المسألة (33): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم واقعاً أو حجّة كان للمقلّد
تقليد أيّهما شاء ولا يجب عليه الاحتياط بين أقوالهما.
قال في كشف الغطاء: « ومع تعدّد المرجع واتّفاق الفضيلة، يتخيّر في الرجوع إلى ما
شاء »(1).
وقال في الجواهر: « وبذلك ظهر لك أنّ دليل التقليد حينئذ هو جميع ما في الكتاب
والسنّة من الامر بأخذ ما أنزل الله تعالى والقيام بالقسط والعدل ونحو ذلك، واختلاف
المجتهدين بسبب اختلاف الموازين التي قرّرها صاحب الشرع لمعرفة الاحكام غير قادح في
كون الجميع ممّا أنزل الله تعالى شأنه من الحكم »(2).
والبحث كلّه فيما يلي:
1. فيما لو علم بالمخالفة تفصيلاً.
2. أو علم بالمخالفة إجمالاً فيما هو محلّ ابتلائه.
3. أو علم بالمخالفة إجمالاً مطلقاً.
4. أو احتمل المخالفة بين فتوييهما.
قال في التنقيح: « أمّا الصورة الاُولى ـ أي صورة عدم العلم بالمخالفة بينهما فيما
هو محلّ الابتلاء ـ كما هي الغالبة في العوام، فلا ينبغي التأمّل في أنّ المكلّف
يجوز له أن يقلّد هذا أو ذاك، وإنّه يتخيّر بينهما ».
استدلّ للتخيير بين المجتهدين المتساويين في العلم بأدلّة، عمدتها إثنان:
الدليل الاوّل: بناء العقلاء والطريقية.
الدليل الثاني: الاجماع المدّعى على عدم وجوب الاحتياط بالنسبة للفتويين ـ وإن أشكل
فيه صغرى بعض مراجع العصر فأفتى بضرس قاطع على وجوب الاحتياط في صورة تخالفهما في
الفتوى ـ وللتخيير الذي ذهب إليه بعض مراجع العصر في كلّ أمارتين متعارضتين أنّه
الاصل فيهما.
وقد مرّ شيء من البحث عن ذلك عند شرح المسألة الثالثة عشرة فراجع.
ثمّ إنّ هناك بحثاً في التعادل والترجيح من الاُصول وهو: هل الاصل العملي في تعارض
أمارتين وطريقين:
أ ـ هو التساقط كما هو المتسالم عليه من الشيخ (قدس سره) إلى الان والرجوع إلى
الاصل وإن خالفهما.
ب ـ أم التخيير بينهما بحجّية كلّ منهما بشرط ترك الاخذ بالاخر. أو في حال عدم
الاخذ بالاخر.
جـ ـ أمّ حجّية أحدهما بلا تعيين وعنوان لا واقعاً ولا ظاهراً ؟
قال السيّد البروجردي (قدس سره) في حاشية الكفاية: « مقتضى الاصل في المتعارضين فيه
أقوال:
1. فقد ذهب بعض إلى أنّ مقتضاه هو التساقط والرجوع إلى ما يقتضيه الاصل في المورد.
2. وذهب بعض إلى أنّ مقتضاه هو التخيير في العمل بكلّ واحد منهما.
3. وذهب بعض آخر إلى أنّ مقتضاه حجّية أحدها بلا تعيين وعنوان، لا واقعاً ولا
ظاهراً.
والفرق بينها بحسب العمل والنتيجة هو:
أنّه على الاوّل: لابدّ من العمل على طبق الاصل وإن كان مخالفاً لكلّ واحد من
المتعارضين مثاله: تعارض الوجوب والحرمة، والاصل: الاباحة.
وعلى الثاني: لابدّ من العمل على ما هو الموافق للاصل منهما، مثاله: تعارض
الوجوب والاستحباب، والاصل: عدم اللزوم إلى أن قال:
وعلى الثالث:... عدم جواز طرحهما »(3).
أي: لا يجوز طرحهما والاخذ بالاصل المخالف لهما بل بالاصل الموافق لاحدهما، وذلك
بأن يلتزم بالوجوب أو الحرمة لا نفيهما.
ومرتبة هذا الاصل العملي، بعد مرتبة الامارة من الاجماع على التخيير بين المجتهدين
ـ لتخيير العقلاء في كلّ طريقين ـ أو هنا للاجماع ونحوه.
وهذا الاصل العملي في المتعارضين غير الاصل العقلائي المدّعى أنّه التخيير، وغير
الاجماع المدّعى على التخيير في المجتهدين.
قال في المستمسك: « إجماعاً من القائلين بجواز التقليد من دون فرق بين صورة
الاتّفاق في الفتوى والاختلاف وموافقة فتوى أحدهما للاحتياط المطلق دون الاخر،
وغيرها »(4).
أقول: كالجمعة والظهر.
والحاصل: أنّ القائلين بالتخيير في الامارتين المتعارضتين قالوا: إنّ حجّية
الامارة إمّا على السببية ولو المصلحة السلوكية، أو على الطريقية المحضة.
فأمّا على السببية: فواضح أنّ في كلّ واحد من الامارتين ملاك الحجّية مستقلاً
فتكونان من قبيل المتزاحمين.
