المسألة (24): إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط، يجب على المقلّد العدول إلى غيره.

المجتهد لو فقد بعض الشرائط

المسألة (24): إذا عرض للمجتهد المرجع للتقليد ما يوجب فقده للشرائط كلاً أو بعضاً، بحيث صار فاسقاً، أو عامياً، أو كافراً، أو مجنوناً أو نحو ذلك.
فهل يجب على المقلّد العدول إلى غيره كما عليه الماتن وكلّ ما يحضرني من حواشي المراجع المعاصرين، وإن كان عدم التعليق لا يدلّ على بطلان التقليد إذ رأينا بعض من لم يعلّق في الحاشية المعمولة للمقلّدين، يفتي أو يميل بجواز البقاء، مثل الاخ الاكبر في « موسوعة الفقه » والسيّد الحكيم (قدس سره) في « المستمسك » ؟
أو يجوز البقاء على تقليده في المسائل التي أفتى بها حال استجامعه لجميع الشروط كما عليه بعض الاساطين مثل كاشف الغطاء (قدس سره) وغيره ؟
وبعبارة أُخرى: هل الشرائط المذكورة لمرجع التقليد حدوثية فقط، أم حدوثية وبقائية معاً ؟ بحيث لو استنبط المرجع حال اجتماعه لجميع الشرائط المعتبرة الحكم الشرعي، ثمّ فقد بعضها هل يجوز العمل باستنباطه السابق، أم لا ؟
فلو كان المرجع مؤمناً، عادلاً، مجتهداً، عاقلاً، ثمّ صار كافراً، أو عامياً، أو فاسقاً، أو ناسياً للاحكام، أو مجنوناً، فهل يجوز العمل برأيه السابق، أم لا ؟
وقد سبق تفصيل الكلام عن هذه المسألة حول اشتراط الحياة حدوثاً، أو بقاءً أيضاً باسهاب، ولكن الكلام هنا حول سائر الشروط.
وأمّا البلوغ، والرجولية، والحرّية، وطهارة المولد، فلا يمكن انتقال الشخص منها إلى أضدادها، بقي من شروط مرجع التقليد فقط خمسة ينبغي البحث عنها وهي عبارة عن: العقل، والايمان، والعدالة، والاجتهاد المطلق، والاعلمية.


شروط المجتهد وتنوّعها إلى نوعين
النوع الاوّل

فنقول: هذه الشروط الخمسة على نوعين ـ وإن كان القوم لم أرَ منهم من فصّل هذا التفصيل فيها ـ.
أحدهما: ما يتبدّل بفقده الموضوع، مثل الاعلمية، فلو قلنا باشتراط الاعلمية في مرجع التقليد، ثمّ نشأ مجتهد آخر حتّى صار أعلم منه، كان مقتضى القاعدة: عدم حجّية فتواه، لانّه لا يطلق عليه الان: الاعلم، ولا يطلق على فتواه: فتوى الاعلم، فليس فيه مناط الحجّية، ولا فعلية الحجّية، إذ على تقدير اشتراط الاعلمية، فإنّها أمر نسبي، ولا تأصّل خارجي له كسائر الشروط، مثل العقل، والايمان، والعدالة، والاجتهاد المطلق، فإذا علّق الشارع حكماً على الامر النسبي كان الحكم جارياً ما دامت النسبة، فإذا زالت النسبة زال معه الحكم تلقائياً.
والادلّة التي سنذكرها للقول بجوز البقاء على تقليد من فقد بعض الشروط بعد وجودها فيه، لا تشمل « الاعلمية » لانّ تلك الادلّة تعتمد على أنّ الحكم الصادر منه كان قبل فقد الشروط، فالحكم هو حكم مع الشروط، أمّا بالنسبة للاعلمية المفقودة بعد وجودها فلا يمكن أن يقال بأنّ الحكم الصادر منه حكم صادر عن الاعلم، لانّه ليس بأعلم وجداناً، وحكمه حكم غير الاعلم.
نعم على تقدير فرض واحد، يشترط شرط الاعلمية مع باقي الشروط في الادلّة المقامة عليها من الطرفين، وذلك الفرض هو:
ما إذا كان زيد هو الاعلم في السنة الماضية من جميع العلماء ولكنّه عرض له ضعف في القوّة العاقلة وصار عمرو هو الاعلم منه في هذه السنة، بحيث أنّه لو قيست علمية زيد في السنة الماضية، بعلمية عمرو في هذه السنة، كان زيد هو الاعلم، ففي مثل هذا الفرض يصحّ التمسّك بالمناط لحجّية فتاوى زيد التي أفتى بها قبل الضعف دون فتاوى عمرو.
أمّا إذا كان زيد هو الاعلم في السنة الماضية، وبقيت مستوى علميته إلى هذه السنة كما كانت بلا نقصان، ولكن عمراً أصبح في هذه السنة أعلم من زيد حتّى في جميع سنيّ علمية زيد، ففي هذا الفرض لا محيص عن القول ببطلان تقليد زيد، وعدم جواز الاعتماد على فتاواه حتّى التي كانت في زمان لم يكون عمرو في ذلك الزمان أعلم منه ـ بناءً على إطلاق اشتراط الاعلمية ـ.


