المسألة (23): العدالة عبارة عن ملكة اتيان الواجبات، وترك المحرّمات... .

ما هي العدالة

المسألة (23): العدالة عبارة عن ملكة اتيان الواجبات، وترك المحرّمات.
لقد اختلفت عبارات الفقهاء قديماً وحديثاً في تفسير العدالة على أقوال، والمعروف منها خمسة:


أقوال المسألة
القول الاوّل

الاوّل: ما في المتن من أنّ العدالة ملكة نفسانية باعثة على اتيان الواجبات وترك المحرّمات، وهو الّذي نسب إلى المشهور تارةً، وإلى المشهور بين المتأخرين أُخرى، وهو القول المعروف بين مراجع العصر ومن تقدّمهم، حتّى أنّ معظم المحشين على العروة لم يعلّق على هذه المسألة، وهذا القول هو المنقول عن المختلف، والقواعد، والارشاد، والتحرير، والمهذّب، ونهاية الاُصول، والمنية، والدروس، والذكرى، والتنقيح، والروضة، والروض، وجامع المقاصد، والمعالم، والرياض.
وعن الاردبيلي نسبته إلى المشهور في الفروع والاُصول.
وعن الفاضل الهندي نسبته إلى المشهور بين الخاصّة والعامّة.
وعن التنقيح نسبته إلى الفقهاء مشعراً بالاجماع عليه، إلى غير ذلك.


القول الثاني

الثاني: أنّ العدالة عبارة عن الاتيان بالواجبات وترك المحرّمات الناشئ ذلك عن ملكة، وهذا القول هو المنقول عن الصدوق، والمفيد في المقنعة، والشيخ في النهاية، وعن الوسيلة.
والفرق بين القولين: أنّ الاوّل اعتبرها نفس الملكة النفسانية، فيكون الالتزام باتيان الواجبات وترك المحرمات من آثار العدالة، والقول الثاني اعتبر اتيان الواجبات وترك المحرّمات هي بنفسها العدالة والملكة سبب لها، فالعدالة على القول الاوّل صفة نفسية، وعلى القول الثاني عمل خارجي.
لكن الشيخ الانصاري ـ وتبعه بعض مراجع العصر ـ أرجع القولين إلى واحد، بتقريب: أنّ مراد القائلين بالملكة ليست هي الملكة الصرفة الكامنة في النفس، وإنّما مرادهم الملكة المقترنة بالعمل الخارجي، خصوصاً وأنّ بعضهم صرّح بعبارات يظهر منها إرادة الملكة المتلبّسة بالعمل الخارجي، ويبقى على هذا الخلاف في أنّ العدالة هل هي الملكة والاعمال الخارجية من آثارها، أم العدالة هي الاعمال الخارجية والملكة سببها ؟
وبعبارة أُخرى: العدالة هي السبب أم المسبّب.
وأُورد على الشيخ (قدس سره) بعض من نعاصرهم في تقريراته: بمثل من بلغ وله ملكة العدالة ولم يبتل بعد بالكبائر، أو من ترك الكبائر حياءً من الناس، فإنّهما عادلان على القول الاوّل دون الثاني.
وفيه: أوّلاً: أنّهما فرضان نادران لا يبنى عليه اختلاف مثل هذا.
وثانياً: يمكن أن يقال بالانصراف عن مثل الفرض، فلا يكون فارقاً بين القولين.


القول الثالث

الثالث: أنّ العدالة عبارة عن مجرّد ترك المعاصي، أو خصوص الكبائر، بمعنى الاستقامة على جادّة الشرع، سواء كان ذلك عن ملكة نفسانية باعثة رادعة، أم لا.
وقد نقل القول به عن المفيد، وابن البرّاج، وأبي الصلاح، وابن إدريس، والطبرسي، والوحيد البهبهاني، والسيّد الصدر (قدس سرهم)، وحكي عن المجلسي والسبزواري: أنّ هذا القول هو الاشهر في تفسير العدالة.


القول الرابع

الرابع: أنّ العدالة الاسلام مع عدم ظهور الفسق، وهو المنقول عن ابن الجنيد، والمفيد في كتاب الاشراف، والشيخ في الخلاف، والشهيد الثاني.
والمحكي عن التبيان، والدروس، والذكرى، والمسالك، والجعفرية، والكفاية، والمستند: أنّ الاسلام وعدم ظهور الفسق ليس قولاً في تفسير العدالة وحقيقتها، وإنّما هو الحكم بها من باب الاصل، من جهة كفاية الاصل في الحكم بالعدالة.


القول الخامس

الخامس: أنّ العدالة حسن الظاهر وظهور الصلاح، بأن يكون الشخص متّصفاً بصفات ظاهرة في الحسن، كملازمة صلاة الجماعة، والذكر، والزيارة، وصلة الارحام، ونحوها.
والفرق بينه وبين القول الرابع: أنّ لازم القول الرابع الحكم على معظم المسلمين بالعدالة، فمن لم تر منه معصية عدّ عادلاً ولو لم تعرفه، بخلاف حسن الظاهر فإنّه يحتاج إلى معرفة أنّه حسن الظاهر ولو لمعاشرة ما.
وبعبارة أُخرى: بينهما عموم مطلق، لاعمّيتها على القول الرابع عنها على هذا القول.
وقد نقل القول بذلك عن الشيخ في النهاية، والحلّي في السرائر، والبهبهاني، وأصحاب المدارك، والذخيرة والحدائق، والجواهر، والسيد عبدالله الشبر (قدس سرهم) وغيرهم.
وفي مستند العروة: « هو المنسوب إلى جماعة بل إلى أكثر المتقدّمين ».


إيرادان في القولين الاخيرين
أوّل الايرادين

وقد أُورد على القولين الاخيرين إيرادان:
الاوّل: ما عن الشيخ الانصاري (قدس سره): من أنّه لو كانت العدالة عبارة عن: الاسلام وعدم ظهور الفسق، أو حسن الظاهر، لزم كون وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، وهذا المعنى لا يجامع ضدّية العدالة للفسق الّذي هو أمر واقعي، فلا محيص من اعتبار القولين كاشفين عن العدالة، لا أنّهما نفس العدالة.
وأُجيب: بأنّ الّذي يقول في العدالة إنّها حسن الظاهر، لا يعتبر ضدّها وهو الفسق أمراً واقعياً حتّى يلزم الاشكال، والّذي يقول في العدالة إنّها الاسلام وعدم ظهور الفسق لا يعتبر ضدّها وهو الفسق إلاّ هذا الامر الخارجي، فكما أنّ العدالة ـ عند القولين ـ وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، كذلك الفسق على هذين القولين.
فعلى القولين: من كان عند الله عاصياً ولو بالكبائر العظام ولكنّه كان حَسَن الظاهر فإنّه شرعاً عادل.


ثاني الايرادين

الثاني: ما عن بعض من أنّ لازم القولين كون العدالة ـ في عالم الثبوت ـ من الاوصاف ذات الاضافة، الّتي لها تحقّق عند بعض، وغير متحقّقة عند بعض آخرين، فزيد الشخص ـ مثلاً ـ يكون عادلاً عند من لم يرَ منه فسقاً، أو كان عنده حسن الظاهر، وفاسقاً عند من رأى منه الفسق ولم يحفظ ظاهره.
وأُجيب أوّلاً: بأنّه لا محذور في التزام هذه الكبرى.
وثانياً: بلزوم هذا التالي حتّى على القول بأنّهما كاشفان عن العدالة، إذ من حَسن ظاهره عند شخص دون آخر، كان كاشف العدالة الواقعية موجوداً معه لدى الاوّل دون الثاني، فهو عادل واقعاً عند الاوّل، غير عادل واقعاً عند الثاني، كذا من كان مسلماً ولم يظهر منه فسق عند زيد، وظهر عند عمرو.
والحاصل: أنّ الاقوال في العدالة خمسة، ولكلّ منها قائلون وأدلّة، فلننظر أدلّتها، ولكن قبل الخوض في الاستدلال للاقوال نفضّل تقديم أربعين عدداً من الروايات تكون هي المرجع للاقوال كلّها انتخبناها من مئات الاحاديث الشريفة الواردة بهذا الصدد من مختلف كتب الفقه وشتيت الابواب، كي لا نحتاج إلى تكرارها، بل نشير إليها وإلى أرقامها عند الحاجة.


أربعون حديثاً في العدالة
الحديث الاوّل

1. صحيحة عبدالله بن أبي يعفور(1)، قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): « بم تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم وعليهم ؟
فقال (عليه السلام): أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكفّ البطن والفَرْج، واليد واللسان، وتعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عزّوجلّ عليها النار: من شرب الخمور، والزنا، والربا، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف وغير ذلك.
والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه، حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه، وتفتيش ما وراء ذلك. ويجب عليهم تزكيته، وإظهار عدالته في الناس، ويكون معه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن، وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم إلاّ من علّة.
فإذا كان كذلك لازماً لمصلاّه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلّته قالوا: ما رأينا منه إلاّ خيراً، مواظباً على الصلوات، متعاهداً لاوقاتها في مصلاّه، فإنّ ذلك يجيز شهادته، وعدالته بين المسلمين، وذلك أنّ الصلاة ستر وكفّارة للذنوب، وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلاّه ويتعاهد جماعة المسلمين، وإنّما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي، ومن يحفظ مواقيت الصلوات ممّن يضيّع، ولولا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح، لانّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) همّ بأن يحرق قوماً في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، وقد كان فيهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك، وكيف تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من الله عزّوجلّ ومن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه الحرق في جوف بيته بالنار ؟ وقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلاّ من علّة »(2).


الحديث الثاني

2. الصحيحة الانفة نفسها رواها الشيخ في التهذيب والاستبصار باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، وعن محمّد بن موسى، عن الحسن بن علي عن أبيه، عن علي بن عقبة، عن موسى بن اكيل النميري، عن ابن أبي يعفور، نحوه.
إلاّ أنّه أسقط قوله: « فإذا كان كذلك لازماً لمصلاّه » إلى قوله « ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع ».
وأسقط قوله: « فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) همّ بأن يحرق » إلى قوله « بين المسلمين ».
وزاد: « وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا غيبة إلاّ لمن صلّى في جوف بيته، ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين، وجبت غيبته، وسقطت بينهم عدالته، ووجب هجرانه، وإذا رُفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذّره، فإن حضر جماعة المسلمين وإلاّ أُحرق عليه بيته، ومن لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته وثبتت عدالته بينهم »(3).
أقول: لا يبعد حمل هذه القطعات الّتي فيها هذا التأكيد البالغ على صلاة الجماعة وحضورها وإنّ من لم يحضرها حلّت غيبته وسقطت عدالته ونحو ذلك على التقيّة، وقرينة ذلك: عدم حضور المعصومين (عليهم السلام) خصوصاً الامام الصادق (عليه السلام) الّذي رويت هذه الرواية عنه للجماعات، وعدم معهودية إقامتهم إيّاها في بيوتهم أو في المساجد تقيّة من الظالمين والطغاة الذين عاصروهم، وأمّا بالنسبة لما نقل هنا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ التقية في التطبيق إذ لا مانع من كون عدم حضور الجماعة أيّام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علامة النفاق، والله العالم.


الحديث الثالث

3. ومعتبرة يونس بن عبدالرحمن، عن بعض رجاله، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: « سألته عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة ؟
فقال (عليه السلام): خمسة أشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، والمناكح، والذبائح، والشهادات، والانساب، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً، جازت شهادته، ولا يُسأل عن باطنه »(4).
قال في الوافي: « بيان: يعني، أنّ المتولّي لاُمور غيره إذا ادّعى نيابته مثلاً أو وصايته، والمباشر لامرأة إذا ادّعى زواجها، والمتصرّف في تركة الميّت إذا ادّعى نسبه، وبائع اللحم إذا ادّعى تذكيته، والشاهد على أمر إذا ادّعى العلم به، ولا معارض لاحد من هؤلاء تقبل أقوالهم، ولا يفتّش عن صدقهم حتّى يظهر خلافه، بشرط أن يكون مأموناً بحسب الظاهر »(5).
رواه المشايخ الثلاثة (قدس سرهم) في الكتب الاربعة بأسانيد عديدة.


الحديث الرابع

4. وفي الفقيه والتهذيب والاستبصار بأسانيد عديدة، منها: اسناد الصدوق (قدس سره) الصحيح عن عبدالله بن المغيرة، قال: « قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام): رجل طلّق امرأته وأشهد شاهدين ناصبيين، قال (عليه السلام): كلّ من ولد على الفطرة، وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته »(6).


الحديث الخامس

5. ومعتبرة العلاء بن سيّابة(7) قال: « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن شهادة من يلعب بالحمام، قال (عليه السلام): لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق »(8).
رواها الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب والاستبصار.


الحديث السادس

6. صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « لو كان الامر إلينا، لاجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس »(9).


الحديث السابع

7. وموثّقة عمّار بن مروان عن أبي عبدالله (عليه السلام): « في الرجل يشهد لابنه، والابن لابيه، والرجل لامرأته ؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كان خيّراً »(10).


الحديث الثامن

8. وموثّقة أبي بصير بعثمان بن عيسى العامري عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً »(11).


الحديث التاسع

9. ومعتبرة إبراهيم الكرخي عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: « من صلّى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة، فظنّوا به خيراً، أجيزوا شهادته »(12).


الحديث العاشر

10. وصحيحة علقمة قال: « قال الصادق (عليه السلام) ـ وقد قلت له: يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرني عمّن تقبل شهادته ومن لا تقبل ؟ ـ فقال ياعلقمة: كلّ من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته.
قال: فقلت له: تقبل شهادة مقترف بالذنوب ؟
فقال: ياعلقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب، لما قبلت إلاّ شهادة الانبياء والاوصياء (عليهم السلام)، لانّهم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر، شهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنباً، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية الله داخل في ولاية الشيطان »(13).


الحديث الحادي عشر

11. وفي الخصال عن أحمد بن إبراهيم بن بكر، عن زيد بن محمّد، عن عبدالله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه عن الرضا، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) قال: « قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أُخوّته، وحرمت غيبته »(14).


الحديث الثاني عشر

12. وفي الخصال أيضاً عن أبيه، عن علي بن موسى الكمنداني، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « ثلاث من كنّ فيه أوجبن له أربعاً على الناس. من إذا حدّثهم لم يكذبهم، وإذا خالطهم لم يظلمهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم، وجب أن تظهر في الناس عدالته، وتظهر فيهم مروءته، وأن تحرم عليهم غيبته، وأن تجب عليهم أُخوّته »(15).


الحديث الثالث عشر

13. وعن الشيخ في كتاب الحديث باسناد صحيح عن حريز، عن أبي عبدالله (عليه السلام): « في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، فعدل منهم اثنان، ولم يعدل الاخران فقال (عليه السلام): إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعاً، وأُقيم الحدّ على الّذي شهدوا عليه، إنّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا وعلموا، وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم، إلاّ أن يكونوا معروفين بالفسق »(16).


الحديث الرابع عشر

14. وموثّقة السكوني عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): « إنّ شهادة الاخ لاخيه تجوز إذا كان مرضيّاً ومعه شاهد آخر »(17).


الحديث الخامس عشر

15. وعن التهذيب والاستبصار، عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد عن أحمد بن الحسن بن فضّال، عن أبيه عن علي بن عقبة وذبيان بن حكيم الاودي، عن موسى بن أكيل، عن عبدالله بن أبي يعفور، عن أخيه عبدالكريم بن أبي يعفور، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر والعفاف، مطيعات للازواج، تاركات للبذاء والتبرّج إلى الرجال في أنديتهم »(18).
قال في الوافي: « بيان: من أهل البيوتات يعني: من الاشراف وذوي المروّات، فإنّ البيت جاء بمعنى: الشرف، والبذاء: الفحش، والتبرّج: التكلّف في إظهار ما يخفى وخصّ بكشف المرأة زينتها ومحاسنها للرجال، والاندية ـ جمع النادي ـ وهو: المجلس ما دام فيه القوم »(19).


الحديث السادس عشر

16. وعن تفسير الامام الحسن العسكري (عليه السلام): « عن أمير المؤمنين (عليه السلام)في قوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ) قال: « ممّن ترضون دينه وأمانته، وصلاحه وعفّته، وتيقّظه فيما يشهد به، وتحصيله وتمييزه، فما كلّ صالح مميّزاً ولا محصّلاً، ولا كلّ محصّل مميّز صالح »(20).


الحديث السابع عشر

17. وحديث سلمة بن كهيل عن أمير المؤمنين (عليه السلام): « أنّه قال لشريح في حديث: واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض، إلاّ مجلوداً في حدٍّ لم يتب منه، أو معروفاً بشهادة الزور، أو ظنيناً(21)»(22).


الحديث الثامن عشر

18. الكليني، باسناده إلى السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان لا يقبل شهادة فحّاش، ولا ذي مخزية في الدين »(23). والمخزية: ما يوجب الخزي.


الحديث التاسع عشر

19. وباسناده إلى العلاء بن سيّابة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « لا يصلّى خلف من يبتغي على الاذان والصلاة الاجر، ولا تقبل شهادته »(24).


الحديث العشرون

20. محمّد بن الحسن باسناده إلى سماعة، قال: « سألته عمّا يردّ من الشهود، قال: المريب، والخصم، والشريك، ودافع مغرم، والاجير، والعبد، والتابع، والمتّهم، كلّ هؤلاء تردّ شهاداتهم »(25).


الحديث الواحد والعشرون

21. الصدوق باسناده عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا آخذ بقول عرّاف، ولا قائف، ولا لصّ، ولا أقبل شهادة الفاسق إلاّ على نفسه »(26).
« العراف » هو: الكاهن و « القائف » هو: الّذي يعرف الاثار ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه.


الحديث الثاني والعشرون

22. وباسناده عن إسماعيل بن مسلم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: « لا تقبل شهادة ذي شحناء، أو ذي مخزية في الدين »(27).
قال في الوافي: « بيان: الشحناء: العداوة، والمخزية: ما يوجب الخزي »(28).


الحديث الثالث والعشرون

23. قال الصدوق: وفي حديث آخر قال (عليه السلام): « لا تجوز شهادة المريب، والخصم، ودافع مغرم، أو أجير، أو شريك، أو متّهم، أو تابع، ولا تقبل شهادة شارب الخمر، ولا شهادة اللاعب بالشطرنج والنرد، ولا شهادة المقامر »(29).


الحديث الرابع والعشرون

24. وفي معاني الاخبار، قال قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): « لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي حقد ولا ذي غمز على أخيه، ولا ظنّين في ولاء، ولا قرابة، ولا القانع مع أهل البيت لهم ».
قال الصدوق (قدس سره): « الغمز » الشحناء والعداوة وأمّا « الظنين » في الولاء والقرابة، فالّذي يتّهم بالدعاوة إلى غير أبيه، أو المتولّي غير مواليه ـ إلى أن قال: ـ والظنّين أيضاً المتّهم في دينه، وأما « القانع » مع أهل البيت لهم فالرجل يكون مع قوم في حاشيتهم كالخادم لهم والتابع والاجير ونحوه(30).


الحديث الخامس والعشرون

25. الصدوق (قدس سره) باسناده الصحيح عن عمر بن يزيد: « أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن إمام لا بأس به في جميع أُموره عارف، غير أنّه يُسمع أبويه الكلام الغليظ الّذي يغيظهما، أقرأ خلفه ؟
قال (عليه السلام): لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقّاً قاطعاً »(31).


الحديث السادس والعشرون

26. الكليني في المعتبرة بسهل بن زياد عن أبي على بن راشد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه »(32).


الحديث السابع والعشرون

27. الكليني (قدس سره) عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال (عليه السلام): « من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، وواعدهم فلم يخلفهم، كان ممّن حرمت غيبته، وكملت مروّته، وظهر عدله، ووجبت أُخوّته »(33).


الحديث الثامن والعشرون

28. الطوسي (قدس سره) باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن سعد بن إسماعيل، عن أبيه قال: « قلت للرضا (عليه السلام): رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الامر، أُصلّي خلفه ؟ قال: لا » ورواه الصدوق أيضاً (34).


الحديث التاسع والعشرون

29. السرائر، من كتاب أبي عبدالله السياري صاحب موسى والرضا (عليهما السلام)قال: « قلت لابي جعفر الثاني (عليه السلام): قوم من مواليك يجتمعون فتحضر الصلاة فيقدم بعضهم فيصلّي بهم جماعة، فقال (عليه السلام): إن كان الّذي يؤمّ بهم ليس بينه وبين الله طلبة فليفعل »(35).


الحديث الثلاثون

30. الشهيد الاول (قدس سره) في الذكرى مرسلاً عن الصادق (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: « لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلاّ من علّة، ولا غيبة إلاّ لمن صلّى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين سقطت عدالته، ووجب هجرانه، وإن رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذّره، ومن لزم جماعة المسلمين حرمت عليهم غيبته، وثبتت عدالته »(36).