وأمّا على الطريقية: فلوجود مناط الحجّية فيهما حال التعارض كوجوده حال عدم
التعارض، إذ المناط للحجّية في الامارتين أحد أمرين:
إمّا غلبة الايصال إلى الواقع التي جعلت حكمة لحجّيتها، والحكمة تفارق العلّة في
عدم لزوم اطّرادها، فلا ينافي ذلك حجّية هذه الامارة وحجّية نقيضها معاً مع العلم
بعدم وصول إحداهما إلى الواقع قطعاً.
وإمّا مصلحة أُخرى أوجب للشارع حجّيتها، ومقتضى القاعدة: وجود تلك المصلحة في
الامارة بذاتها، والتعارض شيء عارض على الامارتين بما هما أمارتان، وبكلّ
أحكامهما، ومن أحكامهما وجود تلك المصلحة الباعثة على حجّيتهما كلاً على انفرادها.
فمثلاً لو كانت المصلحة الباعثة على حجّية الخبر الواحد هو فتح باب الثقات، وسدّ
باب غير الثقة، هذه المصلحة موجودة في كلّ خبر لكلّ ثقة، سواء عارضه خبر آخر أم
لا ؟
والمعارضة وعدمها شيء عرض على الخبر الواحد بما هو خبر واحد وبكلّ أحكامه التي منها
حجّيته لانّه خبر ثقة، فكونه خبر ثقة ـ هذه المصلحة الباعثة ـ موجود قبل المعارضة، وعند المعارضة، وما دامت المصلحة الباعثة على حجّية الامارة ـ أيّاً كانت تلك
المصلحة ـ موجودة، فلا مقتضي لسقوطها عن الحجّية.
والقول: بأنّ العلم الاجمالي بكذب إحداهما غير المعيّن مانع عن حجّية إحداهما غير
المعيّن، وحيث لا سبيل إلى تعيينه لاحتمال الكذب في كلّ واحدة منهما، فتسقطان عن
الحجّية.
فيه نظر: إذ العلم الاجمالي بكذب إحداهما لا يضرّ على القول بكون الباعث على
حجّيتهما مصلحة أُخرى غير الوصول إلى الواقع، وهو واضح.
وأمّا على القول بكون باعث حجّيتهما هي مصلحة الوصول إلى الواقع ـ فمضافاً إلى أنّ
ذلك حكمة لا يجب اطّرادها كما ذكرنا آنفاً ـ أنّ الموجب للخروج عن الحجّية: إمّا
العلم بالكذب تفصيلاً، أو العلم الاجمالي بالكذب، أو وصف الكذب، أو شيء آخر وراء
هذه.
أمّا العلم التفصيلي بخطأ إحداهما: فمفروض العدم.
وأمّا العلم الاجمالي بكذب إحداهما: فلا يصحّ كونه سبباً لخروجه عن الحجّية، وإلاّ
لزم خروج جميع الامارات العقلية والشرعية عن الحجّية للعلم الاجمالي بكذب بعضها
دائماً.
وأمّا وصف الكذب: فهو أيضاً لا يصحّ جعله سبباً للخروج عن الحجّية، لانّ مقتضى
ذلك: التزام تقييد الحجّية في الامارات بالعلم بعدم كذبها، هل يصحّحه عدم العلم
بالكذب ؟ وهذا مناف لموردية الامارات المبنيّة على عدم العلم، وهذا يقتضي: عدم
حجّيتها رأساً، إذ مع وجود العلم في مواردها كان المكلّف غير محتاج إليه.
وأمّا شيء آخر فهو أيضاً مفقود، إذ المفروض اجتماع الامارتين المتعارضتين لجميع
شرائط الحجّية.
ثمّ إنّ المانع عن حجّيتهما ـ حال التعارض ـ إن كان مانعاً عقلياً مطلقاً وفي مقام
الثبوت، فكيف صار الخبران المتعارضان حجّة تخييرية، مع أنّ الاحكام العقلية غير
قابلة للاستثناء وإن كان المانع تعليقياً بمعنى أنّه مانع ما لم ينصّ الشارع على
جوازه ؟
فالجواب: أنّ دليل الحجّية في الخبرين المتعارضين، وفي الامارتين المتعارضتين،
على نسق واحد، فكيف اختلفا ومن أين وما هو الفارق ؟
والحاصل: أنّ مقتضى القاعدة الاوّلية في كلّ متعارضين: التخيير، إلاّ ما خرج
بالدليل، لبناء العقلاء على سلوك أحدهما في كلّ أُمورهم.
مضافاً إلى شمول أدلّة التقليد الشرعية لهما على حدّ سواء مثل شمولها للفتوى غير
المعارضة مع أُخرى.
واحتمال التكاذب في أطراف الدليل الواحد القاضي بحجّية هذا، وهذا، غير سديد.
مضافاً إلى وجود مثله في تعارض كلّ الامارات التي يفتي الفقيه بحجّيتها مع علمه
بتعارض مصاديقها عند الافراد دائماً، نظير الاستصحاب الذي يفتي به الفقيه لواجدي
المني: أنّ ذلك من أجل أنّ حكم كلّ شخص غير حكم الشخص الاخر، فالوجوب بالنسبة لهذا
المجتهد ومقلّديه، والحرمة بالنسبة لذاك المجتهد ومقلّديه.