النوع الثاني

ثانيهما: بقية الشروط وهي: العقل، والايمان، والعدالة، والاجتهاد المطلق، وكذا الاعلمية في بعض الفروض، فقد حكي عن جمع لزوم العدول عن مرجع التقليد بمجرّد فقده لبعض الشروط، نظير القول بوجوب العدول عن المجتهد بمجرّد موته، بل ربما ادّعي الشهرة في ذلك، بل ادّعي الاجماع صريحاً عليه، خصوصاً فيما إذا ارتدّ الامامي وصار غير إمامي.
وليعلم أنّ محلّ الكلام هو: الفتاوى التي كانت حال الفتوى جامعة للشرائط، ثمّ فقد المفتي بعض الشرائط، إذ الفتاوى المتجدّدة بعد فقد بعض الشروط مسلّم عدم جواز الاعتماد عليها على فرض شرطية الشروط بلا إشكال.


أقوال المسألة

وعلى كلّ فالاقوال أو المحتملات في المسألة خمسة:
1. وجوب العدول عن مثله مطلقاً.
2. جواز البقاء مطلقاً.
3. التفصيل بين الاعلمية وبين غيرها، فيجب العدول في الاوّل، دون الثاني.
4. التفصيل بين المرجع في المسائل الشرعية فقط، وبين الزعيم الديني، باشتراط الشروط حدوثاً فقط في الاوّل، وحدوثاً وبقاءً في الثاني.
5. التفصيل بين زوال الاجتهاد فحاله حال الحياة في الوجوه والاقوال، وبين غيره من العدالة والايمان ونحوهما فيرجع فيها إلى أدلّتها وإطلاقها وعدم إطلاقها.
أقول: لم أرَ القول بعدم جواز العدول مطلقاً، وينبغي ذلك ـ القول بحرمة العدول ـ بناءً على القول بحرمة العدول عن الميّت، وهذا أولى.


القول الاوّل وأدلّته

أمّا القول الاوّل: وهو إطلاق وجوب العدول عمّن فقد شرطاً واحداً من الشروط ـ ولعلّه المعروف ـ فقد استدلّ له بأدلّة:


أوّل أدلّة وجوب العدول مطلقاً

الاوّل: الاجماع، نقل عن جمع ادعاؤه صريحاً، منهم: الشيخ الانصاري (قدس سره).


مناقشة الدليل الاوّل

وأُورد عليه أوّلاً: بالاشكال فيه صغرى، لذهاب بعضهم وفيهم الاساطين إلى الجواز.
وثانياً: بأنّه لا يبعد إرادة المجمعين: المسائل المتجدّدة بعد فقده الشروط، ولا أقل من احتمال ذلك، ومعه يسقط الدليل اللبّي عن الحجّية في غير القدر المتيقّن، إلاّ أن يدّعى الاطلاق في معقده وهو بعيد.
وثالثاً: احتمال استناد المجمعين إلى الادلّة المذكورة الاُخرى وغيرها.
ورابعاً: معارضته بالاجماع المنقول على عدم جواز العدول عن الحي.
لكن عمدة الايرادات هو الاوّل.