الحديث الواحد والثلاثون

31. الاحتجاج عن الرضا (عليه السلام) قال: « قال علي بن الحسين (عليهما السلام): إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت تمارت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويداً لا يغرنّكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا، وركوب المحارم منها، لضعف قيمته بنيّته ومهانته، وجبن قلبه، فنصب الدين فخّاً لها، فهو لا يزال يخيل يحيل الناس بظاهره، فإن تمكّن من حرام اقتحمه.
وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام فرويداً لا يغرنّكم فإنّ شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرّماً.
فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويداً لا يغرنّكم حتّى تنظروا ما عقده عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين فيكون ما يفسده بجهله أكثر ممّا يصلحه بعقله.
وإذا وجدتم عقله متيناً فرويداً لا يغرنّكم حتّى تنظروا مع هواه يكون على عقله، أو يكون مع عقله على هواه، وكيف محبّته للرياسات الباطلة، وزهده فيها، فإنّ في الناس من خسر الدنيا والاخرة بترك الدنيا للدنيا، ويرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الاموال والنعم المباحة المحلّلة، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة.
إلى أن قال: ولكن الرجل كلّ الرجل، نعم الرجل: هو الّذي جعل هواه تبعاً لامر الله، وقواه مبذولة في رضاء الله، يرى الذلّ مع الحقّ أقرب إلى عزّ الابد من العزّ في الباطل.
إلى أن قال: فذلكم الرجل نعم الرجل، فيه فتمسّكوا، وبسنّته فاقتدوا، وإلى ربّكم به فتوسّلوا، فإنّه لا تردّ له دعوة، ولا تخيب له طلبة »(37).
ورواه الامام العسكري (عليه السلام) في تفسيره عن علي بن الحسين (عليه السلام) نحوه.


الحديث الثاني والثلاثون

32. الكليني في الصحيح عن أبي الصباح الكناني قال: « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القاذف بعد ما يقام عليه الحدّ ما توبته ؟ قال: يكذّب نفسه. قلت: أرأيت إن أكذب نفسه وتاب، أتقبل شهادته ؟ قال: نعم »(38).


الحديث الثالث والثلاثون

33. دعائم الاسلام عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: « لا تجوز شهادة المتّهم ولا ولد الزنا، ولا الابرص، ولا شارب المسكر، ولا الذين يجلسون مع البطّالين المغنّين وأهل المنكر، في مجالس المنكر مع العواهر، والاحداث في الريبة، ويكشفون عوراتهم في الحمّام وغيره، وينامون جميعاً في لحاف واحد، ولا الذين يطفّفون الكيل والوزن، ولا الذين يختلفون إلى الكهّان، ولا الذين ينكرون السنن، ولا من مَطل غريماً وهو واجد، ولا من ضيّع صلاة، ولا من منع زكاة، ولا من أتى ما يوجب عليه الحدّ والتعزير، ولا من آذى جيرانه، ولا الذين يلعبون بالكلاب والحمام والديوك، ما كان أحد من هؤلاء مقيماً على ما هو عليه »(39).


الحديث الرابع والثلاثون

34. دعائم الاسلام عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: « القاذف إذا تاب وكان عدلاً جازت شهادته وقد قال الله عزّوجلّ: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) لا وجه لردّ شهادة من أحبّه الله وكان عدلاً، وقد استثنى الله عزّوجلّ في ذكر رد شهادة القاذف من تاب، فقال عزّ ذكره: (وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً) ثمّ استثنى الله عزّوجلّ فقال: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا)(40).


الحديث الخامس والثلاثون

35. صحيح الجعفريات ـ على الاصحّ ـ باسناده عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام): « إنّ رجلاً قُطع في قطع الطريق، فشهد عند علي (عليه السلام) شهادة، فسأل عنه قومه، فقالوا فيه خيراً، فأجاز علي (عليه السلام) شهادته، حين تاب وعُلمت منه التوبة »(41).


الحديث السادس والثلاثون

36. فقه الرضا (عليه السلام) قال: « ولا تصلّ خلف أحد، إلاّ خلف رجلين: أحدهما من تثق به وتدين بدينه وورعه، وآخر من تتّقي سيفه وسوطه وشرّه وبوائقه... »(42).


الحديث السابع والثلاثون

37. الصدوق (قدس سره) في المقنع: عن رسالة والده إليه: « واعلم أنّه لا يجوز أن تصلّي خلف أحد، إلاّ خلف رجلين: أحدهما من تثق بدينه وورعه، وآخر تتّقي سوطه وسيفه وشناعته على الدين »(43).


الحديث الثامن والثلاثون

38. الصدوق (قدس سره) في الخصال والفقيه، والشيخ (قدس سره) في التهذيب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « ثلاثة لا يصلّى خلفهم: المجهول، والغالي وإن كان يقول بقولك، والمجاهر بالفسق وإن كان مقتصداً »(44).


الحديث التاسع والثلاثون

39. حسنة محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) ـ في حديث ـ أنّ علياً (عليه السلام)قال: « لا أقبل شهادة الفاسق إلاّ على نفسه »(45).


الحديث الاربعون

40. عن تفسير الامام العسكري (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: « كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا تخاصم إليه رجلان ـ إلى أن قال: ـ وإذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير ولا شرّ قال للشهود: أين قبائلكما ؟ فيصفان. أين سوقكما ؟ فيصفان. أين منزلكما ؟ فيصفان.
ثمّ يقيم الخصوم والشهود بين يديه، ثمّ يأمر فيكتب أسامي المدّعي والمدّعى عليه والشهود، ويصف ما شهدوا به، ثمّ يدفع ذلك إلى رجل من أصحابه الخيار، ثمّ مثل ذلك إلى رجل آخر من خيار أصحابه، ثمّ يقول: ليذهب كلّ واحد منكما من حيث لا يشعر الاخر إلى قبائلهما وأسواقهما ومحالّهما الربض الّذي ينزلانه، فيسأل عنهما.
فيذهبان ويسألان، فإن أتوا خيراً وذكروا فضلاً، رجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبراه، أحضر القوم الّذي أثنوا عليهما أحضر الشهود، فقال للقوم المثنين عليهما: هذا فلان بن فلان، وهذا فلان بن فلان، أتعرفونهما ؟ فيقولون: نعم، فيقول: إنّ فلاناً وفلاناً جاءني عنكم فيما بيننا بجميل وذكر صالح، أفكما قالا ؟ فإن قالوا: نعم، قضى حينئذ بشهادتهما على المدّعى عليه.
فإن رجعا بخبر سييء وثناء قبيح، دعا بهم، فيقول: أتعرفون فلاناً وفلاناً، فيقولون: نعم، فيقول: أقعدوا حتّى يحضرا، فيقعدون فيحضرهما، فيقول للقوم: أهما هما ؟ فيقولون: نعم، فإذا ثبت عنده ذلك لم يهتك ستراً بشاهدين ولا عابهما ولا وبّخهما، ولكن يدعو الخصوم إلى الصلح، فلا يزال بهم حتّى يصطلحوا، لئلاّ يفتضح الشهود ويستر عليهم، وكان رؤوفاً رحيماً عطوفاً على أُمّته.
فإن كان الشهود من أخلاط الناس غرباء لا يعرفون، ولا قبيلة لهما، ولا سوق، ولا دار، أقبل على المدّعى عليه فقال: ما تقول فيهما ؟ فإن قال: ما عرفنا إلاّ خيراً غير أنّهما قد غلطا فيما شهدا عليَّ أنفذ شهادتهما، وإن جرحهما وطعن عليهما، أصلح بين الخصم وخصمه، وأحلف المدّعى عليه، وقطع الخصومة بينهما »(46).


الاقوال الخمسة وأدلّتها

وحيث انتهينا من سرد الروايات الّتي هي المرجع للاقوال المختلفة في العدالة نعرّج إلى بيان أدلّة الاقوال.


القول الاوّل في العدالة

أمّا القول الاوّل في تفسير العدالة: وهو كون العدالة: الملكة، فقد استدلّ له بأُمور:


استدلّ للقول الاوّل بأُمور
الامر الاوّل

الاوّل: الاصل، وهو أصل الاشتغال، ويقرّر بوجهين: موضوعي وحكمي.
أحدهما: أنّ العدالة مع ثبوت الملكة قطعية، ومع عدمها مشكوكة، والاصل عدمها.
ثانيهما: أنّ الاحكام المعلّقة على موضوع كالصلاة خلف العادل، وقبول شهادته، وتقليده وغيرها، إذا لم يعلم بوجود الموضوع كان اللازم عدم ترتيبها.
وأُجيب عنه أوّلاً: بأنّه أصيل ما لم يقم دليل، والدليل متوفّر كما ستعرف.
وثانياً: بأنّ قيد الملكة في العدالة قيد زائد، نشكّ في لزومه، والاصل عدمه، فيكون المرجع البراءة عن هذا القيد الزائد ـ إذ ملاك جريان البراءة كون الشكّ في أصل التكليف كما فيما نحن فيه، نعم لو كان الشكّ في الامتثال كان مجرى الاشتغال، كما حقّق في الاُصول ـ لا الاشتغال.
لكن فيه: أنّ هذا يتمّ إذا كان هناك إطلاق نتمسّك به في دفع القيد المشكوك، ومعه فالجواب هو الاوّل، وأمّا مع عدم الاطلاق كان أصالة عدم ترتيب آثار العدالة محكمة.


الامر الثاني

الثاني: أنّ العدالة هي الملكة لغة وعرفاً، فيحمل عليهما المعنى الشرعي.
أمّا إنّها الملكة لغة فلانّها فسّرت بـ « الاستواء » ولا يكون ذلك إلاّ إذا كانت الملكة.
وأمّا أنّها الملكة عرفاً فلانّها كسائر الصفات مثل الشجاعة، والفصاحة، والسخاوة، والسماحة: ونحوها، وكما أنّه إذا قيل فلان شجاع، أو فصيح، أو سخي، أو سمح يفهم ويراد منه عرفاً وجود ملكاتها فيه، كذلك إذا قيل فلان عادل، و ليس هذا قياساً، وإنّما هو تقريب الذهن إلى المعنى العرفي للفظ.
ويورد عليه: أنّ العدالة لغة وعرفاً ليست إلاّ العمل الخارجي، فالاستواء معناه: الاستواء العملي لا النفسي كما هو ظاهر، والتنظير بالشجاعة والسخاوة نحوهما يفيد كون العدالة عملاً خارجياً، فإنّ الظاهر من: « الشجاع » هو الّذي ظهرت وتظهر منه آثار قوّة القلب، و « السخي » هو الّذي يعطي ويبذل كثيراً وهكذا، لا الصفة النفسية الكامنة وحدها.


الامر الثالث

الثالث: الاجماع المنقول، والشهرة المحقّقة.
وفيه أوّلاً: لا إجماع في المسألة مع تعدّد الاراء، واختلاف الاقوال.
وثانياً: ربما ادّعي اللاّخلاف على خلافه، حتى أنّه نقل عن السبزواري أنّه قال: « لم أجد ذلك في كلام من تقدّم على العلاّمة ».
وثالثاً: أنّه على فرض تماميته ليس إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن موافقة المعصوم (عليه السلام).
وأمّا الشهرة ـ فمضافاً إلى الاشكال في النسبة ـ: أنّها لا تكون دليلاً برأسها.


الامر الرابع

الرابع: الاخبار الدالّة على اعتبار الوثوق بدين إمام الجماعة وورعه، مع أنّ الوثوق لا يحصل بمجرد تركه للمعاصي فيما مضى من عمره، ما لم يعلم أو يظنّ فيه وجود ملكة باعثة على ذلك في المستقبل أيضاً، ومن تلك الاحاديث: الاحاديث المرقّمة برقم « 36 » و « 37 » عند سرد أحاديث العدالة فراجعهما.
وأُورد عليه أوّلاً: أنّ الوثوق لا يتوقّف على الملكة، بل الملكة من أسبابه، إذ يمكن حصول الوثوق بترك المعاصي في المستقبل ـ الصادق معه الوثوق بالدين والورع ـ لداع نفساني آخر غير وجود الملكة، فالدليل أخصّ من المدّعى.
وثانياً: أنّه مختصّ بباب الجماعة، وهل يكون سحب الحكم من باب إلى باب آخر إلاّ من القياس إذا لم يثبت وحدة المناط في البابين ؟
وثالثاً: أنّ الوثاقة غير العدالة بمعنى الملكة عرفاً، ولغة، ويحمل عليهما المعنى الشرعي أيضاً، لاصل عدم النقل.
ورابعاً: أنّ ظاهر هذه الروايات يراد به التشيّع لا العدالة، لتعارف استعمال الوثوق بالدين والامانة في كون الرجل شيعياً ومن الموالين لاهل البيت (عليهم السلام) كما هو غير خفي لمن مارس مطالعة أخبار الائمّة الاطهار، وكان مأنوساً بأساليب كلامهم.
فعن الكشي مروياً عن يزيد بن حمّاد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: « قلت له: أُصلّي خلف من لا أعرف ؟ فقال (عليه السلام): لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه »(47).
فإنّ ملاحظة مجموع الرواية سؤالاً وجواباً تفيد ذلك أيضاً.
نعم، في رواية الكليني والشيخ عن أبي علي بن راشد قال: « قلت لابي جعفر (عليه السلام) إنّ مواليك قد اختلفوا فأُصلّي خلفهم جميعاً ؟ فقال (عليه السلام): لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه وأمانته »(48).
فإنّها واردة في الوثوق العملي، لا الوثوق العقيدي الّذي هو التشيع وموالاة الائمّة الاطهار (عليهم السلام).
لكن اضافة: « وأمانته » ربما تؤيّد انصراف الوثوق بالدين إلى التشيع.
وعن المحقّق الاصفهاني: قيل: إنّه تمسّك بالاستصحاب لاثبات ترك المعاصي فى المستقبل حتّى يصحّ اطلاق « تثق بدينه » عليه.
وأورد عليه بعض مراجع العصر بأنّه إنّما يتمّ بالنسبة إلى ترك المحرّمات، وأمّا بالنسبة إلى فعل الواجبات ـ الّذي له مدخلية أيضاً في صدق الوثوق بدينه ـ فغير مجد.
أقول: ـ مضافاً إلى أنّ الوثوق بالدين لا يلزم سحبه في المستقبل، فهو مشتق يكفي فيه الصدق في الحال المستلزم لترك المعاصي وفعل الواجبات في الماضي، ولا يلزمه ترك المعاصي وفعل الواجبات في المستقبل، ولا ينافيه عدمهما ـ إنّ استصحاب الحكم الوضعي والتكليفي واستصحاب الموضوع كلّها لا مانع من اجرائها، ولم نعرف وجه التفكيك بين استصحاب ترك المحرّمات وفعل الواجبات.


الامر الخامس

الخامس: النصوص الدالّة على اعتبار الصيانة والعفّة والمأمونية والصلاح ونحوها من الصفات النفسية في الشاهد، ومن تلك الاحاديث: الحديث « 16 » من أحاديث العدالة فراجعه، بضميمة: الاجماع على عدم اعتبارها زيادة على العدالة، ولو كانت العدالة غير الملكة لكانت هذه الاُمور واجبة في الشاهد زيادة على العدالة.
وأُورد عليه أوّلاً: بأنّ هذه الصفات غير لازمة التوفّر في الشاهد حتّى على القول بالملكة، لانّ أصحاب القول بالملكة يكتفون بها ويقولون: إنّ هذه الصفات مستحبّ توفّرها في الشاهد، وذلك لما بينها وبين الملكة من العموم المطلق، فقد تجتمعان، وقد تكون ملكة بلا صدق: « العفّة » ونحوها، وقد تكون الصفات بلا ملكة، كما قد تطلق هذه الصفات على بعض من توفّرت فيه الحياء والهيبة دون العلم بوجود الملكة فيه، بل في « موسوعة الفقه » للاخ الاكبر: « نرى أنّ هذه الاوصاف تصدق على غير المؤمن بل غير المسلم إذا كان كذلك »(49) وهو في محلّه.
وثانياً: أنّ لزوم توفّر هذه الصفات في الشاهد لا يلزم منه كون العدالة في غير باب الشهادة أيضاً هكذا، إلاّ على استفادة وحدة العدالة المطلوبة في الابواب المتفرّقة، وهو محلّ تأمّل، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
وثالثاً: وجود أوصاف في باب، لا يسوّغ تعدّي الحكم منه إلى باب آخر، خصوصاً مع عدم لزوم تلك الاوصاف في موردها، مثل ما عن التهذيب والاستبصار باسناده عن الحسين بن سعيد، عن الحسن، عن زرعة عن سماعة قال: « سألته عمّا يردّ من الشهود قال: المريب، والخصم، والشريك، ودافع مغرم، والاجير، والعبد، والتابع، والمتّهم، كلّ هؤلاء تردّ شهاداتهم »(50).
قال في الوافي: « بيان: فهل يلتزم بوجوب عدم كون العادل متّصفاً بهذه الصفات مطلقاً في جميع الابواب الّتي يشترط فيها العدالة ؟ كلاّ ».


الامر السادس

السادس: صحيحة ابن أبي يعفور(51)، قال: « قلت لابي عبدالله (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم وعليهم ؟
فقال (عليه السلام): أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكفّ البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار: من شرب الخمور، والزنا، والربا، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف وغير ذلك.
والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه، وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس.
ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ، وحفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم إلاّ من علّة... ».
والكلام حول الحديث نقضاً وإبراماً، وإيراداً وجواباً طويل جدّاً، ونحن نقتصر على ذكر المهمّ منه باقتضاب.
وجه الاستدلال بهذه الصحيحة على كون العدالة هي الملكة هي أنّها مشتملة على ثلاث جمل:
إحداها: « أن تعرفوه بالستر والعفاف... ».
الثانية: « ويعرف باجتناب الكبائر... ».
الثالثة: « والدلالة على ذلك كلّه... ».
بجعل الاُولى معرّفاً منطقياً بالحدّ أو الرسم للعدالة، والثانية متمّمة للاُولى، والثالثة طريقاً إلى العدالة الّتي هي مدلول الجملتين.


مناقشة الامر السادس

وأورد على هذا الاستدلال بعض مراجع العصر بما حاصله: أنّ دلالة الصحيحة على القول بكون العدالة هي الملكة تتوقّف على مقدّمتين:
إحداهما: كون جملة « أن تعرفوه بالستر والعفاف » معرّفاً منطقياً.
ثانيتهما: كون الستر والعفاف من الصفات النفسية.
ثمّ أورد على كلتا المقدّمتين بأنّهما ممنوعتان.


مقدّمتان ممنوعتان
المقدّمة الاُولى

أمّا الاُولى: ـ فمضافاً إلى أنّه لم يجعل في الصحيحة العدالة هي الستر والعفاف، بل قال: « أن تعرفوه بالستر والعفاف » وظاهره كون معرّف العدالة اشتهار ستره وعفافه ومعروفيته بذلك، لا نفس الستر والعفاف ـ أنّ الجملة معرّف أُصولي (أي: عرفي) وهو الاعمّ من تعريف الشيء بكنهه، أو ما يكون إشارة إليه، لانّ المعرّف المنطقي اصطلاح حديث، ومن البعيد أن يكون السائل سأل عن معرّف العدالة بالكنه مع أنّه قال: بم تعرف عدالة الرجل ؟ ولم يقل: ما هي العدالة ؟ كما أنّ الظاهر في المحاورات العرفية إرادة الاعمّ من المعرّف المنطقي في التعريفات كما لا يخفى.


المقدّمة الثانية

أمّا الثانية: فلانّ المتبادر من لفظي: « الستر » و « العفاف » الستر والعفاف الخارجيان، وهما فعلان من الافعال، وليس المراد « الستر » و « العفّة » المذكورين في علم الاخلاق، المأخوذين من المعنى الفلسفي الدقّي، كما هو ظاهر لمن أفرغ ذهنه عن شوب الاصطلاحات، وتلقّى الكلام تلقّياً عرفياً عربياً، انتهى مقتضباً.


الستر بين الشرعي والعرفي

ثمّ إنّه يمكن ادّعاء: أنّ « الستر » الشرعي أقلّ مؤونة من الستر العرفي أيضاً، لصحيحة علقمة أو حسنته بصالح بن عقبة وقد جاء فيها: « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً ولم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر ».
قال الاخ الاكبر: « ولذا جعل « الستر » في حديث جنود العقل والجهل، المروي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في مقابل التبرّج، الّذي هو من سنخ الافعال قطعاً، وكذا جعل « العفّة » في مقابل التهتّك »(52).
وقد يقال بأنّ المراد بالستر والعفاف: التعبّدي المتمثّل فيما نصّ عليه في نفس الصحيحة: من « التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين وأن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم إلاّ من علّة... » لظهور هذا الذيل في كونه هو الملاك للستر والعفاف بالحكومة.
نعم، مقتضى القاعدة تقييد هذا الاطلاق بما ورد من القيود في الادلّة الاُخرى.
لكنّ فيه: أنّ القرينة الحالية قد تنفي ذلك، لانّ صدور هذه الرواية عن الصادق (عليه السلام) المعاصر لجماعات العامّة الذين لا تجوز الصلاة خلفهم إلاّ تقيّة، ولم يكن (عليه السلام) يتصدّى إمامة الجماعة للخوف من الظالمين حتّى أنّه عندما سئل (عليه السلام)« نغدو عليك ؟ » قال (عليه السلام): « لا، إنّما عنيت عندكم »(53) هذا الامر يضعف الاعتماد على أصالة الجدّ في وجه صدور هذه الرواية، ومعه فلا إحراز لظهور عقلائي فلا حجّية، فتأمّل.