لكن بقي هنا نقاط ينبغي الالتفات إليها:
الاُولى: ما ذكره الحائري (قدس سره) في الدرر: « من أنّه حتّى مع عدم بناء
العقلاء والسيرة والاجماع نقول بالتخيير، للدليل الخاصّ وهو: إطلاقات أدلّة
التقليد الشامل لحال التعارض، مثل: رواية أحمد بن حاتم بن ماهويه: (فاصمدا في
دينكما على كلّ مسن في حبّنا) وما في تفسير الامام العسكري (عليه السلام):
(فللعوام أن يقلّدوه) وصدر مقبولة عمر بن حنظلة: (ينظران إلى من كان منكم ممّن قد
روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا) ومشهورة أبي خديجة ـ نظير المقبولة ـ (فإنّهم
حجّتي عليكم وأنا حجّة الله) وغيرها »(5).
وتقريب الاستدلال: أنّ الفرق بين مثل حجّية خبر الثقة وحجّية قول المجتهد: هو أنّ
خبر الثقة حجّيته على نحو الوجود الساري، أي: جميع أخبار كلّ ثقة فإذا تعارضا
تناقضا، ولا يصحّ الحجّية لكليهما للتناقض، ولا لاحدهما غير المعيّن لعدم وجوده،
ولا المعيّن لعدم الخصوصية، بقي التساقط.
وأمّا حجّية قول المجتهد فهو على نحو صرف الوجود، إذ لا يعقل جعل الحجّية
التعيينية لاقوال جميع العلماء ووجوب الاخذ بها جميعاً، فلابدّ من حجّية كلّ واحد
منها الشامل لحال التعارض.
فمثلاً قوله (عليه السلام): « فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا » جعل الحجّية لقول
المجتهد على نحو البدلية أو صرف الوجود، كان مخالفاً أم لا، علم تفصيلاً أو
إجمالاً المخالفة، أم لا.
وهذا يكون بمنزلة التصريح على التخيير في الحجّية، مثل: « إذن فتخيّر » في الخبرين
المتعارضين.
وفيه: إشكالان:
الاشكال الاوّل: الظاهر في أنّ الحجّية في المقام من واد واحد وإنّما الفرق في
الحسّية والحدسية.
الاشكال الثاني: هذا بيان لامكان الاطلاق والظاهر عدم إطلاق محرز معتبر سنداً، بل
الظاهر أنّ الروايات مثل الايات الكريمات: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)
ونحوه في مقام بيان أصل الحجّية.
والجواب الاوّل تامّ، دون الثاني، لما تقدّم في شرح المسألة الاُولى من الاطلاق.
الثانية: قوله: « متساويان في العلم » ليس المراد بالتساوي هنا الدقّي منه ـ وإن
صرّحوا في أكثر من مورد من موضوعات الاحكام بالدقّة دون العرفية،
... ويجوز التبعيض في المسائل... .
كعشرة الاقامة، وثلاثة الحيض، والكرّ، والوجه واليدين، والبدن في غَسل الوضوء
والغُسل ونحوها ـ بل التساوي العرفي المسامحي، وذلك لانّ أدلّة المسألة، وهي:
بناء العقلاء والاجماع والسيرة، ظاهرة في ذلك.
الثالثة: التساوي أعمّ من الموضوعي والحكمي، وهو:
1. مشكوك الاعلمية ـ على القول بعدم وجوب تقليد الاعلم إلاّ مع إحرازها خارجاً ـ
كما ذهب إليه السيّد عبدالهادي الشيرازي والاخ الاكبر (قدس سرهما) وآخرون.
2. مع عدم إحراز التخالف بينهما في محلّ الابتلاء من المسائل.
3. مع كون فتوى المفضول موافقة للاحتياط، ونحو ذلك.
ويجوز للمقلّد التبعيض في المسائل بين المتساويين:
أمّا في المسائل الوفاقية: فلا خلاف ولا إشكال في ذلك، ومعنى التبعيض في ذلك هو:
أن يستند إلى هذا المجتهد في هذه الفتوى، ويستند إلى المجتهد الثاني في الفتوى
الثانية، أو حتّى مع عدم العلم بالخلاف والوفاق في الفتاوى، كما هو خيرة بعض مراجع
العصر.
وأمّا في المسائل الخلافية: فقد قدّمنا في شرح المسألة الثالثة عشرة، التي هي عين
هذه المسألة بعض الكلام عنه.
ونقول هنا: أنّ التبعيض في المسائل على ثلاثة أقسام:
الاوّل: ما كان التبعيض في مسألتين أو مسائل لا يرتبط بعضها ببعض، كمسألة وجوب
السورة في الصلاة، ومسألة وجوب الحلق للصرورة في الحجّ.
الثاني: ما كان التبعيض في مسألتين أو مسائل مرتبطة بعضها ببعض، كمسألة وجوب
السورة في الصلاة، ووجوب جلسة الاستراحة في الصلاة أيضاً.
الثالث: ما كان في مسألة واحدة، كمسألة طهارة عرق الجنب من الحرام ونجاسته.
أمّا القسم الاوّل من التبعيض في التقليد: فهو في مسألتين أو مسائل لا يرتبط بعضها
ببعض، كما لو أفتى أحد المجتهدين بوجوب السورة في الصلاة، ووجوب الحلق للصرورة في
الحجّ، وأفتى الثاني بعدم وجوبهما، فقلّد أحدهما في إحدى المسألتين، وقلّد الاخر
في الثانية، فقرأ السورة في الصلاة، ولم يحلق في الحجّ، أو العكس.
فالمشهور المنقول عليه الاجماع مكرّراً هو التخيير في المقام: إمّا لانّه الاصل في
تعارض الامارتين كما عليه البعض، أو للاجماع والضرورة على التخيير في تعارض
الفتويين بالخصوص، لعدم طريق آخر للعامي إلاّ الاحتياط الذي قالوا بتحقّق الاجماع
على عدم وجوبه عليه.