ثاني أدلّة وجوب العدول مطلقاً

الثاني: إطلاقات الروايات الدالّة على الشروط، فإنّها بإطلاقها وعدم الاستفصال فيها تشمل الشرط ابتداءً واستمراراً، حدوثاً وبقاءً.
كما في تفسير الامام العسكري (عليه السلام): « فأمّا من كان من الفقهاء، صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لامر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه »(1).
وكما عن ابن سويد عن الامام الكاظم (عليه السلام): « لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا »(2).
ومناط حديث الامام العسكري (عليه السلام): « خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(3).
وغيرها، فإنّها بإطلاقها تشمل اشتراطها حدوثاً وبقاءً.
فمقتضى حديث الاحتجاج: لزوم كون المرجع للتقليد عادلاً، ومقتضى إطلاقه: اشتراط العدالة فيه حدوثاً وبقاءً.
ومقتضى إطلاق الرضوي: لزوم كون مرجع التقليد من الشيعة حدوثاً واستمراراً.
ومقتضى إطلاق رواية الامام العسكري (عليه السلام): عدم جواز الاخذ بمطلق ما رأوا حال استبصارهم، أو بعد فساد عقيدتهم.


مناقشة الدليل الثاني
المناقشة الاُولى

وأُورد عليه أوّلاً: بضعف إسنادها جميعاً، فلا تصحّ دليلاً بنفسها حتّى تصل النوبة إلى الاستفادة من إطلاقاتها.
وفيه: أنّه قد مرّ صحّة سندي: رواية الاحتجاج، وحديث الامام العسكري (عليه السلام)، وأمّا الرضوي فإنّني لا أزال منه في تردّد، وحتّى الان لا أحكم له ولا عليه، ودليل اشتراط الايمان لم يكن منحصراً في هذه الرواية، مضافاً إلى أنّ ذهاب المشهور، بل الاجماع إلى اشتراط الايمان يقوّي الرضوي وإن كان في نفسه ضعيفاً.
نعم، في التمسّك بإطلاقه حينئذ إشكال، لانّ الذي في الاطلاق لا حجّية له على الفرض، والحجّة ـ وهو الاجماع ـ لا إطلاق له، فعلى مَ يعتمد في الاطلاق ؟
قال الشيخ الانصاري (قدس سره) في سند حديث الامام العسكري (عليه السلام): « خذوا بما رووا... »: « في الحسن كالصحيح عن العسكري (عليه السلام) »(4).
وقال أيضاً: « بعد وجود ابن فضّال الذي ورد الامر في بعض الاخبار المعتبرة بالاخذ بكتبه ورواياته »(5).
إذن: ففي حديث: « خذوا بما رووا، وذروا ما رأوا » السند جيّد، لكون ابن الحسين بن تمام شيخ الاجازة، وعبدالله الكوفي معتبر أيضاً.
قال السيّد الخوئي (قدس سره): « إنّها ضعيفة لجهالة حال أبي الحسين بن تمام وعبدالله الكوفي، فلا يمكننا الاعتماد عليها أبداً، فلم يثبت أنّ هذا الكلام قد صدر عن ابن روح حتّى يقال: إنّه ينقله عن العسكري (عليه السلام) »(6).
وقال في تهذيب المقال في حنظلة بن زكريا بن يحيى بن حنظلة: « ورواية مثل ابن تمام عنه تشير إلى منزلته »(7).
وقال في الذريعة: « لابي الحسين بن تمام كتاب: موضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) »(8).
وقال الشيخ الانصاري (قدس سره): « ومثل ما في كتاب الغيبة بسنده الصحيح إلى عبدالله الكوفي... »(9).
ويكفي تصحيح الشيخ الانصاري (قدس سره) بلا معارض.


المناقشة الثانية

وثانياً: بأنّ ظاهر هذه الروايات، أو منصرفها ـ ولو بمناسبة الحكم والموضوع أو المرتكزات العقلية والعرفية ـ إرادة وجود الشرائط حدوثاً فقط، لانّه الذي له مدخلية في صحّة وفساد الحكم الشرعي، خصوصاً ذيل ما روي عن الامام الكاظم (عليه السلام): « فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين »(10) فإنّه يظهر منه أنّ اشتراط الايمان حكمة لعدم الحكم بغير ما أنزل الله، وليس علّة يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، فكيف بأن يستفاد منها إطلاقها بقاءً أيضاً ؟
والمحتملات في قوله (عليه السلام): « ما رأوا » كالتالي:
الاحتمال الاوّل: آراؤهم في العقائد الفاسدة، وهذا مرفوض من جهات:
1. كون متعلّق « ذروا » هو آراؤهم قبل العقائد الفاسدة.
2. معلومية ذلك بلا حاجة إلى ذكر، بل الانصراف عنه.
3. إطلاق « رأوا » والشكّ في إرادة الاطلاق مسرح أصل الاطلاق.
الاحتمال الثاني: آراؤهم الفقهية بعد فساد العقيدة.
ويردّه: عدم الاختصاص، وإلاّ خرج المورد وهو آراؤهم قبل فساد العقيدة.
الاحتمال الثالث: آراؤهم الفقهية قبل فساد العقيدة وهو المطلوب.
وإذا تمّ هذا ثبت أنّ الشروط بقائية لا حدوثية فقط.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: بأنّ ظاهر رواية الاحتجاج: « فللعوام أن يقلّدوه » هو الرجوع إلى من جمع الشرائط في ابتداء التقليد ـ كما قيل ـ مضافاً إلى أنّ الاستمرار على التقليد غير التقليد، والتقليد هو ما يقال بالنسبة للابتداء، والاستمرار معنى زائد على أصل التقليد، والمأمور به هو: تقليد الجامع للشروط، لا الاستمرار على تقليد الجامع للشروط.


