المسألة (27): يجب على المكلّف العلم بأجزاء العبادات وشرائطها، وموانعها، ومقدّماتها... .

هل يجب العلم بالعبادات وأحكامها ؟

المسألة (27): يجب على المكلّف تحصيل العلم الاعمّ من العلمي، لانّه أيضاً علم، إذ العلم إمّا بأصل الحكم أو بالحجّة عليه بأجزاء العبادات التي هي محلّ الابتلاء كالصلاة قطعاً، والصوم لمن يجب عليه، والحجّ لمن وجب عليه، وهكذا الزكاة والخمس ونحوها.
وكان الاولى إضافة المعاملات بالمعنى الاعمّ الشامل لكلّ الاحكام ممّا يحتمل وجود الالزام فيها أيضاً، لانّها مع كونها محل الابتلاء أيضاً يجب العلم بها، ومع عدم كونها محلّ الابتلاء في العبادات أيضاً، غير واجب.
وشرائطها، وموانعها، ومقدّماتها أمّا الشرائط والمقدّمات في الاصطلاح الفقهي، فإنّه يمكن أن يقال: بأنّهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
وعليه: فإشكال بعض الشرّاح على أنّ: « مقدّماتها » مستغنىً عنها بذكر « شرائطها » غير متّجه، مضافاً إلى ما ذكره نفسه: من أنّه قد يفرّق بينهما بإرادة ما يجب مقدّمة للعمل من دون دخل له في صحّة وفساد العمل من لفظ: « المقدّمات » مثل الفحص عن الماء غلوة سهم وسهمين، وغسل المستحاضة قبل الفجر ونحوهما إذا قلنا بصحّة الصلاة والصوم بدونهما، وهو صريح الجواهر فإنّه قال بوجوب تحصيل العلم في العبادات قبل الشروع فيها (1).


وجوب العلم شرعي أو عقلي

وهذا الوجوب مدركه العقل الحاكم في باب الاطاعة والمعصية بوجوب معرفة اجزاء وشرائط أوامر المولى ونواهيه ليتمكّن من الاطاعة، ويبتعد عن المعصية، كما يدلّ إرشاداً إلى ذلك الادلّة الشرعية من الايات والروايات وغيرهما الواردة فيها، وليس وجوباً شرعياً بمعنى ترتّب الثواب المستقلّ على فعله، والعقاب المستقل على تركه.


الوجوب وأقسامه

وقد مرّ في المسألة الاُولى عند قول المصنّف: « يجب على كلّ مكلّف » بحث حول الوجوب، وحول أنّ ميزان الوجوب الشرعي المولوي ماذا ؟ وهو ينفع في المقام أيضاً، فقد قلنا هناك: إنّ الوجوب يمكن أن يكون:
1. فطرياً بملاك دفع الضرر المحتمل، وللانسان فطرتان: حيوانية وإنسانية، لقوله تعالى: (فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)(2).
2. وعقلياً بملاك وجوب شكر المنعم، قال في المستمسك في وجوب التوبة: « فوجوبها... إمّا فطري بملاك دفع الضرر المحتمل أو عقلي... بملاك شكر المنعم »(3).
3. وعقلائياً بملاك الوصول إلى المقاصد بالراحة.
4. وشرعياً بملاك الحمل على الامتثال بالادلّة الدالّة على طلب العلم.