وأُورد عليهما: بالاشكال في الاجماع صغرى.
وبأنّ كون الاصل في الامارتين التخيير لا يشمل الفتويين، إذ ذلك إنّما يصحّ إذا
كان دليل حجّية الامارة لفظياً، وكان له إطلاق أحوالي يشمل جميع الحالات، فإنّه
حينئذ بعد تعارضهما، وتقييد إطلاق كلّ منهما بالاخر تكون النتيجة هي حجّية كلّ
منهما تخييراً، وفي ما نحن فيه وهو فتوى الفقيه لا إطلاق لدليل حجّيتها، إذ
الدليل منحصر في بناء العقلاء والاجماع ونحوهما من الادلّة اللبّية التي لا إطلاق
لها، فيكون مقتضى القاعدة في الفتويين المتعارضتين: التساقط، خروجاً عن أصالة
التخيير في الامارتين المتعارضتين على القول بها.
وبالايراد الاوّل على الاجماع صغرى أشكل بعض مراجع العصر في التخيير، فأفتى بوجوب
الاحتياط في تعارض فتاوى المجتهدين المتساويين في الفضيلة، وخرج عن ذلك في العالم
والاعلم بوجوب تقليد الاعلم مطلقاً لبناء العقلاء عليه مطلقاً.
وبالايراد الثاني على إطلاق دليل حجّية الفتوى أشكل بعض آخر من شرّاح العروة، فقال:
« الاحوط لزوماً عدم التبعيض » وهو ممّن يقول بأصالة التخيير في تعارض الدليلين أو
الامارتين.
لكن الايرادين فيهما نظر.
أمّا الاجماع: فمع كفاية إجماع علماء عصر واحد في حجّيته، أنّ الظاهر: تحقّقه في
المقام، لتكرّر نقله في مختلف العصور على ألسنة المدقّقين والمحقّقين، فطرحه
بأنّه لا اطمئنان به محلّ إشكال، وإن كان مع تفرّده الحكم له أيضاً لا يخلو عن
تأمّل.
وأمّا إنكار الاطلاق في أدلّة التقليد ـ فمضافاً إلى أنّ بناء العقلاء على التخيير
وإن كان دليلاً لبّياً لكن الظاهر شموله لمورد تعارض الامارتين، كما أسلفنا في شرح
المسألة الثالثة عشرة من أخذ العقلاء برأي واحد من الطبيبين، والمهندسين،
والمحاميين، والتاجرين ونحوهم إذا اختلفوا في الطريق الصالح، وإلى أنّ الاجماع على
التخيير وإن كان هو دليلاً لبّياً لكن إطلاق معقد الاجماع يؤخذ به ويستدلّ عليه كما
هو سيرة الفقهاء.
فإنّه مضافاً إلى ذلك: أنّ في التقليد أدلّة لفظية مطلقة أيضاً وهي: الايات
والروايات التي قدّمنا ذكرهما في أوّل الكتاب، من قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) وقوله (عليه السلام): « من
كان من الفقهاء... فللعوام أن يقلّدوه » وغيرهما.
فالاشكال في الاجماع صغرى، وفي الاطلاق الاحوالي لادلّة التقليد، غير وجيه.
وأمّا القسم الثاني من التبعيض في التقليد: فهو في المسألتين أو المسائل المرتبط
بعضها ببعض، وله ثلاث صور:
إحداها: ما إذا لزم من التبعيض مخالفة عملية للواقع.
ثانيها: ما إذا لزم منه مخالفة عملية لرأييهما.
ثالثها: ما إذا لم يلزم من التبعيض لا مخالفة عملية للواقع ولا لفتويي المجتهدين.
أمّا الصورة الاُولى: فكما إذا أفتى أحدهما بوجوب القصر والافطار في الخروج عن
محلّ الترخّص خلال العشرة أيّام ثمّ العود إلى محل الاقامة، وأفتى الاخر بعدم
إنهدام الاقامة بذلك، فذهب إلى محلّ الترخّص ورجع يصلّي تماماً بفتوى الثاني، ويفطر
بفتوى الاوّل.
الظاهر من كلّ ما وصلنا فتاواهم: المنع عن مثل هذا التخيير، للعلم الحاصل له بأنّ
أحد عمليه مخالف للواقع، للتلازم المعروف من الشريعة بين القصر والافطار، والتمام
والصيام لقوله (عليه السلام): « إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت »(6) إلاّ
ماخرج بدليل كأماكن التخيير الاربعة، إذا أتمّ الصلاة، فإنّه لا يجوز له الصيام
ونحو ذلك، وإن كان في بعض الشروح قال: « فلي فيها تأمّل » لكنّي لا أظنّه يلتزم
به، ولعلّ وجه التأمّل وجود المصلحة السلوكية في كلتا الفتويين، لكنّه محلّ منع
خصوصاً في مثل المقام.
وقد يحصل في مثل ذلك علم إجمالي بوجوب شيء عليه، كما في المثال لو صلّى الظهر
قصراً بفتوى أحدهما والعصر تماماً بفتوى الاخر، حيث يعلم إجمالاً ببطلان إحدى
صلاتيه فيجب عليه الاعادة أو القضاء.
