترك خبر العدل أو الثقة في تحصيل فتاوى مرجع التقليد، إذ
تكليف جميع الناس بالمشافهة لمرجع التقليد حرج، وكذا الزامهم بسماع كلّ فتوى عن
البيّنة، ونحو ذلك.
وإن كان قد يستشكل في ذلك ـ مضافاً إلى ما يسهل في هذا الزمان من أخذ الرسالة
المطبوعة التي يشهد عدلان بأنّها فتاوى مرجع تقليده، أو تحفّه القرائن المفيدة
للاطمئنان إلى أنّها فتاواه ـ بأنّ العسر والحرج شخصيان وفي الحكم التكليفي لا
مطلقاً، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى.
مع أنّ العسر وحده إذا لم يصل إلى مرتبة الحرج لا يكون رافعاً للتكليف كما حقّق في
الاُصول، فتأمّل.
6. ولقوله (عليه السلام) في موثّقة مسعدة بن صدقة: « والاشياء كلّها على هذا حتّى
يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة »(19) بتقريب: أنّ خبر العدل، أو الثقة نوع
من الاستبانة عرفاً.
واحتمال أن تكون حجّية الاستبانة منحصرة في إثبات حكم على خلاف أصل الحلّ، لانّ
معنى الحديث: والاشياء كلّها حلال لاصالة الحلّ حتّى يستبين لك الحرمة أو تقوم
البيّنة بالحرمة.
هذا الاحتمال مردود:
أ ـ بوحدة المناط، بل الاولوية، إذ الحكم المخالف للاصل الشرعي المسلّم إذا ثبت
بالاستبانة العرفية، كان ثبوت غيره بها أولى.
ب ـ وبالاجماع المركّب، فلم يفرّق أحد في ذلك بين الحكم المخالف للاصل وغيره،
وبين مخالف أصل الحل وغيره من الاُصول، بل يمكن استكشاف العدم من عدم القول
بالتفصيل.
وحيث مضى بحث هذه الادلّة مفصّلاً اختصرنا الحديث عنها هنا، لكنّه قد يستشكل في
الاولوية المذكورة بملاحظة أنّ كسر الترخيص ربما يكون أهون من غيره، دون العكس.
ثمّ إنّ الاطمئنان في قول الماتن: « يوجب قوله الاطمئنان » هل هو نوعي أم شخصي ؟
بمعنى أنّه بالاضافة إلى أنّ العدل الواحد أو الثقة يوجب قوله « نوعاً » الاطمئنان، هل يجب أيضاً حصول الاطمئنان الشخصي من قوله، بصدقه في هذا المورد، أو بالواقع
أم لا ؟
فيه خلاف، وأقوال:
ثالثها: التفصيل بين العدل والثقة، بحجّية قول العدل بالاطمئنان النوعي، دون خبر
الثقة فيجب فيه بالاضافة إلى ذلك، الاطمئنان الشخصي بصدقه وبالواقع معاً.
الظاهر من الماتن هنا: هو اختيار القول الثالث: إذ أطلق « العدل الواحد » وقيّد «
إخبار شخص موثّق » بالاطمئنان، وإن كان ينبغي عدم التفصيل بينهما وإرادة الاطمئنان
النوعي فيهما، لا الشخصي، وذلك:
1. أنّ الشخصي لا إشكال بل لا خلاف في حجّيته، لكونه علماً عرفاً.
2. أنّ صاحب الجواهر ذكر في رسالته: « مجمع الرسائل »(20) أنّ الفتوى تُقبل من
العدل الواحد، ولم يذكر الموثّق، فعلّق صاحب العروة هناك بقوله: « أو من الموثّق
غير العادل » ولم يذكر حصول الاطمئنان.
والغريب من صاحب العروة أنّه قال في مسألة إخبار الثقة بإيقاع الوكيل العقد: « ولا
يكفي الظنّ بذلك وإن حصل من إخبار مخبر بذلك وإن كان ثقة »(21).
ولا دليل خاصّ في المسألة، وعلّله المستمسك بقوله: « لعدم الدليل على حجّية خبر
الثقة، وبناء العقلاء إن تمّ فهو لا يصلح لمعارضة ما دلّ على نفي الحجّية في
الموضوعات لغير البيّنة »(22).
وقال المستمسك ـ في ثبوت فتوى المفتي بإخبار الثقة ـ: « يكفي أن يكون (أي: خبر
الثقة) مورداً لاصالة عدم الخطأ، المعوّل عليها عند العقلاء، والظاهر: أنّه يكفي
في جريانها عدم الظنّ بالغلط الناشئ من كثرته ـ ثمّ قال فيما لو كانت الرسالة بخطّ
غير المجتهد: ـ أمّا لو كانت بغير خطّه، اعتبر أن يكون الكاتب ثقة، لانّ الكتابة
نوع من الخبر عن الفتوى »(23).
