المسألة (28): يجب تعلّم مسائل الشكّ والسهو الراجعة إلى الصلاة كما يجب تعلّم المسائل الاُخر المرتبطة بالصلاة، وكذا بالصوم وبغيرهما من الواجبات الشرعية، كطاعة الوالدين، وصلة الرحم، ونحوهما، وإن كان الاخيران يكفي إتيانهما توصّليين بدون نيّة القربة، ولكن في الوجوب سواء مع غيرهما، وهذه المسألة من صغريات المسألة الاُصولية وهي: عموم استحقاق العقاب على ترك التعلّم للاحكام قبل حصول الوجوب للواجبات المشروطة أو الموقّتة ونحوهما.
قيل: وإنّما خصّ المصنّف تبعاً لغيره من بين ما يجب تعلّمه مقدّمة: مسائل الشكّ
والسهو لاُمور:
أحدها: كثرة الابتلاء بها لغالب الناس، لكون الصلاة تؤدّى في كلّ يوم خمس مرّات
على الاقل، بخلاف سائر العبادات والواجبات.
ثانيها: أنّ الابتلاء بهما غالباً يكون في حال الصلاة التي لا يمكنه غالباً
تعلّمهما، فيلزم عليه حينئذ ـ إذا لم يعرف مسائلهما ـ ارتكاب أحد أمرين إمّا قطع
الصلاة وهو حرام على المشهور، أو البناء على طرف واحد بقصد الرجاء وهو حرام
احتمالي، إذ لو لم يطابق الواقع ما بنى عليه وكان مقصّراً في التعلّم قبل الصلاة
كان فعله حراماً.
لا يقال: إنّه مع جهله حال الصلاة لا يمكن أن يتصوّر له القدرة على الطاعة حتّى
يصدق عليه المعصية.
فإنّه يقال: ما بالاختيار لا ينافي الاختيار كما قالوا.
ثالثها: إعراض غالب الناس عن تعلّمهما بما لا يوجد مثل هذا الاعراض عن مسائل أصل
الصلاة والصوم.
لكن ببركة ذكر الشيخ الانصاري والسيّد المجدّد والشيخ الشيرازي والمصنّف (قدس سرهم)
لمسائلهما وتبعية معظم المراجع الذين جاءوا بعدهم لهم، أصبحت لمسائل الشكّ والسهو
سوق رائجة حتّى أصبح أحياناً ذكرها يطغى على ذكر المسائل التي هي أهمّ منها قطعاً.
ولا يخفى أنّ هذه المسألة من صغريات المسألة السابقة لانّ الشكّ والسهو، يدخلان في
كلّ من « الشرائط، والموانع، والمقدّمات » باعتبارات مختلفة كما لا يخفى للمتأمّل.
وفي رسالة الشيخ الانصاري العملية المحشّاة بحاشيتي: المجدّد والشيخ محمّد تقي
الشيرازيين ـ رضوان الله عليهم ـ الحكم بفسق من لم يتعلّم عمداً مسائل الشكّ والسهو
وسجدة السهو وأحكام الظنّ والمنافيات، ولم يعلّق عليه حتّى بالاحتياط المحقّقان
المذكوران، وقد ذكرت جهات لهذه الفتوى من الشيخ والمحقّقين الاخرين:
أحدها: أنّ ترك تعلّمها مع العلم أو الاحتمال بالابتلاء بها من مصاديق التجرّي.
وفيه: أنّ التجرّي لا يلتزم الشيخ (قدس سره) نفسه بحرمته، انظر رسائله.
ثانيها: أنّ التجرّي وإن لم يكن محرّماً في نفسه إلاّ أنّه يكشف عن سوء الباطن
وخبث السريرة كما يقوله الشيخ الانصاري (قدس سره)، وسوء الباطن وخبث السريرة
ينافيان ملكة العدالة، لانّ ذا الملكة لا يقدّم على مثله، ومن كان كذلك فليس
بعادل، فهو فاسق.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ العدالة ليست الملكة، بل أسلفنا أنّه لم يدلّ دليل متقن
على لزوم الملكة في العدالة، وإنّما العدالة هي حسن الظاهر أو طريق إليها ـ أنّه
قد ذكرنا في مسألة العدالة سابقاً: من أنّ القول باعتبار الملكة في العدالة لا
يلازم نفي الواسطة بين العدالة والفسق، بل هناك عادل، وفاسق، وشقّ ثالث، ولكلّ
واحد من الشقوق الثلاثة أحكام خاصّة به غير الاخرين، فالعادل يصلّي جماعة معه،
والفاسق يجب تأديبه، والشقّ الثالث لا يجوز الجماعة معه، ولا يجب بل لا يجوز
تأديبه في بعض الصور، لانّ الفسق والعدالة أمران حادثان ومقتضى الاصل الاوّلي
عدمهما، فلا يحكم بوجود أحدهما بمجرّد فقد الاخر.