المناقشة الرابعة

ورابعاً: بأنّ الاخذ بقول الشخص حال اجتماعه لجميع الشروط يصدق عليه: أنّه آخذ بقول من هو كذلك، لانّ المشتقّ حقيقة فيمن تلبّس بالمبدأ في حينه وحال الجري.


ثالث أدلّة وجوب العدول مطلقاً

الثالث: ما عن الشيخ كاظم الشيرازي (قدس سره): من أنّ ما كان شرطاً في ابتداء التقليد فهو شرط في استمراره ـ غير الحياة ـ فبمجرّد فقد أحد الشروط تسقط فتواه عن الحجّية ويجب تتبّع حجّة أُخرى.
وفيه: هذا المنقول عنه مجرّد دعوى غير مدعمة بالدليل، ولعلّ الناقل حذف عن قول الشيخ شيئاً كان يدلّ عليه.


رابع أدلّة وجوب العدول مطلقاً

الرابع: ما عن المحقّق الاصفهاني (قدس سره) في رسالته في الاجتهاد والتقليد: من أنّ العمل بفتوى من كان جامعاً، ثمّ فقد بعض الشرائط استناد إليه حال العمل، والمفروض: خروجه عن أهلّية المرجعية حال العمل، فلا يجوز الاستناد إليه، ومقتضاه: بطلان الاستمرار على تقليده، قال: « وإلاّ كان عملاً بغير الرأي، أو برأي غير الفقيه، أو برأي الفقيه غير العادل »، وهو المنقول عن الشيخ علي أيضاً في حاشيته على الشرائع.
وفيه: الاشكال في الصغرى، فإطلاق الاستناد إليه حال العمل ليس إلاّ مسامحة ومجازاً، وإلاّ فالاستناد كان حين أخذ الفتوى، والمفروض: صلاحيته في ذلك الحين للرجوع إليه، والان هو استمرار لاستناد سابق، وليس استناداً جديداً.
نعم، بالنسبة لفتاواه المتجدّدة بعد فقد الشروط لو قلّده كان استناداً، وبطل، ولكنّه غير محلّ الكلام.


خامس أدلّة وجوب العدول مطلقاً

الخامس: أصالة التعيين عند الدوران بين البقاء على تقليد هذا الفاقد لبعض الشروط تخييراً، وبين وجوب تقليد غيره تعييناً.
وفيه أوّلاً: أنّ الاطلاقات والاستصحاب لا يبقيان شكّاً ـ شرعاً ـ حتّى تصل النوبة إلى أصل التعيين، لتقدّم الامارات والاُصول التنزيلية على الاُصول العملية.
وما يقال: من أنّ الشكّ وجداناً موجود، فإنّه يقال: شكّ غير معتبر شرعاً لا عبرة به، نظير الشكّ في الطهارة الحدثية المحكوم باستصحاب الطهارة، الذي حكم الشارع معه بالصلاة مع وجود الشكّ وجداناً، وغير ذلك من الامثلة.
وثانياً: أنّ أصل التعيين محكوم بأصل البراءة في شرطية البقاء ـ كالحدوث ـ لانّه من الاقل والاكثر في الشرطية.


