المسألة (29): كما يجب التقليد في الواجبات والمحرّمات، يجب أيضاً وجوباً
مقدّمياً في المستحبّات والمكروهات والمباحات لانّ العامي ـ غير العامل بالاحتياط ـ
مأمور بالتقليد من المجتهد الجامع للشرائط، وقد حذف متعلّق التقليد في الادلّة مثل
قوله (عليه السلام): « فللعوام أن يقلّدوه » وغيره، وحذف المتعلّق يفيد العموم،
فيجب على العامي التقليد في الاحكام الخمسة.
بل يجب أيضاً وجوباً مقدّمياً تعلّم حكم كلّ فعل يصدر منه سواء كان من العبادات،
أو المعاملات، أو العاديات من الافعال حتّى اللباس، والتزيين، وحضور المجالس،
ونحو ذلك، لاطلاق الامر بالتقليد أو عمومه في الادلّة.
بل الدليل العقلي أيضاً عام يشمل كلّ الموارد كما أسلفنا في شرح المسألة الاُولى.
ويؤيّده: ما رواه النوري (قدس سره) في المستدرك، عن محمّد بن أبي القاسم الطبري
في بشارة المصطفى حديثاً مسنداً إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال لكميل:
« ياكميل ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة »(1).
نعم، لو عمل أيّ عمل ـ عبادياً كان أو معاملياً أو غيرهما ـ بلا تقليد ثمّ طابق
عمله الواقع لا استحقاق للعقاب إلاّ على القول بحرمة التجرّي، وأمّا البطلان في
هذه الصورة: فلا، نظير ما مرّ في المسألة الاُولى من وجوب التقليد أو الاجتهاد أو
الاحتياط: من أنّ التارك لها إن طابق عمله الواقع صحّ ولا استحقاق للعقاب إلاّ على
التجرّي، وقد مرّ هناك تفصيل البحث، والكلام فيما نحن فيه أيضاً كذلك طابق النعل
بالنعل.
وعلّق جمع من مراجع العصر والمقاربين على المتن هنا: بتقييده بما إذا لم يعلم عدم الالزام في الحكم، ولا كان اتيانه بقصد القربة، أمّا مع عدمهما، كما إذا أتى بالمستحبّ، أو المكروه، أو المباح لا بعنوانه الخاصّ به ممّا يجعله تشريعاً محرّماً، بل بعنوان أنّه جائز بالمعنى الاعمّ، وكان عالماً بأنّه غير لازم ـ وجوباً أو تحريماً ـ صحّ عمله، وجاز، ولم يحتجّ إلى التقليد، وذلك لما استقرّت عليه طريقة المشهور من كون وجوب التقليد مقدّمياً لا نفسياً، فعليه: لا مصلحة فيه إلاّ ما في ذي المقدّمة من الطاعة المتقوّمة باتيان الواجبات وترك المحرّمات، وفي فرض علم العامي بعدم وجوب ما تركه، أو عدم حرمة ما فعله جاز له تركه أو فعله بدون تقليد، وكذلك إذا أتى بالعباديات بقصد الرجاء، لا بقصد الورود فلم يكن تشريعاً ـ على فرض عدم وروده ـ فلم يكن حراماً.
والكلام متين في أصله، إلاّ أنّ الغالب لغالب العوام: عدم حصول مثل هذا العلم،
وتوقّف معرفتهم للواجبات والمحرّمات على التقليد، فاحتمال وجوب المستحبّ ولو على
بعض الاحوال، وكذا احتمال حرمة المكروه ولو على بعض الصور، وهكذا احتمال وجوب أو
حرمة المباح ولو على بعض الوجوه، هذه الاحتمالات قائمة لهم، ومعها لا طريق لهم إلى
إحراز الطاعة إلاّ بالتقليد في جميعها.