إشكال وجواب

إن قلت: كيف يصحّ اجتماع كلّ هذه الاقسام من الملاكات في الوجوب مع استحالة اجتماع العلل على معلول واحد ؟
قلت: ليست هذه علل حتّى لا يصحّ اجتماعها على معلول واحد، وإنّما هي علامات ومعرّفات، ولذلك يصحّ أن يكون هذا الوجوب:
1. فطرياً، إذ ترك التعلّم معرّض للشخص في استحقاق العقاب القطعي بالمخالفة القطعية.
2. وعقلياً، لانّ من شكر المنعم امتثال ما أمر به كما أمر به.
3. وعقلائياً، لانّه موجب للراحة إذ مع عدم التعلّم يمكن وجوب الاعادة والقضاء وما يترتّب على الخلاف من كفّارة ونحوها عليه.
4. وشرعياً، لظاهر أدلّة التعلّم مثل قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(4).
وفي الصحيح الذي رواه المفيد، عن ابن قولويه، عن الحميري، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليهما السلام) وقد سئل عن قول الله تعالى: « (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) فقال: إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً ؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت، وإن قال: كنت جاهلاً، قال له: أفلا تعلّمت حتّى تعمل ؟ فيخصمه، فتلك الحجّة البالعة »(5).
وصحيح الاحول ـ مؤمن الطاق ـ عن الصادق (عليه السلام): « لا يسع الناس حتّى يسألوا ويتفقّهوا »(6).


هل يجتمع حكمان: عقلي وشرعي ؟

إنّما الكلام: في أنّه هل يصحّ الحكم الشرعي مع وجود الحكم العقلي ؟
والجواب: نعم، وذلك لغير الملتفت لحكم العقل، سواء الغافل وهم الاكثر، أم المنكر للموضوع، أو الحكم.
ويؤيّده المعصومون (عليهم السلام) في أنّه هل الاحكام الشرعية بالنسبة إليهم كلّها إرشادية أم مولوية ؟
والحاصل: أنّه إذا تمّ مقام الاثبات ووجوب للعلم بالحكم الشرعي كان وجوباً شرعياً، لانّ ملاكه الحمل على الامتثال.
وفي المعصومين (عليهم السلام) الاحكام الشرعية بالنسبة إليهم مولوية.
بل حتّى بالنسبة للملتفت إلى الحكم العقلي يصحّ فرض الامر المولوي لوجوب التعلّم، وليس لغواً إذ من آثاره صحّة العقاب على ترك التعلّم كما تقدّم في الصحيحة: من أنّه يقال له: « هلاّ تعلّمت ؟ ».
نعم لا يحسن عقابانا على ترك أمر واحد.
وإن كان بين الوجوبين في المقامين فرق.
ولا فرق في وجوب التعلّم عقلاً بين أن يعلم إجمالاً أنّ الاتيان بمحتمل الجزئية والشرطية، وترك محتمل المانعية والقاطعية مورد للتكليف أم لا ؟ أمّا الاوّل فواضح وجهه، وأمّا الثاني فلانّ الوجوب العقلي للتفقّه والتعلّم مانع عقلاً عن الامن عن احتمال العقاب، فيجب التعلّم لدفع الضرر العظيم المحتمل، وتحصيل المؤمّن والمعذّر.


نقض وإبرام

وما قيل في منع الوجوب العقلي ـ من باب المقدّمة للاطاعة ـ صغرى وكبرى:
أمّا الصغرى: فبأنّ التعلّم ليس مقدّمة وجودية لترك المحرّمات، ولا للاتيان بالواجبات.
وأمّا الكبرى: فبأنّه على فرض المقدّمية لا يكون واجباً عقلاً، فإنّ اللاّبدّية العقلية أمر، والوجوب العقلي والايجاب أمر آخر، فإنّ لابدّية وجود المقدّمة لتحقّق ذيّها لا يختصّ بالواجبات، بل كلّ أمر عادي أو غيره إذا أراد الشخص أن يوجده فلا محالة يريد وجود مقدّمته بإرادة مستقلّة بمبادئها الخاصّة، غير مترشّحة من إرادة ذي المقدّمة، وهذا غير الحكم بوجوبها.
فممنوع صغرى وكبرى:
أمّا صغرى: ـ فمضافاً إلى أنّ التعلّم مقدّمة علمية لاحراز الاتيان بالواجبات وترك المحرّمات، وهذا الاحراز واجب عقلاً لتحصيل الامن عن الضرر العظيم المحتمل، الواجب دفعه عقلاً ـ إنّ التعلّم مقدّمة وجودية: عرفاً وغالباً، لنفس الاتيان بالواجبات وترك المحرّمات، إذ لولا العلم بالاحكام لم تتحقّق الطاعة غالباً، وبالحمل الشائع الصناعي، وكون الارادة هي المقدّمة الحتمية الاقرب، لا يمنع كون العلم مقدّمة غالبية قريبة. فلاحظ.
وأمّا كبرى: فواضح أنّ مجرّد اللاّبدّية لا تمنع الايجاب والوجوب العقليين، إذ أي تناف بينهما ـ من تناقض أو تضادّ ـ حتّى إذا ثبتت اللاّبدّية انتفى الايجاب والوجوب، فتأمّل.