سادس أدلّة وجوب العدول مطلقاً

السادس: أنّ فقده لبعض الشروط يوجب الشكّ في حجّية فتاواه، والشكّ في الحجّية هو موضوع عدم الحجّية، ومعه يلزم اشتراط بقاء الشروط.
وجوابه: أنّ الاستصحاب جار هنا بتقريباته المختلفة: من استصحاب الحكم الوضعي أعني: الحجّية، واستصحاب الحكم التكليفي ـ كالوجوب والحرمة ـ تنجيزياً: إذا كان المقلّد قد عمل بتلك الفتاوى حال اجتماعه الشروط، وتعليقياً: إذا لم يكن قد عمل في ذاك الحين.
وكذلك كثير من أدلّة البقاء على تقليد الميّت تدلّ هنا أيضاً، إذ المسألتان من باب واحد، فراجع هناك.


القول الثاني وأدلّته
الدليل الاوّل لجواز البقاء مطلقاً

وأمّا القول الثاني: وهو جواز البقاء وعدم وجوب العدول مطلقاً، المنقول عن كاشف الغطاء وولده وصاحب الفصول (قدس سرهم)، فقد استدلّ له في هنا بالخصوص ـ مع الغضّ عن جريان أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت كلاً أو جلاًّ هناك بلا فارق غالباً ـ بأدلّة هي كالتالي:
الاوّل: بناء العقلاء على الاخذ بآراء أصحاب الفنون وأهل الخبرة حتّى ولو بعد عروض ما يسلب عقلهم كالجنون، والسكر ونحوهما.
مثلاً لو قوّم المقوّم داراً وقفياً لبيعه، ثمّ قبل بيعه جنّ المقوّم، أو وصف الطبيب دواءً لمريض ثمّ جُنّ، أو خطّط المهندس تخطيطاً لدار ثمّ جنّ، أو صار كثير السهو والنسيان ونحو ذلك، فإنّ العقلاء يعتمدون على التقويم والدواء والتخطيط، دون أن يكون عروض تلك الصفات، وذهاب الملكات موجباً لزوال آرائهم.
فليكن أمر التقليد كذلك ـ كما هو مبنى بناء العقلاء فيه أيضاً ـ فأصل وجوب التقليد مبني على بناء العقلاء، وفرعه كهذه المسألة بناؤه على ما بنى عليه العقلاء في كيفية رجوع الجاهل إلى العالم غير محظور عنه، ما دام لم يرد من الشرع حكم خاصّ به.


الدليل الثاني لجواز البقاء مطلقاً

الثاني: ما عن كاشف الغطاء (قدس سره): من أنّ ما دلّ على الرجوع إلى العلماء في قضاء، أو افتاء، لا يفهم منه سوى الرجوع إلى الاحياء وإن ماتوا في الاثناء بعد التقليد، وكذا إلى العقلاء وإن جنّوا بعد ذلك، وكذا إلى ذوي الملكات وإن زالت عنهم، فالرجوع إلى الميّت، والمجنون، والمغمى عليه، والناسي، والجاهل، والساهي، والنائم قبل أن تحصل فيه هذه الصفات يكون رجوعاً للحي، والعاقل، والصاحي، والذاكر، والعالم، والمتفطّن، واليقظان، لانّه حصل تعلّق الافعال بالموضوعات على ذلك الاتّصاف فيكون مشمولاً للاخبار.
وهذا الدليل عبارة أُخرى عن كون الادلّة ظاهرة أو منصرفة إلى الجامع للشروط حال الافتاء بمناسبة الحكم والموضوع.


الدليل الثالث لجواز البقاء مطلقاً

الثالث: الاستصحاب بتقريراته المختلفة: من استصحاب الحكم الوضعي، واستصحاب الحكم التكليفي التنجيزي، والاستصحاب التعليقي، ممّا مرّت الاشارة إليه آنفاً في جواب الدليل السادس للمانعين.
وقد يقال: بأنّ جريان الاستصحاب هنا أحرى من جريانه في البقاء على تقليد الميّت، لانّ بقاء الموضوع هنا أوضح عرفاً من بقائه في الميت.
قال في المستمسك: « والذي تقتضيه القواعد ما ذكره في الفصول (يعني: جواز البقاء) وكذا في بقية موارد طروّ فقد الشرائط إذ أكثر ما قدّم في جواز البقاء على تقليد الميّت جار بعينه هنا. نعم، لا يطّرد بعضه في المقام، ولكن ذلك لا يهمّ بعد اطّراد غيره »(11).