وأمّا الصورة الثانية: فكما لو أفتى أحد المجتهدين بوجوب السورة في الصلاة دون
جلسة الاستراحة، وأفتى الاخر بالعكس، ثمّ صلّى المقلّد صلاة خالية عن كلّ من
السورة والجلسة، تقليداً للاوّل في ترك الجلسة، وللثاني في ترك السورة، حيث يعلم
ـ بذلك ـ من أنّ صلاته لا يضمنها لا المجتهد الاوّل، ولا المجتهد الثاني، لكن لا
علم له بمخالفة صلاته للواقع، لعدم العلم القطعي بوجوب شيء من السورة أو الجلسة في
الصلاة.
فهل يجوز مثل هذا التبعيض ؟ فيه وجهان:
من أنّ هذه الصلاة ككل لا تستند إلى حجّة شرعية، فليس هناك واحد من المجتهدين يقول
بصحّتها.
ومن أنّ كلّ جزء من أجزاء الصلاة موضوع مستقل، ومورد للاحكام الشرعية، وقد كان
يجوز للمقلّد تقليد هذا المجتهد، وذاك، فقلّد أحدهما في جزء من الصلاة، وقلّد
الثاني في جزء آخر، ولا دليل على وجوب مطابقة الصلاة كلّها لفتوى خاصّة واحدة
لمجتهد واحد.
وعن الشيخ الانصاري (قدس سره) اختيار عدم جواز التبعيض، وفي تقريرات بعض المعاصرين
الاشكال عليه، وقد مثّلا له بما لو أفتى أحد المجتهدين بوجوب صلاة الجمعة، ووجوب
السورة، وأفتى الاخر بعدم وجوب الجمعة، وعدم وجوب السورة، فصلّى المقلّد الجمعة
بدون السورة.
وقد يقال: بأنّه لو كانت للادلّة اللفظية لحجّية التقليد، إطلاق أحوالي، جاز مثل
هذا التبعيض، وإن لم يكن لها إطلاق أحوالي، أو كان المتّبع الادلّة غير اللفظية:
من بناء العقلاء، أو السيرة، أو الاجماع ونحو ذلك، فلا يجوز.
والمسألة بعد محلّ تردّد، وإن كان الاحوط عدم الجواز.
وأمّا الصورة الثالثة: وهي التي لا يلزم من التبعيض في المسألتين لا مخالفة عملية
للواقع، ولا لفتوى المجتهدين معاً، فكما لو أفتى أحدهما بوجوب السورة والجلسة
معاً، وأفتى الاخر بعدم وجوبهما، فصلّى المقلّد مع السورة بلا جلسة، تقليداً منه
في كلّ من الفرعين لواحد من المجتهدين، فإنّ صلاته ليست مخالفة للواقع لا وجداناً
ولا تعبّداً، إذ لا علم بالمخالفة وجداناً، ولا هي مخالفة لفتوى كلا المجتهدين،
إذ هي مخالفة فقط لفتوى من يقول بوجوبهما معاً، وليست مخالفة لفتوى من يقول بعدم
وجوبهما.
الظاهر: عدم الاشكال في صحّة مثل هذا التبعيض، لانّه في الحقيقة ليس تبعيضاً، بل
تقليداً للذي يفتي بصحّة ذلك، وإن كانت صورته صورة التبعيض، للاستناد في كلّ جزء
إلى مجتهد.
وأمّا القسم الثالث من التبعيض في التقليد: فهو ما كان في مسألة واحدة، كما لو
أفتى أحدهما بنجاسة عرق الجنب من الحرام، والاخر بطهارته، فلاقى هذا العرق إناء
ماء، فقلّد القائل بطهارته فشرب من الاناء، وقلّد القائل بالنجاسة فترك الوضوء أو
الغسل به إلى التيمّم.
فهل يجوز مثل هذا التبعيض مطلقاً، أم لا يجوز مطلقاً، أم يفصّل بين ما إذا لزمت
مخالفة قطعية للواقع، أو حتّى لرأييهما ـ على الخلاف ـ مطلقاً، أو في واقعة خاصّة
فلا يجوز، وبين ما إذا لم تلزم المخالفة القطعية للواقع وجداناً أو تعبّداً فيجوز
؟
وجوه، بل في بعض الشروح: أنّها أقوال أيضاً.
الاقوى: الاخير، وإن كان الاحتياط مع المنع مطلقاً.
ومثال المخالفة القطعية للواقع وجداناً، ما لو دخل وقت الصلاة وليس معه ماء سوى ما
لاقى عرق الجنب من الحرام، فقلّد القائل بالطهارة وغسل به الدم المعفو في الصلاة،
وقلّد القائل بالنجاسة فترك رفع الحدث به وتيمّم للصلاة، حيث أنّه يعلم ببطلان
صلاته، لانّه إن كان العرق طاهراً فصلاته مع التيمّم حال وجود الماء والقدرة عليه
باطلة، وإن كان العرق نجساً فغسل الدم به نجّسه وصارت صلاته في النجس غير المعفو
عنه في الصلاة.
ومثال المخالفة القطعية للواقع تعبّداً (أي: لرأيي المجتهدين) ما إذا أفتى أحدهما
بوجوب جلسة الاستراحة في الصلاة وعدم بطلانها بالتكتّف، وأفتى الاخر بالعكس فيهما،
فصلّى متكتّفاً بدون جلسة الاستراحة.
لكن قد يقال: بأنّ العلم بالمخالفة القطعية الناتج من اتّباع دليلين ليس عزيز
الوجود في الفقه، كمسألة جمع استصحاب طهارة الاعضاء، واستصحاب الحدث الموجب
للتيمّم، حيث إنّه يقطع بالمخالفة للواقع إمّا في طهارة أعضائه، أو في تيمّمه مع
وجود الماء، فتأمّل.