تحقيق وتأكيد

أقول: الظاهر من الصحيحة كلّها لمن راجعها وتدبّرها بذهن عرفي صاف من الشوائب الدقّية غير المعتبرة في المحاورات العرفية هو: أنّها بمعزل تامّ عن تفسير « العدالة » نفسها، وإنّما ـ هي سؤالاً وجواباً ـ بصدد بيان ما يكشف عن عدالة الرجل، لانّه الامر المهمّ الّذي تبنى عليه الاحكام، وتحتاجه الناس أكثر وأكثر، فظاهرها أنّ العدالة تعرف بهذه الاُمور، أمّا نفس العدالة ما هي ؟ فالصحيحة ساكتة عنه تماماً.
وما قيل أو يقال في المقرّبات والمبعّدات: من تحليل ألفاظ الصحيحة، أو جمع اعتبارات من هنا وهناك فهي لا تؤسّس ظهوراً، ولا تنافي بين أن تكون جمل كلام مفصّل بوحداتها ظواهر في معان، وبين عدم كون ذلك ظاهر مجموع الكلام.


الصحيحة والاشكال فيها سنداً

ثمّ إنّ في بعض التقريرات (54) إشكالاً في سند الصحيحة من جهة أنّها رويت في « الفقيه » بسند فيه: أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، وفي كتابي الشيخ (قدس سره) بسند فيه: محمّد بن موسى الهمداني، وكلا الطريقين ضعيفان.
أمّا أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار: فلعدم تصريح أحد من الرجاليين المتقدّمين فيما بأيدينا عنهم من كتب أو منقول عنهم بوثاقته.
وأمّا محمّد بن موسى الهمداني: فلما عن ابن الوليد: من أنّ الرجل كان يضع الحديث، ومعارضة الجرح مع التعديل يوجب تقديم الجارح.


مناقشة الاشكال

أقول: الرواية صحيحة على الظاهر، أمّا على طريق الصدوق فلا إشكال في صحّتها، لانّ أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار ثقة بلا تأمّل، ومجرّد عدم التصريح بوثاقته في كتب المتقدّمين في الرجال، لا يوجب تضعيفه بعد توفّر القرائن الّتي توجب الاطمينان بوثاقة الرجل، وقد فصّل الكلام عنه المحقّق النوري (قدس سره) في طريق الصدوق (قدس سره)إلى عبدالرحمن بن الحجّاج من خاتمة « المستدرك ».
فالعلاّمة (قدس سره) حكم بصحّة طرق كثيرة فيها: أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، والشهيد الثاني نصّ على وثاقته، واعتمد عليه المشايخ الاجلّة العظام، مثل ابن الغضائري، وأبو العبّاس أحمد بن علي بن العباس بن نوح السيرافي، وأبو عبدالله محمّد بن علي بن شاذان القمّي، وهارون بن موسى التلعكبري، وأبو الحسين بن أبي جيد القمّي، والشيخ الصدوق (قدس سره).
فالرجل ثقة بلا إشكال، وليس اعتماد العقلاء على وثاقة شخص بقول عدل واحد أو عدلين عنه: إنّه ثقة، أكثر من اعتمادهم في الوثاقة عن مثل هذه القرائن.
والرجل نظير: إبراهيم بن هاشم، الّذي أشكل في وثاقته بما لا ينبغي معه التأمّل في الصحّة.
وأمّا محمّد بن موسى الهمداني: فضعفه يرجع إلى أُمور ثلاثة:
أحدها: طعن القمّيين في مذهبه بالغلو، ولكنّه حكي عن النجاشي أنّ له كتاباً في الردّ على الغلاة.
ثانيها: اسناد ابن الوليد وضع الحديث إليه ـ وتبعه على ذلك الصدوق وبعض آخرين ـ لانّه وضع أصلي زيد النرسي وزيد الزراد.
وفيه: أنّه ثبت صحّة الاصلين، وأنّه ليس الواضع لهما محمّد بن موسى الهمداني، وأنّ للاصلين طريقاً معتبراً إلى ابن أبي عمير.
ثالثها: استثناؤه من كتاب نوادر الحكمة، والاصل فيه أيضاً ابن الوليد، فالرجل غير ثابت الضعف بل ربما لا يعتبر مع ذلك مجهولاً، وإن كان مقتضى قاعدة تقديم الجرح على التعديل وجلالة ابن الوليد (قدس سره)، عدم الاعتماد على حديثه.
وأيّاً كان: فرواية ابن أبي يعفور صحيحة بلا إشكال، وإن لم تكن على طريق الشيخ فعلى طريق الصدوق (قدس سره).


الصحيحة والاشكال عليها دلالةً

وهنا أوجه أُخرى من الاشكال في دلالة الصحيحة على الملكة، فصّل فيها القوم ونذكرها باختصار جمعاً بين الاستيعاب وعدم التطويل.


الوجه الاوّل للاشكال الدلالي

منها: أنّ الصفات المذكورة: الستر، العفاف، الكفّ. كلّها صفات عملية خارجية، لا نفسية ملكية:
أمّا الستر: فلانّه مقابل الظهور لغة وعرفاً، وكما أنّ الظهور فعل خارجي كذلك الستر، قضاءً للتقابل، مضافاً إلى كونه مرادفاً للعفاف ـ كما اعترف به الشيخ الانصاري (قدس سره) وهو من القائلين بالملكة ـ والعفاف كما سنذكر أيضاً صفة عملية خارجية، لا ملكة نفسية.
لا يقال: ذكر الستر في الصحيحة مرتين، إحداهما: في أوّلها، والثانية: في ذيلها عند قوله (عليه السلام): « والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً » فالساتر فعل لا ملكة بلا إشكال، ولو كان « الستر » في أوّل الصحيحة أيضاً عملاً لا ملكة لزم اتّحاد الدالّ والمدلول.
فإنّه يجاب: بأنّ الاتّحاد يمكن دفعه بتقرير آخر ـ ولعلّه هو الظاهر ـ بأن يكون « الستر » بمعنى عدم الظهور، و « الساتر » بمعنى عدم الاظهار، كما لعلّه لا يخفى على من تأمّل الكلمتين ومورديهما.
وأمّا العفاف: ـ وهو عمدة تركيز الشيخ الانصاري (قدس سره) على استفادة الملكة منه ـ فالمتفاهم العرفي واللغوي منه ليس إلاّ الامتناع عمّا لا يحلّ، أو عمّا لا يحسن، وبالنظر في بعض موارد استعماله يظهر ذلك:
ففي الحديث: « أفضل العبادة العفاف »(55) أي: كفّ النفس عن المحرّمات، وفي آخر: « من عفّ بطنه وفرجه »(56) أي: حفظهما، وفي الادعية: « اللهمّ حصّن فرجي واعفه »(57) وفي آخر: « ما عبدالله بشيء أفضل من عفّة بطن وفرج »(58) إلى غير ذلك من موارد الاستعمال.
وأمّا الكفّ: فلا إشكال في كونه ـ لغة وعرفاً ـ هو الامتناع عن الشيء، فالكفّ عن المحرّمات هو الامتناع عنها، لا ملكة ذلك، والكفّ عن الكلام الكثير هو الامتناع عنه، ولا يستفاد منه بوجه من وجوه الدلالة كونه الملكة أبداً، والعرف ببابك.


الوجه الثاني للاشكال الدلالي

ومنها: ما عن المحقّق الاصفهاني (قدس سره) من أنّ « العفاف » الّذي ركّز عليه الشيخ الانصاري (قدس سره) إنّما هو اعتدال القوّة البهيمية، وهي إنّما تبعث على ترك المعاصي المناسبة لها والناشئة فيها، فلا دلالة للكلمة على اجتناب جميع المحرّمات، وباقي الكلمات مثل الستر، والكفّ، والساتر، وغيرها ليست صفات نفسية، وإنّما هي أعمال خارجية.
إذن: فاستفادة الملكة إن كانت من « العفاف » فهي غير المقصود الشرعي وهو ملكة اجتناب تمام المحرّمات المرتبطة بجميع القوى، وإن كانت من سائر الالفاظ فإنّها ليست صفات نفسية حتّى تدلّ على الملكة.
وفيه: أوّلاً: هذا المعنى للعفاف، اصطلاح علماء الاخلاق، ولا يتبادر إلى الذهن عرفاً ولا لغة، وإنّما المتبادر في معناه هو: ما أسلفناه من ترك المحرّمات والقبائح.
وثانياً: عدم استفادة الملكة من « العفاف » وحدها، وبقيّة الالفاظ وحدها أيضاً لا تنافي دلالة المجموع من حيث المجموع عليها، فقد يكون للفظة معنى خاصّ وحدها، ومعنى آخر إذا اقترنت بلفظة أُخرى، فالاسد وحده معناه الحيوان المفترس الخاصّ، فإذا ذكر معه: في الحمام، انقلب المعنى إلى الرجل الشجاع.


الوجه الثالث للاشكال الدلالي

ومنها: ما عن صاحب الدرر (قدس سره) من أنّ العناوين المذكورة في الصحيحة إن سلّمنا لزوم الملكة في صدقها، فلا نسلّم لزوم كونها ملكة خاصة وهي الديانة، لصدقها على من اتّصف بها وإن كانت من أجل غير الديانة، ككونه محبوباً عند الناس، أو كونه حيياً، أو نحو ذلك.
وأُورد عليه في بعض التقريرات: بأنّ الايراد إن تمّ فإنّما هو في المعاصي الظاهرية كشرب الخمر، والزنا، والسرقة، والكذب، والغيبة ونحوها، وأمّا المعاصي الخفيّة كالرياء والعجب ونحوهما فوجود ملكة اجتنابها لا يكون إلاّ إذا كانت ملكة الديانة لا مطلقاً.
لكن يرد على هذا الايراد: أنّ المعاصي الخفيّة لها جانبان، جانب واقعها الّذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى، وجانب ظاهرها الّذي به يكشف للناس رياء شخص أو عدمه، وإخلاصه أو شركه، وعجبه أو ضدّه، والجانب الثاني يمكن أن يخالف الاوّل، فيكون الشخص بما يظهر منه مخلصاً وبواقعه مرائياً، ولذا ورد في الحديث الشريف في باب الرياء: « إنّ الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم »(59) و « الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء على المسح الاسود »(60).
وقد قيل أيضاً: « قد يكون الرياء في ترك الرياء » إلى غير ذلك. عصمنا الله من خفيات المعاصي فإنّها القواصم.
والحاصل: أنّ صحيحة ابن أبي يعفور لا ظهور فيها على الملكة، كما لا يخفى.


وجوه أُخرى من الاشكالات
الوجه الاوّل

ثمّ إنّه ذكرت أوجه من الاشكال على القول بكون « العدالة » هي الملكة بعضها وجيه:
أحدها: ادّعاء انعقاد الاجماع على خلافه وعدم الدليل له، فعن السبزواري أنّه قال: « لم أجد ذلك في كلام من تقدّم على العلاّمة » وهذا معناه: تحقّق الاجماع على خلافه ثمّ قال: « وليس في الاخبار منه أثر ولا شاهد ».
وعن الصدر الشريف في شرح الوافية: إنّ اشتراط هذا المعنى في الواقع حيث اعتبر الشارع العدالة لم اطّلع على دليل ظنّي لهم عليه فضلاً عن القطعي، وصحيحة ابن أبي يعفور عليهم لا لهم كما قيل.
وفيه: أمّا قوله: « لم أجد ذلك في كلام من تقدّم على العلاّمة » فيؤخذ عليه:
أوّلاً: بإمكان وجود ذلك، واستفادته من بعض كلماتهم، كما ليس بالبعيد.
وثانياً: بأنّ ذلك ليس إجماعاً بسيطاً، وكونه من الاجماع المركّب ـ مضافاً إلى ما في أصل حجّيته من التأمّل ـ فيه أيضاً إشكال، لانّ المفيد من الاجماع ما كان مفاده عدم الصحّة، لا الاعمّ من عدم القول به، كما حرّر في الاُصول.


الوجه الثاني

ثانيها: إذا كانت العدالة هي: الملكة النفسانية الراسخة الرادعة عن كافّة المعاصي، كان لازم ذلك تعطيل كثير من أحكام الاسلام، لعدم حصول مثل هذه الملكة إلاّ للنادر القليل من الناس، مع احتياج الناس كثيراً إلى العدالة والعادل في كلّ مكان من البرّ والبحر، والسهل والجبل، في أحكام كثيرة كالطلاق، والشهادة والجماعة، والقضاء، والوصايا، ومرجع التقليد وغير ذلك. فلو التزمنا في كلّ هذه الموارد بلزوم وجود الملكة النفسانية الراسخة لتعطّلت كثير من أحكام الله، ولزم الحرج الشديد، وربما اختلال النظام.
وأجابوا عنه: أوّلاً: بعدم ندرة ذلك، بل هناك الكثير من أصحاب الملكات الرادعة عن المعاصي في المسلمين ممّا يؤمّن حاجاتهم. لكن الانصاف أنّ العدالة بالمعنى الملكي الّذي يفسّرها به بعضهم قليل نادر جداً، ولو كان ذلك شرطاً لاختلّ ـ في مثل عصرنا وزماننا الّذي كثر فيه الفساد، وانتشرت المعاصي، وأصبح الحرام فخراً، والتديّن عاراً في كثير من المناطق الاسلامية، بل أكثرها ـ معظم حاجات المسلمين المبتنية على العدالة.
وثانياً: أنّ جعل حسن الظاهر كاشفاً تعبّدياً عن الملكة النفسانية يسهّل الخطب، لانّ وجود أفراد بظاهر حسن، ليس بعزيز في المسلمين.
أقول: الظاهر من الروايات الّتي استفيد منها حسن الظاهر: أنّه طريق عرفي خارجي إلى العدالة، لا كونه طريقاً تعبّدياً، كما يظهر ذلك بالتأمّل فيما نقلناه سابقاً من أخبار أبواب الشهادات، والقضاء، وصلاة الجماعة، وغيرها.


الوجه الثالث

ثالثها: أنّ البحث عن عدالة الشهود لم يكن في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا فيما تبعه من عصور الاصحاب والتابعين، وإنّما هو شيء جديد طارئ أحدثه القاضي شريك بن عبدالله، ولو كانت الملكة لوجب البحث عنها في تلك العصور، لانّه لا إشكال في أنّ العدالة بمعنى الملكة ليست كثيرة التوفّر في المسلمين حتّى بين مسلمي العصور الاسلامية الاُولى.
وأُجيب عنه: ـ أمّا في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمضافاً إلى أنّ المسلمين كانوا في المدينة معدودين، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرفهم، فلم يكن يحتاج إلى البحث عن عدالتهم ـ أنّ البحث عن العدالة كان في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فقد روي عن سيّدنا ومولانا الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) في تفسيره، وكتاب الهداية للحرّ العاملي (قدس سره): « أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جاءه شهود لا يعرفهم بعث من خيار أصحابه رجلين إلى قبائل الشهود يبحثان عن حالهم » وقد تقدّم نقله عند رقم 40 في سرد الاحاديث.
وقد قدّمنا هناك بعض ما يدلّ أو يؤيّد ذلك، كصحيح الجعفريات وسؤال علي (عليه السلام) عن الرجل الّذي شهد وكان محدوداً بحدّ، سأل (عليه السلام) قومه عنه، فقالوا فيه خيراً، فأجاز (عليه السلام) شهادته.
وأمّا في بقيّة العصور الاسلامية الاُولى: فالصالحون من المسلمين يقتفون أثر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وغير الصالحين لا نتكلّم عنهم.
أقول: نفس هذه الرواية الّتي فيها إرسال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والبحث عن عدالة الشهود لا تدلّ على الملكة، وإنّما تدلّ على مجرد كونه في الظاهر إنساناً خيّراً ديّناً، وكذلك صحيح الجعفريات المشتمل على سؤال علي (عليه السلام)عن قوم الرجل فقالوا فيه خيراً فأجاز شهادته، فإن « قالوا فيه خيراً » لا يدلّ على الملكة وإنّما يدلّ على حسن الظاهر.


الوجه الرابع

رابعها: أنّ مقتضى أصل الصحّة في أفعال المسلمين وأقوالهم الحكم بعدم صدور الفسق عمّن لا يعرف عنه الفسق، فإذا لم يحكم بفسقه كان عدلاً، لعدم الواسطة بينهما.
ولصحيح علقمة أو حسنه بصالح بن عقبة وقد جاء فيه: « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر » ولو كانت العدالة ملكة لزم إحرازها، ولا يدلّ عدم وجدانه على عدم وجوده.
وأُجيب: تارةً بالتزام الواسطة بين الفسق والعدالة، كأوّل البلوغ لمن ليست فيه ملكة العدالة، ولم يصدر عنه بعد معصية.
وأُخرى، بأنّ الفسق هو عدم العدالة، وأصل عدم صدور الفسق لا يثبت وجود الملكة.
أقول: فرق بين عالم الاثبات وعالم الثبوت، فإن كان في عالم الثبوت لا واسطة بين العدالة والفسق، ففي عالم الاثبات ثبوت الواسطة لا ينكر، والّذي أُمرنا به نحن هو عالم الاثبات لا عالم الثبوت.
وأمّا صحيح علقمة فصريح في كفاية عدم علم المعصية من الرجل في الحكم بعدالته.


الوجه الخامس

خامسها: لو كانت العدالة هي الملكة لم يوجد عادل أصلاً غير المعصومين كما صرّح به حديث علقمة وقد جاء فيه: « لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلاّ شهادة الانبياء والاوصياء (عليهم السلام) » ومعنى ذلك: تعطيل جميع الحدود والاحكام المترتّبة على العدالة، والمعلوم عن الشريعة وسهولتها واستمرارها إلى يوم القيامة خلاف ذلك.
وأُجيب: أوّلاً: بوفور العادل بمعنى الملكة، وتعرف ـ كما سيأتي ـ بملازمة الصلوات، والاستغفار عند الذنوب، وشهادة العدول، ونحوها.
وثانياً: بأنّ حديث علقمة ـ مضافاً إلى ضعف سنده ـ ظاهر في عدم اعتبار العصمة، لانّ من لا يقترف الذنوب إطلاقاً هو المعصوم، أمّا العادل الملكي فيقترف الذنوب ولكنّه يتوب، لا عدم اعتبار الملكة.
وثالثاً: بأنّه معارض بما عداه من الروايات كصحيحة ابن أبي يعفور وغيرها، فإن كان المعارض أقوى طرح الاخر، وإن تكافئا طرحا جميعاً، ووصلت النوبة إلى الشكّ، ومعها فأصل عدم عدالة من لا ملكة له، محكّم.


إشكال وجواب

إن قلت: الشكّ في اشتراط الملكة في العدالة مسرح لعدم الاشتراط، وهو لكونه سببياً مقدّم على أصل عدم عدالة من لا ملكة له.
قلت: ليست الملكة شرطاً في العدالة أوّلاً، بل العدالة جعلها الشارع موضوعاً لبعض أحكامه، ومع الشكّ في تحقّق هذا الموضوع يكون الاصل عدمه.


تعليق وتدقيق

أقول: أمّا رمي حديث علقمة بضعف السند فغير تامّ، لانّه مروي عن الصدوق (قدس سره) في الامالي، عن أبيه، عن علي بن محمّد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن علقمة، عن الصادق (عليه السلام)، ورجال السند كلّهم من الاجلاء والثقات ـ كما يظهر ذلك للمتتبّع ـ إلاّ صالح بن عقبة، فإنّه ضعّفه ابن الغضائري الّذي لا يسلم من جرحه أحد ـ كما قيل ـ ولكن شواهد ممدوحيته بل وثاقته متعدّدة، مذكور بعضها في خاتمة المستدرك وغيرها، فراجع.
فالرواية صحيحة أو حسنة بلا إشكال.
وأمّا ظهوره في عدم اعتبار العصمة فقط. ففيه: أنّ الظاهر منه عدم اعتبار أن لا يكون مقترفاً للذنوب، للتصريح فيه بـ: « وإن كان في نفسه مذنباً ».
وأمّا معارضته بصحيحة ابن أبي يعفور وغيرها.
ففيه: ـ مضافاً إلى الاشكال في استفادة الملكة من صحيحة ابن أبي يعفور ـ أنّ مقتضى القاعدة الاُصولية حمل صحيح ابن أبي يعفور على الاستحباب، أو على درجات عليا من درجات العدالة، لانّ المثبتين لا تنافي بينهما حتّى يحمل أحدهما على الاخر، كما لا يخفى، وهو مبنى الفقهاء، في الموارد المشابهة لذلك من مختلف الابواب والمسائل، لانّه جمع دلالي، ومعه لا تعارض ولا تنافي حتّى تصل النوبة إلى الحمل.


الوجه السادس

سادسها: ما حكي عن مفتاح الكرامة: من إجماع الفقهاء ـ إلاّ السيّد الاسكافي ـ على صحّة صلاة من صلى خلف من تبيّن كفره وفسقه بعدها، فلو كانت العدالة هي الملكة لزم الامر بالاعادة لعدم تحقّقها في مورد الكلام.
وأُجيب: بأنّه حكم تعبّدي ثبت بالادلّة النقلية، ولكونها أخصّ مطلقاً يخصّص به اطلاقات العدالة.
وبعبارة أُخرى: يستفاد من روايات كفاية الصلاة خلف من ظهر بعد ذلك فاسقاً أو كافراً: أنّ العدالة المطلوبة في المقام غير واقعية بل ظاهرية، أو أنّها واقعية لكن في هذا المورد الخاصّ عفي عنه، لو ظهر الخلاف بعد تمام الصلاة.


