المسألة (25): إذا قلّد من لم يكن جامعاً لشرائط التقليد، من عدم كونه مجتهداً، أو عدم كونه عادلاً، أو غيرهما ومضى عليه أي على تقليده برهة من الزمان كان فيها يعمل بفتاواه كان كمن لم يقلّد أصلاً الذي مرّ الكلام عليه مفصّلاً بشقوقه المختلفة عند شرح المسألتين: السادسة والسابعة عشرة فراجعهما.
وعليه: فحاله حال الجاهل القاصر أو المقصّر من حيث التكليف.
فإن كان تقليده للمجتهد الذي عرف بعد برهة من الزمان عدم استجماعه للشرائط عن
أمارات شرعية: كالبيّنة، والشياع المعتبر، وقول الثقة ونحو ذلك، فهو كالجاهل
القاصر، وقد سبق عن الماتن فيه صحّة العمل بشرطين: تمشّي قصد القربة منه في
العبادات، ومطابقته لفتوى المجتهد الذي قلّده بعد ذلك، واحتاط بمطابقته أيضاً لفتوى
المجتهد الذي كان تكليفه تقليده حين العمل.
وقد أسلفنا هناك أنّ الوجوه بل الاقوال أربعة: المطابقة لهذا فقط، أو ذاك فقط،
أو كليهما، أو أحدهما، واخترنا الاخير لاطلاق أدلّة التقليد الشامل لكليهما بلا
تعيين ملزم عقلي أو شرعي، والوجوه الاعتبارية المذكورة للطرفين لا توجب إلزاماً
شرعياً.
وإن كان تقليده للمجتهد الذي انكشف بعد ذلك عدم استجماعه للشرائط لا عن مستند صحيح
شرعي مع الالتفات إلى ذلك، كالذين يقلّدون شخصاً من منطلق الهوى مثلاً، دون قيام
أمارة شرعية على تقليدهم لهم مع توجّههم إلى لزوم اتّباع أمارة شرعية ـ أو احتماله
لمنجّزية الاحتمال في باب الاحكام الشرعية إلاّ بعد الفحص واليأس كما هو المتسالم
عليه ظاهراً بينهم ـ فهو كالجاهل المقصّر الذي حكم الماتن في المسألة السادسة عشرة
ببطلان عمله مطلقاً وإن طابق الواقع وفاقاً لكثير من المراجع.
هناك موارد كثيرة فصّل الفقهاء فيها بين القاصر والمقصّر:
قال صاحب العروة الوثقى (قدس سره): « الاقوى صحّة صلاة الجاهل بالحكم الشرعي وهي
الحرمة »(1) وعلّق عليها الغالب بالتفصيل بين المقصّر فالبطلان، والقاصر فالصحّة.
وقال أيضاً: « إذا قلّد من لم يكن جامعاً ومضى عليه برهةً من الزمان كان كمن لم
يقلّد أصلاً، فحاله حال الجاهر القاصر أو المقصّر »(2) لماذا الفرق هنا بالخصوص ؟
وقال أيضاً: « إذا توضّأ واغتسل من إناء الذهب أو الفضّة مع الجهل بالحكم أو
الموضوع صحّ »(3) وعلّق عليه المعظم بلزوم كونه عن قصور.
وقال السيّد الخوئي (قدس سره): « إذا لم يكن جهله معذّراً بأن كان تقصيرياً...
فلابدّ من الحكم ببطلان الغسل أو الوضوء لتنجّز الحرمة الواقعية بالاحتمال »(4).
وقال في العروة الوثقى: « فلو صلّى في المغصوب ولو كان خيطاً منه، عالماً بالحرمة
عامداً بطلت، وإن كان جاهلاً بكونه مفسداً، بل الاحوط البطلان مع الجهل بالحرمة
أيضاً، وإن كان الحكم بالصحّة لا يخلو عن قوّة... »(5) وعلّق عليه المعظم بلزوم
كون الجهل عن قصور، وإلاّ فالبطلان.
وقال أيضاً في مكان المصلّي: « وأمّا إذا كان غافلاً أو جاهلاً أو ناسياً، فلا
تبطل... »(6) وقيّده المعظم بالقاصر، وأفتوا في المقصّر بالبطلان.