ثالثها: أنّ تعلّم الواجبات واجب نفسي، وتركه موجب للفسق.
وفيه: عدم التزام المشهور ـ ومنهم الشيخان والسيّد (قدس سرهم) ـ بذلك، لذهابهم إلى
كون التعلّم واجباً مقدّمياً عقلياً وليس شرعياً أصلاً.
رابعها: ما ذكره بعض المراجع المعاصرين ـ واعتبره الوجه الوجيه في المقام ـ « من
أنّ التجرّي وإن لم يكن حراماً في نفسه، ولم يكن التعلّم واجباً نفسياً، إلاّ أنّ
العناوين المذكورة للعادل في الروايات من « الخير » و « الصالح » و « الموثوق بدينه
» ونحوها لا تصدق على مثله ممّن لا يبالي باحتمال مخالفة الله وعصيانه ـ إلى أن قال: ـ فمثله لا يطلق عليه شيء من العناوين المتقدّمة، ولابدّ من الحكم بفسقه »(1).
وفيه: أنّه أي فرق بين هذا الوجه، وبين الوجه الثاني الذي ردّه هذا المرجع
المعاصر نفسه ؟ قائلاً: بأنّه لا دليل على عدم الواسطة وأنّ من ليس بعادل فهو فاسق، وأضاف إلى ذلك إنكار اشتراط الملكة في العدالة، فكيف حكم هنا أنّه بمجرّد عدم
إطلاق عناوين العدالة على مثله لابدّ من الحكم بفسقه ؟
أقول: الدليل الرابع متين في نفسه، إلاّ أنّه لا يلازم الوجوب الذي ادّعاه
الشيخان والسيّد (قدس سرهم) ولا يوجب تركه الفسق، فإنّ مقتضى القاعدة عدم جواز
الحكم بفسق من لم يتعلّم مسائل الشكّ والسهو إذ ليس كلّه عن تقصير، بل هناك صور
متعدّدة إحداها عن التقصير، فالقاصر عن التعلّم كأهل البوادي، ومن اطمأنّ إلى عدم
ابتلائه بها، أو جاز عنده الاحتياط فيها، أو الذي ابتلى ثمّ بنى على طرف وطابق
الواقع ونحو ذلك، كلّهم لا يجوز الحكم بفسقهم.
نعم، لو كان يعلم أو يحتمل احتمالاً عقلائياً ابتلاؤه بها، ولم يتعلّم، ثمّ
ابتلى وبنى على طرف وكان بناؤه على خلاف الواقع، كان فاعلاً للحرام ـ بناءً على
حرمة قطع الفريضة وإبطالها كما هو المشهور والمنصور ـ وأنّ ما بالاختيار لا ينافي
الاختيار ـ كما هو أيضاً المشهور المنصور ـ وجاز الحكم بفسقه حينئذ، فكيف يصحّ في
مسألة لها شقوق مختلفة معظمها غير حرام، وواحدها فقط حرام، الحكم مطلقاً بفسق من
لم يتعلّمها ؟
ولعلّ قول الشيخ (قدس سره) « عمداً » إشارة إلى هذه الصورة فحسب، لشدّة ورعه ودقّة
نظره.
ولا يخفى أنّ الوجوب هنا تماماً نظير وجوب التقليد أو الاجتهاد أو الاحتياط الذي
أسلفنا إمكان أن يكون عقلياً، أو عقلائياً، أو فطرياً، أو شرعياً، وإن أشكل في
شرعيته المعظم، بل وفي فطريته، أو عقليته أيضاً. وتفصيل الكلام في أوّل الكتاب في
شرح المسألة الاُولى.
ونزيد هنا أنّه إن كان الملاك الوحيد للمولوية: عدم وجود حكم عقلي ثبوتي، لزم أن
لا يكون هناك حكم مولوي أصلاً، إذ في معتقدنا نحن الشيعة أنّ الاحكام الشرعية
كلّها تابعة ونابعة عن المصالح، وأنّ الاحكام الشرعية ألطاف في الاحكام العقلية،
فلا تخلو واقعة فيها الزام شرعي عن وجود الالزام العقلي فيها، حتّى الاوامر
الموجّهة من الله تعالى إلى أنبيائه (عليهم السلام).
... بالمقدار الذي هو محلّ الابتلاء غالباً، نعم لو اطمأنّ من نفسه أنّه لا يبلتى بالشكّ والسهو....