ومبنى هذا الاختلاف هو اختلاف الادلّة المعتمدة في المقام سعة وضيقاً:
فمن استند إلى أماريتهما شرعاً، وحجّيتهما من باب التعبّد، لم يشترط فيهما
الاطمئنان الشخصي، بل الظنّ الشخصي بالخلاف أيضاً لا يضرّه، لما يستفاد من تضاعيف
الايات والروايات: حجّية قول الثقة مطلقاً ـ وبما هو ثقة ـ لا أكثر من ذلك، كقوله
تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)(24) وقوله (عليه السلام): « لا عذر
لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا »(25) وقوله: « أفيونس بن
عبدالرحمن ثقة ؟ »(26) وكلّ ما ورد في الكتاب والسنّة من إطلاق حجّية قول الثقة.
ومن استند في حجّية قول العدل الواحد، أو الثقة إلى بناء العقلاء، وانصراف إمضاء
الشارع إلى ما عليه العقلاء، اشترط إفادتهما للاطمئنان، لعدم ثبوت بناء منهم على
العمل بخبر الثقة إذا شكّوا في الواقع من جهة قرائن أُخر، أو شكّوا في صدقه في هذا
المورد الخاصّ، وإن تأمّل في ذلك الاخ الاكبر وبعض آخر.
وقد يفصّل: بين مقام التنجيز والاعذار للغير وبين مقام العمل الشخصي، بالتفصيل
بالحجّية مطلقاً في الاوّل دون الثاني.
ومن فرّق بينهما، فجعل حجّية قول العدل أمارة شرعية مستندة إلى الكتاب والسنّة،
وحجّية قول الثقة من باب بناء العقلاء، فصّل بينهما في الحكم، فاعتبر خبر العدل
الواحد حجّة حتّى مع الظنّ بالخلاف، دون خبر الثقة.
أقول: لا يبعد صحّة القول الاوّل، من جهة ذمّ العقلاء من خالف قول الثقة فوقع في محذور، وعدم قبول عذره بأنّه لم يحصل له الاطمئنان بقوله، وإن كان الاحوط التفصيل، بل الثاني لاحتمال قبول العقلاء عذره إذا استند إلى قرائن أُخر ـ ليست حجّة في نفسها شرعاً وعرفاً ـ أوجبت سلب اطمئنانه عن قول هذا الثقة بالذات، أو في هذا المورد الخاصّ، وهذا فيما إذا لم يخالف الاحتياط من جهة أُخرى.
ثمّ إنّ هنا أُموراً أربعة:
الاوّل: إخبار العدل أو الثقة، لا فرق فيه بين الرجل والمرأة، والمعلوم الفسق
وغيره، والفاسد في العقيدة وغيره، لعموم بناء العقلاء.
ولا يرد عليه: « لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا » وهي مكاتبة الامام الهادي
(عليه السلام) وهو في السجن إلى علي بن سويد، قال: « لا تأخذنّ معالم دينك عن غير
شيعتنا فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا
أماناتهم، إنّهم ائتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه »(27).
الثاني: النسبة بين العدل والثقة: عموم مطلق نوعاً، ومن وجه شخصاً، لانّ كلّ عدل
ثقة نوعاً لتحرّزه عن الكذب مضافاً إلى تحرّزه من كلّ معصية أُخرى.
وإنّ العدل يكذب مع العذر، ومثله موجود في الثقة الشخصي، مع عدم إضراره بأصل عدم
الكذب نظير أصل عدم الخطأ والنسيان ونحوه.
وأكثرية الكذب العذري من الثقة ـ مضافاً إلى عدم صحّتها ـ نظير أكثرية الخطأ في
البعض، التي لا تضرّ بأصل عدم الخطأ.
قال في المستمسك: « وبيّنه (أي: بين خبر الثقة) وبين خبر العدل عموم من وجه ».
وفيه: الظاهر أنّه عموم مطلق في الوثاقة النوعية، والشخصية ليست لازمة مع وجود
النوعية، كيف وأضعف الامارات، بل أضعف الاُصول ليس مقيّداً بالوثاقة الشخصية ؟
وفي منية الطالب تقرير المحقّق النائيني (قدس سره): « والنسبة بين الوثاقة
والعدالة وإن كانت عموماً من وجه »(28).
