المسألة (26): إذا قلّد من يُحرّم البقاء على تقليد الميّت فمات، وقلّد من يجوّز
البقاء لعلّ الجواز هنا أعمّ من الوجوب في مقابل الحرمة وإن كان قد ينافيه ظاهر «
له » بعد ذلك في كلام الماتن.
له أن يبقى على تقليد الاوّل في جميع المسائل إلاّ مسألة حرمة البقاء فإنّه ليس له
البقاء عليها.
أمّا البقاء على تقليد الاوّل في جميع المسائل: فلانّه مقتضى تجويز الحي البقاء على تقليد الميّت، كما هو مقتضى الادلّة العقلية والشرعية الحاكمة بجواز البقاء على تقليد الميّت التي أسلفناها بالتفصيل في مسألة جواز البقاء وعدمه وهي المسألة التاسعة.
وأمّا عدم جواز البقاء في مسألة جواز البقاء فقد ذكر له وجوه أحسنها أوّلها وهو:
أوّلها: استلزام المحال، إذ تجويز الحي البقاء لو شمل حتّى مسألة البقاء لزم جواز
البقاء وحرمة البقاء، أمّا جواز البقاء فاتّباعاً لفتوى الحي، وأمّا حرمته فلفتوى
الميّت بالحرمة، وما يستلزم من وجوده عدمه محال.
ثانيها: وقد قرّر ذلك بعض مراجع العصر في تقريراته: بأنّا نقطع تفصيلاً بحرمة
البقاء على تقليد الميّت في مسألة حرمة البقاء، إذ البقاء على الميّت في الواقع
إمّا جائز ـ جوازاً بالمعنى الاعمّ ـ أو حرام، ولا ثالث لهما، والحجّة يجب فيها
احتمال المطابقة للواقع، وما دام لا احتمال بمطابقة الواقع في فتوى الميّت بحرمة
البقاء فهي ساقطة من أصلها.
بيانه: أنّه إن كان البقاء على تقليد الميّت في الواقع حراماً فلا يجوز البقاء
مطلقاً في كلّ المسائل ومنها مسألة البقاء، وإن كان البقاء على تقليد الميّت في
الواقع جائزاً فبتجويز الشارع البقاء يحرم علينا البقاء على هذه الفتوى الخاصّة
للميّت بحرمة البقاء.
فعلى كلتا الصورتين يحرم البقاء على تقليد الميّت في مسألة البقاء.
وفيه: أنّه خلط للحكمين الظاهري والواقعي كما لا يخفى.
وربما يؤخذ على هذا البيان: أنّ ما يلزم من وجوده عدمه محال عقلاً في جميع الاوعية
الواقعية ـ غير الوهمية والفرضية ـ سواء منها الخارجية، والاعتبارية، والانتزاعية،
فلا يكون مثله شقّاً للعلم التفصيلي أصلاً، فتأمّل.
إذ لو صحّ ذلك وجب نفس المحذور العقلي في فتوى من يوجب البقاء على تقليد الميّت إذا
كان الميّت ممّن يحرّم البقاء.
مثلاً: لو مات زيد القائل بحرمة البقاء، ثمّ كان المرجع بعده عمرو القائل بوجوب
البقاء، لزم أن نقول: شمول فتوى الحي بوجوب البقاء لفتوى الميّت بحرمة البقاء،
مخالف للواقع قطعاً بالعلم التفصيلي، إذ في الواقع إن كان البقاء حراماً فلا يجوز
البقاء، وإن كان في الواقع واجباً، وجوب البقاء يشمل فتاوى الميّت كلّها حتّى فتواه
بحرمة البقاء، فيحرم البقاء بفتوى الحي بوجوب البقاء.
لكن مثل ذلك لا يجري أصلاً، ولا يكون شقّاً للتقسيم العقلي حتّى يعلم تفصيلاً
بحرمته.
وللشيخ الحائري (قدس سره) بيان آخر في هذا المجال لا بأس بإيراده بطوله لفائدته قال: « وفيه: أنّه لا يلزم من وجوده العدم فإنّ تحريم البقاء على رأي الميّت له فردان أحدهما: ما تعلّق بآرائه في الفروع، وثانيهما: ما تعلّق بنفس تحريم البقاء، فيحرم البقاء على تحريم البقاء أيضاً، ولا يلزم من شمول دليل الحجّية لرأي المجتهد الحي المتعلّق بجواز البقاء في تحريم البقاء في المسائل الفرعية إلاّ عدم حجّية قول المجتهد الميّت في المسائل الفرعية، لا عدم حجّية قوله في مسألة تحريم البقاء في المسائل الفرعية، نعم: يلزم من حجّية قول الميّت بتوسّط حجّية قول الحي ـ في مسألة حرمة البقاء على تحريم البقاء ـ عدم حجّية قوله في تحريم البقاء في المسائل الفرعية، ولا يلزم أيضاً من وجوده العدم، فإنّ في المقام آراءً: رأي الميّت في المسائل الفرعية، ورأيه في تحريم البقاء في المسائل الفرعية، ورأيه في تحريم البقاء على حرمة البقاء، ولا يلزم من حجّية رأيه الثاني، إلاّ عدم حجّية رأيه الاوّل، ولا يلزم من حجّية رأيه الثالث إلاّ عدم حجّية رأيه الثاني، وحينئذ: إمّا أن يشمل جميع ذلك دليل الحجّية على نحو اليقين فيتعارض دليل الحجّية في الشمول، وإمّا أن يكون شمولها على نحو التخيير، فيجوز البقاء على نحو التخيير، فلا يصحّ ما في المتن، هذا في مقام الرأي والفتوى، وأمّا تكليف المقلّد الذي لا محيص عنه إلاّ الاخذ بالمتيقّن: فليس إلاّ الرجوع إلى الحي في المسائل الفرعية، لا في مسألة جواز البقاء، فإنّ رأيه في مسألة جواز البقاء ليس صحيحاً بنظر المجتهد الماضي، فلا محيص له إلاّ الاخذ بالمتيقّن، وهو رأي الحي في المسائل الفرعية ـ فافهم وتأمّل في المقام »(1).