وكيف كان: فإنّه يجب تعلّم المسائل بالمقدار الذي هو محلّ الابتلاء غالباً علماً،
أو ظنّاً، بل واحتمالاً عقلائياً على وجه وهو: إمّا وجوب دفع الضرر المحتمل ـ وإن
كان فيه صغرى وكبرى إشكال مفصّل قد أسلفناه في شرح المسألة الاُولى ـ وإمّا لتوقّف
طاعتها على إيجاب تعلّمها، إذ لو لم يجب تعلّمها لم تتمّ الطاعة فيها.
وفيه أيضاً: ـ مضافاً إلى أنّ المتوقّف عليه إحراز الطاعة، لا نفسها ـ أنّ هذا
يصحّ كونه دليلاً للوجوب العقلي المقدّمي، بالاضافة إلى أنّه غير صحيح كلّياً، إذ
تتمّ الطاعة أيضاً بالبناء على أحد الطرفين ثمّ ظهور صحّة ما بنى عليه، وبعدم
اتّفاق شكّ إطلاقاً كما هو كذلك بالنسبة إلى بعض الناس، وبغير ذلك كالاحتياط كما
سنذكره.
وأمّا عدم وجوب تعلّم ما ليس محلاً للابتلاء: فلما هو المشهور من كون وجوب التعلّم
مقدّمياً للعمل، فإذا لا يبتلى بالعمل فلا معنى لوجوب مقدّمته.
وأشكل بعض الشرّاح على قيد « غالباً »: بأنّ المدرك هو احتمال الابتلاء ولو قليلاً،
وله وجه إن صحّحنا وجوب دفع الضرر المحتمل كبرى وصغرى.
وأُورد على هذا الاشكال في بعض شروح العروة: بأنّ مقصود الماتن من قيد « غالباً »
هو الاحتمال، وكون الشكّ والسهو من المسائل العامّة البلوى، ويشهد لذلك قوله بعد
ذلك نعم لو اطمأنّ من نفسه أنّه لا يبتلى بالشكّ والسهو صحّ عمله وإن لم
يحصّل العلم بأحكامهما.
صحّ عمله وإن لم يحصّل العلم بأحكامهما فالاطمئنان مقابل للاحتمال، وفي ترتيب صحّة
العمل على الاطمئنان بعدم الابتلاء نظر ظاهر وهو: أنّ الصحّة الظاهرية مترتّبة على
الموافقة للحجّة الظاهرية، والصحّة الواقعية مترتّبة على الموافقة للواقع، وفي
كليهما سواء كان يوجد الاطمئنان بعدم الابتلاء، أم الشكّ في الابتلاء وعدمه، بل
ومع الاطمئنان بالابتلاء أيضاً، بل ومع الابتلاء نفسه والتحيّر في الامر أيضاً كما
أسلفنا.
نعم، لو قال: مع الاطمئنان لم يجب التعلّم أو لم يكن استحقاق العقاب، كان في محلّه.
كما أنّ إطلاق وجوب التعلّم مع ما اخترناه سابقاً واختاره الماتن أيضاً وجمع غفير
من الفقهاء: من جواز العمل بالاحتياط في عرض الاجتهاد والتقليد، فيه نظر: إذ
إنّما يجب التعلّم ـ على فرضه ـ إذا لم يمكن الاحتياط، أو لم يقدر المكلّف عليه،
وأمّا معهما فالامر دائر بين التعلّم وبين الاحتياط ولا ينحصر في التعلّم وحده.
لكن قد يكون كلام المصنّف مبنياً على الغالب، إذ معظم الناس لا يمكنهم الاحتياط
بسهولة، بل وبعض مسائل الشكّ والسهو يكون من الدوران بين المحذورين الذي لا يمكن
معه الاحتياط، وقد تقدّم ويأتي إن شاء الله تعالى في مسائل أُخر أطراف من البحث
تنفع المقام(2).
وهنا مطالب ينبغي الاشارة إليها:
الاوّل: ينبغي تقييد الاطمئنان بما إذا لم يكن من تقصير في المقدّمات، وإلاّ فإن
خالف الواقع لم يكن معذوراً، إذ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، ولا فرق بين العلم
الوجداني والتعبّدي إلاّ في أنّ الجعل محال.
فمن لم يثق ـ لا وجداناً ولا تعبّداً ـ بطبيب وراجعه، وحصل العلم، وتداوى، وتمرّض
هل يكون معذوراً ؟ كلاّ.
الثاني: هل يصحّ الاعتماد على الاستصحاب الاستقبالي لنفي الابتلاء بالشكّ والسهو
مع احتمال الابتلاء ؟ وعليه: فلا يلزم الاطمئنان بعدم الابتلاء بل يكفي احتمال عدم
الابتلاء.
قد يقال بذلك: لعموم أدلّة حجّية الاستصحاب.