وصرّح الحكيم (قدس سره) في نهج الفقاهة بقوله: « وثالثاً: أنّ الوثاقة أعمّ من
العدالة »(29).
وظاهره: الاعّم المطلق.
وفي جامع المدارك للخونساري (قدس سره): « لانّ الظاهر: أنّ العدالة لا تلازم
الوثاقة »(30).
الثالث: أنّ إخبار العدل الواحد، أو الثقة عن فتوى المجتهد، لا يفرق فيه أن يكون
عنه شفاهاً، أو عن خبر عدلين، أو عن رسالته المأمونة من الغلط، أو عن عدل أو ثقة
آخر، أو عن غير ذلك من طرق الاستبانة العرفية، أو الشرعية، وذلك لانّ حجّية قول
العدل أو الثقة باعتبار كشفه عن الواقع، فكما أنّ السماع من المجتهد حجّة، كذلك
نقل العدل أو الثقة السماع من المجتهد، وكما أنّ إخبار البيّنة حجّة، كذلك نقل
العدل أو الثقة السماع من البيّنة.
وهكذا مع ترامي الاطراف أيضاً، فلو نقل ثقة أنّه رأى فتوى المفتي في كتاب ثقة آخر
كتبه إليه، لا يبعد كون ذلك حجّة للمنقول إليه، سواء كان الثقة الكاتب يعرفه
المنقول إليه بالوثاقة، أم لا، إذ نقل الثقة أنّ ذلك الاخر ثقة أيضاً معتمد،
لعدم الفرق في حجّية قول الثقة بين أن يكون نقلاً للفتوى، أو نقلاً للوثاقة ـ إمّا
على وحدة المناط، أو للانسداد الصغير في الرجال بناءً على شموله لمثل المقام، أو
لغيرهما ـ وإن أشكل فيه البعض.
الرابع: هل يعتمد على العمل المبيّن من العدل الواحد، أو الثقة، كالاعتماد على
قوله، بحيث لو رأى زيد عدلاً أو ثقة يصلّي الصلاة الواجبة بدون سورة، مع علمه
بأنّه مقلّد لمن يرجع إليه زيد نفسه ؟ الظاهر صحّة الاعتماد، لعدم الفرق بين القول،
وبين العمل غير المجمل.
والكلام في المقام كالكلام في البيّنة العملية التي أسلفنا قبل صفحات شيئاً من
التفصيل فيه، حتّى أنّه ـ بناءً على ما استقربناه سابقاً: من عدم لزوم تعيين مرجع
التقليد، عند قول الماتن (قدس سره): « التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد
معيّن »(31) نظير ما لو وجد رواية لم يعلم أنّ ناقلها ابن أبي عمير، أو زرارة، أو
أيّ ثقة آخر، لطريقية التقليد، ويؤيّده: تعليق المحقّق النائيني (قدس سره) على
المسألة الخمسين من تقليد العروة، وفيه: « لو علم بأعلمية أحد الشخصين أو الاشخاص
المعيّنين، يكفيه الاخذ بأحوط أقوالهم، ولا يجب تعيين شخصه » لعدم الفرق بين أنحاء
غير المعيّن.
ولذا أفتى المشهور بعدم لزوم معرفة فتوى مجتهده، بل إذا علم أن عمله جامع للشرائط
كفى.
قال في مجمع الرسائل: « إذا لم يعلم المقلّد تفاصيل مسائل مجتهده، لكن قطع بأنّ
عمله جامع للاجزاء والشرائط، وفاقد للمنافيات، فالاقوى صحّة عمله، وإن كان
الاحوط الاعادة »(32). ولم يعلّق عليه أحد من الاعاظم الثمانية ـ لو رأينا عدلاً أو
ثقة يصلّي الواجبة بلا سورة اعتماداً على فتوى فقيه يفتي بذلك، جاز لنا الاعتماد
عليه تقليداً لذلك الفقيه غير المعيّن عندنا، لانّ عمله هذا يدلّ على أنّ ذاك
الفقيه جامع للشرائط، وعلى أنّ فتواه كفاية قراءة الحمد فقط في الاوّليين.
... الرابع: الوجدان في رسالته....
لكنّه بشرط كون العمل غير مجمل من ناحية اُخرى مثل ما قلنا سابقاً: من احتمال كونه
مستنداً إلى فتوى الميّت لبقائه على تقليده، فلا يجوز لنا الاعتماد على تلك الفتوى، لانّها بالنسبة إلينا من تقليد الميّت ابتداءً، أو غيره من الاحتمالات العقلائية
المقاومة للظهور عرفاً، والكلام في لزوم كونه أهل خبرة أم لا هو الكلام السابق في
القول.