الوجه السابع

سابعها: حكي الاجماع مكرّراً على زوال العدالة بفعل الكبيرة أو الاصرار على الصغيرة أو مع منافيات المروة أيضاً، كما حكي أيضاً الاجماع مكرّراً على عودها بالتوبة، وهذان الاجماعان لا يلائمان تفسير العدالة بـ « الملكة » لانّ الملكة إن كانت فلا تزول بفعل الكبيرة مرّة واحدة، وإن زالت فلا تعود بالتوبة، بل يحتاج عودها ـ على فرض زوالها ـ إلى ممارسة الطاعة ومخالفة النفس مدّة مديدة حتّى تعود الملكة.
وهذا بخلاف ما لو كانت العدالة نفس ترك المحرّمات واتيان الواجبات، أو كانت حسن الظاهر، أو الاسلام مع عدم ظهور فسق، فإنّها بالمعاني الثلاثة يصحّ القول بزوالها بفعل الكبيرة، وإذا زالت يصحّ القول بعودها بالتوبة، كما لا يخفى.
وأجاب بعض المعاصرين ـ مع كونه من القائلين في تفسير العدالة بغير الملكة ـ: بأنّ الاجماع المذكور على عود العدالة بالتوبة منقول، وهو ليس بحجّة مع مخالفة بعض المحقّقين له، حيث التزم بعدم عودها بمجرد التوبة إلاّ إذا عادت إليه الملكة المذكورة بطرق معرفة العدالة، كالمداومة على الصلاح، والاختبار مدّة يغلب الظنّ بإصلاح السريرة، وإلى غيرها.


أدلّة رجوع العدالة بالتوبة

أقول: رجوع العدالة ـ مهما كان تفسيرها ـ بالتوبة، بترتيب آثار العادل على العاصي التائب ليس دليله منحصراً بالاجماع المذكور، وإنّما له أدلّة سمعية أُخرى كتاباً وسنّة.
أمّا الكتاب فقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الُْمحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا)(61) وظاهرها أنّ بالتوبة « والاصلاح » الّذي هو عبارة أُخرى عن عدم ظهور فسق آخر منه، تقبل شهادته أي: ترجع عدالته.
وأمّا الروايات في الباب: فكثيرة، وقد عقد صاحبا الوسائل والمستدرك، لها في كلّ من الكتابين بابين: باباً بعنوان قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وباباً آخر بعنوان قبول شهادة المحدود بعد توبته، وهي تربو على حدّ الاستفاضة مضافاً إلى أنّ فيها الصحاح والحسان.
منها: ما رواه المشايخ الثلاثة في الكتب الاربعة باسنادهم عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: « إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) شهد عنده رجل ـ وقد قطعت يده ورجله ـ شهادة فأجاز بشهادته وقد كان تاب وعرفت توبته »(62).
ولا يعارضها ما عن الكافي والتهذيب والاستبصار في حديث من قوله (عليه السلام): « إذا تاب ولم يعلم منه إلاّ خيراً جازت شهادته »(63) لظهور « لم يعلم منه إلاّ خيراً » في عدم ظهور فسق آخر منه، لا أنّ المراد من: « خيراً » الملكة، كما احتمل أو ادّعي، لعدم ظهوره فيها، بل ظهوره في غيرها.
مضافاً إلى أنّ ترك الاستفصال في معظم الروايات يوجب صرف هذه الرواية إلى ما قلناه.
ولذلك كلّه قال المحقّق القمّي (قدس سره) في جامع الشتات: « إنّ الظاهر رجوع العدالة بالاستغفار والتوبة وإن كنا قائلين في العدالة بأنّها الملكة الراسخة »(64).


الوجه الثامن

ثامنها: المشهور أنّ الجارح يقدّم على المعدّل، ولا يستقيم ذلك على القول بالملكة في تفسير العدالة، لانّ كلاًّ منهما يشهد بأمر وجودي ينافي ما شهد به الاخر، ومقتضاه تساقطهما لا تقديم الجارح بالخصوص.
وقد علّل بعض الفقهاء ذلك بقوله: « يقدّم الجارح لكونه أخذاً بالقولين، بخلاف الاخذ بقول المعدّل، ففيه طرح قول الجارح » وهذا بخلاف ما لو قلنا: إنّ العدالة هي ترك المحرّمات واتيان الواجبات، أو نفس حسن الظاهر، أو الاسلام مع عدم ظهور الفسق، فإنّ مجرّد ترك المحرّمات واتيان الواجبات وكذا حسن الظاهر، يجامعان الفسق الواقعي، وكذلك عدم ظهور الفسق يجامع الفسق الداخلي فلا منافاة بينهما.


مناقشة الوجه الثامن

وأُجيب عن ذلك بما عن الشيخ الانصاري (قدس سره): من أنّ شهرة تقديم الجارح على المعدّل لا تكشف عن عدم كون العدالة الملكة، إذ عدم الكبيرة مأخوذ في العدالة بالاجماع، والمعدّل إنما يعرف هذا الامر العدمي بالاصل، أو بأصل الصحّة، أو بقيام الاجماع على أنّ حسن الظاهر طريق تعبّدي شرعي إلى العلم بالملكة ولا يعتبر علم الشاهد أو ظنّه بعدم صدور الكبيرة منه إلى زمان أداء الشهادة. فالشهادة تعتمد على جزئين: أحدهما ثابت بالطريق الظاهري، ومن المعلوم: أنّ شهادة الجارح علم وشهادة المعدّل لا علم، والعلم مقدّم على اللاّعلم.


نقض وإبرام

وممّا أخذ على هذا الجواب: هو أنّ الملكة عند القائلين بها المأخوذة في العدالة ملازمة لترك الكبيرة، فالشاهد على العدالة لا يستند على اللاّعلم بل يستند إلى العلم بوجودها الملازم للعلم بعدم الكبيرة، فيتحقّق التنافي بين ذهاب المشهور إلى تقديم الجارح، وبين القول بكون العدالة الملكة.
وأجاب آخرون: بأنّ الشهرة لعلّها استندت إلى أمر آخر في تقديم الجارح كدعوى تقديم الموافق للاصل على غيره، وأنّ الاصل عدم العدالة، وأنّ الفسق عبارة عن عدم العدالة، ونحو ذلك.
والحاصل: أنّ التنافي غير ثابت على جميع الصور، حتّى يعتبر القول بتقديم الجارح نقضاً للقول بكون العدالة هي الملكة.
مضافاً إلى أنّ التنافي لازمه: فساد أحد الطرفين على سبيل منع الخلو لا تعيين أحدهما للفساد، فليكن الاشكال في تقديم الجارح على المعدّل لاجل الاجماع المنقول على أنّ العدالة « الملكة » لا إثبات بطلان كون العدالة الملكة للشهرة على تقديم الجارح.


الوجه التاسع

تاسعها: أنّ روايات الباب المجموع بعضها في أوّل بحث العدالة من كتابي: الوسائل والمستدرك من أبواب متفرّقة في القضاء والشهادات وصلاة الجماعة والجمعة ـ وما دوّن هناك ضِعف ما ذكرتها هنا بل أكثر من الضعف ـ تلك الروايات لا صراحة فيها على كون العدالة الملكة إلاّ رواية واحدة هي ما عن السرائر عن كتاب أبي عبدالله السيّاري عن الامام الجواد (عليه السلام): « إن كان الّذي يؤمّ بهم ليس بينه وبين الله طلبة فليفعل » وهو الحديث المرقّم (29) في سرد الاحاديث.


مناقشة الوجه التاسع

والاشكال يلحقه من وجوه:
سنداً: بأبى عبدالله أحمد بن محمّد بن سيّار الّذي قال أصحاب الرجال عنه: ضعيف فاسد المذهب، مجفو الرواية، كثير المراسيل ».
ومتناً أوّلاً: بأنّ ظاهره أنّ الامام ليس له أن يتقدّم إذا كان بينه وبين الله طلبة، لا أنّ المأموم يجب عليه أن لا يقدّم من بينه وبين الله طلبة.
وثانياً: بأنّه المراد من: « طلبة » هل المعصية مطلقاً، أو المعصية التي أوجب الله عليها الحدّ، كما يحتمل.
وثالثاً: معارضته بروايات صحاح وحسان ومعمول بها من أنّ باطن الرجل ليس التعويل عليه، كصحيح علقمة عن الامام الصادق (عليه السلام) الّذي مرّ برقم (10) وغيره.
وأمّا غير هذه الرواية ممّا ادّعي أو يمكن أن يدّعى ظهورها في « الملكة » فهي لا تعدو أربعة أحاديث الّتي ذكرناها تحت أرقام: 1 ـ 16 ـ 36 ـ 37.
أحدها: عن رسالة والد الصدوق إليه (قدس سرهما).
ثانيهما: عن فقه الرضا.
ثالثها: عن تفسير العسكري (عليه السلام).
رابعها: صحيحة ابن أبي يعفور، وغير الاخير في اسنادها لجمهرة من العلماء، إشكال وإن كان بعض الاشكال الذي في تفسير الامام العسكري (عليه السلام)بالخصوص في غير محلّه(65).
مضافاً إلى أنّ غير الاخير أيضاً لا ظهور فيها ـ إنصافاً ـ في الملكة، بل دلالتها على حسن الظاهر إن لم يكن ظاهراً فهو أظهر.
وأمّا صحيحة ابن أبي يعفور فقد عرفت حالها بالتفصيل، فراجعها بتدقيق وأمعن النظر فيها لعلّك تجد ما قلناه صواباً.
فالانصاف أنّ المصير إلى « الملكة » مع ظهور العشرات من الروايات في غيرها أو لا أقل من عدم ظهورها فيها ـ وأكثرها في مقام البيان الّذي يستدلّ عرفاً بترك الذكر على عدم الواقع ـ مشكل فلاحظ الّتي نقلناها من الروايات في ذلك عند سرد أحاديث العدالة وسيأتي تمام من الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.


القول الثاني في العدالة

وأمّا القول الثاني في تفسير العدالة: وهو ترك المحرّمات واتيان الواجبات عن ملكة نفسانية دينية رادعة، حيث جمع في العدالة بين الملكة وبين ترك المحرّمات واتيان الواجبات، فاستدلّ له أو يمكن الاستدلال له بأُمور ثلاثة:


استدلّ للقول الثاني بأُمور
الامر الاوّل

الاوّل: صحيح ابن أبي يعفور الّذي جمع فيه بين « الستر والعفاف » الّذين هما من قبيل الملكة، وبين « كفّ البطن والفرج واليد واللسان » الّتي هي أفعال خارجية، وكذا قوله (عليه السلام): « أن يكون ساتراً لجميع عيوبه ».
وفيه: أنّه قد مرّ منّا مفصّلاً بيان عدم ظهور « الستر والعفاف » في الصفة النفسية إن لم يكن الظاهر خلافه، فراجع.


الامر الثاني

الثاني: الروايات الّتي ذكر فيها « الورع » و « العفّة » ونحوهما، مثل ما عن تفسير الامام العسكري (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ)قال: « ممّن ترضون دينه وأمانته وصلاحه وعفّته... ».
وكالرضوي: « ولا تصلّ خلف أحد إلاّ خلف رجلين: أحدهما من تثق به وتدين بدينه وورعه... » بتقريب: أنّ الورع، والعفّة، لا يكونان إلاّ عن ملكة، فلا يقال: عفيف، وورع، إلاّ لصاحب الملكة الّتي بعثته على استقامة جوارحه على جادّة الشرع.
وفيه: أنّه غير ظاهر من لفظي: « الورع » و « العفّة » بل الورع، والعفّة، ظاهران في مجرّد العمل الخارجي، مضافاً إلى معارضتهما بروايات أُخر أصحّ سنداً، وأكثر عدداً، وأوضح دلالة، ستأتي الاشارة إليها عند بيان بقية الاقوال.


الامر الثالث

الثالث: ما عن الفقيه الهمداني (قدس سره): من أنّ العدالة عرفاً ولغة الاستقامة العملية، وبضميمة ما استفيد من الاخبار الشريفة: من اشتراط الملكة في العادل، يتمّ المطلوب.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه بعد استفادة حسن الظاهر من أخبار الباب في تفسير العدالة لا معنى لاخذ المعنى العرفي أو اللغوي موضوعاً للاحكام الشرعية ـ أنّ استفادة الملكة من الاخبار الشريفة منظور فيها بعد تظافر العشرات من الاخبار الّتي سردنا أربعين منها في أوّل المسألة، وليس فيها عن الملكة عين ولا أثر سوى أعداد منها ادّعي فيها ذلك، لكنّها إمّا غير ظاهرة في الملكة، أو قابلة للجمع بين معظم أخبار الباب وبينها، بحملها على المراتب العالية للعدالة، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى، ومقتضى الجمع: حملها على ضروب من الاحكام غير الاقتضائية ـ كما حرّر في الاُصول.


القول الثالث في العدالة

وأمّا القول الثالث في تفسير العدالة: وهو أنّها مجرّد الاجتناب عن الكبائر وترك الاصرار على الصغائر، وظاهره: أنّها عبارة عن الاستقامة الفعلية دون اشتراط الملكة فيها، فما يستدلّ له أُمور:


أدلّة القول الثالث
الدليل الاوّل

الاوّل: طائفة من أخبار الباب.
منها: ما عن الخصال باسناده عن الرضا عن آبائه عن علي (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): « من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته، وظهرت عدالته... »(66).
ومنها: ما عن الخصال أيضاً من قول الصادق (عليه السلام): « ثلاث من كنّ فيه أوجبن له أربعاً على الناس: من إذا حدّثهم لم يكذبهم، وإذا خالطهم لم يظلمهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم، وجب أن تظهر في الناس عدالته... »(67).
ومنها: صحيح آخر لابن أبي يعفور عن أخيه من قول أبي جعفر (عليه السلام): « تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر والعفاف، مطيعات للازواج، تاركات للبذاء والتبرّج إلى الرجال في أنديتهم ».
ومنها: حديث سماعة من قول الصادق (عليه السلام): « من عامل الناس فلم يظلمهم... » شبيه ما عن الخصال، وقد مرّ سردها تحت أرقام (11 ـ 12 ـ 15 ـ 27).
ومنها: غير ذلك من الاحاديث.
وهناك طائفة أُخرى من أخبار الباب تدلّ على رد شهادة: « الفحّاش وذي مخزية في الدين، والمريب، والمتّهم، وغيرهم، وعلى عدم جواز الصلاة خلفهم، أو على وجوب القراءة خلفهم » أو نحو ذلك ممّا هي تضاد العدالة من الاحكام، فتدلّ بمقتضى تناسب الضدّين على كون العدالة عملاً خارجياً، لا ملكة نفسية، ولا الشامل للملكة.
وفيه: أنّ مقتضى الجمع بينها وبين الطوائف الاُخر من الاخبار الّتي لا تدلّ على أكثر من حسن الظاهر، يوجب المصير إلى الثاني، وحمل اختلاف الروايات على اختلاف مراتب العدالة ـ كما سيجيء إن شاء الله تعالى ـ لكونه نوع جمع عرفي.


الدليل الثاني

الثاني: طائفة أُخرى من الروايات استدلّ بها الشيخ الانصاري (قدس سره) لهذا القول مثل رواية الاذان: « اذا دخلت المسجد فكبّرت وأنت مع إمام عادل ثمّ مشيت إلى الصلاة أجزأك » وموثّقة سماعة: « عن رجل كان يصلّي فخرج الامام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة، فقال: إن كان إماماً عدلاً فليصلّ أُخرى وينصرف »(68).
واستظهر الشيخ (قدس سره) من هاتين الروايتين ـ ومن غيرهما ممّا هي على نسقهما من الروايات ـ أنّ العدالة الفعلية، أي: الاستقامة العملية في أُصول الدين وفروعه هي المعتبرة في صلاة الجماعة سواء كانت عن ملكة أم لا.
وعن الشيخ (قدس سره) في موضع آخر من باب صلاة الجماعة أنّه قال: « وممّا ذكرنا يعرف الكلام في بعض الاخبار الاُخرى الّتي أُشير فيها إلى اعتبار العدالة في الامام مثل قوله (عليه السلام) في علل الفضل في علّة كون صلاة الجمعة ركعتين قال: « لانّ الصلاة مع الامام أتمّ لعلمه وفقهه وعدالته »(69).
ولعلّ الشيخ استفاد ذلك من ذكر هذه الروايات وأمثالها العدالة مع عدم تفسير لها، وهذا يدلّ على إرادة المعنى العرفي وهو ليس إلاّ الاستقامة العملية الخارجية.
لكن الانصاف عدم دلالة هذه الروايات وأمثالها ـ بأنفسها ـ على ما هوية العدالة وإنّما تدلّ على لزوم العدالة فقط دون إشارة إلى مفهومها، فمقتضى القاعدة في مثله إن كان للعدالة اصطلاح خاصّ في الشريعة، حملها على المصطلح الخاص، وإلاّ الرجوع في تفسيرها إلى العرف العام، أو اللغة الّتي بها يستكشف العرف العام، فتأمّل.


الدليل الثالث

الثالث: استدلّ بصحيحة ابن أبي يعفور، بتقريب: أنّ الظاهر عرفاً من الستر والعفاف: الفعلية منهما لا الملكة، بقرينة عطف « كفّ البطن والفرج... » الظاهر في الفعلية أو الصريح فيها عليهما، فيكون « ويعرف باجتناب الكبائر » دليلاً على اجتنابه عن المعاصي كلّها، حتّى الخفية مثل الرياء والعجب ونحوهما، فليس ما قبل هذه الجملة تفسيراً لنفس العدالة وهذه طريق اليها.
والقول: بأنّ السؤال لمّا كان عن الطريق إلى العدالة فالستر والعفاف وكفّ البطن واجتناب المعاصي كلّها تكون طرقاً اليها لا نفسها، فيكون نفس العدالة هي الملكة.
لا يؤسّس ظهوراً عرفياً متّبعاً لدى العقلاء حتى يبنى عليه الحكم الشرعي، لتعارف مثل هذه التعبيرات في كلا الجانبين كما لا يخفى.
أقول: قد يقال بأنّ صحيحة ابن أبي يعفور منصرفها لمن تأمّلها ودقّق النظر فيها ربما يكون الملكة، ولكن ربما يبدو كون هذا الانصراف بدوياً غير مستند إلى الظهور العقلائي الّذي ينفي الاطلاق بحيث يصحّ نفي العدالة عمّن كان مجتنباً عن المحرّمات آتياً بالواجبات ولكن لا عن ملكة، أو شكّ كونهما عن ملكة أو لا.


الدليل الرابع

الرابع: عدم التصريح بالملكة في أخبار العدالة الكثيرة ـ المتفرّقة في مختلف أبواب كتاب الصلاة، وكتاب الشهادات، وكتاب القضاء وغيرها، الّتي ربما بلغت المئات لمن تتبّع احصاءها ـ دليل عدم اشتراطها في العدالة ولو كان لبان، وقد نقل ذلك عن العلاّمة المجلسي (قدس سره).
وأُورد عليه: بأنّ القائلين بالملكة استفادوها من مطاوي التعبيرات الواردة في روايات الباب، ولم يدّع أحد أنّه صرّح بالملكة في رواية ما حتى يرد بمثل ذلك، ولو كان قد وقع التصريح بالملكة في رواية ما، لم يحتج البحث إلى هذا التطويل.
نعم، هذا الادّعاء في مقام الاثبات محل إشكال بل منع.


الدليل الخامس

الخامس: ما عن الوحيد البهبهاني (قدس سره): من أنّ حصول الملكة بالنسبة إلى كل المعاصي يكون في غاية الندرة إن فرض تحقّقه، وبديهي أنّ العدالة ممّا تعمّ بها البلوى، وتكثر اليها الحاجات في العبادات والمعاملات، فلو وجبت الملكة في العدالة والحال هذه وجب اختلال النظام.
على أنّ القطع حاصل بأنّه لم يكن أمر العدالة في زمن المعصومين (عليهم السلام)على هذا النهج، ألا ترى أنّه ورد في إمام الجماعة أنّه إذا أحدث أو حدث له مانع آخر أخذ بيد آخر وأقامه مقامه، وهو ظاهر في كثرة العدول حتى أنّه يتوفّر في كل جماعة من يقوم مقام الامام إن أحدث أو حدث به حادث.
وأورد عليه بعض المعاصرين بما حاصله: أنّ المقصود بملكة العدالة ليس الّذي ذكره الوحيد البهبهاني (قدس سره)فإنّه صحيح في غاية الندرة، وإنّما المقصود بها الحالة الواحدة المستمرّة الباعثة على ملازمة الطاعة وترك المعصية، وهذه الحالة ذات مراتب مختلفة أعلاها ما يساوق العصمة، وأدناها ما يشترط في إمام الجماعة والشاهد، ثمّ قال: وهذه الصفة ليست نادرة في الناس كما ذكره الوحيد البهبهاني (قدس سره) بحيث يلزم من إناطة الاحكام بها اختلال النظام.