وكما نشاهد الان أنّ بعض العوام كثيراً ما إذا عرفوا أنّ الامر الفلاني مستحبّ،
يأتون به ولو عارض واجباً، أو سبّب حراماً، أو إذا عرفوا أنّ الامر الفلاني مكروه، يجتنبونه ولو توقّف اجتنابه على فعل الحرام وترك الواجب، وكذلك في المباح، ومع
ذلك كلّه كيف يصحّ له العمل مطلقاً بمجرّد العلم بالاستحباب والكراهة والاباحة ؟
فالاشكال من المعلّقين وإن كان في محلّه على نحو الموجبة الجزئية لاطلاق الماتن
(قدس سره) إلاّ أنّ الطريق غالباً ـ لا كلّياً ـ منحصر للعوام في ذلك، وفي مثل ذلك
التقييد للعوام غير لازم، ولقد أعجبني صنع بعض مراجع العصر الذين قيّدوا في كتبهم
الاستدلالية المسألة بصورة عدم العلم، لكنّهم تركوا التعليق عليها في العروة.
ثمّ إنّ بعض العوام اليوم يحصل لهم الاطمئنان إلى العديد من الاحكام المخالفة
للواقع والمخالفة لفتوى المراجع، فيعملون أُموراً مع اطمئنانهم بجوازها، ثمّ يظهر
لهم حرمتها أو لا يظهر لهم أيضاً ذلك، ويتركون أُموراً مع اطمئنانهم إلى عدم
وجوبها وهي واجبة، ثمّ يظهر لهم ذلك أو لا يظهر أيضاً ـ باستثناء غير المبالين
بالدين الذين يعملون بلا حصول اطمئنان لهم على أحد الطرفين ـ فهل هم معذورون فيها
للجهل المركّب أم لا ؟
والجواب: أنّهم على قسمين: قاصر، ومقصّر. في مقدّمات تحصيل الاحكام، فالاوّل
معذور ولو كان من أجل عدم الالتفات الناشئ عن غير تقصير، والمقصّر في المقدّمات
غير معذور تكليفاً، وأمّا وضعاً بمعنى بطلان عمله ففيه بحث مفصّل ليس هنا محلّه وقد
أوفيناه في الاُصول.
وهنا كلام نبّه عليه عدد من الشرّاح: وهو أنّ الادعية، والزيارات، والاوراد
ونحوها المذكورة في كتب الادعية المتداولة بأيدي الناس ممّا مؤلّفوها ثقات:
كالاقبال للسيّد ابن طاوس، والمصباح للشيخ، وزاد المعاد، وتحفة الزائر، وحلية
المتقّين للعلاّمة المجلسي، ومرآة الكمال للمامقاني، ومعراج السعادة وجامع
السعادات للنراقيين، والدعاء والزيارة للاخ الاكبر، ومفاتيح الجنان للشيخ عباس
القمّي قدّس الله تعالى أسرارهم هل يجوز الاعتماد عليها، والاتيان بها بعنوان
المستحبّ، والمكروه والمباح، أم يجب على العامي سؤال مرجع تقليده فيها ؟
فلعلّ ما ذكره السيّد مستحبّاً هو واجب عند مرجع تقليده، ولعلّ ما ذكره الشيخ
مكروهاً هو حرام عند مرجع تقليده، كما أنّه لعلّ ما ذكر من الاستحباب والكراهة غير
صحيح أصلاً، فيكون الاتيان به بذاك العنوان تشريعاً محرّماً ؟
وجهان، بل قولان:
أصرّ على عدم الجواز بعض المراجع المعاصرين، قال: « وممّا سردناه ظهر أنّ الادعية
والاوراد المنقولة في كتب الادعية المتداولة بين الناس لا يسوغ أن يؤتى بها بإسناد
محبوبيتها إلى الله سبحانه أي بعنوان أنّها مستحبّة، إلاّ مع القطع بكونها مستحبّة، أو التقليد فيها ممّن يفتي بذلك، وإلاّ لكان الاتيان بها كذلك من التشريع
المحرّم، نعم لا بأس بالاتيان بها رجاءً فإنّه لا يحتاج معه إلى التقليد »(2).
وذهب إلى الجواز الاخ الاكبر(3) وبعض آخر.
استدلّ لجواز الاعتماد بأُمور تالية:
أحدها: السيرة المستمرّة بين المتديّنين على ذلك من غير نكير بل ثبوت ارتكازهم
عليه.
ثانيها: شمول العمومات والاطلاقات للمؤلّفين الثقات، مثل قوله (عليه السلام): «
لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا »(4).
وفيه: أنّه في الحسّ لا الحدس، وإلاّ لجاز تقليد الميّت ابتداءً.