ثالثها: لزوم تخصيص الاكثر إذا شملت فتوى جواز البقاء، حرمة البقاء للمجتهد الميّت،
لانحصار البقاء على هذه الفتوى الواحدة وتخصيص الاكثر لاستهجانه، قرينة عدم إرادته.
فنعلم أنّ المجتهد الحي إذا قال: « يجوز البقاء » لم يجوّز البقاء على فتوى حرمة
البقاء.
ثمّ إنّ هنا ملاحظات:
الاُولى: أنّ أصل هذه المسألة إنّما يكون مجال البحث فيها بناءً على فتوى من يجوّز
البقاء حتّى في المسائل التي لم يعمل المقلّد فيها بفتوى الميّت حال حياته، وأمّا
بفتوى المفصّلين بين المسائل التي عمل بها المقلّد حال حياة الميّت وغيرها، بالجواز
في الاوّل والحرمة في الثاني ـ وهم كثير ممّن يقول بجواز البقاء ـ فلا مجال لهذه
المسألة أصلاً، إذ البقاء على تقليد الميّت في مسألة البقاء غير جائز، لانّ المقلّد
لم يعمل بها حال حياة المفتي.
نعم، لو كان مقلّداً لمجتهد ثالث قبل « زيد » الميّت، فمات ذاك الثالث وقلّد «
زيداً » ولم يبق على تقليد المجتهد الثالث اعتماداً على فتوى « زيد » بحرمة البقاء،
ثمّ مات « زيد » وقلّد من يجوّز البقاء، على هذا الفرض يكون لهذه المسألة مجال
البحث.
وقد أسلفنا بعض الكلام عن ذلك عند شرح المسألة الخامسة عشرة فراجع.
ولا يخفى عليك الفرق بين هذه المسألة وبين المسألة الخامسة عشرة كما خفي على بعض
الشرّاح، فإنّ ظاهر المتن هناك البقاء على تقليد الميّت اعتماداً على فتوى الميّت
نفسه بجواز البقاء، وقد حكم فيه الماتن بعدم الجواز، وظاهر المتن هنا البقاء على
فتوى الميّت اعتماداً على فتوى الحي بجواز البقاء.
الثانية: للمسألة صور كثيرة كالتالي:
1. ما مرّ: من أنّ الميّت يحرّم البقاء، والحيّ يجوّزه.
2. عكس الصورة الاُولى: بأن أجاز الميّت البقاء وحرّمه الحي.
3. كلاهما يجوّز البقاء.
4. كلاهما يحرّم البقاء.
5. كلاهما يوجب البقاء.
6. هذا يوجبه وذاك يحرّمه، وبالعكس. وهكذا، وأحكامها واضحة.
الثالثة: ذكر الخونساري (قدس سره) في الحاشية قوله: «بل الظاهر تعيّن تقليده في
مسألة حرمة البقاء».
والعبارة مجملة لا يعلم القصد منها بمعنى يناسب ذكره لهذه الحاشية.
الرابعة: لا إشكال في أنّه لا أثر لفتوى الميّت في البقاء على تقليد الميّت جوازاً
ووجوباً وحرمةً، وإنّما الاعتبار بفتوى الحي ويختلف الاثر جوازاً ووجوباً وحرمة.
فإن تبدّلت فتوى الحي أيضاً يختلف الاثر، وذلك:
1. فإنّ تبدّل من الجواز والوجوب إلى الحرمة وكان المقلّد باقياً على الميّت وجب
العدول، لسقوط الحجّة على البقاء بتبدّل فتوى الحي إلى حرمة البقاء.
2. وإن كان جواز البقاء ثمّ الوجوب، أو الوجوب ثمّ الجواز، عمل على الثاني، كالذي
حُقّق في حرمة البقاء مطلقاً فقط.
3. وإن كان حرمة البقاء فعدل، ثمّ تبدّل فتواه إلى وجوب البقاء، فهل يرجع إلى
الميّت لانكشاف بطلان عدوله إلى الحي، فليس عدولاً عن الحي ولا تقليداً للميت
ابتداءً، أم أنّه تقليد ابتدائي للميّت ؟
الظاهر: الاوّل، وعليه تصحيح أعماله التي أتى بها على طبق فتوى الحي.
هذا على المعروف من عدم جريان قاعدة الاجزاء في تبدّل الفتوى.
ولكن ربما يقال: باختلاف الامر بين تبدّل فتوى مرجع واحد، فيجب العدول عن الفتوى
السابقة، وبين تبدّل التقليد من مجتهد إلى آخر، فلا يجب.