الرابع: من طرق معرفة فتوى المجتهد الوجدان في رسالته سواء كتبها هو بنفسه،
أم كتبها غيره وأمضاها هو، أم كتبها ثقة بأمره، أم بغير أمره حتّى ولو بغير علمه.
أمّا الاوّلان: فلحجّية إخبار الفقيه عن رأيه، ولا فرق فيه بين الاخبار الشفهي، أو
العملي كما مرّ.
وأمّا الاخيران: فلحجّية نقل الثقة، ولا يجب فيها كون النقل بأمر المجتهد، بل
ولا بعلمه، لاطلاق الحجّية.
فما في رسالة بعض المراجع (قدس سرهم) من أنّه: « جمعها بعض الموثّقين » لا إشكال
في جواز الرجوع إليها لمقلّدي ذلك المرجع إذا كان جامعها ثقة عندهم، بل يكفي شهادة
المرجع بوثاقته حتّى مع عدم معرفة المقلّدين له، على ما هو المشهور المنصور من
كفاية توثيق الواحد، كما لا يلزم على المرجع نفسه أن يكتب أنّه جمعه بعض الموثّقين، بل يصحّ أن يقول:
« إنّها رسالتي ويجوز العمل بها » إذ وثاقة الجامع تكفي لذلك.
اللهمّ، إلاّ أن يكون فيه شبهة التدليس المحرّم، لما تعارف من جمع المراجع رسائلهم
العملية بأنفسهم وكتابتها بأيديهم غالباً ـ كما ربما يقال ـ فتأمّل.
وفيه أوّلاً: أنّه ليس متعارفاً.
ثانياً: أنّه ليس من التدليس الحرام. لانّه في المعاملات الموجب للغرر ونحوه ولذا
يعبّر الفقهاء بـ « التدليس المحرّم »(33) مع القيد.
ثالثاً: ويكفي في المقام وثاقة جامع الرسالة بنظر المقلّد أو بنظر المجتهد ـ أيّاً
كان ـ كما لا يخفى.
فالاحتياط في مثل هذه الموارد قد يؤدّي إلى الوسوسة.
فوسوسة بعض المقلّدين في جواز الرجوع في مثل تلك الرسالة: تارةً بأنّها ليست جمع
المرجع نفسه، وأُخرى بعدم معرفته بوثاقة الجامع، وعدم الاطمئنان إلى شهادة المرجع
نفسه لحسن ظنّه بالناس، وخصوصاً بمن هو في حاشيته، ونحو ذلك، في غير محلّها.
ويدلّ على حجّية الرسالة ما يلي:
الاطمئنان النوعي إليها.
وعدم الفرق الفارق لدى العقلاء بينها وبين المشافهة في مقام التنجيز والاعذار.
وصدق الاستبانة عليها عرفاً.
ومكاتبات الائمّة (عليهم السلام) في أجوبة المسائل الواردة.
وكذلك التوقيعات الخارجة من الناحية المقدّسة عجّل الله تعالى فرج
... ولابدّ أن تكون مأمونة من الغلط.
ساكنها وجعلنا من أنصاره وأعوانه فلو لم تكن الكتابة حجّة لم يقرّر عليها الائمّة
المعصومون (عليهم السلام).
والسيرة القطعية المستمرّة ظاهراً إلى زمن المعصومين (عليهم السلام)، وغير ذلك.
ولابدّ أن تكون الرسالة مأمونة من الغلط بالحمل الشايع الذي لا ينافيه الغلط
النادر، نظير الوثاقة، التي لا ينافيها الخطأ النادر ـ مضافاً إلى أنّ أيّة رسالة
عملية مأمونة عن الغلط مطلقاً ؟ ـ وظاهر العبارة: لزوم اليقين بكونها مأمونة من
الغلط، لكن بعضهم اكتفى بالظنّ القوي، وآخر بالظنّ الاطمئناني ولعلّ مرجع الجميع
إلى أمر واحد أو متقارب جدّاً.
قال المجدّد الشيرازي (قدس سره) في رسالته العملية « مجمع المسائل » ماترجمته: «
الثالث: أخذ كتاب فتوى المجتهد، بشرط أن يكون سالماً ومأمومناً من الغلط يقيناً
أو بحسب الظنّ القوي على الاقوى » ووافقه معظم المعلّقين كالكاظمين: الخراساني
والطباطبائي، والشيخ محمّد تقي الشيرازي، وآخرون، إلاّ أنّ الحاج الخليلي (قدس
سره) بدّل القوي بالاطمئناني يعني: الظنّ الاطمئناني، وبعض آخر علّق وقال: « لا
اعتبار بالظنّ ».