الدليل الرابع لجواز البقاء مطلقاً

الرابع: ما قيل: من أنّ أحكام الشريعة إذا ثبتت دامت، إلاّ إذا دلّ دليل على تغيّرها، فالحجّية، والاحكام التكليفية كلّها كانت، فإذا شكّ في زوالها بتبدّلها إلى أضدادها كان مقتضى القاعدة: بقاءها، ومثل تبدّل رأي المجتهد ممّا دلّ الدليل على تغيّر الحكم معه نقول به، وفيما لم يدلّ الدليل يبقي الحكم مستمرّاً.
والفرق بين هذا الاستدلال وبين الاستدلال بالاستصحاب هو: أنّ هذا دليل اجتهادي مستند إلى استفادة ظهور ذلك من مجموع الادلّة الشرعية، والاستصحاب أصل عملي وليس دليلاً.


الدليل الخامس لجواز البقاء مطلقاً

الخامس: ما عن ولد كاشف الغطاء: من أنّ ذلك مؤيّد بتحريم العدول: من إطلاق، أو إجماع، أو حكمة.
وسهولة الشريعة وسماحتها، ورفع العسر والحرج يقضي به أيضاً.
وفيه: أنّ تحريم العدول ليس له إطلاق لفظي حتّى يشمل مثل المورد.
والاجماع والحكمة دليلان لبّيان يؤخذ بالمتيقّن منهما وهو غير هذا المورد.
ومسألة سهولة الشريعة وسماحتها لا دخل لهما في ذلك.
ورفع العسر والحرج يختصّان بموردهما، وليس في المسألة عسر يرى ولا حرج يعرف، لندرة الفرض غالباً، وتوفّر الجامعين للشروط بحيث يمكن العدول إلى غير مرجعه.
وهذا القول هو المنقول عن بعض الاساطين: من أمثال كاشف الغطاء وابنه الشيخ حسن وصاحب الفصول (قدس سرهم).


القول الثالث ووجهه

الثالث: التفصيل بين فقد الاعلمية فيجب العدول إلى الاعلم، وبين فقد الايمان، أو العقل، أو العدالة، أو الاجتهاد المطلق فلا يجب العدول.
ووجهه ما مرّت إليه الاشارة: من أنّه صار الاعلم غير مرجع التقليد ـ مع فرض وجوب تقليد الاعلم ـ فسقطت فتاوى المرجع عن الحجّية، وأصبحت في قبال فتاوى الاعلم كفتوى فاقد العدالة بعد فقدها، فليس فتوى هذا المرجع الذي هو الان غير أعلم جامعة لشرائط الحجّية.
وهذا بخلاف من أفتى في وقت اجتماعه للشرائط ثمّ صار فاسقاً، أو مجنوناً، أو غير مؤمن، أو غير مجتهد، فإنّه هو فاقد للشروط ولكن فتاواه فتاوى جامع للشرائط.
وأُورد عليه: بأنّ الفرق بين الاعلمية وغيرها بلا فارق، إذ الاعلم قد يسقط عن الاعلمية لا لانّ غيره أصبح أعلم من جميع أوقات أعلمية هذا حتّى من أوقات افتائه، بل لانّ الاعلم يعرض عليه السهو الكثير، أو النسيان، أو ضعف بعض القوى العقلية، ممّا لا يبقى له تلك القدرة القوية على جمع شتات الاحكام، وردّ بعضها على بعض، وتمييز مفارقتها عن جوامعها، ولكن فتاواه في وقت صدورها كانت ولا تزال فتاوى الاعلم، ومع هذا الفرض الذي ربما يكون هو المتبادر من: فقد الاعلم للاعلمية، لا يبقى فرق بين هذا الشرط وبين سائر الشروط.
نعم، في غير هذا الفرض، وبناءً على وجوب تقليد الاعلم مطلقاً يكون التفصيل وجيهاً.