الدليل السادس

السادس: أنّ الحكم بزوال العدالة عند عروض ما ينافيها من المعاصي، ثمّ الحكم برجوع العدالة بمجرد التوبة، دليلان على عدم كونها الملكة، وإلاّ فالملكة إن كانت فلا تزول بمعصية، وإن زالت فلا ترجع بمجرّد الندم على المعصية الّذي هو التوبة ـ فيما يكفي فيه الندم فقط ـ.
وأجاب عنه بعض المعاصرين بما لا يرجع إلى محصّل، قال: إنّ العدالة ليست هي الملكة المجرّدة بل هي مقيّدة بعدم عروض ما ينافيها، فعند عروضه تنعدم العدالة وإن كانت الملكة باقية.
أقول: معنى « الملكة » هي الحالة الباعثة على ملازمة الطاعة وترك المعصية، فإن أرادوا بالملكة هذا المعنى فهو لا يزول بمعصية اتّفاقية مرّة واحدة، وإن أرادوا بها غير ذلك فلا يسمّى ذلك ملكة.
نعم، لو قلنا بأنّ المستفاد من مجموع روايات الباب هو حسن الظاهر، أو مجرّد الاسلام مع عدم ظهور الفسق، اتّجه الحكمان المذكوران، إذ بالمعصية ينهدم حسن الظاهر، وبالتوبة يرجع حسن الظاهر، وكذلك بالمعصية ينهدم « عدم ظهور الفسق » وبالتوبة يتحقّق « عدم ظهور الفسق » لانّ التوبة تمحو الذنب، وقد ورد: « التائب من الذنب كمن لا ذنب له »(70).


القول الرابع في العدالة

وأمّا القول الرابع في تفسير العدالة: وهو مجرّد الاسلام مع عدم ظهور الفسق، فقد استدلّ له بأُمور:


استدلّ للقول الرابع بأُمور
الامر الاوّل

الاوّل: الاجماع الّذي نقله الشيخ في الخلاف على أنّه إذا شهد عند الحاكم شاهدان يعرف إسلامهما ولا يعرف فيهما جرح، حكم بشهادتهما ولا يقف على البحث.
وفيه: ـ مضافاً إلى موهونية كثير من إجماعات الخلاف، وكونه منقولاً، احتمال استناده بل القطع به إلى الادلّة المذكورة ـ أنّه مع الخلاف العظيم المحرز كيف يحتمل تحقّقه ؟ مع أنّه معارض بالاجماع المحكي عن المسالك على خلافه، وقد نقل الرياض عن المحقّق إجماع الاُمّة على عدم كون العدالة المعتبرة هي ظهور الاسلام وعدم ظهور الفسق.
وعن الشيخ الانصاري (قدس سره) في مجلس درسه أنّه نسب إلى بعض كلمات الشيخ الطوسي (قدس سره) نفسه خلاف ذلك.


الامر الثاني

الثاني: قيام السيرة منذ زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على عدم البحث عن عدالة الشهود، وقد ادّعى ذلك أيضاً الشيخ الطوسي (قدس سره) في الخلاف.
وفيه: عن تفسير الامام العسكري (عليه السلام) وهداية الحرّ العاملي (قدس سره) عن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلافه: من أنّه كان إذا اختصم إليه رجلان ـ إلى أن قال: ـ وإذا جاءوا بشهود لا يعرفهم بخير ولا شرّ بعث رجلين من خيار أصحابه يسأل كلّ منهما من حيث لا يشعر الاخر عن حال الشهود في قبائلهم ومحلاّتهم، فإذا أثنوا عليهم قضى حينئذ على المدّعى عليه ـ إلى أن قال: ـ وإن لم يعرف لهم قبيلة سأل عنهما الخصم، فإن قال ما علمت منهما إلاّ خيراً أنفذ شهادتهما.
وقد قدّمنا هذا الحديث بطوله عند سرد الاحاديث وقدّمنا معه أيضاً صحيح الجعفريات عن المحدود الّذي شهد عند علي (عليه السلام) فسأل عنه قومه فقالوا فيه خيراً فأجاز شهادته.


الامر الثالث

الثالث: أصالة عدم الفسق، استدلّ بها الشيخ (قدس سره) أيضاً حيث قال: وأيضاً الاصل في المسلم: العدالة، والفسق طار عليه، فيحتاج إلى دليل.
وأُورد عليه: بأنّ الفسق أمر مردّد ـ على سبيل منع الخلو ـ بين فعل الحرام وترك الواجب، فبالنسبة إلى فعل الحرام مسبوق بالعدم فالاصل عدم الفسق بفعل الحرام، وأمّا بالنسبة إلى ترك الواجب فلا أصل يقتضي عدم ترك الواجب، إن لم يكن مقتضى الاستصحاب عدم فعل الواجب.


الامر الرابع

الرابع: أصالة الصحّة في أفعال المسلمين وأقوالهم، وهي تقتضي عدم صدور فسق منه فيكون عدلاً لعدم الواسطة بينهما، لانّهما ضدّان لا ثالث لهما، فإذا انتفى أحدهما ثبت الاخر.
وأُجيب: عنه بأنّ أصل الصحّة له معنيان:
الاوّل: حمل فعل المسلم وقوله على الوجه الحسن، بمعنى: عدم اتّهامه الّذي دلّت عليه النصوص.
الثاني: إذا صدر عن مسلم فعل أو قول قابل لصدوره على وجهين: حسن وقبيح، لزم حمله على الوجه الحسن.
وكلا المعنين غير مناسبين لما نحن فيه.
أمّا الاوّل: فلانّ مقتضاه عدم اتّهامه لا الالتزام بكون الصادر من المسلم حسناً واقعاً.
وأمّا الثاني: فهو فيما كان فعل صادراً وشكّ في كيفيته، لا فيما نحن فيه الّذي شكّ في أصل صدور الحرام منه.
وما في بعض شروح العروة من أنّ المراد بأصل الصحّة هو ظهور حال المسلم على وقوفه على الحدود الشرعية، ثمّ ردّه بأنّه لا دليل على هذا الظهور إلاّ الغلبة، والغلبة بالعكس إذ الغالب فيهم عدم وقوفهم على الحدود.
فيه: ما لا يخفى، إذ الدليل على هذا الظهور ليس الغلبة، بل الادلّة الخاصّة والنصوص الدالّة على اعتبار فعل المسلم وقوله صحيحين.


الامر الخامس

الخامس: أنّ الظاهر من حال المسلم التزامه بالطاعة وفعل الواجبات ترك المحرّمات.
وأُورد عليه: بأنّ منشأ هذا الظهور إن كان الغلبة فهو مردود صغرى وكبرى، لانّ الغلبة مع الفسّاق ومع الفسق، وذلك للكتاب والسنّة والاعتبار الخارجي: كقوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)(71) و (أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)(72) ولغيرهما، ولعدم الدليل على حجّية هذه الغلبة.
وإن كان منشأ هذا الظهور غير الغلبة ممّا هو حجّة شرعاً، فليبيّن.


الامر السادس

السادس: مقتضى قاعدة المقتضي والمانع: الحكم بالعدالة، لانّ الاسلام مقتض للطاعة، والمعصية مانع عنه.
وفيه: ما حقّق في الاُصول: من عدم مدرك سليم لهذه القاعدة.
مضافاً إلى أنّ الاسلام وحده ليس مقتضياً للطاعة، إنّما المقتضي للطاعة هو الخوف عن العقاب المشكوك وجوده أصلاً، أو بمرتبة باعثة على ذلك.


الامر السابع

السابع: أنّه لو لم يكتف بالاسلام وعدم ظهور الفسق في العدالة لم تنتظم الاحكام للحكّام خصوصاً في البلاد الكثيرة، والمدن الكبيرة، والقضاة الجديدين.
وأُجيب: بأنّ هذا لازم لو قلنا بكون العدالة الملكة مع الالتزام بحصول العلم بها، أمّا لو اكتفينا في مقام الشهادة بحسن الظاهر تفسيراً للعدالة، أو طريقاً تعبّدياً اليها، فلا يلزم ما ذكروه.


الامر الثامن

الثامن: إطلاق قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)(73).
بتقريب: أنّه يدلّ على كفاية مطلق الشاهد، وقد قيّد بدليل منفصل أنّه يعتبر في الشاهد العدالة، فمن علم فسقه تردّ شهادته، ومن لم يظهر منه الفسق يؤخذ باطلاق الاية فيه.
وفيه أوّلاً: أنّه تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.
وثانياً: بعد ما علم من الدليل المنفصل تقييده بالعدالة، فلا مسرح لبقاء الاطلاق حتى يستدلّ به عليه، إذ المفروض كونه اطلاقاً لم يرد اطلاقه.


الامر التاسع

التاسع: ـ وهو العمدة في الباب ـ أخبار مستفيضة وقد تقدّمت عند سرد روايات الباب.
منها: صحيح الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن حريز، عن الصادق (عليه السلام) وقد جاء فيها: « إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعاً »(74).
ومنها: صحيح علقمة أو حسنه بصالح بن عقبة، روى الصدوق عن أبيه، عن علي بن محمّد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن علقمة عن الصادق (عليه السلام)، وجاء فيها: « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنباً »(75).
ومنها: خبر العلاء بن سيّابة، الصدوق باسناده إلى العلاء بن سيّابة، عن الصادق (عليه السلام) عن شهادة من يلعب بالحمام قال (عليه السلام): « لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق »(76).
ومنها: ما في الكافي ـ وفيه عدد من المجهولين ـ عن سلمة بن كهيل، عن علي (عليه السلام) أنّه قال لشريح: « واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض إلاّ مجلوداً في حدّ لم يتب منه أو معروفاً بشهادة الزور أو ظنيناً »(77).
ومنها: صحيحة محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام): «... قلت: فإن أشهد رجلين ناصبيين على الطلاق أيكون طلاقاً ؟ فقال (عليه السلام): من ولد على الفطرة أُجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خيراً »(78).
ومنها: صحيحة عبدالله بن المغيرة قال: « قلت: لابي الحسن الرضا (عليه السلام)رجل طلّق إمرأته وأشهد شاهدين ناصبيين قال (عليه السلام): كلّ من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته »(79). وفي التنقيح عبر عنها بالصحيحة، ثمّ قال (قدس سره): « فإنّها دلّتنا على أنّ من حسن ظاهره ولم يكن معروفاً بشهادة الزور ونحوها من المحرّمات حكم بعدالته »(80).
ومنها: غير ذلك ممّا استدلّ به لهذا القول.


أجوبة وردود

وأُجيب عنها بأُمور: أحسنها أنّ مقتضى الجمع بينها وبين سائر روايات الباب وبين أدلّة الكتاب وغير ذلك هو: المصير إلى القول بحسن الظاهر تفسيراً للعدالة، أو طريقاً تعبّدياً اليها، وإن أبى بعضها عن الجمع بذلك وجب حملها على ما قلناه.
وأمّا بقية الاجوبة فلا يخلو شيء منها عن المناقشة:


أوّل الاجوبة غير التامّة
الجواب عن صحيح حريز

منها: أنّ الروايات لا تتمّ دلالتها في أنفسها، قال جمع من شرّاح العروة المعاصرين: أمّا صحيح حريز وخبر العلاء: فلانّ الظاهر منهما أنّ المراد من عدم معروفيته بالفسق عدم معروفيته حتى عند المعاشرين معه وهذا يلازم مع حسن الظاهر.
وفيه أوّلاً: عدم المعروفية بالفسق ظاهر في عدم كون فسقه معروفاً عند الناس، وإلاّ فكون شخص معلوم الفسق عند بعض معاشريه لا يسمّى عرفاً: « معروف الفسق ».
ثانياً: لا يلازم ذلك حسن الظاهر المعتبر في العدالة خصوصاً بما يصدق عليه كونه ستيراً عفيفاً، معروفاً بذلك وبكفّ البطن والفرج واليد واللسان....


خبر علقمة والجواب عنه

قالوا: وأمّا خبر علقمة ـ فمضافاً إلى ضعف سنده بصالح بن عقبة ـ الّذي ذكر العلاّمة في شأنه أنّه كذّاب غال لا يلتفت إليه ـ وإلى أنّه لا يقاوم الروايات الّتي اشترطت الستر والعفاف ونحوهما ـ فإنّ ظاهره غير آب عن إرادة حسن الظاهر، لانّ صدره وإن تضمّن قبول شهادة المقترف للذنب إلاّ أنّ ذيله لقوله (عليه السلام): « فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنباً » يدلّ على اعتبار حسن الظاهر ويوجب تقييد الصدر بما إذا كان ذنبه مستوراً لا يعرفه أهله ومحلته.
وفيه أوّلاً: أسلفنا صحّة الاعتماد على سند خبر علقمة، لانّ افراد السند كلّهم أجلاّء. غير محلّ الكلام وهو صالح بن عقبة الّذي تفرّد ابن الغضائري على ذمّه ـ الّذي قيل عنه: أنّه لا يسلم من جرحه وسيف الحجّاج أحد ـ واعتمد العلاّمة عليه في ذلك، مع توفّر أمارات الصحّة والجلالة فيه، كما يظهر ذلك لمن لاحظ حاله في خاتمة المستدرك، فهو إن لم يكن بمنزلة الصحيح فلا يقل عن الحسن، فلاحظ وتأمّل.
وثانياً: أنّ عدم مقاومته لروايات الستر والعفاف غير محلّ الكلام وإنّما هو عدم دلالته بنفسه، والمفروض دلالته.
وثالثاً: بأنّ الرواية صدراً وذيلاً، وأوّلاً وأخيراً، ظاهرة بلا إشكال في كفاية الاسلام وعدم ظهور الفسق بدون البحث عن حاله والتحقيق عن أنّه حسن الظاهر أم لا ؟
فإن أرادوا بحسن الظاهر ذلك فلا وجه في التفريق بين القولين، وإن أرادوا غير ذلك فلا دلالة للخبر عليه والعرف ببابك. وكيف يدلّ قوله: « فهو من أهل العدالة والستر » على حسن الظاهر بعد صراحة المبتدأ: « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً ولم يشهد عليه بذلك شاهدان » في الاعمّ من ذلك ؟
خصوصاً حسن الظاهر بالمعنى الّذي اعتبر طريقاً إلى الملكة تعبّدياً، فإنّه لا يجامع مثل هذا العموم أو الاطلاق، ثمّ التصريح في آخره بقوله: « وإن كان في نفسه مذنباً » آب عن الحمل على حسن الظاهر بالمعنى المعروف.


الجواب عن خبر الكافي

وأمّا ما روي في الكافي عن علي (عليه السلام) وقوله لشريح فأجابوا عنه: ـ مضافاً إلى ضعف سنده، وإلى كونه مجملاً قد استثني منه الظنين وهو كلّ فاسق كما أُشير اليه في صحيح أبي بصير عن الصادق (عليه السلام): « قلت: فالفاسق والخائن ؟ قال (عليه السلام): كلّ هؤلاء يدخل في الظنين »(81) ـ بأنّه إذا استثني خاص عن عام لزم حين إرادة ترتيب الاثر الفحص فلا يكفي مطلق الاسلام، بل العدالة محدودة بهذه الثلاثة، فاللازم الفحص حتّى يثبت عدم كون الشاهد منهم.
وفيه أوّلاً: في مثل المسألة الّتي تبنى على روايات مستفيضة بل متواترة إجمالاً لا يكون البحث عن السند من دأب أهل التحقيق.
وثانياً: الانصاف أنّه غير مجمل عرفاً، واستثناء « الظنين » المفسّر في رواية أُخرى بما يشمل « الفاسق » لا يوجب هدم ظهوره في أصل الاسلام، إذ الفاسق إمّا ظاهر في العاصي المعلن بالمعصية كما يدّعي ذلك بعض المراجع اليوم، أو مراد منه ذلك فيما نحن فيه، للظهور العرفي الّذي يقتضيه ظاهر وحدة السياق، وجمع الصدر والذيل.
وثالثاً: ـ مضافاً إلى أنّ تعنون العام بغير الخاص الّذي جاء استثناءً لذلك العام محلّ كلام بين الاعلام في الاُصول ـ أنّ المراد بالمحدود عدم كونه محدوداً بحدّ لم يتب منه، وهذا إن كان فهو يُعلم غالباً، وكذلك عدم كونه معروفاً بشهادة الزور، والمعروفية بذلك غير أصل قيامه بشهادة الزور، بقي الظنين الّذي قيل: إنّ أهل اللغة فسّروه بـ « المتّهم » وهو أيضاً ممّا يعلم غالباً لو كان في شخص، وعدم كون الشخص محدوداً، أو معروفاً بشهادة زور، أو ظنيناً أعمّ من حسن الظاهر، كمن يشرب الخمر ومعروفاً به لكنّه لم يثبت شرعاً حتّى يحدّ، أو لمصلحة ـ ولو لعدم قدرة الحاكم الشرعي ـ لم يجر عليه الحدّ، فتأمّل.
وهذا التوجيه لا يوجب العمل بالرواية عند موجّهها بذلك.


صحيح البزنطي والجواب عنه

وأمّا صحيح البزنطي ـ على الاصحّ من وثاقة إبراهيم بن هاشم ـ وخبر ابن المغيرة فقالوا فيهما: ـ مضافاً إلى أنّ الجواب فيهما بما لا ينطبق على السؤال لعلّه من جهة التقية ـ إنّ اقتصار الامام (عليه السلام) في الجواب على بيان الحكم الكلّي وهو: إنّه تقبل شهادة من كان معروفاً بالخير والصلاح، لعلّه ليس إلاّ حسن الظاهر.
وفيه: أنّ المأنوس بتعابير أهل البيت (عليهم السلام) ـ خصوصاً ما كان منها في بيان وصف شخص بكونه موالياً شيعياً ونحوه ـ ربما يستفيد أنّ الروايتين أُريد منهما بـ « يعرف منه خير » و « عرف بالصلاح في نفسه » في الجواب عن كون الشاهد ناصبياً: اشتراط الايمان بالمعنى الاخصّ فيه (أي: كونه مستبصراً) وعليه: فدلالة الروايتين على القول المذكور غير بعيدة. مضافاً إلى ما ربما يقال: إنّ حسن الظاهر الذي يشترطونه في العدالة هو أكثر من مجرّد أن يصدق عليه أنّه « يعرف منه خير » و « عرف بالصلاح في نفسه » لكن ادّعاء الاجمال في هاتين الجملتين من هذه الجهة ـ كما احتمل ـ ليس واضح البطلان، فتأمّل.
إذن فالخدشة في الروايات بأنّها لا ظهور فيها للقول بكفاية الاسلام وعدم ظهور الفسق غير واضحة.


ثاني الاجوبة غير التامّة

ومنها: أنّ الروايات كلّها في الشاهد والشهادة، وكلامنا في العدالة الاعمّ من باب الشهادة، وباب صلاة الجماعة، وشاهد الطلاق، ومرجع التقليد، والقاضي، والوالي وغيرهم.
وفيه: أوّلاً: العبرة في مثل ذلك بعموم كلام الامام (عليه السلام) لا بخصوص كون السؤال عن الشهادة، وبعضها كانت عامّة كصحيح علقمة، وبعضها عام سؤالاً وجواباً كحديث علي (عليه السلام) لشريح.
ثانياً: أنّ المعروف عدم الفصل بين الشهادة وغيرها، ولو ثبتت مرتبة من العدالة كافية في باب الشهادة، كفت في غيرها أيضاً، لانّها ـ كما قيل: ـ حقيقة واحدة إمّا موجودة أو لا، وإن كان لنا فيه تأمّل كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
وعن العدّة الفرق بين عدالة الراوي وعدالة الشاهد باشتراط الايمان وعدم فسق الجوارح الظاهرة في الاوّل دون الثاني، ونحوه غيره أيضاً.


ثالث الاجوبة غير التامّة

ومنها: أنّ روايات الاسلام وعدم ظهور الفسق مخالفة للكتاب حيث يقول تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْل مِنْكُمْ)(82) بتقريب: أنّ ظاهره اشتراط العدالة بالاضافة إلى كونه مسلماً لانّ « منكم » ضمير راجع إلى المسلمين، فلو كانت العدالة هي الاسلام لكان ذكر « ذوي عدل » مستدركاً.
وأُجيب: ـ مضافاً إلى أنّ المحتمل أن يكون المخاطب هم الناس لا خصوص المسلمين ـ بأنّه لعلّ المراد من كلمة « عدل » عدم ظهور الفسق.
أقول: أمّا احتمال أن يكون المخاطب عموم الناس فينفيه ملاحظة سياق الاية، فإنّه ورد ذلك في الاية الثانية من سورة الطلاق الموجّه فيها الحكم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع استعمال ضمير الجمع لارادة سائر المسلمين.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ـ إلى أن يقول: ـ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْل مِنْكُمْ)(83).
وهكذا بل أصرح منه ما في الاية الاُخرى قال عزّ من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ)(84).
فيستفاد أنّ العدالة غير الاسلام. ولولا تفسير العدالة في الشريعة لقلنا إنّ المراد من: (ذَوَي عَدْل مِنْكُمْ)(85) و (ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ)(86) هو الثقة المرضي، كما فسّرت بذلك العدالة في اللغة وهو في العرف كذلك، ويؤيّده استعمال القرآن هذا المعنى في قوله سبحانه: (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)(87).
وأمّا احتمال أن يكون المراد بـ « عدل » عدم ظهور الفسق وإن كان تامّاً ولا رادّ له بل ليس بعيداً ذلك عن مساق الاية عرفاً، إلاّ أنّ المصير اليه يتمّ إذا تمّت الحجّة الروائية على كون العدالة هي الاسلام وعدم ظهور الفسق.