وكذا في رسالة الشيخ محمّد تقي الشيرازي قيّد الظنّ بالاطمئناني، ووافقه عليه
المحقّق النائيني والحائري اليزدي (قدس سرهم) بترك التعليق.
لكن في رسالة الشيخ الانصاري (قدس سره) التي هي الاصل لهذه الرسائل كلّها لم يقيّد
الظنّ لا بقيد: القوي، ولا الاطمئناني، ولم يعلّق عليه الشيرازيان والنائيني
والحائري والميرزا حبيب الله الرشتي والكاظمان: الخراساني واليزدي الطباطبائي
وغيرهم.
ولعلّ عدم تقييد الشيخ ومعلّقيه، كاشف عن أنّ التقييد للظنّ بالقوي أو الاطمئناني
احتياط أولوي غير لازم المراعاة، وقال جمع من الشرّاح: بل يكفي كونها مورداً
لاصالة عدم الخطأ والغلط، والفرق بينهما: أنّ الاوّل اطمئنان شخصي، والثاني
اطمئنان نوعي، وكلاهما أمارة تكون مثبتاتهما حجّة، والتعبير بالاصل إنّما هو
بمعنى القاعدة العقلائية، لا الاصل العملي بمعنى الوظيفة الشرعية.
ومستند الخلاف في ذلك هو الخلاف في أنّ بناء العقلاء على العمل بالمكاتبات إنّما
ينحصر في صورة الاطمئنان الشخصي إلى صحّتها، أم يكفي فيها الاطمئنان النوعي،
الاحوط الاوّل، وإن كان الثاني غير بعيد، خصوصاً بملاحظة ما مثّلناه: من ذمّ
العقلاء من ترك كتابة التخويف والتحذير ولم يعتن بما تضمّنته لانّها كتابة، ثمّ
وقع في البلاء، ولا يقبلون عذره بأنّه لم يطمئن إلى صحّة الكتابة اطمئناناً شخصياً
مع كون فرض الاطمئنان النوعي في مثلها موجوداً.
وما يقال: من عدم جريان أصالة عدم الخطأ في الكتابة، خصوصاً الكتب المطبوعة
الموجودة في هذا الزمان، لعدم خلوّها عن الخطأ والغلط.
ففيه: ـ مضافاً إلى تقرير المعصومين (عليهم السلام) حجّيتها في مكاتباتهم ـ أنّ
الغلط اليسير لا يضرّ بالنسبة إلى الاحكام الكثيرة الموجودة في الرسالة.
أمّا نقضاً: فبما في نقل المجتهد نفسه شفاهاً من الخطأ والغلط أحياناً بمقتضى
الطبيعة البشرية، فلو أوجب بعض الخطأ في الكتب عدم حجّية الكتب، لاوجب ذلك عدم
حجّية نقل الفقيه نفسه فتواه.
وأمّا حلاً: فلعدم بناء العقلاء على الاعتناء بمثله في جميع أُمورهم، وربما
يستدلّ لذلك بكون العلم الاجمالي في المقام: إمّا غير محصور لكثرة المسائل التي
أفتى به المفتي، وإمّا محصور ولكن خروج بعض الاطراف عن محلّ ابتلاء المقلّد أو عدم
إحراز كون جميعها مبتلى بها فعلاً، أو مطلقاً، أوجب كون العلم بالخطأ أو السهو في
بعضها غير موجب لتنجيزه.
وكم رأينا وسمعنا أنّ الفقهاء أخطأوا في جواب المسألة، فلما ألفتهم بعض أصحابهم
إلى الخطأ شكروه على ذلك واعترفوا بالخطأ، وقد نقل عن المرجع الورع الزاكي الشيخ
عبدالكريم الحائري اليزدي (قدس سره) وهو خرّيت الفقه والاُصول، والمعروف باستيعابه
ودقّته معاً، أنّه كان في مجلس الدرس، فورد عليه سائل يسأله عمّن قتل شخصاً قبل
أيّام كم تكون ديّته ؟ فأجابه الشيخ (قدس سره): ألف دينار ذهب، فلمّا أراد السائل
الانصراف استوقفه أحد تلاميذ الشيخ، وقال للشيخ: إنّ الدية أكثر، فأنكر الشيخ
عليه ذلك، فقال التلميذ: هذا الشهر من الاشهر الحرم، وتزاد فيها الدية، فأقرّه
الشيخ، وأفتى للسائل بأنّ الدية تزاد ثلثاً، وشكر التلمليذ لالتفاته.