وقال أيضاً في كتاب الصوم: « يجب القضاء دون الكفّارة في موارد... الثامن:
الافطار لظلمة... شكّ أو ظنّ بذلك (أي: بدخول الليل)... ولو كان جاهلاً بعدم جواز
الافطار فالاقوى عدم الكفّارة وإن كان الاحوط إعطاؤها »(7) وعلّق عليه المعظم
بالقاصر دون المقصّر.
وقال أيضاً في كتاب الزكاة: في بحث الغارمين عند اشتراط أن لا يكونوا صرفوه في
المعصية: « لا يجوز له الاخذ إذا كان قد صرفه في المعصية ولو كان معذوراً في الصرف
في المعصية لجهل أو إضطرار أو نسيان أو نحو ذلك لا بأس باعطائه... »(8) وعلّق عليه
المعظم باشتراط كونه قاصراً لا مقصّراً وقول الماتن: « معذوراً » يفيد ذلك.
وقال أيضاً في شرائط وجوب الحجّ: « من استقرّ عليه الحجّ وتمكّن من أدائه ليس له
أن يحجّ عن غيره... بل لا ينبغي الاشكال في الصحّة إذا كان لا يعلم بوجوب الحجّ
عليه... »(9) وعلّق عليه المعظم بالقصور، دون التقصير.
وقال أيضاً في كتاب الاجارة: « إذا عثر الحمّال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره ـ
مثلاً ـ ضمن قاعدة الاتلاف »(10) وعلّق عليه المعظم بالضمان مع التقصير دون القصور.
وقال السيّد الخوئي (قدس سره): « الاجماع المدّعى على أنّ الجاهل المقصّر كالعامد... القدر المتيقّن من الاجماع المدّعى أنّ الجاهل المقصّر كالمتعمّد من حيث
استحقاقه العقاب »(11).
هنا مطالب ينبغي الاشارة إليها.
المطلب الاوّل: المقصّر لا يعذر إلاّ بمطابقة الواقع.
المطلب الثاني: الفرق بين حقّ الله تعالى، فيعذر بالتوبة للوعد، وبين حقّ الناس، فلا يعذر لاستحقاق العقاب بالتقصير،
كمن سرق مال شخص ثمّ أدّاه إلى آخر بالبيّنة ـ قصوراً ـ أو سرق وشكّ في الاقل
والاكثر بعد ذلك.
المطلب الثالث: محتمل التقصير في حكم المقصّر لنفسه، وفي الغير أصل الصحّة جارية
في محتمل التقصير، لاطلاق الادلّة، والسيرة في الغير، وعدم العذر في نفسه.
أشكل الاخ (قدس سره) وأخرون على تنجّز الواقع على الجاهل المقصّر مطلقاً: بأنّ كثرة
المقصّرين دائماً وعدم التنبيه في الادلّة يكشف عن الاطلاق.
مثلاً: « كلّما شككت فيه ممّا قد مضى »(12) يشمل المقصّر أيضاً.
وكذلك: « لا ينقض اليقين بالشكّ »(13) يشمل المقصّر أيضاً.
وذلك كمن فرّق أوراق ديونه لكي يشكّ بين الاقل والاكثر، أو لا يحسب ماله ليعرف
زكاته أو مقدارها، أو خمسه أو مقداره، أو استطاعته من عدمها.
وفيه أوّلاً: نقضاً بكثير من الموارد التي فرّقوا فيها من غير دليل خاصّ.
وثانياً: الادلّة العقلية لا تشمل المقصّر لعدم معذوريته، والنقلية منصرفة عنه،
ودونك العرف.
1. قال في العروة الوثقى: « إذا اعتقد كون الكلمة على الوجه الكذائي من حيث
الاعراب أو البناء أو مخرج الحرف، فصلّى مدّة على تلك الكيفية، ثمّ تبيّن له كونه
غلطاً، فالاحوط الاعادة أو القضاء، وإن كان الاقوى عدم الوجوب »(14).
وقال السيّد الخوئي (قدس سره): « ما ذكره هو الصحيح... بناءً على ما هو الاقوى من
عدم اختصاصه بالناسي وشموله للجاهل القاصر... نعم إذا كان مقصّراً وإن اعتقد
الصحّة، أو كان ملتفتاً متردّداً ومع ذلك صلّى، فالاظهر: البطلان حينئذ، لعدم
شمول الحديث لمثل ذلك »(15).