القول الخامس في العدالة

وأمّا القول الخامس في تفسير العدالة: وهو حسن الظاهر فقد ذهب اليه جماعة، وظاهر مقابلة هذا القول للملكة أنّ حسن الظاهر طريق تعبّدي ـ لا مجرّد طريق عقلائي نظير الامارات الاُخر ـ ولكن عبارات العديد تأبى ذلك، بل صريحة في الخلاف وبعض العبارات مشوّشة وإليك عبارتين من الجواهر قال: « وقيل: العدالة عبارة عن حسن الظاهر كما هو ظاهر ما سمعته من المقنعة والنهاية بل وحكي أيضاً عن القاضي والتقي وابن حمزة وسلاّر، بل قيل في الناصريات ما يشير إلى ذلك أيضاً، بل عن المصابيح نسبته إلى القدماء، بل سمعت عن حاشية المعالم نقل الاجماع على كون العدالة حسن الظاهر في كلّ مقام اشترطت فيه »(88).
وقال أيضاً: « فقول الاصحاب: العدالة حسن الظاهر لا يخلو من مسامحة، إذ حسن الظاهر نفسه ليس بعدالة، بل العدالة غيره، وهو طريق إليها، وليست هي الملكة كما يقوله المتأخّرون، فتأمّل جيّداً »(89).
وكيفما كان فقد استدلّ لهذا القول بأدلّة:


أدلّة القول الخامس
الدليل الاوّل

أمّا الدليل الاوّل للقول بحسن الظاهر: فهو أنّ ذلك مقتضى الجمع بين ما دلّ على اشتراط العدالة في إمام الجماعة الظاهر في كونها شرطاً واقعياً وبين ما دلّ على صحّة الصلاة لو ظهر الامام ـ بعد تمام الصلاة ـ فاسقاً فإنّه يستفاد منهما كون العدالة هي حسن الظاهر قابلاً لانكشاف خلافه واقعاً.
وأُورد عليه أوّلاً: بأنّ الدليل دلّ على صحّة الصلاة لا على صحّة الايتمام، ولعلّ صحّتها من أجل القاعدة المعروفة: « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة » بناءً على عدم اختصاصها بالناسي ـ كما قيل والتزمه جمع من علماء العصر تبعاً للمحقّق النائيني (قدس سره) وغيره ولعلّه ليس بالبعيد ـ وهذا أعمّ من أن تكون العدالة حسن الظاهر.
وثانياً: لعلّ العدالة شرط علمي لصحّة الايتمام لا شرط واقعي، ولعلّ الامر الظاهري موجب للاجزاء، وبكليهما يرفع حكم إعادة الصلاة مع إمام قد انكشف بعدها فسقه، فكيف يعيّن علّة الحكم مع قيام هذين الاحتمالين ؟


الدليل الثاني

وأمّا الدليل الثاني للقول بحسن الظاهر: فهو أنّ مقتضى الجمع بين ما دلّ من الروايات على اشتراط العدالة في الشاهد، وبين ما دلّ من الروايات على اعتبار كون الشاهد حسن الظاهر، بضميمة: أنّ العدالة وحسن الظاهر ليسا شرطين متغايرين، هو: كون العدالة نفسها حسن الظاهر.
وأورد عليه بعض الاعلام المعاصرين: بأنّ غاية ما تدلّ عليه الطائفة الثانية هي كفاية حسن الظاهر في ترتيب احكام العدالة، وهذا أعمّ من أن يكون حسن الظاهر نفس العدالة، أو يكون طريقاً إليها تعبّدياً، بل الظاهر من جملة منها كونه طريقاً إلى العدالة كصحيح ابن أبي يعفور، وروايات من عامل الناس فلم يظلمهم ونحوهما.
أقول: الانصاف أنّ في بعض الروايات دلالة عرفية على كون حسن الظاهر بنفسه العدالة، لا كونه طريقاً اليها، كحديث يونس عن بعض رجاله عن الصادق (عليه السلام) وجاء فيه: « فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولا يُسأل عن باطنه » وقد ذكرناه تحت رقم (3) عند سرد الاحاديث فقوله (عليه السلام): « ولا يُسأل عن باطنه » ظاهر في كون حسن الظاهر هو الشرط لقبول الشهادة وليس وراءه شيء.


الدليل الثالث

وأمّا الدليل الثالث للقول بحسن الظاهر: فهو ظهور الروايات الدالّة على أنّ الفاسق إذا تاب قبلت شهادته في ذلك، فإنّها ـ عرفاً ـ ظاهرة فى كون « العدالة » إنّما هو حسن الظاهر، إذ ظاهر التائب حسن يدلّ على إقلاعه عن الفسق، وقد ذكرنا بعض تلك الروايات عند سرد الاحاديث فراجع أرقام: 32 ـ 33 ـ 34 ـ 35 وغيرها.
وما عساه أن يقال: من أنّ قوله تعالى في مقام قبول شهادة التائب: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا)(90) يدلّ على لزوم « الاصلاح » زيادة على أصل التوبة، وليس الاصلاح سوى الملكة، لانّ غيرها منفي بالاجماع.
ففيه: أنّ الظاهر من: « وأصلحوا » كون الواو عطف تفسير وتوضيح، وإن كان الاصل ـ كما قيل ـ في الواو أن تعطف المغاير على المغاير، لا الشيء على نفسه، ولكنّه أصل لدى الشكّ، فلا أصل مع مثل هذا الظهور.
ويؤيّد ذلك بل يدلّ عليه: ترك الاستفصال في روايات الباب فإنّها لم تذكر وراء التوبة شيئاً وهي في الوسائل والمستدرك بضع عشرة حديثاً.
وخبر الدعائم عن الصادق (عليه السلام) أصرح في ذلك، وقد مرّ عند سرد الاحاديث تحت رقم (34) وممّا جاء فيه: « وقد استثنى الله عزوجل في ذكر ردّ شهادة القاذف من تاب » فقال: (وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً) ثمّ استثنى الله عزّوجلّ فقال: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا) ولم يذكر الامام (عليه السلام) بقية الاية دليلاً على أنّها ليست شيئاً وراء أصل التوبة.


الدليل الرابع

وأمّا الدليل الرابع للقول بحسن الظاهر: فهو أنّ قيام الشهرة بين الاعلام على تقديم الجارح على المعدّل عند التعارض يناسب القول بكون العدالة حسن الظاهر، لانّهم علّلوا ذلك بأنّ فيه تصديقاً لهما، إذ المعدّل يقول: « لم أر منه ما يدلّ على الفسق » والجارح يشهد برؤيته وعلمه بفسقه.
ولو كانت العدالة أمراً واقعياً غير حسن الظاهر كان مقتضى القاعدة تعارضهما والحكم عليهما بحكم المتعارضين: إمّا التساقط كما هو المعروف، أو التخيير ـ كما قيل أيضاً ـ لانّ كلاًّ منهما يخبر عن أمر واقعي، وتقديم أحدهما حينئذ يكون من الترجيح بلا مرجّح.
وأُورد عليه أوّلاً: بأنّ تقديم قول الجارح على القول المعدّل معلّلاً بالتعليل المذكور لم يثبت بدليل معتبر من كتاب، أو سنّة، أو إجماع محصّل، أو دليل عقلي ملزم، فلا يكون ما ليس بنفسه ثابتاً دليلاً لاثبات شيء آخر غير ثابت.
وثانياً: قيل بأنّ الدليل المذكور يمكن جعله دليلاً لكون العدالة من الاُمور الواقعية (أي: الملكة) إذ انكشاف الواقع السييء أبعد من انكشاف الواقع الحسن، فمن الممكن أن ينكشف لشخص حسن واقع زيد مع كونه ـ في نفس الامر ـ غير حسن، ومن البعيد أن ينكشف لشخص سوء واقع زيد مع كونه ـ في نفس الامر ـ حسناً كما لا يخفى.
وثالثاً: قيل أيضاً: بانسجام الاستدلال مع القول بكون العدالة هي « الملكة » باضافة عدم صدور الكبيرة منه ـ قيداً فيها خارجاً عنها أو لدليل خارجي كالاجماع على زوالها بفعل الكبيرة، وغيره مما تقدم الحديث عنه ـ إذ لو أحرز شخص ملكة العدالة في زيد، أمكنه الاعتماد على عدم صدور الكبيرة منه بأصل العدم، و الجارح يدّعي العلم بصدور الكبيرة منه، فيكون قول الجارح حاكماً على قول المعدّل، لانّ أصل العدم يذوب في مقام العلم، مع أنّ الجارح لا يدّعي عدم الملكة، بل ربما يعترف بوجودها في زيد ولكنّه إنّما يدّعي صدور الكبيرة منه.
وعلى هذين التقريرين يتمّ تقديم قول الجارح مع الالتزام بكون العدالة هي « الملكة »، فتقديم الجارح لا يكون دليلاً على أنّ العدالة ليست ملكة.
أقول: ـ مضافاً إلى أنّ هذه الادلّة المذكورة تنفي الملكة فقط، ولا تنفي الاقوال الاُخرى ليتعيّن القول بحسن الظاهر، إذ مع كون الاقوال خمسة لو انتفى أحدها لا يتعيّن الثاني، بل التعيين بحاجة إلى دليل ينفي جميع الاربعة ـ إنّ هذا الدليل لا يمكن الاعتماد عليه بمجرّده، وأمّا إن كان في البين دليل، صلح ما ذكر مؤيّداً له.


الدليل الخامس

وأمّا الدليل الخامس للقول بحسن الظاهر: فأخبار متعدّدة دلّت على أنّ العدالة المطلوبة في الشهادة، وصلاة الجماعة وغيرهما هي حسن الظاهر الاعمّ من إحراز الملكة وعدمه، وقد ذكرنا عند سرد الاحاديث تحت أرقام: 1 ـ 3 ـ 5 ـ 6 ـ 7 ـ 8 ـ 9 ـ 14 ـ 26 ـ 32 ـ 33 ـ 34 ـ 35 ـ 38، مع تفاصيلها، نشير هنا إلى بعضها باختصار:


روايات حسن الظاهر

منها: صحيحة ابن أبي يعفور(91) الّتي قال عنها الفقيه الهمداني(قدس سره) أنّ مواضع منها تدلّ على كون العدالة حسن الظاهر، فإنّها فسّرت العدالة بالستر والعفاف كفّ الاعضاء الاربعة، وظاهر ذلك كونها حسن الظاهر سواء كان حسن الواقع ـ في نفس الامر ـ أم لا.
ومنها: صحيحة يونس بن عبدالرحمن، رواها الكليني عن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى عن يونس، عن بعض رجاله ـ بناءً على اعتبار شيوخ أصحاب الاجماع عند جمهرة: كصاحب الجواهر أحياناً وغيره ـ عن الامام الصادق (عليه السلام) وجاء فيها: « خمسة أشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم ـ وعدّ منها الشهادات ـ فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه »(92).
ومنها: معتبرة العلاء عن أبي عبدالله (عليه السلام) عن شهادة من يلعب بالحمام، فقال (عليه السلام): « لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق »(93).
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم رواها الصدوق باسناده عن الحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام): « لو كان الامر إلينا لاجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير... »(94).
ومنها: صحيحة عمّار بن مروان رواها الصدوق باسناده عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار بن مروان، عن الصادق (عليه السلام): في الرجل يشهد لابنه والابن لابيه والرجل لامرأته فقال (عليه السلام): « لا بأس بذلك إذا كان خيّراً »(95).
ومنها: موثّق أبي بصير رواه الصدوق باسناده عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً »(96).
والانصاف عدم دلالته على أكثر من حسن الظاهر.
ومنها: معتبرة إبراهيم الكرخي ـ على الاصحّ ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام): « من صلّى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة، فظنّوا به خيراً، وأجيزوا شهادته »(97).
ودلالته على حسن الظاهر غير منكر.
وما ربما يقال: من أن « ظنّوا به خيراً » فيه إيماء أو إشارة إلى أنّ العدالة شيء وراء حسن الظاهر المنكشف بأداء الصلوات الخمس في جماعة، ولذا أمر بأن يظنّ به خيراً.
ففيه: إن كان ذلك إشارة إلى شيء، فلا يكون إشارة إلى « الملكة » كما لا يخفى، ولعلّه إشارة إلى طريقية أداء الصلوات الخمس في جماعة إلى حسن الظاهر في بقيّة أعماله، مضافاً إلى عدم ابتناء الاحكام الشرعية على مثل هذه الايماءات.
ومنها: موثّقة السكوني رواها الصدوق بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن إبراهيم بن هاشم عن الحسين بن يزيد النوفلي عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): « إنّ شهادة الاخ لاخيه تجوز إذا كان مرضياً ومعه شاهد آخر »(98).
وكلمة « مرضيّاً » إن لم يدلّ على كفاية مطلق الاسلام، أو مطلق التشيّع ـ كما لعلّه ليس بالبعيد ـ فلا دلالة لها على أكثر من حسن الظاهر.
وما يقال: من أنّ المراد من « المرضي » هو المرضي المطلق، لانّه لو كان حسن الظاهر غير حسن الواقع يصحّ أن يقال فيه قيداً: « مرضي الظاهر فقط » أو استثناءً: « مرضي إلاّ في واقعه » والقيد والاستثناء دليل الخصوص.
ففيه: أنّ هذه فلسفة بعيدة عن الظهورات اللفظية التي هي الحجّة، ولم تبن ظواهر الاوامر الشرعية على الدقّيات الفلسفية في يوم ما، ولعلّ ظاهر « المرضي » هو حسن ظاهره ما لم يعلم تخالفه مع باطنه، للتبادر، وعدم صحّة السلب، والاطراد.
وبعبارة أُخرى: المراد بالمرضي مطلقه، لا المرضي المطلق، مضافاً إلى أنّ عدم ظهور المرضي في الظاهر والباطن جميعاً يوجب عدم صحّة القيد، ولا الاستثناء إلاّ مجازاً.
ومنها: معتبرة الكليني عن علي بن محمّد عن سهل بن زياد عن علي بن مهزيار عن أبي علي بن راشد عن أبي جعفر (عليه السلام): « لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه »(99)، وهو وإن احتمل دلالته على مطلق الايمان، لانّ ظاهر مثل « تثق بدينه » في أخبار الائمّة الاطهار هو التشيّع واعتقاده بالائمّة المعصومين (عليهم السلام)، وهو أعمّ من كونه حسن الظاهر، إلاّ أنّ هذا إنصراف ربما يشكّ فيه فيكون دلالته على كفاية حسن الظاهر في محلّها، فإنّ الشخص الحسن الظاهر يطلق عليه أنّه: « تثق بدينه » أي بتديّنه، وما قيل: من أنّ الوثوق بالدين لا يكون إلاّ بما يرادف « الملكة » فإنّه الذي يوثق بدينه بقول مطلق.
ففيه: أنّ ذاك فرد أعلى والحسن الظاهر فرد دونه، وما دام الاطلاق العرفي يشمل كليهما فلا دليل على التخصيص بالفرد الاعلى.
نعم، إذا شكّ في ظهور المعتبرة في الاعمّ كان الاخذ بالمتيقّن وهو الوثوق الكامل بالدين المرادف للملكة هو المتيقّن لرجوعه إلى الشكّ في الامتثال بعد مسلّمية القيد.
اللهمّ إلاّ أن يخدش ـ حينئذ ـ في الدلالة على « الملكة » لانّ الوثوق بالدين قد يقال فيمن يوثق بعدم صدور المعصية عنه أعمّ من أن تكون عن ملكة أم لا، وهو في محلّه.


حسن الظاهر وروايات أُخر

ومنها: الروايات الكثيرة التي تدلّ على قبول شهادة القاذف والمحدود وغيرهما من العاصين بعد توبتهم، وليست التوبة إلاّ حسن ظاهر من الذي أتى بمعصية، ولو كانت العدالة « الملكة » لما رجعت الملكة بمجرّد التوبة.
مثل صحيح الكناني ـ على الاصحّ ـ رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل ـ محمّد بن الفضيل مشترك بين الثقة وغيره ونفى المجلسي البعد عن كونه الثقة ـ عن أبي الصباح الكناني قال: « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القاذف بعد ما يقام عليه الحدّ ما توبته ؟ قال: يكذّب نفسه، قلت: أرأيت إن أكذب نفسه وتاب، أتقبل شهادته ؟ قال: نعم »(100).
وصحيح الجعفريات ـ على الاصحّ ـ: « إنّ رجلاً قُطع في قطع الطريق فشهد عند علي (عليه السلام) شهادة، فسأل عنه قومه ؟ فقالوا فيه خيراً، فأجاز علي (عليه السلام)شهادته حين تاب، وعلمت منه التوبة »(101).
وخبر الدعائم عن أبي جعفر (عليه السلام): « لا يجوز شهادة المتّهم، ولا ولد الزنا، ولا الابرص، ولا شارب المسكر، ولا الذين يجلسون مع البطّالين والمغنّين وأهل المنكر في مجلس المنكر مع العواهر والاحداث في الريبة ـ إلى أن قال (عليه السلام): ـ ما كان أحد من هؤلاء مقيماً على ما هو عليه »(102).
وظاهره: قبول الشهادة منهم بمجرّد رجوعهم عمّا هم عليه.
وخبر الخصال بإسناده عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « ثلاثة لا يصلّى خلفهم: المجهول، والغالي وإن كان يقول بقولك، والمجاهر بالفسق وإن كان مقتصداً »(103).
والمراد بـ « المجهول » المجهول العقيدة، أو الشيعي المجهول الحال، وظاهره: أنّه إذا كان مؤمناً غير مجاهر بالفسق، يصلّى خلفه، وهل هذا إلاّ حسن الظاهر، إن لم نقل بدلالته على كفاية الاسلام وعدم ظهور الفسق ؟
وقال العلاّمة المجلسي (قدس سره): « الظاهر أنّ المراد بالمجهول من لا يعلم دينه وإلاّ فلم يكن حاجة إلى ذكر المجاهر بالفسق... وإن كان مقتصداً، أي متوسّطاً في العقائد بأن لا يكون غالياً ولا مفرطاً »(104).
وغير ذلك من الروايات الكثيرة بهذه المضامين.
وقد استدلّ لهذا القول أيضاً بروايات ظاهرها كفاية الاسلام وعدم ظهور الفسق في ترتيب آثار العدالة، كصحيح علقمة وغيره ممّا مرّ سابقاً.


روايات حسن الظاهر والاشكال عليها
الاشكال الاوّل

وقد أُورد على الاستدلال بهذه الروايات بأُمور:
الاوّل: الخدشة في إسنادها.
والجواب أوّلاً: مع تظافرها وتكاثرها بل ربما يدّعى تواترها بالمعنى، لا مجال للخدشة السندية.
وثانياً: أنّ كثيراً منها صحاح أو موثّقات أو معتبرات.
فخبر ابن أبي يعفور صحيح بلا إشكال كما قدّمنا ذلك في القول الاوّل.
وخبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضاً صحيح، لانّ رجاله كلّهم ثقات ومن الاجلاّء « والعلاء » الذي وقع في السند راوياً عن محمّد بن مسلم وروى عنه الحسن بن محبوب إنّما هو العلاء بن رزين القلاء، الجليل القدر، لانّه الذي قالوا فيه: « من أصحاب محمّد بن مسلم » وهو الذي يروي الحسن بن محبوب عن كتابه.
وخبر عمّار بن مروان موثّق كالصحيح، لانّ السند كلّهم ثقات أجلّة غير عمّار بن مروان الذي كان فطحياً، ولكنّه من الاجلاّء الذين لا يردّ حديثهم.
وخبر العلاء بن سيّابة معتبر السند، لكون رجاله كلّهم ثقات باستثناء « أبان » الذي هو من أجلّة الموثّقين، والعلاء بن سيّابة الذي قيل عنه: « إنّه لم يرد فيه مدح ولا قدح » ولكن قرائن تدلّ على كون حديثه معتبراً وحجّة مثل:
1. رواية جمع من أصحاب الاجماع عنه كأبان وابن أبي عمير.
2. ذكر الشيخ له في رجال الصادق (عليه السلام) وهو قرينة على اعتباره.
3. وجود « أبان » في سنده، وقد عدّ الصدوق كتاب أبان من الكتب المعتمدة.
4. نقله في ثلاثة من الكتب الاربعة: الفقيه، والتهذيب، والاستبصار.
وخبر يونس عن بعض رجاله عن أبي عبدالله (عليه السلام) أيضاً معتبر لوجوه:
1. روايته في الكتب الاربعة بأسانيد متعدّدة مع ملاحظة ضمان الكليني والصدوق (قدس سرهما) لما يرويانه فيهما.
2. كون يونس من أصحاب الاجماع الذي صحّح بعض كلّ حديث فيه أحدهم.
3. صحّة السند إلى يونس في التهذيب.
4. حكم ابن الوليد بصحّة كتب يونس بن عبدالرحمن التي بالروايات كلّها والاعتماد عليها سوى ما يتفرّد به محمّد بن عيسى بن عبيد عن يونس.
ومع هذه وغيرها يعدّ الحديث معتبراً ولا يخدش فيه جهل بعض رجاله الذي نقل يونس الخبر عنه عن الصادق (عليه السلام)، مع دلالة بعض رجاله على كون الرجل من أصحاب وأصدقاء يونس.
وخبر أبي بصير صحيح لوثاقة السند كلّه، غير عثمان بن عيسى العامري الذي هو موثّق كالصحيح.
وخبر إبراهيم الكرخي معتبر، لكون السند إليه صحيحاً، وأمّا إبراهيم نفسه فلم يرد فيه شيء، غير أنّ رواية جمع عنه وهم من أصحاب الاجماع، أو هم ممّن نصّوا على أنّهم لا يروون إلاّ من ثقة أو من أجلّة الثقات، مثل ابن أبي عمير، والحسن بن محبوب، وأبان بن عثمان، وصفوان بن يحيى، وإبراهيم بن مهزم، وأبي أيّوب، يجعل حديثه معتبراً.
وخبر السكوني موثّق بالسكوني نفسه، وبالحسين بن يزيد النوفلي وباقي السند صحيح.
وخبر أبي علي بن راشد معتبر موثّق بالسكوني.
وأمّا روايات التوبة وقبول الشهادة من المحدود والقاذف بعد التوبة ففيها طائفة من المعتبرات والصحاح والموثّقات، وقد تركنا ذكر أكثرها وممّا ذكرناه: خبر الكناني صحيح السند.
وخبر الجعفريات أيضاً صحيح السند ـ على الاصحّ عندنا تبعاً لجمع من الاعيان ـ.
وما أشكل به في سند الجعفريات: من أنّ النسخة التي بأيدينا وجادة، ومثلها غير مأمونة من الخلط، أو الغلط ونحوهما.
ففيه: أنّ سيرة العقلاء في الاُمور قائمة على قبول مثل ذلك إلاّ إذا قامت أمارة على الخلاف، فكتب الحكماء والاطبّاء، وسائر العلماء الكبار تنسب إليهم وإن كانت وجادة ولا يرى العرف الفاقِه، والعقلاء في ذلك تفريطاً في القول، بل يتلقّونه كأمر صحيح.
وما ربما وجد ويوجد في مثل الكتب الحاصلة بالوجادة من ثبوت اشتباه أو غلط، أو تحريف ونحوها، فلا يخدش في ذلك بعد تمامية بناء العقلاء عليه، نظير ما وجد ويوجد من الاشتباه والغلط والتحريف في الخبر الواحد، ومع ذلك كان الخبر الواحد حجّة ما لم يثبت خلافها بالخصوص في مورد خاصّ، وكذا ما يوجد من أمثال ذلك في الكتب الواصلة إلينا بالاجازة.
والكلام على حجّية الجعفريات مبسوط تجده في خاتمة المستدرك.
نعم، قد ذكرنا عند سرد روايات العدالة في المقام خبراً عن الرضوي، وخبرين عن الدعائم أيضاً من باب التأييد لا الاستدلال.