ومثل هذه القصّة غير عزيز، لانّ المعصوم هو الذي لا يخطأ، ولا يسهو، أمّا غيره فليس
كذلك.
وعليه: فالظاهر كفاية كون الرسالة مورداً لاصالة عدم الخطأ، بلا لزوم كونها مأمونة
من الخطأ بالاطمئنان الشخصي.
بل ربما يقال: بكفاية انتسابها إليه انتساباً موثوقاً به، كما إذا أعطى نفس
المجتهد رسالته إلى المقلّد، أو دلّت قرائن على أنّها منه من دون إحراز ظنّ قوي،
أو اطمئناني، أو مطلق الظنّ في كلّ واحدة واحدة من المسائل، لوحدة المناط في القول
والكتابة إذا تمّ الانتساب.
لكن ذلك لا يكفي ـ ظاهراً ـ إذا لم يضمّ إليه أصل عدم الخطأ ونحوه، والله العالم.
لكن مع ذلك ورد في مجمع الرسائل المنسوب لصاحب الجواهر ما ترجمته: « الثالث:
الاخذ من كتاب فتوى المجتهد بشرط كونه سالماً ومأموناً من الغلط يقيناً أو بالظنّ
القوي على الاقوى »(34) ولم يعلّق عليه أحد من الاعلام الثمانية، لكنّه كما ترى.
مع أنّ في العروة في باب القبلة التي ورد فيها في صحيح ابن أبي عمير « تحرّ القبلة
بجهدك »(35) و « اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك »(36) ونحوهما، أفتى بصحّة الاعتماد
على قبلة بلد المسلمين في صلاتهم وقبورهم ومحاريبهم بقوله: « إذا لم يعلم بناؤها
على الغلط »(37) ولم يعلّق أحد من الخمسة عشر بل وغيرهم أيضاً.
قال المحقّق الهمداني (قدس سره): « فلو أدّى ظنّه... إلى خلافها لا يعتني به في
مقابل هذه الامارة التي هي بمنزلة العلم »(38).
الاوّل: لا ينحصر طرق معرفة فتوى المجتهد بهذه الاربعة، التي ذكرها الماتن، بل
كلّما عدّ طريقاً عقلائياً إلى كشف فتوى الفقيه به، جاز الاعتماد عليه، لبناء
العقلاء، وصدق الاستبانة عرفاً عليه: من الاطمئنان والوثوق بالفتوى بأية واسطة كان.
ومن الاشارة المفهمة المبيّنة.
ومن الشياع المفيد للعلم، أو مطلقاً ـ على الخلاف ـ فلو كان الشايع عن فقيه فتوى
جاز الاعتماد عليها.
ومن استفادة الفتوى من كلماته الاُخر في دروسه الاُصولية وغيرها، وغير ذلك.
الثاني: هذه الطرق المذكورة لاستعلام الفتوى هي في عرض السؤال شفاهاً عن المجتهد،
بل هي في عرض العلم بالفتوى ـ إذ السؤال الشفهي قد لا يوجب العلم لاحتمال اشتباه
المجتهد في التلفّظ، أو الغلط في الفتوى ونحوهما ـ وذلك لانّ الحجّة الشرعية
مطلقاً هي في عرض العلم، ويسمّى بالعلم التنزيلي، حتّى أنّه لو كان المجتهد
جالساً عند المقلّد ولم يعسر على أحد منهما السؤال والجواب جاز مع ذلك أن يسأل
المقلّد عن الثقة الذي بجنب المجتهد، أو ينظر في رسالته، أو غير ذلك.
ويدلّ عليه: الاجماع المنقول، والسيرة القطعية، وبناء العقلاء، والمناط القطعي،
وغير ذلك.
فما عن شارح المبادئ: من عدم جواز الاستفتاء عن الحاكي إذا وجد المفتي، في غير
محلّه.