أقول: وجه ذلك: عدم الظهور العرفي لهذا الاطلاق، كما لا ظهور له في العامد.
2. وقال في العروة الوثقى أيضاً في مكان المصلّي: « الاقوى صحّة صلاة الجاهل
بالحكم الشرعي وهي الحرمة ـ أي: حرمة الغصب ـ وإن كان الاحوط البطلان خصوصاً في
الجاهل المقصّر »(16).
وعلّق عليه بالفتوى بالبطلان: الوالد، والخونساريان، والحجّة، والاصطهبانيان،
والنائيني، والعراقي، والبروجردي، والحائري، والاصفهاني، وكاشف الغطاء، والحكيم
وغيرهم.
3. وقال النائيني (قدس سره): « للاجماع على أنّ الجاهل المقصّر في حكم العامد
خطاباً وعقاباً، إلاّ في القصر والتمام والجهر والاخفات »(17).
التقصير: أي: عدم العذر عقلاً وعقلائياً وشرعاً.
والقصور: أي: العذر الشرعي فقط، سواء كان هناك عذر عقلي أو عقلائي كالقياس، أم
لا ؟
وأمثلة ذلك كالتالي:
1. العذر العقلي: كعدم القدرة مثلاً.
2. العذر العقلائي: كالاعتماد على الثقة مثلاً.
3. العذر الشرعي: كأصل الطهارة بلا فحص في الموضوعات.
ثمّ إنّ التقصير بما هو (أي: عدم العذر) يوجب استحقاق العقاب فيكون مصداقاً للضرر
الاحتمالي الذي يوجب العقل إزالته. وبوجوده الواقعي موجب للاستحقاق لا بوجوده
العلمي.
فإذا علم وجداناً أو تعبّداً أنّه قاصر (أي: معذور) ولكن في الواقع كان مقصّراً،
فهل يكون معذوراً على مخالفة الواقع ؟
ويجاب: بأنّ هناك أمرين يوجبان تحصيل المؤمّن:
1. مخالفة الواقع ـ بأي عذر كان ـ مع انكشاف المخالفة وهذا هو المعروف بمسألة عدم
إجزاء الظاهري عن الواقعي، إلاّ ما خرج، مثل:
أ ـ باب التقليد على المشهور في الانكشاف التعبّدي، لا العملي الواقعي.
ب ـ ومثل الجهر والاخفات، والقصر والتمام، وبعض مسائل الحجّ ونحوها ولو مع انكشاف
خلاف الواقع واقعاً، ممّا دلّ الدليل على عدم لزوم التدارك.
2. احتمال عدم العذر (أي: احتمال التقصير) المساوق لاحتمال العقاب. ألا ترى إنّ
الخبر غير المعتبر ـ المحتمل مطابقته للواقع ـ يصحّ الاعتماد عليه ؟
فالعذر بحاجة إلى إحراز، ولا يكفي فيه احتماله، ويشهد لذلك:
أوّلاً: إطلاق الفقهاء التقصير.
ثانياً: قوله تعالى: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)(18).
ونقل المامقاني عن بحر العلوم: « إنّ العلاّمة كان يقضي صلواته إذا تبدّل رأيه
حذراً من احتمال التقصير في الاجتهاد »(19).
ثمّ إنّ الشكّ في التقصير ـ عدم العذر ـ بالنسبة لعمل نفسه، أو بالنسبة لعمل غيره: إمّا في الحال، أو في السابق،
وما يترتّب عليه من الاثر الان.
أمّا بالنسبة لعمل نفسه: فهو كما إذا شكّ في أنّه هل يجب عليه مع الشكّ في الخمس،
الفحص ؟ فإن كان واجباً تعلّق بذمّته الواقع المحتمل، وكان تركه تقصيراً، وإلاّ
لم يتعلّق وكان تركه قصوراً، وهذا ممّا يوجب الفحص لاحراز العذر، ولا تجري الصحّة
لمجرّد الاحتمال.
وأمّا بالنسبة لعمل غيره ـ إذا ارتبط عمل الغير بنفسه كالوصي، والولي للميّت ـ
فالظاهر: جريان القواعد الترخيصية من أصل الصحّة ونحوها.
مثلاً: إذا علم أنّ الميّت كان لا يقرأ الفاتحة في صلواته عن جهل، لكن شكّ أنّه كان
قصوراً أو تقصيراً فالاصل الصحّة والعذر.