المسألة (35): إذا قلّد شخصاً بتخيّل أنّه زيد، فبان عمراً، فإن كانا متساويين في
الفضيلة، ولم يكن تقليده لزيد على وجه التقييد صحّ تقليده لعمرو وإلاّ مع فقد
التساوي في العلم، أو وجود التقييد فمشكل:
أما مع فقد التساوي فيشكل لا مطلقاً، بل إذا كان عمرو الذي قلّده مفضولاً، وزيد
أفضل، لوجوب تقليد الاعلم مطلقاً، لكن إذا كان عمرو ـ الذي تخيّله زيداً وقلّده ـ
هو الاعلم فلا يشكل تقليده له.
وأمّا مع التقييد ـ أي: قال مثلاً: أنا أُقلّد هذا الرجل الذي هو زيد، ولو كان
هذا الرجل المعيّن غير زيد فلا أُقلّده ـ فالبطلان من أجل أنّ « ما وقع لم يقصد وما
قصد لم يقع » فتقليد زيد الذي قصده لم يكن له واقع، لانّه لم يعمل بفتاوى زيد،
وتقليد عمرو الذي وقع لم يكن مقصوداً لعمله بفتاواه. هذا هو توضيح كلام الماتن.
أقول: أمّا مع فقد التساوي، فهو مسألة تقليد الاعلم التي أطنبنا الكلام فيها عند
شرح المسألة الثانية عشرة، وذكر الاقوال فيها بالوجوب مطلقاً، وعدم الوجوب مطلقاً،
والتفصيل بين العلم بالمخالفة في الفتاوى ولو إجمالاً وبين عدم العلم، وغير ذلك،
وقد استقربنا في المسألة وفاقاً لبعض ـ كصاحب الجواهر وغيره ـ عدم الوجوب مطلقاً،
وإن كان الاحتياط فيها مهمّاً أمكن وسهل حسناً، وأمّا مع التساوي فهو الذي استقربنا
ظهور التخيير بينهما.
وأمّا التقييد وعدمه، فقد أشكل على الماتن معظم المعلّقين الذين يحضرني تعليقاتهم
بأنّ التقييد لا دخل له في التقليد، إذ المفروض أنّ عمراً أيضاً جائز التقليد مثل
زيد، والتخيّل في المقام لا يبطله، إذ ليس التقليد من الاُمور القصدية ـ كما سنذكر
الان ـ بل هو تطبيق للعمل على فتوى شخص آخر.
والتعيين لم يقم دليل على اشتراطه كما أسلفناه مفصّلاً في شرح المسألة السابعة عند
قول الماتن: « بقول مجتهد معيّن »، فليس في المقام سوى أنّ عمراً جائز التقليد،
وهذا العامي قلّده فيكون صحيحاً.
وبعبارة أُخرى: التقليد من هذه الجهة لا بشرط وهو ـ كما هو المحقّق ـ يجتمع مع ألف
شرط ومنه ما نحن فيه الذي اعتبره المقلّد بشرط لا، أو بشرط شيء.
وفي تقريرات بعض مراجع العصر تفصيل للفرق بين العناوين القصدية التي تتغيّر بالقصد « كالهتك » و « التأديب » ونحوهما وبين العناوين غير القصدية التي هي في الواقع ـ سواء الواقع الخارجي، أو الواقع الاعتباري، أو الواقع الانتزاعي ـ إمّا ضيّقة أو موسّعة، وليست محلاً للاطلاق والتقييد، إذ الاطلاق والتقييد إنّما يكونان فيما يمكن أن يكون أحياناً هكذا، وأحياناً هكذا، والتقليد من العناوين غير القصدية ولا يتغيّر بالتقييد وعدم التقييد، إذ التقليد هو العمل استناداً إلى فتوى الغير، ومثله ليس قابلاً للتقييد وعدمه، حتّى يكون مع التقييد بالخلاف باطلاً، ومع عدمه صحيحاً.
وفي بعض الشروح قسّم تفصيل المسألة إلى صور أربع:
فإمّا زيد وعمرو متساويان في الفضيلة متوافقان في الفتوى.
وإمّا مختلفان في الفتوى، متفاضلان.
وإمّا متساويان في الفضيلة مختلفان في الفتوى.
وإمّا العكس.
بالتزام الصحّة مطلقاً في الصورة الاُولى بلا إشكال.
وكذا في الصورة الرابعة بناءً على عدم وجوب تقليد الاعلم مع موافقة فتواه لفتوى
المفضول.
والتزام وجوب تقليد الاعلم في الصورة الثانية مطلقاً، فإن كان عمرو الذي قلّده هو
الاعلم صحّ مع التقييد وعدمه، وإن كان هو المفضول بطل تقليده مع التقييد وعدمه.
والتزام التخيير في الصورة الثالثة، بناءً على عموم التخيير مع التساوي في الفضيلة
لصورة اختلافهما في الفتوى أيضاً، وعلى القول بعدمه ـ كما عليه بعض مراجع العصر ـ
فالاحتياط.
وبما ذكرنا يظهر ما في تعليقة السيّد الحكيم (قدس سره): من تبديل إشكال الماتن في المسألة إلى الفتوى بأنّه كلا تقليد حيث قال: « بل الظاهر جريان حكم العمل بلا تقليد » إذ لا شكّ أنّه تقليد، والمفروض صحّة التقليد لعمرو، فلماذا يكون كلا تقليد ؟ ولعلّ مبنى السيّدين الماتن والحكيم (قدس سرهما) على لزوم التعيين في مرجع، لكن الظاهر عدم التزامهما بهذا المبنى في من لم يقلّد برهة من الزمان ثمّ تبيّن انطباق أعماله لفتوى كلا المجتهدين: من كان عليه تقليده حال العمل، ومن يتعيّن عليه تقليده الان، فإنّ أعماله صحيحة بالاجماع ـ على الظاهر ـ مع أنّها كلّها كانت خالية عن الالتزام فتأمّل.
هذا كلّه بناءً على ما هو المعروف من أنّ التقليد هو العمل.
وأمّا بناءً على أنّه الالتزام بالعمل، لا العمل نفسه، فهل تختلف الحال ؟
قد يقال: بالاختلاف، إذ التزامه كان بغير ما عمل عليه.
وقد يفصّل فيه: بين التزامه بتقليد زيد، ثمّ تخيّل عمراً أنّه زيد، وبين التزامه
بتقليد عمرو ـ هذا المعيّن المشخّص ـ ولكنّه تخيّله زيداً، بالقول بالبطلان في
الاوّل دون الثاني.
أقول: الظاهر عدم اختلاف الحال مطلقاً، إذ الالتزام مقارن للعمل، ولا يمكن صدور
عمل بلا التزام. نعم، أنّه أخطأ في تصوّر أنّ عمله هذا الصادر منه نتيجة التزامه
بتقليد زيد، ولكن هذا الخطأ في تطبيق التزامه لا يغيّر التزامه عن كونه التزاماً في
العقل الباطن والارتكاز بما يؤدّيه ويعمله، إذ الظاهر أنّ الالتزام ليس شيئاً سوى
القصد، فتأمّل.