تعريف بمفردات المسألة

ثمّ إنّ قول الماتن « المكلّف » يراد به المكلّف بالالزام في ظرفه، فيترشّح منه الوجوب ـ عقلياً أو غيره على ما تقدّم ـ إلى قبل ظرف الواجب، بل حتّى الوجوب، لكونه في ظرفه واجباً مطلقاً، ويجب ما يتوقّف عليه نظير الحجّ، وواجبات الاولاد والزوجة ونحوها.
ولا حاجة إلى قيد « الالتفات » الذي أضافه الشيخ (قدس سره) في أوائل الرسائل حيث قال: « إعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي... » إذ مع عدم الالتفات لا تكليف إذا كان قصوراً.
وقول الماتن (قدس سره): « العلم » يراد به الحجّة الاعمّ من العقلية كالعلم الوجداني غير المخالف للواقع عن تقصير، إذ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار.
أو الشرعية كالامارات والطرق والاُصول.
وقول الماتن (قدس سره): « بأجزاء » المراد به ما يتوقّف عليه المركّب الارتباطي تعبّداً: كالقواطع فإنّها إصطلاحاً غير الموانع، وكفورية الحجّ فإنّها غير أجزاء وشرائط الحجّ، وأنّه متى يجب الاعادة والقضاء ونحو ذلك. ولو قال (قدس سره): « العلم بأحكام العبادات » شمل الجميع.
وقول الماتن (قدس سره): « العبادات » لا خصوصية لها، ولذا قال هو (قدس سره) في المسألة الاتية: « بل يجب تعلّم حكم كلّ فعل يصدر منه، سواء كان من العبادات أو
...ولو لم يعلمها، لكن علم إجمالاً أنّ عمله واجد لجميع الاجزاء والشرائط وفاقد للموانع صحّ، وإن لم يعلمها تفصيلاً.
المعاملات أو العاديات »(7).
كما لم يذكر المصنّف (قدس سره) « الابتلاء به » ولكنّه لازم، إذ غير المبتلى به لا يجب تعلّمه، فغير القاضي وغير المستطيع وغير المعتكف وغير الصائم لا يجب عليه تعلّم أحكامها لا فطرياً ولا عقلياً ولا عقلائياً ولا شرعياً للانصراف ـ وإن كان إطلاق ـ وقد صرّح المصنّف (قدس سره) في المسألة الاتية بذلك قال: « يجب تعلّم مسائل الشكّ والسهو بالمقدار الذي هو محلّ الابتلاء غالباً »(8).
وقال (قدس سره) في فصل الشكوك التي لا اعتبار بها: « يجب تعلّم ما يعمّ به البلوى من أحكام الشكّ والسهو »(9).
نعم بالمقدار الواجب كفائياً تعليم الاحكام يكون الابتلاء أعمّ من ابتلاء التعليم، لا خصوص ابتلاء العمل.