واستدلّ لمنع هذا القسم من التبعيض مطلقاً، بأنّه من صغريات العدول، وهو من الحي
إلى الحي غير جائز.
أمّا على القول المعروف بأنّ التقليد هو العمل ـ لا مجرّد الالتزام ـ فالعمل برأي
مجتهد في مسألة، والعمل برأي مجتهد آخر في نفس تلك المسألة عدول.
وأمّا على القول بكون التقليد هو الالتزام، فلانّ فتوى المجتهد بما أنّها تتعلّق
بالحكم الكلّي دون خصوصيات الموارد، كان الالتزام بفتوى هذا في مسألة، ثمّ
الالتزام بفتوى مجتهد آخر في نفس تلك المسألة عدولاً عن الاوّل إلى الثاني، إذ لا
يمكن الالتزام بالرأيين الكلّيين المتخالفين.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما تقدّم من الاشكال في إطلاق حرمة العدول ـ أنّ كون المقام من
العدول لا يخلو من خفاء، إذ عمدة الدليل الذي أُقيم على حرمة العدول هي: أنّ
الامارات ـ ومنها فتوى الفقيه ـ وظائف للجاهل، والمقلّد بالتقليد من المجتهد خرج
عن كونه جاهلاً، فلا حجّية للامارات في حقّه.
وهذا الدليل لا يشمل تقليد مجتهدين في مسألة واحدة، إذ على القول بكون التقليد هو
العمل فواضح، لانّه بعد لم يعمل حتّى يخرج عن كونه جاهلاً بل يعمل بالفتويين معاً
قبل صدق التقليد عليه ليترتّب عليه صدق العدول.
وأمّا على القول بكون التقليد هو الالتزام، فهو أيضاً كذلك، إذ الالتزام
بالفتويين كان معاً، فلا تقدّم للالتزام بهذه الفتوى، حتّى يكون الالتزام بالاُخرى
عدولاً عن الاُولى.
نعم، لو التزم بالعمل بإحدى الفتويين التزاماً قطعياً بلا تردّد، ثمّ أراد
الالتزام بالفتوى الاُخرى أيضاً، فبناءً على الالتزام يشكل الامر، اللهمّ إلاّ أن
يقال بعدم صدق العدول حينئذ أيضاً، لانّ العدول معناه: ترك الاوّل والاخذ بالثاني، وفيما نحن فيه ليس ترك الاوّل،
بل الاخذ بالاوّل والثاني معاً.
لكن فيه: أنّ القائلين بحرمة العدول ليس دليلهم على الحرمة وجود لفظ: العدول،
حتّى يدار مدار صدقه وعدمه، وإنّما دليل حرمة العدول ارتفاع جهل المقلّد بالتقليد، وعلى القول بأنّ التقليد هو الالتزام، فالالتزام بإحدى الفتويين يرفع جهل
المقلّد، فلا يبقى مجال لحجّية الفتوى الثانية بحقّه، لكونه عالماً
... وإذا كان أحدهمنا أرجح من الاخر في العدالة، أو الورع، أو نحو ذلك فالاولى
بل الاحوط اختياره.
تعبّداً، والفتوى حجّة في حقّ الجاهل.
والحاصل: أنّ الاقوى جواز التبعيض مطلقاً في الاقسام الثلاثة، إلاّ ما أوجب العلم بمخالفة الواقع المطلوب، وهكذا ما أوجب المخالفة لرأيي المجتهدين كليهما على الاحوط.
وإذا كان أحدهما أرجح من الاخر في العدالة، أو الورع، أو نحو ذلك: من
الاوصاف غير العلم، وقيّدناه بغير العلم من الاوصاف لما سبق من فتوى المصنّف بوجوب
تقديم الارجح علماً.
والمراد بقوله: « نحو ذلك » كالارجح اجتهاداً، لكونه أصفى ذهناً، أو أقوى حدساً، وما شاكل فالاولى بل الاحوط اختياره وقد سبق عند المسألة الثالثة عشرة عدم الدليل
بنحو الاطلاق على لزوم تقديم الارجح في مثل ذلك، لكن الاولوية العقلية لا بأس بها.
أمّا الاحتياط الشرعي خصوصاً مع كلمة: « بل » الدالّة على الاضراب وإفادة أنّها
احتياط وجوبي لعدم سبق الفتوى ولا لحوقها له، ففيه إشكال.
قال في الجواهر: « نعم مع تساويهما في العلم يقدّم الاعدل، لكونه أرجح حينئذ،
فيكون الحاصل حينئذ: ترجيح أعلم الورعين وأورع العالمين، لقاعدة قبح ترجيح المرجوح
على الراجح »(7).
وتبع الجواهر المسالك حيث قال: « ومع تساويهما في العلم يقدّم الاعدل، نظراً إلى
ثبوت الرجحان المقتضي لقبح تقديم المرجوح عليه، ويتحصّل من ذلك: أنّه يترجّح أعلم
الورعين وأورع العالمين »(8).