لكنّه غير تامّ: أمّا بناءً على وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية، فلا يجري
الاستصحاب الموضوعي إلاّ بعد الفحص.
وأمّا بناءً على عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية فأُجيب بأمرين(3):
1. عدم حجّية الاستصحاب الاستقبالي، وفيه ما فيه.
وصاحب الجواهر يقول بعدم الحجّية أيضاً (4).
2. بناءً على حجّية الاستصحاب الاستقبالي إنّما يكون الاستصحاب حجّة، إذا كان
بنفسه أثراً شرعياً كالطهارة والنجاسة، أو له أثر شرعي كحياة زيد، أمّا إذا لا،
ولا، فلا يجري.
وفيما نحن فيه إذا كان الاثر مترتّباً على يقين الابتلاء كنّا نستصحب استقبالاً عدم
يقين الابتلاء، لكنّه مترتّب ـ لدفع الضرر المحتمل ـ على محتمل الابتلاء، وهو باق،
فتأمّل.
قال المحقّق العراقي (قدس سره) في المقالات ـ في مسألة البدار لذوي الاعذار
اعتماداً على الاستصحاب الاستقبالي ـ: « وتوهّم عدم جريان الاستصحاب في المقام،
إذ المدار حينئذ على الاضطرار عن الطبيعة، وبقاء الاضطرار إلى آخر الوقت من لوازمه
عقلاً، فيكون من الاُصول المثبتة غير الجارية أصلاً، مدفوع: بأنّ في ظرف اضطراره
في أوّل الوقت يصدق الاضطرار عن الطبيعة ـ لانّ الطبيعة في هذا الوقت منحصر فردها
فيما يتمشّى منه بخصوص وقته، فمع الاضطرار عنه يصدق الاضطرار عن الطبيعة ـ في مثل
هذا الوقت ـ فيستصحب هذا المعنى »(5).
أقول: لكن ما نحن فيه غير مسألة البدار لذوي الاعذار كما لا يخفى.
إلاّ أنّ الاشكال هو: أنّ المتيقّن السابق في ما نحن فيه عدم المحمول لعدم الموضوع، والمشكوك عدم المحمول، ومثله لا اتّحاد بين القضيتين،
فتأمّل.
الثالث: إذا لم يطمئن وصلّى ولم يحصل شكّ وسهو صحّ أيضاً، وكذا لو شكّ وبنى وكان بناؤه تامّاً، وقصدُ التقرّب يحصل بالرجاء.
الرابع: ينبغي أن يفسّر قول الماتن: « صحّ عمله » في قوله: « لو اطمأنّ من نفسه
أنّه لا يبتلى بالشكّ والسهو صحّ عمله وإن لم يحصّل العلم بأحكامها » أنّه لا يجب
التعلّم وإلاّ أشكل بأنّ الصحّة سواء كانت ظاهرية أم واقعية لا تتمّ هنا، إذ
الظاهرية تترتّب على الحجّة الاثباتي والواقعية على الامتثال الواقعي، وكلاهما
أجنبيان عن العلم والجهل بالواقع.
اللهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ هذا « الاطمئنان » حجّة ظاهرية، فإن ابتلى كان معذوراً.
الخامس: قول الماتن: « صحّ عمله » ينافي مع عدم تعليق النائيني والبروجردي
والسيّد أحمد الخونساري هنا، وتعليقهم في كتاب الصلاة بوجوب الاحتياط بإعادة الصلاة
مطلقاً.
قال الماتن في فصل الشكّ في الركعات: « إذا عرض له أحد الشكوك ولم يعلم حكمه ـ من
جهة الجهل بالمسألة أو نسيانها ـ فإن ترجّح أحد الاحتمالين عمل عليه، وإن لم
يترجّح أخذ بأحد الاحتمالين مخيّراً، ثمّ بعد الفراغ رجع إلى المجتهد فإن كان
موافقاً فهو، وإلاّ أعاد الصلاة، والاحوط الاعادة في صورة الموافقة أيضاً »(6).
وعلّق الثلاثة على « الاحوط » بقولهم: « لا يترك » وقيّده النائيني بكون الوقت
واسعاً، يعني: عدم القضاء.
وأغرب السيّد أحمد الخونساري (قدس سره) حيث علّق هنا ـ في باب التقليد ـ بإطلاق
الصحّة مع مطابقة الواقع حتّى مع عدم الاطمئنان بعدم الابتلاء.
قال في حاشية المسألة الثمانية والعشرين من التقليد: « بل لا يبعد ـ في صورة عدم
الاطمئنان ـ الصحّة لو أتى به رجاءً وطابق الواقع ».
كما ينافي ما في العروة أيضاً عدم تعليقه (قدس سره) على رسالة صاحب الجواهر في
المسألة نفسها.