العلم بين التفصيلي والاجمالي

ولو لم يعلمها، لكن علم إجمالاً أنّ عمله واجد لجميع الاجزاء والشرائط وفاقد للموانع صحّ وإن لم يعلمها تفصيلاً لما سبق بتفصيل منّا في أوّل الكتاب: من أنّه ما دام أنّ وجوب معرفة الاجزاء والشرائط مقدّمي فالمهمّ ذو المقدّمة، وهو: كون الصلاة، أو الصوم، أو البيع، أو الرهن أو غيرها واجدة لما يجب توفّره، لتتمّ الطاعة به، ولا دليل يدلّ على أكثر من لزوم صدق الطاعة، ومع كون العمل واجداً لما يجب، تصدق الطاعة، وليس وراء ذلك وجوب آخر يدلّ عليه العقل أو الشرع.
ولذا بنينا سابقاً على صحّة العمل بالاحتياط حتّى في العبادات، وحتّى إذا استلزم التكرار، بل حتّى إذا استلزم التكرار المستهجن القبيح عقلاً، كإعادة الصلاة مائة مرّة، لكنّا تنظّرنا في الجواز التكليفي بالنسبة للاخير مع إمكان الامتثال التفصيلي فراجع.


لو طابق العمل الواقع

ومن ذلك يعلم أنّه يكفي مطابقة العمل للواقع ـ في الحكم بصحّته ـ وإن لم يعلم حتّى إجمالاً بمطابقته للواقع، لصدق الطاعة عليه والامتثال الفعلي، وإن كان لا يصدق عليه الامتثال الفاعلي.
نعم، العقل يوبّخ مثل هذا الانسان، ويلزمه بتحصيل المؤمّن، لكن لو كان عمله مطابقاً للواقع صحّ، وليس باطلاً حتّى يجب عليه بعد ذلك الاعادة أو القضاء أو التدارك ـ في مثل العقود والاموال ونحوهما ـ حتّى مع انكشاف الصحّة وفاقاً لبعض المراجع المقاربين والمعاصرين.


هل يكفي مطابقة العمل للفتوى ؟

وهل يكفي المطابقة لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حال العمل، أو الذي يجب عليه تقليده بعد ذلك، أو كليهما، أو أحدهما غير المعيّن ـ كلّ ذلك إذا لم يكن متنبّهاً للمطابقة والاستناد، بل صادف عمله الفتوى ـ أم لا يكفي ذلك ؟
وجهان، بل قولان: من أنّ العمل يجب إمّا أن يطابق الواقع، أو الحجّة التي جعلها الله تعالى، فكما أنّه إذا طابق الواقع صحّ العمل، كذلك إذا طابق الحجّة التي هي واقع تنزيلي.
ومن أنّ حجّية الواقع ذاتية، فيكفي فيها المطابقة العفوية الناشئة عن الصدفة، بخلاف حجّية الفتوى، فإنّها استنادية، فالفتوى بنفسها ليست حجّة، وإنّما هي حجّة لمن استند إليها، والمفروض عدم الاستناد في المقام، فلا تكفي المطابقة العفوية للفتوى مطلقاً.
واستقرب الثاني الاخ الاكبر فقال معلّلاً ذلك: « إذ ليس العمل مطابقاً للواقع حسب الفرض فلا صحّة، ولا مستنداً إلى قول الحجّة فلا معذورية، فلو قيل له يوم القيامة: لِمَ عملت هذا العمل لم يمكن له أن يقول لفتوى مجتهدي »(10).
وقد مرّ بعض الكلام عن ذلك سابقاً عند مسألتي: السابعة والسادسة عشرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض آخر عند مسألتي: الثامنة والعشرين والتاسعة والاربعين هنا في باب التقليد، والمسألة الثانية عشرة من كتاب الصلاة: فصل في الشكوك التي لا اعتبار بها.


(1) الجواهر: ج22، ص451.
(2) الروم: 30.
(3) المستمسك: ج4، ص4.
(4) النحل: 43.
(5) الامالي للشيخ المفيد: ص227.
(6) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح13.
(7) العروة الوثقى: كتاب التقليد، م29.
(8) العروة الوثقى: كتاب التقليد، م28.
(9) العروة الوثقى: كتاب الصلاة، فصل56، م18.
(10) موسوعة الفقه: ج1، ص305.