الثالث: هل يجوز الاعتماد على فتوى الفقيه بعد مضي زمان كثير على الفتوى ؟
مثلاً: لو سأل المقلّد عن المفتي حكم فضلة الخفّاش، فأفتاه بطهارتها، ثمّ مضى
على ذلك ثلاثون سنة، هل يجوز لهذا المقلّد أن يعتمد على تلك الفتوى ويعامل فضلة
الخفّاش معاملة الطهارة، أو لا يجوز لاحتمال تغيّر فتواه احتمالاً عقلائياً،
لكثرة تغيّر فتاوى الفقهاء بمرور الزمان وتجدّد استنباطهم للمسائل ؟
وبصورة أخصّ: هل يجوز الاعتماد على رسالة المجتهد القديمة أم يجب الرجوع إلى
الطبعة الاخيرة من طبعات رسالته الواحدة، أو إلى الرسالة الاخيرة من رسائله ؟
مقتضى الاستصحاب جواز الاعتماد على الفتوى مهما تقادمت في الزمن، ومقتضى العلم
الاجمالي بتغيّر بعض الفتاوى، خصوصاً في الفصل الكثير بين الرسالة السابقة
والاخيرة بعشرات السنين التي قضت العادة بتغيّر كثير من فتاوى الفقهاء فيها،
وبالاخصّ إذا كان الفقيه قد جدّد النظر في جميع أبواب الفقه عدّة مرّات في الفترة
بين الرسالتين ـ كما ينقل عن العلاّمة الحلّي (قدس سره): من أنّ كثرة اختلاف
فتاواه من أجل أنّه كان يجدّد النظر في الفقه كلّه بين مدّة ومدّة أُخرى، لانّه
كان يفتي (كما يحكى عنه) بأنّ على المفتي أن يستحضر دليل المسألة حين الفتوى بها،
ولا يكفي اعتماده على فتاواه السابقة، فكان إذا سئل عن مسألة لا يستحضر دليل فتواه
فيها، وإن كان يستحضر فتواه نفسها، عمد إلى استنباطها من جديد، وفي مثل هذه
الحال كثيراً يتّفق تغيّر الفتوى ـ مقتضى هذا العلم الاجمالي عدم جواز الاعتماد،
ومعه لا مجال للاستصحاب إذ الاُصول العملية لا تجري في أطراف العلم الاجمالي ـ كما
حقّق في الاُصول ـ.
وما يقال: من أنّ العلم الاجمالي هذا منحلّ بعدم العلم بدخول أطرافه في محلّ
الابتلاء، وعدم العلم في المقام يكفي للانحلال، لكونه مساوقاً للشكّ في أصل
التكليف.
ففيه: ـ مضافاً إلى قضاء العرف والعادة من حصول الاطمئنان إلى تغيّر الفتوى في بعض
المسائل التي هي محلّ الابتلاء أيضاً، خصوصاً مع فترة سنين عديدة بين الرسالتين ـ
أنّ الكلام فيما حصل العلم أو الاطمئنان بذلك، نوعاً أو شخصاً.
أقول: مقتضى حجّية الاستصحاب من باب الاخبار، الذي بنى عليه المتأخّرون غالباً
وهو المنصور أيضاً: اطلاق حجّيته حتّى مع الظنّ بالخلاف ـ كما حقّق في الاُصول
مفصّلاً ـ فتقادم الفتوى مهما طال أمده لا يوجب غالباً سوى الظنّ بالخلاف أحياناً،
ومعه لا ضير في الاستصحاب.
نعم، إذا حصل في مورد خاصّ لشخص خاصّ بالنسبة إلى مرجع تقليد خاصّ علم إجمالي
محصور بتبدّل بعض فتاواه التي هي محلّ ابتلاء هذا المقلّد الخاصّ، وكان التبدّل
إلى الاحوط، لا عن الاحوط ـ كما هو الغالب ـ حينئذ يسقط الاستصحاب لهذا الشخص
المعيّن، ومثل ذلك نادر جدّاً إن لم يكن منعدماً أصلاً.
ولذا نرى استقرار سيرة المتديّنين على أخذ الرسالة أوّل بلوغهم والعمل عليها عشرات
السنين، حتّى إذا مات المقلَّد يبقون بفتوى حي يجوّز البقاء على تقليد الميّت، ولا
يحصل لهم علم إجمالي بتبدّل بعض فتاوى الميّت قبل موته وإن كان موته بعد عشرات
السنين من كتابته لرسالته العملية.
وللكلام تفصيل أكثر، وأطراف أُخرى لعلّنا نذكر بعضها فيما يأتي من المباحث إن شاء
الله تعالى.
الرابع: إذا تعارضت هذه الطرق فما هو علاجها ؟
قال في العروة: « إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا وكذا البيّنتان، وإذا
تعارض النقل مع السماع عن المجتهد شفاهاً قدّم السماع، وكذا إذا تعارض ما في
الرسالة مع السماع، وفي تعارض النقل مع ما في الرسالة قدّم ما في الرسالة مع الامن
من الغلط »(39).
ولمسألة تعارض هذه الطرق صور:
إحداها: أن يمكن بينها جمع دلالي، بحمل الظاهر على الاظهر، وكلاهما على النصّ،
وفي مثله يتعيّن الجمع، لكونه طريقة عرفية عقلائية لاستفادة المراد والمقصود.