وفيه: مناط حكم العقل برجوع الجاهل إلى العالم وبناء العقلاء، ليس إلاّ رفع الجهل، وهو يحصل بالورع والاورع فالقبيح ـ في القاعدة العقلية ـ ترجيح المرجوح فيما هو
ملاك الحكم لا مطلقاً، وإلاّ وجب تقديم أورع المخبرين ـ في الحسّ ـ وأورع الطبيبين، وأورع المقوّمين وهكذا ـ في الحدس ـ ولم يقل به أحد. وإلاّ وجب تقديم الاوفق
للمشهور، والاوفق لاعلم الاموات، وهكذا، ولا يقولون بذلك، مع أنّه بلا دليل ملزم.
وبعبارة أُخرى يجاب نقضاً: بجميع موارد وجود الارجح، وترك تقديمه، مثل الاعلمية
التي أفتى نفس صاحب الجواهر (قدس سره) في نفس كتاب القضاء بعدم وجوب تقديمه وإنّه
ليس صغرى لقاعدة ترجيح المرجوح على الراجح.
قال: « وإجماع المرتضى مبني على مسألة تقليد المفضول الامامة العظمى مع وجود
الافضل، وهو غير منا نحن فيه، ضرورة ابتنائها على قبح ترجيح المرجوح على الراجح... ولا مدخلية لهذه المسألة فيما نحن فيه... في جواز الرجوع إلى رواة أحاديثهم
وفقهاء شرعهم وإن تفاوتوا...»(9).
وقال أيضاً بالنسبة للاعلمية: « إنّه لا دليل عقلاً ونقلاً في وجوب العمل بهذا
الرجحان »(10).
وحلاً: بأنّ الاصلين: العقلي والشرعي، الدالّين على البراءة « رفع ما لا يعلمون
» و « بلا بيان » يجعل التخيير راجحاً، لا مرجوحاً، نظير الترجيح ببقية الاُصول
العملية في مواردها.
الاوّل: لو أخذ المقلّد الفتوى العامّة للعمل بها في فرد خاصّ، فهل يجوز له تقليد
مجتهد آخر في فرد آخر، أم لا ؟
مثلاً: لو سأل العامي المجتهد الاوّل القائل بنجاسة كلّ كافر عن نجاسة الوثني ؟
فأفتاه بالنجاسة، وعمل بقوله فاجتنب عن الخادم الوثني الموجود في بيته، ثمّ جاء
له خادم ثان نصراني، فهل يجوز له مطلقاً تقليد مجتهد آخر قائل بطهارة أهل الكتاب،
أم لا يجوز مطلقاً، أم يفصّل بين ما إذا كان المجتهد القائل بنجاسة الوثني
والنصراني قد انتزع النجاسة من دليلين فأفتى فيهما بفتوى واحدة، وبين أن تكون
فتواه بالنجاسة فيهما مأخوذة من دليل واحد يعمّهما، فيجوز التبعيض في الاوّل دون
الثاني ؟
وجوه، بل أقوال:
الاوّل: من أنّ التقليد ـ عملاً كان أو التزاماً ـ قد تعلّق بالوثني فقط، فحكم النصراني مسألة أُخرى، يجوز للمقلّد تقليد مجتهد ثان فيه، لانّ المحذور في عدم الجواز هو: صدق العدول، ولا يصدق فيما نحن فيه، فيجوز تقليد الثاني في النصراني مطلقاً.
الثاني: ومن أنّ صدق العدول وعدم صدقه يتّبعان كون الموضوع واحداً أم لا، والوحدة
وغيرها في المقام ليسا بيد العرف بل بيد الشارع، ولمّا كان حكم الوثني والنصراني
واحداً شرعاً، كان تقليد الثاني في النصراني، بعد تقليد الاوّل في الوثني عدولاً عن
الاوّل.
وذلك نظير ما لو قلّد أحد المجتهدين في طهارة طائفة من النصارى فشرب الماء من
أيديهم التي لامسوه بها، ثمّ قلّد مجتهداً آخر في نجاسة طائفة أُخرى من النصارى
فترك الوضوء والغسل بالماء الذي لامسوه وتيمّم، أو قلّد أحدهما في الحكم بطهارة
واحد من النصارى، ثمّ قلّد المجتهد الاخر في الحكم بنجاسة رجل آخر من النصارى،
فكما لا يجوز ذلك لوحدتهما شرعاً، موضوعاً وحكماً، وإن كانا يختلفان عرفاً،
وحتّى عند النصارى أنفسهم، في بعض المصاديق، كذلك في مثل الوثني والنصراني،
فبناءً على ذلك لا يجوز تقليد الثاني في طهارة النصراني مطلقاً.
الثالث: ومن أنّ حكم المجتهد الاوّل بنجاسة الوثني والنصراني إن كان منتزعاً من دليلين مختلفين ولكن المجتهد عبّر عنهما بتعبير واحد، وألقاه بصورة مسألة واحدة، جاز التبعيض لانه في الواقع تقليد مجتهدين في مسألتين، ولا يفرّق في ذلك أن تكون المسألتان ذات حكم واحد، أو حكمين، وإن كان الحكم بنجاستهما منتزعاً من دليل شرعي واحد، فهو من التبعيض في المسألة الواحدة الذي لا يجوز.
أقول: الذي يساعد عليه النظر هو الاوّل، وإن كان الاحوط الثاني، إذا لم تكن فتوى
الثاني موافقة للاحتياط، وإلاّ جاز بل رجّح من باب إنّه احتياط، وهكذا إذا لم يكن
الرجوع إلى الثاني ملازماً لخلاف الاحتياط، كما إذا قلّد الاوّل في الطهارة، فشرب
الماء، وقلّد الثاني في النجاسة فأراد ترك الوضوء بهذا الماء والتيمّم للصلاة،
فإنّه مخالف للاحتياط لواجد الماء، فتدبّر.