ثالثها: أنّ المؤلّفين لهذه الكتب كتبوا هذه الكتب للعمل بها، لا للاجتهاد. فيكون
العمل على طبقها جائزاً.
وفيه: أنّه بنظرهم حجّة، لا بنظر فقيه آخر.
رابعها: شمول « من بلغ » لها وإن لم ينقلوا الرواية بنصّها.
والحاصل: أنّ الثاني والثالث منها لا يخلو من مناقشة، فيبقى منها الاوّل والرابع،
ولعلّه يكفي في المقام.
نعم، لو احتمل المقلّد العامل بهذه الكتب أنّ واحداً من المستحبّات المذكورة واجب، أو واحداً من المكروهات المذكورة فيها حرام، سواء كان معيّناً أم غير معيّن وجب
عليه مراجعة مرجع التقليد في ذلك، لكن هذا الاحتمال منفي غالباً.
كما أنّ مرجع التقليد إنّما يجوز له إرجاع مقلّديه إلى مثل هذه الكتب، فيما علم عدم
وجود ما يخالف نظره من جهة الحكم الالزامي وعدمه.
هذا بناءً على ما هو المشهور: من حرمة تقليد الميّت ابتداءً، وحرمة العدول عن
الحي، وإلاّ على القول بالجواز في المسألتين فالامر سهل.
ولعل عدم منع أحد من المراجع طيلة القرون المتمادية الناس عن اتّباع هذه الطريقة،
حتّى أصبح لهم من المرتكزات التي ربما يعتمد على مثلها طريقاً عرفياً للوصول إلى
مرادات الموالي، إنّما هو ناشئ عن عدم ثبوت حرمة الامرين بدليل قطعي عام يشمل جميع
الافراد، وفي كلّ الصور، حتّى مثل ما نحن فيه.
ثمّ إنّه لا شكّ في أنّ كتب الادعية ذكرت المستحبّات والمكروهات بعنوان المكروه
والمستحبّ، وقد أرجع الفقهاء إليها من دون تقييد بقصد الرجاء.
وإليك نماذج منها:
النموذج الاوّل: قال في مجمع الفائدة: « واعلم أيضاً أنّ الرواية التي رأيتها ما
دلّت على استحباب الغسل لصلاة الاستخارة والحاجة على الطريق المنقول في كتب الادعية
»(5).
النموذج الثاني: وقال أيضاً: « وهو مذكور في كتب الادعية »(6).
النموذج الثالث: قال في ذخيرة المعاد: « كصلاة الغفيلة وغيرها، وكذا صلاة
الرغائب، ونافلة رمضان، فإنّ بعضها ما بينهما (أي: المغربين) وغيرها ممّا يشتمل
عليها كتب الادعية »(7).
النموذج الرابع: وقال أيضاً: « وليلة المبعث ويومه وهو: السابع والعشرون من رجب، ذكر الاصحاب في هذه الاوقات صلوات متعدّدة في كتب الادعية »(8).
النموذج الخامس: قال في غنائم الايّام: « المطلب الرابع: في سائر النوافل، وهي
كثيرة جدّاً مذكورة في كتب الادعية »(9).
النموذج السادس: قال في مستند الشيعة: « في الصلوات النوافل غير اليومية، وهي
كثيرة مضبوطة في كتب الادعية »(10).
النموذج السابع: قال أيضاً: « ومنها ما يختصّ بسبب مخصوص وأفراده غير محصورة،
مذكورة في كتب الادعية والاداب »(11).
النموذج الثامن: قال في العروة الوثقى: « ومنها ما يختصّ بسبب مخصوص، وهي كثيرة
مذكورة في كتب الادعية »(12). ولم يعلّق أحد من العشرات من المعلّقين.
النموذج التاسع: قال في التنقيح عند قول صاحب العروة: « فصل في صلاة قضاء الحاجات
وكشف المهمّات ـ وقد وردت بكيفيات » قال: « وهي كثيرة مذكورة في كتب الادعية
وغيرها كالبحار ونحوه من المجاميع »(13).
النموذج العاشر: وقال أيضاً في صلوات رجب وشعبان وشهر رمضان: « وهي كثيرة مذكورة
في كتب الادعية، سيّما ما وضع لاعمال الشهور الثلاثة »(14).