مثلاً لو وجد في رسالته ذكر الاغسال الواجبة بدون أداة حصر ولم يعد منها غسل الجمعة، ثمّ نقلت البيّنة عنه وجوب غسل الجمعة عنده، فالثاني نصّ، والاوّل ظاهر،
فيبني المقلّد على وجوبه.
ثانيتها: إذا لم يمكن الجمع الدلالي بينهما بأن كانتا متعارضتين، فإن كان تاريخ
كلّ طريق معلوماً، وكان أحدهما مقدّماً والاخر متأخّراً، كما لو كانت في الرسالة
أنّ غسل الجمعة مستحبّ، ونقل عنه الثقة وجوب غسل الجمعة، وكان النقل في السنة
الحالية، والرسالة مطبوعة في السنين السابقة.
فالمعروف بينهم: حجّية الطريق المتأخّر منهما، تنظيراً بما لو سمع المقلّد نفسه
عن المجتهد فتويين في تاريخين، فكما يأخذ بالمتأخّر منهما هناك، يجب الاخذ
بالمتأخّر من الطريقين، لانّهما طريقان إلى الفتويين، فيقومان مقامهما في جميع
الاحكام ولشمول المناط في الرواية الواردة بوجوب الاخذ بالمتأخّر من الخبرين
المتعارضين لمثله.
وأشكل فيه بعضهم: بأنّه معارض بأصل عدم العدول، لكنّه أصيل حيث لا دليل والطريق
دليل مع أنّه أصل مثبت، كما لا يخفى.
وقد يفرّق بين الطريقين من سنخ واحد، وبين الطريقين من سنخين، لكنّه غير وجيه بعد
تساوي الطرق في الحجّية، نعم لو استفيد تقدّم أحدهما على الاخر في مقام التعارض
كالبيّنة على قول ذي اليد، وهي على العدل الواحد، تقدّم لذلك ـ كما هو واضح ـ.
ثمّ إنّه نقل لي شخص: أنّه سأل بعض مراجع العصر عن الخلاف في فتاواه بين الرسالة
العملية، وبين قوله شفاهاً، فقدّم الرسالة المتقدّمة على الشفه وإن كانت متأخّرة، ولعلّ ذلك لانّ المراجع غالباً يودعون الفتاوى المحتاط فيها في الرسالة العملية،
ولكنّهم في الجواب الشفهي لا يكثرون من الاحتياط، والله العالم.
ثالثتها: إذا لم يعلم تاريخا الطريقين جميعاً، فإن علم تاريخ أحدهما دون الاخر،
فإمّا يكون أحدهما فعلياً، وإمّا لا:
فإن كان أحدهما فعلياً، كما لو نقل أحد عن المجتهد أنّه سمعه الان يقول بوجوب غسل
الجمعة، ونقل الاخر إنّ فتوى المجتهد الفلاني استحباب، دون نقل تاريخ فتواه بذلك، واحتمل أن يكون نقل الثاني أيضاً فعلياً ومتعارضاً مع نقل الاوّل، قيل: بتقدّم
الفتوى الحالية، على الاُخرى المجهول زمانها أنّه فعلاً أيضاً أم سابقاً لانّه
المتيقّن الحجّية، ولبناء العقلاء في أُمورهم المهمّة التجارية وغيرها على تقديم
الحال بالنسبة لمجهول التاريخ الذي لا يعلم أنّه حال أم ماض، ولعلّه لانّه نوع جمع
عرفي، وفيه إشكال.
وإن لم يكن أحدهما فعلياً، تعارضا سواء علم تاريخ أحدهما، أم جهل التاريخان جميعاً،
فقد اختلفوا في حكمه:
فمن قائل بجريان حكم تعارض الخبرين فيه، بالرجوع إلى المرجّحات، ثمّ التخيير،
بدعوى: أنّ نقل الفتوى مثل نقل الاحكام، فيتعدّى حكمها إلى ما نحن فيه، ولعموم
نيابة الفقيه عن الامام (عليه السلام) ولغير ذلك.
ومن قائل بالتساقط، لكونه الاصل في تعارض الطريقين، خرج عنه باب الخبرين المتعارضين
بالتخصيص.
ومن قائل بالتخيير ابتداءً، لحمل الترجيح في باب الاخبار على الاستحباب، ولانّ
التخيير هو الاصل في التعارض.
ومن قائل بغير ذلك، وسيأتي عند شرح المسألة الثانية والسبعين بعض ما ينفع المقام،
إن شاء الله تعالى.
وفي المسألة فروع أُخرى مذكورة في المفصّلات.