أمّا التفصيل فقد يقال: بأنّ فتوى المجتهد ليست سوى مرآة للادلّة، وإنّه ـ كما
قيل ـ مرجع التقليد نائب عن مقلّديه في الاستنباط من الادلّة، وإذا اختلفت الادلّة
كان الواقع مسائل عديدة لا مسألة واحدة.
وقد يقال: بأنّ التفصيل وجه اعتباري، ولا تبنى الاحكام الشرعية على الوجوه
الاعتبارية، فتأمّل.
الفرع الثاني: هل يجوز التبعيض في التقليد بين الحكم والموضوع، فيقلّد مجتهداً في موضوع، ويقلّد آخر في حكم ذلك الموضوع، المتخالفين في الفتوى، كما لو أفتى أحدهما بوجوب التيمّم البدل عن الغسل لكلّ صلاة ما دام العذر باقياً، والاخر بعدم وجوب أكثر من تيمّم واحد ما دام العذر، واختلفت فتاواهما في أنّ التيمّم موضوعاً ضربة واحدة، أو ضربتان، فقلّد أحدهما في الحكم، والثاني في الموضوع، أقوال:
أحدها: الجواز مطلقاً، لما مرّ من جواز التبعيض مطلقاً إلاّ إذا أوجب المخالفة القطعية للواقع.
ثانيها: عدم الجواز مطلقاً، واستدلّ له بأُمور غير خالية عن الاشكال:
منها أنّ الحكم لمّا كان متقوّماً بموضوعه، فلو رجع في موضوع الحكم إلى مجتهد آخر
كان ذلك منافياً لتقليده للاوّل في حكم هذا الموضوع، لانّ الحكم إنّما كان لهذا
الشيء في نظر المجتهد الاوّل لا لغيره، فيكون فيه مناط العدول، إن لم يكن هو بنحو
من التنزيل.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ المنافاة للتقليد الاوّل ليس محذوراً قعطياً حتّى يجعل
دليلاً للبطلان ـ أنّ الموضوع والحكم شيئان، نظير حكمين متلازمين في نظر مجتهد
واحد غير متلازمين في نظر مجتهد آخر، حيث قدّمنا: جواز تقليد أحدهما في أحد
الحكمين، وتقليد الاخر في الحكم الثاني، وارتباطهما (أي: الموضوع والحكم) في نظر
هذا المجتهد لا يجعلهما في الواقع واحداً.
ومنها: أنّ المجتهد أفتى بالحكم لهذا الموضوع الخارجي المعيّن في نظره، لا لكلّ ما
قدّر أنّه موضوع له.
وفيه: أيضاً ـ مضافاً إلى أنّ نظره لا يوجب تقيّد المقلّد به أكثر ممّا قلّده فيه، نظير الحكمين المتلازمين بنظره ـ ما عن المحقّق الاصفهاني (قدس سره): من أنّ
المجتهد يفتي بالحكم للموضوع الواقعي لكنّه يتصوّر تصوّراً آخر أنّ الموضوع الواقعي
هو ذاك المعيّن، فلا منافاة.
ومنها: على فرض تسليم تعلّق الحكم بكلّي مفهوم لفظ الموضوع، لكن تعيين المفهوم لا
يجوز فيه التقليد إذ التقليد في مفهوم اللفظ راجع إلى التقليد في الحكم، والمفروض
أنّه مقلّد في الحكم، فيلزم تقليد مجتهدين في حكم واحد.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما مرّ ـ أنّه لا نسلّم لزوم كون ترتيب الحكم على الموضوع بنظر
المجتهد، وليس ذلك من تقليد مجتهدين في حكم واحد، ويمكن تنظيره بما لو اجتهد
المقلّد في الموضوع وأدّى نظره إلى خلاف فتوى المجتهد الذي قلّده في حكمه.
ثالثها: التفصيل بين الموضوع الشرعي الجعلي، والمستنبط ونحوهما ممّا يجب فيه
أيضاً التقليد كالتيمّم مثلاً المذكور في صدر الفرع فيجوز التبعيض، وبين الموضوع
الخارجي العرفي كالماء فلا يجوز.
وذلك لانّ الموضوع الذي يجب أخذه من طريق شرعي هو والحكم سواء، بل التفريق في
الموضوع والحكم إنّما هو في الاسم فقط، وإلاّ فهما كالحكمين اللذين يجوز فيهما
التبعيض.
وأمّا الموضوع الخارجي العرفي فلانّه:
أوّلاً: لا يجوز التقليد فيه إذا تخالف نظر المقلّد والمجتهد فيه ـ كما هو المعروف
بينهم ـ فلا يبقى محل لتسمية ذلك تبعيضاً في التقليد.
وثانياً: على القول بجواز التقليد فيه أيضاً لصدق « الحوادث » في قوله (عليه
السلام): « وأمّا الحوادث الواقعة » على الموضوعات العرفية الخارجية التي في
مصداقية بعضها نوع خفاء « كالاسبرتو » مثلاً أيضاً كما ذهب إليه البعض، ويميل إليه
الاخ الاكبر فليس الموضوع حينئذ شيئاً وراء الحكم، بل الاثنينية دقّية، فلا محلّ
للتبعيض فيه، فتأمّل.
وفي المقام فروع أُخرى تعرّض لذكرها البعض تركناها خوف التطويل.