القول الرابع ووجهه

الرابع: التفصيل بين المرجع لاخذ المسائل الشرعية الذي يعتبر كسائر أهل الخبرات في كلّ العلوم والفنون، وبين المرجع الذي يعتبر زعيماً دينياً للمسلمين في كلّ شؤون معاشهم ومعادهم، بلزوم العدول في الثاني، دون الاوّل بحيث يعتمد على فتاواه، ويؤخذ بها، ولا يعتمد على شخصه.
وبعبارة أُخرى: يعتبر فتاواه، ولا يعتبر قوله في الاُمور الحسبية ونحوها: كتجهيز الميّت، بناءً على جواز البقاء، فإنّه يعتبر فتاواه في حين أنّه لا إذن له في شيء.
مثلاً: لا يصحّ الاعتماد عليه في الاستئذان لتجهيز ميت لا ولي له، ويصحّ تجهيز الميت بلا استئذان من أوليائه اعتماداً على فتواه بكفاية ذلك وعدم لزوم الاذن من الاولياء ـ في بعض الصور ـ.
والوجه في هذا التفصيل هو: عدم الدليل على بطلان التقليد بمعنى أخذ المسائل الشرعية فقط كخبير لاحكام الاسلام بعروض هذه الاُمور للمرجع، ولزوم كون المرجع الذي يكون قوله حجّة في الاُمور الحسبية والولايات ونحوها جامعاً للشروط كلّها حالها وبقاءً أيضاً.
وأُورد عليه: بمخالفته للاجماع المركّب في شروط مرجع التقليد، مع بعده عن مذاق المتشرّعة.
مضافاً إلى ما روي في الشلمغاني عن الحسين بن روح من قوله في كتبه: « أقول فيها ما قاله أبو محمّد (عليه السلام)في كتب بني فضّال: خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(12).
وأُجيب: بأنّ الاوّل غير ثابت، والثاني غير مضرّ.
وبهذا التفصيل يندفع ما في تقريرات بعض مراجع العصر: من أنّ مقتضى الاصل العملي، والادلّة الاجتهادية: عدم اعتبار الشروط بقاءً، ولكن القرينة الخارجية تدلّ على الاشتراط.
قال: « وذلك لانّه مقتضى ما ارتكز في أذهان المتشرّعة حسبما استكشفته من مذاق الشارع: من عدم رضائه أن يكون المتصدّي للزعامة الكبرى للمسلمين من به منقصة دينية أو دنيوية يعاب بها عليه، وتسقطه عن أنظار العقلاء المراجعين إليه... »(13).
وجه الاندفاع: ـ مضافاً إلى أنّ الاستكشاف من مذاق الشارع لا يفيد غير من علم به ـ أنّ هذا الاستكشاف لا يكون دليلاً على سقوط فتاواه عن الحجّية، وعن جواز مجرّد العمل بها في مقام الاطاعة والمعصية، ولا يسقطه عن كونه أهل الخبرة حال الفتوى، فالخلاف صغروي وليس خلافاً.


القول الخامس ومناقشته

الخامس: زاد بعض المعاصرين قولاً خامساً وهو: التفصيل بين زوال قوّة الاجتهاد فيكون الحكم نظير زوال الحياة في كلّ الوجوه والاستدلالات، إلاّ إذا كان المستند لجواز البقاء على تقليد الميّت هو بقاء الرأي بعد الموت فإنّه لا يجري في المقام، وبين زوال سائر الشروط، فإنّها تكون مبنية على وجود إطلاق للشروط شامل للبقاء، أو وجود إطلاق لحجّية الفتوى شامل لزمان زوال الشرط، وبعدهما تصل النوبة إلى الاستصحاب.
واللطيف في هذا القول أنّه مثّل للشروط الزائلة بمثل: العدالة، والبلوغ، والرجولية، وليت شعري كيف يمكن انقلاب البالغ غير بالغ، والرجل صبياً ؟
وفيه: أنّ الفرق غير فارق لا شرعاً ولا عرفاً، فسياق الادلّة واحد، واستفادة العرف منها واحدة، فإن جاز جاز في الكل، وإلاّ لم يجز في الكل، والاستحسانات العقلية لا تكون ملزمة للحكم الشرعي ما لم تدعم بدليل شرعي، أو استفادة عرفية من كلام الشارع، أو طريق عقلائي إلى خطابات الشرع.


(1) تفسير الامام العسكري (عليه السلام): ص300.
(2) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح42.
(3) الوسائل: الباب8 من أبواب صفات القاضي، ح79.
(4) كتاب الطهارة للشيخ الانصاري (قدس سره): ج1، ص355.
(5) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري (قدس سره): ج1، ص82.
(6) كتاب الصلاة للسيّد الخوئي (قدس سره): ج1، ص151.
(7) تهذيب المقال للابطحي: ج5، ص326.
(8) الذريعة: ج16، ص160.
(9) فرائد الاُصول: ج1، ص305.
(10) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح42.
(11) المستمسك: ج1، ص57.
(12) الغيبة للشيخ الطوسي: الفصل السادس، ح355.
(13) التنقيح: ص239.