الاشكال الثاني

الثاني: الخدشة في دلالة الروايات المذكورة على حسن الظاهر.
وفيه: أنّ الانصاف أنّ بعضها إن كان قابلاً للخدشة في دلالته، فبعضها الاخر آب عن ذلك.
مضافاً إلى أنّ مجموعها من حيث المجموع يستفاد منها حسن الظاهر بلا إشكال، ولو ترك الفقيه كلّ ما في ذهنه عن العدالة نقضاً وإبراماً، ونظر إلى هذه الروايات نظراً عرفياً باحثاً، لوجد دلالتها على حسن الظاهر غير قابلة للمناقشة، فكيف بالخدشة والانكار ؟
مثلاً: هل يمكن الخدشة في دلالة مثل: « خمسة أشياء يجب الاخذ فيها بظاهر الحكم » وعدّ منها الشهادات ؟
ومثل: « لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق »، مع ملاحظة ما في « يعرف » من ظهور الفسق ؟
ومثل: « لو كان الامر إلينا لاجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير » مع ملاحظة أنّ النكرة في سياق الايجاب لا يفيد سوى الجزئية ؟
ومثل: « وشهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنباً » ؟
ومثل: « وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم إلاّ أن يكونوا معروفين بالفسق » ؟
وهكذا غيرها، فكيف يمكن الخدشة في دلالتها ؟


الاشكال الثالث

الثالث: أنّ مقتضى الجمع بين هذه الروايات وبين الروايات التي دلّت على أنّ العدالة هي الملكة، وأنّ حسن الظاهر طريق إليها، أن يقال بالثاني، لانّ فيه جمعاً بين الطائفتين.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه نتيجة القول بحسن الظاهر، إذا اعتبرناه طريقاً تعبّدياً إلى العدالة ـ أنّ الروايات التي سردنا ذكرها في أوّل المسألة وهي أربعون حديثاً منها خمسة أحاديث يمكن أن يقال بأنّها تدلّ على كون العدالة: الملكة، وهي المرقّمات برقم: 1 ـ 16 ـ 29 ـ 36 ـ 37. ولكن سيأتي في آخر المسألة إن شاء الله تعالى بيان عدم صراحتها في ذلك حتّى تصلح لحمل ظواهر أخبار حسن الظاهر ونصوصها عليها.


الاشكال الرابع

الرابع: أنّ حسن الظاهر لو كان بنفسه هو العدالة، وجب القول بترتيب آثار العدالة على من كان ظاهره حسناً ولكن علم أنّه يرتكب الكبيرة في السرّ، ولم يقل بذلك أحد.
وفيه: أنّ قيام الاجماع ـ إن تمّ ـ على مسألة، لا يكون دليلاً إلاّ على الحكم الخاصّ الذي قام عليه الاجماع، ولا يصرف به صراحةً وظواهر الاخبار، وكم لذلك من نظائر في الفقه ؟ مثل: قيام الاجماع على أنّ من صلّى خلف رجل ثمّ تبيّن كونه غير مسلم، أو مسلماً فاسقاً، لا يعيد صلواته، فهذا لا يدلّ على أنّ العدالة مجرّد الاسلام بل مجرّد كونه إنساناً.
مضافاً إلى أنّ بعض الروايات كانت تدلّ على عدم مانعية ارتكاب المعاصي في الباطن مثل صحيح علقمة، وقد جاء فيه: « شهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنباً ».
وصحيح حريز، وقد جاء فيه: « وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم إلاّ أن يكونوا معروفين بالفسق ».
وقول علي (عليه السلام) لشريح، وقد جاء فيه: « إن المسلمين عدول بعضهم على بعض » وهكذا غيرها ممّا مرّت سابقاً.
فإن تمّ إجماع على أنّ مرتكب الكبيرة في الباطن غير عادل، خرجنا عن ظواهر هذه الاخبار بالاجماع، وإلاّ كان المصير إلى ظواهرها، كما ربما ينسب القول بذلك إلى ابن الجنيد، والمفيد، والشيخ، والشهيد الثاني (قدس سرهم)وكلّ من قال بأنّ العدالة هي الاسلام وعدم ظهور الفسق.


الدليل السادس

وأمّا الدليل السادس للقول بحسن الظاهر: فهو ما قيل: من أنّ العلم بالواقع متعذّر فإذا أمر المولى عبده بشيء أراد منه ظاهره، فإذا قال: أكرم العادل، أو أهن الظالم، فالمقصود به من كان ظاهراً هاشمياً أو أموياً، لا واقعاً، لعدم السبيل عادةً إلى معرفة الواقع، فهكذا العدالة.
وأُجيب: بأنّ ظاهر أوامر الموالي للعبيد إرادة المعاني الواقعية للمواضيع فيها، وإنّما الظاهر يكون مبرئاً للذمّة لكونه طريقاً عرفاً إلى الواقع، ولذا لو ظهر خطأ العبد في الاطاعة ألزمه العقل بإعادة العمل مع بقاء شرائط الوجوب.
وقد بحث الفقهاء هذه المسألة مفصّلاً في الاُصول، وفي موارد عديدة من الفقه وقالوا: بأنّ مقتضى الاصل الاوّلي بطلان العمل الذي أتى به العبد، ثمّ علم عدم استجماعه للشرائط والاجزاء المأمور بها، وهكذا العدالة.
هذه هي الاقوال الموجودة في تفسير العدالة وما استدلّ بها لها، وما أُورد عليها.


هل في العدالة قول سادس ؟

وقد نقل الاخ الاكبر اختيار البعض قولاً سادساً، وذلك بعد ما أُورد على القول بكون العدالة هي الملكة بالغموض والنقوض قال: « إنّها عبارة عن كون الرجل مبالياً بدينه بحيث يبعثه تديّنه في العادة على فعل الواجبات وترك المحرّمات »(105).
والانصاف: إنّي لم أجد فرقاً بين هذا القول والقول الاوّل، الذي فسّر العدالة بأنّها ملكة إتيان الواجبات وترك المحرّمات، فالمبالاة بالدين بحيث يبعثه تديّنه في العادة على فعل الواجبات وترك المحرّمات هي ملكة إتيان الواجبات وترك المحرّمات.
ولذا أعرضنا عن ذكر أدلّته وما فيها اكتفاءً بما ذكرناه من الادلّة للقول الاوّل وما فيها، لانّ أدلّة هذا القول هي بعض أدلّة القول الاوّل.


روايات العدالة وطوائفها السبع

أقول: الذي يظهر من ملاحظة مجموع روايات باب العدالة في مختلف كتب الفقه: من الجماعة والجمعة والقضاء وشهود المرافعات وغير ذلك: هو أنّ روايات الباب على سبع طوئف.


الطائفة الاُولى

الاُولى: ما استدلّ به للقول الاوّل، وهي « الملكة » وما يدلّ منها عليه هي الروايات المذكورة عند سردنا الاحاديث وبأرقام: 1 ـ 2 ـ 16 ـ 29 ـ 36 ـ 37، واستدلّ بغيرها أيضاً.


الطائفة الثانية

الثانية: ما استدلّ به للقول الثاني، وهي: « الملكة الباعثة على ترك المحرّمات وإتيان الواجبات » وما يدلّ منها عليه هي نفس الروايات المذكورة للقول الاوّل، وقد استدلّ بغيرها أيضاً.


الطائفة الثالثة

الثالثة: ما استدلّ به للقول الثالث وهو مجرّد إتيان الواجبات وترك المحرّمات، وما يدلّ منها عليه هي الروايات المذكورة عند سردنا لاحاديث العدالة في أوّل المسألة بأرقام: 11 ـ 12 ـ 15 ـ 25 ـ 27، وإن كانت دلالة الاخيرين على « حسن الظاهر » وهو القول الرابع، أقوى.


الطائفة الرابعة

الرابعة: ما استدلّ به للقول الرابع وهو: « مجرّد الاسلام وعدم ظهور الفسق » وما يدلّ منها عليه هي الروايات المرقّمة: 4 ـ 10 ـ 13 ـ 17 ـ 39، ولا يبعد ظهور: 14 ـ 26 في هذا القول أيضاً.


الطائفة الخامسة

الخامسة: ما استدلّ به للقول الخامس وهو: « حسن الظاهر » وما يدلّ منها عليه هي الروايات المرقّمة: 3 ـ 5 ـ 6 ـ 7 ـ 8 ـ 9 ـ 14 ـ 26 ـ 38، وإن كانت دلالة: 14 ـ 26. ربما تكون للقول الرابع: « الاسلام وعدم ظهور الفسق » أظهر، و: 38 أيضاً بناءً على كون المراد من « المجهول » فيها مجهول العقيدة أي: الجهل بكونه إمامياً أو عامياً، لا مجهول العمل بعد العلم بكونه إمامياً.
وهكذا الروايات الدالّة على أنّ التائب تقبل شهادته وقد ذكرنا منها الروايات المرقّمة: 32 ـ 33 ـ 34 ـ 35.


الطائفة السادسة

السادسة: الروايات التي لا تدلّ على شيء من هذه الاقوال، وإن ذكرت في أبواب العدالة في كتب الاخبار، واستدلّ ببعضها البعض لبعض هذه الاقوال، وهي التي تدلّ على أنّ طوائف من الناس لا تقبل شهادتهم، أو لا يصلّي خلفهم، وهي كثيرة ذكرنا منها عند سرد الاحاديث الروايات المرقّمة: 18 ـ 19 ـ 20 ـ 21 ـ 22 ـ 23 ـ 24 ـ 28 ـ 30.
وهي إن كان فيها حصر كان للاستدلال بحصرها على عدالة من ليس من هذه الطوائف وجه، ولكن الذي ذكرناها منها لا حصر فيها إلاّ الحديث: 20 المروي بإسناد الشيخ (قدس سره) إلى سماعة « عمّا يردّ من الشهود ؟ » وهذا الحديث إن كان وحده كان له نوع دلالة على الحصر، ولكن وروده في مساق سائر هذه الطائفة من الاحاديث المتعدّدة والعلم خارجاً بعدم حصر من تردّ شهادته في هؤلاء، يوجب الصرف عن دلالته على ذلك.
وأمّا معظمها التي لا حصر فيها فلا دلالة لها على العدالة إلاّ بمفهوم اللقب، غير الحجّة شرعاً وعقلاً وعرفاً.


الطائفة السابعة

السابعة: خبر الاحتجاج المروي عن مولانا الامام الرضا (عليه السلام) عن الامام علي بن الحسين (عليهما السلام) الدالّ على مرتبة فوق العدالة بمراتب كثيرة وكبيرة وهذه الرواية ـ وهي التي ذكرناها تحت رقم: 31 ـ لا ذكر فيها للعدالة، ولا لقبول الشهادة، ولا للصلاة خلفه، ولا غير ذلك من لوازم العدالة الشرعية، فهي أجنبية عن باب العدالة ولا تدلّ على عدم عدالة الفاقد لهذه الصفات، وإنّما أوردناها لذكر أصحاب الحديث لها في هذه الابواب، ولاشتمالها على مواعظ مهمّة مؤثّرة في النفوس.


الطوائف السبع وتقييمها

فأمّا الطائفة السابعة فهي خارجة عمّا نحن فيه على الظاهر.
وأمّا الطائفة السادسة فلا دلالة لها على طرف من الاطراف.
وأمّا الطوائف الخمس الباقيات، أو الطوائف الاربع ـ باعتبار أنّ الطائفة التي استدلّ بها أصحاب « الملكة » هي التي استند إليها أصحاب « الطاعة عن ملكة ».
فهي متكافئة سنداً: لوجود الخبر الحجّة في كلّ واحدة من الطوائف.
ودلالة: لظهور كلّ طائفة في قول من الاقوال.
وعملاً: بمعنى أنّ لكلّ طائفة منها عاملين من الفقهاء فليست ساقطة بجهة الاعراض، لعدم تحقّق إعراض عام عن أيّة منها.


الجمع الدلالي بين أخبار العدالة

وحينئذ فلا مناصّ من التزام الجمع الدلالي بين هذه الطوائف، لتقدّمه على بقية أنواع الجمع ـ كما حقّق في الاُصول ـ ومقتضى الجمع الدلالي بينها: القول بأنّ العدالة ذات مراتب مختلفة، متفاوتة في الشدّة والضعف، وأدناها: « الاسلام وعدم ظهور الفسق » وأعلاها: « الملكة الراسخة الباعثة على ملازمة التقوى والطاعة » وما بينهما متوسّطات.
ونتيجة ذلك: التزام أنّ العدالة التي تصحّ معها الشهادة، وإمامة الجماعة، وغير ذلك هي أن يكون الشخص مسلماً غير ظاهر الفسق.
وليس المقام مقام العام والخاصّ، والمطلق والمقيّد، باعتبار أنّ روايات القول بالملكة أخصّ مطلقاً من البقيّة حتّى تحمل البقية عليها، وذلك لانّ الطوائف كلّها مثبتات، وقواعد العموم والخصوص والمطلق والمقيّد لا تجري في المثبتات بعضها مع بعض، وإنّما تجري في المثبت مع المنفي، فلو ورد: « زر الحسين (عليه السلام) » ثمّ ورد: « زر الحسين ليلة الجمعة » لم يحمل الاوّل على الثاني، بل يحمل الثاني على زيادة الفضل.


أشباه ونظائر

ولهذا الجمع الدلالي ـ بالتزام المراتب في العدالة ـ نظائر كثيرة في مختلف أبواب الفقه.
ففي الصلاة: الصلوات التعليمية اشتمل بعضها على زوائد لم توجد في البعض الاخر، فلم يحمل المطلق على المقيّد بل حمل المقيّد على زيادة الفضل.
وفي الصوم: وردت أحاديث صحيحة كثيرة على بطلانه بالغيبة، ونحوها، ووجوب كفّ اللسان، والعين، والاُذن ولكنّها حملت على الفضل ـ لا على الماهية ـ لورود أدلّة أُخرى في تفسير الصوم خالية عن هذه ومكتفية بالمفطّرات العشرة المشهورة.
وفي الحجّ: روايات ببطلان الحجّ ببعض المعاصي، حملت على الكراهة لخلو أخبار أُخرى عنها.
وهكذا في غيرها من أبواب الفقه المختلفة الكثيرة، فلتكن « العدالة » من هذا القبيل، ما دام الدليل يسوق إلى ذلك، والنظائر في الفقه متوفّرة، والجمع الدلالي مقدّم على غيره.


استنتاج

وحيث إنّ الروايات الدالّة على كون العدالة هو: الاسلام وعدم ظهور الفسق لم يتحقّق إعراض عام عنها يسقطها عن الحجّية، بل لها عاملون، خصوصاً من الاساطين أمثال: المفيد، والشيخ، والشهيد الثاني وغيرهم، كان مقتضى القاعدة الفقهية المصير إلى القول به، والتزام كفاية هذا المقدار في ما يترتّب على العدالة في الشريعة من أحكام.
إلاّ أنّ مصير المشهور ـ كما قيل ـ إلى غيره، ونقل الاجماع متكرّراً على خلافه، وحمل كلام القائلين به على إرادة ما لا ينافي غيره من الاقوال ولو « حسن الظاهر » ونقل القول بغيره عن نفس القائلين به في كتبهم الاُخرى، وغير ذلك يوجب التوقّف ـ ولو احتياطاً ـ عن الفتوى به.
فلابدّ بعد التنزّل عن ذلك القول، المصير إلى القول بأنّ العدالة هو حسن الظاهر، وحمل الروايات الدالّة على غيره من الملكة، أو غيرها على المراتب العالية من العدالة، لا أصل العدالة.


كلام الشهيد الثاني والعلاّمة المجلسي

وعن الشهيد الثاني والعلاّمة المجلسي (قدس سرهما) مثل ذلك أيضاً، قال في البحار ما يلي:
« بقي الكلام في أنّ المعتبر في العدالة المشروطة في إمام الجماعة والشاهد، هل هو الظنّ الغالب بحصول العدالة المستند إلى البحث والتفتيش، أم يكفي في ذلك ظهور الايمان وعدم ظهور ما يقدح في العدالة ؟ المشهور بين المتأخّرين الاُول، وجوّز بعض الاصحاب التعويل فيها على حسن الظاهر... وذهب الشيخ في الخلاف، وابن الجنيد، والمفيد في كتاب الاشراف: إلى أنّه يكفي في قبول الشهادة ظاهر الاسلام مع عدم ظهور ما يقدح في العدالة... بل ادّعى في الخلاف الاجماع والاخبار... والقول الاخير أقوى، لاخبار كثيرة دلّت عليه ».
وذكر (قدس سره) قوله (عليه السلام): « كلّ من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته ».
وقوله (عليه السلام): « فإذا كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته، ولا يسأل عن باطنه ».
« وخبر الصلاة خلف رجل ثمّ علمهم بأنّه يهودي فقال (عليه السلام): لا يعيدون ».
إلى أن قال العلاّمة المجلسي (قدس سره): « وقد ورد في أخبار كثيرة إذا عرض للامام عارض أخذ بيد رجل من القوم فيقدّمه ».
ثمّ قال (قدس سره): « من تأمّل في عادة الاعصار السابقة في مواظبتهم على الجماعات، وترغيب الشارع في ذلك، وإشهادهم على البيوع والاجارات وسائر المعاملات، وسنن الحكّام في قبول الشهادات، والاُمراء الذين عيّنهم النبي (صلى الله عليه وآله)وأمير المؤمنين والحسن (عليهما السلام) لذلك، ولما هو أعظم منه، لا ينبغي أن يرتاب في فسحة الامر في العدالة في المقامين، ولو كان التضييق الذي بنوا عليه الامر في تلك الاعصار، وجعلوا العدالة تلو العصمة حقّاً لما كان يكاد يوجد في البلاد العظيمة رجلان يتّصفان بها، ولو وجد فرضاً كيف يتحمّلان جميع عقود المسلمين وطلاقهم ونكاحهم وإمامتهم ؟ فيلزم تعطيل السنن والاحكام، وصار ذلك سبباً لتشكيك الشيطان أكثر الخلق في هذه الازمنة ».
إلى أن قال (قدس سره): « قال الشهيد الثاني: وهذا القول وإن كان أبين دليلاً وأكثر رواية وحال السلف تشهد به، وبدونه لا يكاد ينتظم الاحكام للحكّام، خصوصاً في المدن الكبار، والقاضي من المتقدّمين يستند إليها، لكن المشهور الان بل المذهب على خلافه »(106). انتهى كلامهما قدّست أسرارهما.


هنا شبهات
الشبهة الاُولى

وهنا شبهات ينبغي الاشارة إليها والتعرّض للجواب عنها:
إحداها: أنّ العدالة صفة نفسية فهي إمّا موجودة أم لا، فإن كانت العدالة هي الملكة، فحسن الظاهر، والاسلام مع عدم ظهور الفسق، ليسا من العدالة، وإن كان أحدهما عدالة، كانت الملكة غير العدالة، فالتزام أنّ كلّها عدالة في غير محلّه.
والجواب: أنّ الصفات النفسية كلّها ذات مراتب، فالشجاعة، والكرم، والصبر، والوفاء وغيرها لها مراتب كثيرة فلتكن العدالة مثلها أيضاً.
مضافاً إلى أنّه لو لم تكن الصفات النفسية ذات مراتب كنّا نلتزم بالمراتب في العدالة، لانّها تابعة لدلالة الادلّة الشرعية، فإذا كان مقتضاها القول بكون العدالة ذات مراتب متفاوتة، صرنا إليه وإن كان شذوذاً باعتباره صفة نفسية.


الشبهة الثانية

ثانيتها: قيام احتمال التقيّة في روايات: الاسلام مع عدم ظهور الفسق، يوجب سقوطها عن الحجّية، وعدم مكافأتها لباقي الروايات حتّى تصل النوبة إلى الجمع الدلالي.
والجواب: ـ مضافاً إلى أنّ احتمال التقية إنّما يسقط الرواية عن الحجّية في ظرف التعارض بينها وبين رواية أُخرى غير محتملة للتقيّة، وما نحن فيه ليس بين روايات باب العدالة تعارض، كما سننبّه عليه ـ أنّ الجمع الدلالي مقدّم على الجمع الجهتي، كما عليه بناء الفقهاء، إلاّ أن تكون التقيّة شديدة مشهورة في شيء كما في مثل: الغروب والمغرب في الافطار وصلاة المغرب، وكذا التكتّف وقول آمين في الصلاة، ونحو ذلك ـ على رأي جمع من الاساطين وخلافاً لاخرين ـ والمقام ليس منه، بل لم أرَ من ادّعى ذلك.
مع أنّ جمعاً من العامّة أو كثيراً منهما على ما ببالي لا يشترطون في العدالة إلاّ الاسلام فقط، بلا إضافة: مع عدم ظهور الفسق، فيكون القول بالاسلام وعدم ظهور الفسق بعيداً عن التقيّة أيضاً وأقربيّته إلى التقيّة لا توجب الحمل عليها، كما فصّل في الاُصول.
أضف إلى ذلك أنّ نقل الشيخ (قدس سره) الاجماع في مثل الخلاف المبني على نقل أقوال الشيعة مقابل العامّة ربما يؤيّد عدم التقيّة في ذلك.


الشبهة الثالثة

ثالثتها: أنّ روايات القول بالاسلام وعدم ظهور الفسق ساقطة بقيام الشهرة على خلافها، وهي كاسرة كما تكون جابرة.
والجواب: ـ مضافاً إلى الشكّ في ثبوت الشهرة قديماً على ذلك بعد ادّعاء الشيخ (قدس سره) الاجماع والاخبار في الخلاف، وكلام الشهيد الثاني (قدس سره) حيث قال: « وحال السلف تشهد به » أي بكون العدالة هو الاسلام مع عدم ظهور الفسق، وقول العلاّمة المجلسي (قدس سره) الذي مرّ نقله، وغير ذلك ـ أنّ الشهرة إذا وصلت إلى حدّ صدق الاعراض عن رواية أو روايات التزمنا كونها كاسرة.
وأمّا في غير صدق الاعراض وعمل جمع من الاعيان خصوصاً في مثل ما نحن فيه ممّا كانت طوائف من الاخبار يحتمل ترك المشهور لبعضها والاخذ ببعضها من باب « إذن فتخيّر » ونحو ذلك من الجهات، فلا نسلّم كون الشهرة بما هي مطلقاً كاسرة، لعدم الدليل على كسرها بأكثر ممّا إذا صدق الاعراض. وما نحن فيه لم يتحقّق إعراض عن هذه الروايات حتّى يسقطها عن الحجّية.


الشبهة الرابعة

رابعتها: أنّ طوائف روايات باب العدالة متعارضة، فيجب العمل على ترجيح بعضها بقواعد باب التراجيح، وإذا وصلت النوبة إلى إعمال قواعد التراجيح سقطت روايات القول بالاسلام وعدم ظهور الفسق، لكون روايات غير هذا القول أصحّ، وأكثر، وأشهر.
والجواب: ـ مضافاً إلى عدم تسليم كون مرجع التراجيح إلى التقديم مطلقاً، بل التخيير كما هو الظاهر في باب تعارض الاخبار الذي عليه المعظم من المحقّقين والمحدّثين والاساطين قديماً وحديثاً ـ أنّ هذه الطوائف ليس بينها تعارض أصلاً، إذ التعارض على ما بيّن في الاُصول هو: فيما لم يمكن جمع عرفي بين المتعارضين بحيث يكون جمع الكلامين على ظاهرهما من متكلّم واحد متناقضاً أو متضادّاً، كما هو ظاهر قوله: « هذا يأمرنا وهذا ينهانا ».
أمّا الكلامان اللذان يمكن بينهما جمع عرفي، خصوصاً وله نظائر كثيرة في مختلف أبواب الفقه فليسا من التعارض المصطلح في شيء، فالتعارض لا موضوع له هنا حتّى نحمّله حكم التعارض من التراجيح.


الشبهة الخامسة

خامستها: هذا الجمع بأنّ العدالة لها مراتب لو كان له شاهد مأثور صحّ الالتزام به، وأمّا مع عدم الشاهد المأثور له فليس سوى جمع تبرّعي.
والجواب أوّلاً: لعلّ من يبحث في الروايات أكثر يجد شاهداً مأثوراً يدلّ على أنّ العدالة لها مراتب، واستقربه جدّاً، وإن لم أعثر عليه أنا، لعدم فحصي الكامل عن ذلك.
وثانياً: إذا كان الجمع عرفياً فلا يحتاج إلى شاهد مأثور، بل شهادة العرف بكون وجه صدور هذين الكلامين هو كذا، كاف في صحّة الجمع بعد ثبوت أنّهم (عليهم السلام) يكلّمون الناس على ما تعارفوا عليه، وعلى قدر عقولهم، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)(107) وغير ذلك.
تنبيهات باب العدالة: التنبيه الاوّل
ويدلّ على ذلك جمع الفقهاء في كلّ مثبتين من هذا القبيل على اختلاف مراتب الفضل، دون أن يكون شاهد روائي على الجمع في كلّ مورد مورد.
وثالثاً: العدالة شأنها شأن سائر الصفات قابلة للشدّة والضعف، ولو كان الشارع تصرّف فيها بإخراجها عن قائمة الصفات الاُخرى بتقييد، أو توسيع، التزمنا في التعدّي بمقدار تصرّف الشارع، ولم يثبت تصرّف الشارع في العدالة باعتبارها صفة إمّا موجودة وإمّا لا، وليست ذات مراتب.

حاصل الكلام

والحاصل: أنّ القول بكون العدالة هو: الاسلام مع عدم ظهور الفسق، قوي فقهياً وعرفياً، إلاّ أنّ الاحتياط هو عدم ترتيب الاثار على ذلك قبل تحقّق حسن الظاهر.
وإن كان الاحتياط في عدم الفتوى بعدم كون الاسلام وعدم ظهور الفسق عدالة قطعاً ـ حتّى أنّه إذا طلّق ـ مثلاً ـ أمام عادلين بهذا القول يفتي بعدم وقوع الطلاق، أو صلّى خلفه يفتي ببطلان صلواته ووجوب قضائها لتقصيره في البحث عن حال إمام الجماعة، أو كان من شهود الزنا فيجلد الشهود باعتباره غير عادل، أو نحو ذلك ـ في محلّه.


تنبيهات باب العدالة
التنبيه الاوّل: هل الاصل العدالة ؟

التنبيه الاوّل من تنبيهات باب العدالة: في بيان مقتضى الاصل عند الشكّ في الفسق أو العدالة ؟


الاصل عند الشكّ في الفسق

أمّا الفسق: فالاصل عدمه، لانّه ليس مجرّد ترك الواجبات أو إتيان المحرّمات، بل هو ذلك مع تعنونه بكونه معصية فاعلية، بالالتفات وعدم العذر ونحو ذلك.
والاصل عدم ذلك موضوعاً، ويترتّب عليه عدم الاثار المرتّبة على الفسق، ولو كان لجريان الاصل الموضوعي مانع جرى الاصل الحكمي فلا يترتّب آثار الفسق وأحكامه الشرعية ما لم تحرز المعصية الفاعلية وجداناً أو تعبّداً.
وأمّا بالنسبة لما يكون موضوعه التظاهر بالمعصية كجواز الغيبة فكذلك أيضاً الاصل عدمه، فلا يجوز غيبة من شكّ في كونه متجاهراً بالمعصية، للشكّ في موضوعه فلا مجال للحكم الذي هو كالمعلول بالنسبة إلى الموضوع، هذان لا إشكال فيهما.


العدالة ومقتضى الاصل فيها

وأمّا العدالة: فإن كانت بمعنى الملكة ـ الاعمّ من التزام الطاعة عن ملكة ـ أو حسن الظاهر، فالظاهر كون الاصل عدمها، لكونها أمراً وجودياً شكّ فيه، نظير الشكّ في كون الشخص ذكيّاً أم غبيّاً، رجلاً أم امرأة، عاقلاً أم مجنوناً، فمع الشكّ فيه الاصل عدمه، ويترتّب على عدمه التعبّدي عدم صحّة ترتيب آثار العدالة على مجهول الحال.
مضافاً إلى قوله (عليه السلام): « أن تعرفوه بالستر والعفاف » وكونه: « ساتراً لجميع عيوبه » ـ على ما بين العنوانين من العموم من وجه كما لا يخفى ـ ونحو ذلك من العناوين الوجودية التي وردت في لسان الادلّة.
وإن كانت العدالة بمعنى نفس اجتناب المعاصي والتزام الواجبات، وبين هذا العنوان وحسن الظاهر عموم من وجه لافتراقهما فيمن حسن ظاهره وعلم فساد باطنه، أو بالعكس ممّن يفعل ما يتّهم معه عمداً لكي لا يعرف بالخير، فالظاهر أيضاً كون الاصل عدمها، للشكّ في تحقّق موضوع الاثار الشرعية، والاصل عدمه، ويترتّب عليه عدم صحّة الصلاة خلف مجهول الحال، ولا الطلاق بمشهده، ولا قبول شهادته وإعطاء الحقّ لمن شهد له ونحو ذلك.


كلام الشهيدي في أصل العدالة

وما في حواشي الشهيدي على رسالة الشيخ الانصاري (قدس سره) في العدالة: من أنّ الاصل حينئذ العدالة، إذ أنّ المراد بترك الكبائر هي الكبائر لا بما هي بل بعنوان المعصية الفاعلية، الموقوف تحقّقه على عدم العذر في ارتكابها، فمرجع ترك الكبائر إلى عدم المعصية بها، فيكون الشكّ في العدالة شكّاً في صدور المعصية منه مع قيد عدم كونه معذوراً شرعاً ـ الذي قيل أنّ العذر الشرعي أوسع دائرة من العذر لدى العقل وعند العرف والعقلاء ـ فلا يكون بعادل، وعدم صدورها منه مع هذا القيد فهو عادل، والاصل عدم الصدور مقيّداً بهذا القيد.


مناقشة كلام الشهيدي

ففيه أوّلاً: أنّ الظاهر من أصحاب هذا القول ليس ترك الاُمور المذكورة في الشرع بعنوان الحرام كالزنا والربا والغيبة ونحوها فقط، بل العدالة هو مركّب من ترك المحرّمات مع إتيان الواجبات، ونصفها وهو: إتيان الواجبات، أمر وجودي يشكّ في وجوده، فلا يكون أصل عدم إتيان المحرّمات محرزاً للعدالة، إنّما المحرز لها عدم إتيان المحرّمات مع إتيان الواجبات.
وما ربما يقال: من أنّ ذاك أيضاً مرجعه إلى ترك الواجبات المحرّم، والاصل عدم هذا الترك.
فإنّه يقال: ـ مضافاً إلى أنّه لماذا لا نقول بأنّ مرجع ترك المحرّمات إلى إتيان الواجب بترك الحرام، حتّى ينقلب أمراً وجودياً يشكّ في وجوده ؟ ـ إنّ الاصل مثبت، إذ كون الاصل عدم فعله الحرام بترك الواجبات لا يثبت أنّه آت بالواجبات جميعاً، إذ التلازم عقلي لا شرعي.
وثانياً: أنّ الروايات التي استدلّ بها لهذا القول معظمها أو كلّها ظاهرة في كون العدالة أمراً وجودياً يحتاج إثباتها إلى إحراز كقوله (عليه السلام): « من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته، وظهرته عدالته »(108) وقوله (عليه السلام) في صحيح ابن أبي يعفور الاخر: « تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر والعفاف، مطيعات للازواج، تاركات للبذاء، والتبرّج إلى الرجال في أنديتهم »(109) ونحو ذلك.


مع القائلين بأصالة العدالة

وأمّا بناءً على القول بكون العدالة هو: الاسلام وعدم ظهور الفسق: فقد تقدّم نقل ذهاب جمع من الاصحاب إلى أنّ الاصل في المسلم العدالة، إذ الموضوع مركّب من أمر وجودي هو الاسلام، وعدمي هو عدم إحراز فسقه، بل المحكي عن الخلاف ادّعاء الاجماع والاخبار عليه، وهو مقتضى القاعدة التي أسلفناها في جمع أخبار العدالة جمعاً دلالياً، غير أنّ ذهاب المشهور إلى غيره أوجب الاحتياط في الاثار المترتّبة عليها.


أصالة العدالة وأدلّة غير تامّة

وقد استدلّ لكون الاصل في المسلم العدالة بأدلّة أُخرى، غير خالية عن النقاش.


الدليل الاوّل
ظهور حال المسلم

منها: ما عن المسالك: من أنّ الظاهر من حال المسلم العدالة، إذ الظاهر من حاله: أنّه لا يترك الواجبات ولا يفعل المحرّمات، ولذا لو نسبه أحد إلى خلاف ذلك يفسّق ويعزّر.


مناقشة الدليل الاوّل

وفيه أوّلاً: ربما أوهمت بعض عبارات المسالك ذلك، لكن الدقّة فيها توقف الشخص على أنّه استدلّ، لا أنّه ارتضى.
مثلاً: نقل في شهادات المسالك عن المهذّب البارع: « بأنّ الاسلام يقتضيها ـ أي العدالة ـ بمعنى أنّ المسلم أقرب إليها لا أنّه يقتضيها اقتضاء يمنع من النقيض » ثمّ قال (قدس سره): « ليس هو اليقين بل مجرّد الظهور »(110).
ويؤيّد عدم ذهابه إلى أصالة العدالة أنّه في كتاب الاقرار نقل عن العلاّمة (قدس سره) الاستدلال بأصالة ثقة المسلم وعدالته ثمّ قال: « وهذا الاستدلال غريب على أصله »(111). والضمير إمّا راجع إلى العلاّمة أو إلى الاستدلال.
وأوضح من هذا قوله في كتاب القضاء: « إذا أقام المدّعي بيّنة ولا يعرف الحاكم عدالتها فالتمس المدّعي حبس المنكر ليعدلها، قال الشيخ (قدس سره): يجوز حبسه لقيام البيّنة بما ادّعاه. وفيه إشكال: من حيث لم يثبت بتلك البيّنة حقّ يوجب العقوبة »(112).
وثانياً: أنّ تفسيق وتعزير من نسبه إلى الحرام إنّما هو للدليل الخاصّ عليه، إذ مع عدم الحجّة على الفسق يكون محكوماً بحكم الكذب، كالكذب على الله ونحوه في الصوم الذي يتحقّق ـ على الاحوط ـ مع عدم العلم والعلمي، لا لانّ ظاهر حاله الالتزام بالطاعة، فهو من آثار الاسلام والايمان لا من آثار العدالة، فالمؤمن يحرم غيبته، ويحرم نسبته إلى الحرام وإن علم فسقه.
وثالثاً: أنّ الوجدان دلّ على خلاف ذلك، فإنّا نرى الكثير من المسلمين خصوصاً في مثل زماننا هذا غير ملتزمين بالعديد من شرائع الاسلام، وإنّ العدالة مقتضى التديّن بالاسلام، وفرق بين المقتضى وبين ظهور الحال، كما أنّ مقتضى الانسان العاقل أن لا يفعل ما يضرّه، ولكن ذلك لا يكون ظاهر حال العاقل بحيث يكون فعل المضرّ خلاف الظاهر، والفارق بينهما، هو: أنّ مقتضى الطبيعة والشأنية غير الفعلية والوجود الخارجي، والغيرية ذاتية وخارجية والحاصل: أنّه لا دليل على حجّية هذا الظهور النوعي.


الدليل الثاني
أصالة الصحّة

ومنها: أصالة الصحّة ـ نقله الشيخ (قدس سره)(113) عن جماعة في إمام الجماعة والشاهد ونقله في الذخيرة(114) عن ابن الجنيد والمفيد (قدس سرهما) ـ.
بتقريب: أنّ قوله (عليه السلام): « ضع أمر أخيك على أحسنه »(115) و « احمل ما سمعت من أخيك على سبعين محملاً من محامل الخير »(116) ونحوهما، يدلّ على اعتبار ما يصدر منه حسناً، ولازم ذلك فعل الواجبات وترك المحرّمات، فكما إذا أردت الصلاة خلفه بعد إحراز عدالته وشككت في كونه متوضّياً، أو كون لباسه غير غصب، أو كونه مستصحب للنجاسة عالماً عامداً أو نحو ذلك، نفى أصل الصحّة ذلك كلّه، كذلك إذا شككت في كونه فاعلاً للحرام أو تاركاً للواجب نفى ذلك أصل الصحّة.


مناقشة الدليل الثاني

وفيه أوّلاً: الخلاف المبنوي في أنّ أصل الصحّة إنّما يجري في الوصف بعد أصل العمل، والعدالة شكّ في أصل الفعل.
وثانياً: على القول بكون العدالة الملكة، أو حسن الظاهر، فهما أمران وجوديان لا يثبتان بأصل الصحّة، بل الاستصحاب فيهما حاكم على أصل الصحّة، وإن كان أصل الصحّة حاكماً في الغالب على الاستصحاب، نظير حكومة استصحاب النجاسة في إناء مسلم غاب، ثمّ رأيناه يستعمله في الطهارة مع عدم سبق علمه بنجاسته، ومثله غيره أيضاً.
قال في الجواهر: « نعم أصل عدم وقوع المعصية من المسلم يعتبر فيه العلم »(117).
وقال في الخلاف: « إذا حضر الغرباء في بلد عند الحاكم فشهد عنده إثنان، فإن عرفا بعدالة، حكم، وإن عرفا بفسق، وقف، وإن لم يعرف عدالة ولا فسقاً بحث عنهما، وسواء كان لهما السيماء الحسنة والمنظر الجميل وظاهر الصدق... »(118).
وفي المسوط قريب من هذه العبارة وبعدها قال: « هذا عندنا وعند جماعة »(119).
وقال المفيد (قدس سره) في المقنعة: « والعدل من كان معروفاً بالدين والورع عن محارم الله عزّوجلّ »(120).
وقال في المختلف: « مسألة: قال الشيخ في النهاية: العدل... هو أن يكون ظاهره ظاهر الايمان، ثمّ يعرف بالستر والصلاح والعفاف والكفّ عن البطن والفرج واليد واللسان... »(121).
وقال ابن جنيد: « فإذا كان الشاهد... مرضيّاً غير مشهور بكذب في شهادة ولا بارتكاب كبيرة ولا مقام على صغيرة... ولا متهاون بواجب من علم أو عمل... فهو من أهل العدالة »(122).
وقال في الجواهر: « ودعوى أنّه كما أنّ الاصل: حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح، كذلك الاصل في المسلم أن لا يخلّ بواجب ولا بترك محرّم، ولذا لا يلتفت إلى الشكّ في شيء من الواجبات الموقّتة بعد فوات وقتها، ممنوعة، وعدم الالتفات المزبور للدليل »(123).
ولعلّه أراد بالدليل قاعدة حيلولة الوقت. ثمّ قال: « بل يمكن القطع به (أي بالمنع) بملاحظة أحوال السلف في الروايات فضلاً عن غيرها، فإنّ عدم اعتمادهم على من لا يعرفون أحواله وتحرّزه من الكذب ونحوه من الضروريات التي لا تنكر »(124).
وأمّا على القول بكون العدالة الاسلام مع عدم ظهور الفسق، فأصل الصحّة نِعم المؤيّد له، بل إنّ أدلّة هذا القول مثل صحيح علقمة وغيره تصلح مدركاً لاصل الصحّة، فالاستدلال لها بأصل الصحّة غير بعيد عن كيفية الاستدلال. غير أنّ المهمّ في الباب مصير المشهور إلى غيره، وخشية التفرّد بالقول ووحشته خصوصاً في مثل هذه الاعصار الذي لم ينقل عن أحد المصير إليه، والاحتياط إن لم يكن في مثله لازماً فلا شكّ في حسنه جدّاً.
وثالثاً: أنّ أدلّة أصل الصحّة منصرفة عن مثل الصفات النفسية: كالعدالة والسخاوة والكرم ونحوها لترتيب آثارها.
ورابعاً: الخلاف المبنوي أيضاً في أنّ أصل الصحّة دليله السيرة ـ دون الروايات ـ فهي لبّية ولم تثبت في العدالة.


الدليل الثالث
الاسلام ملكة رادعة

ومنها: أنّ الاسلام ملكة رادعة لصاحبه عن المعصية والاصل عدم الفسق.
وفيه: أنّ التقوى ملكة رادعة، لا الاسلام، لما نشاهده بالوجدان من عصيان كثير من المسلمين، والاسلام لا يلازم التقوى.


الدليل الرابع
روايات حسن الظنّ بالمسلم

ومنها: الروايات الدالّة على حسن الظنّ بالمسلم فإنّ من حسن الظنّ به: الظنّ باعتباره عدلاً.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما روي: من أنّ حسن الظنّ إنّما هو في زمان يغلب على الناس الصلاح لا في مثل زماننا الذي يغلب على الناس الفساد.
ففي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين (عليه السلام): « إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثمّ أساء رجل الظنّ برجل لم تظهر منه خزية فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله فأحسن رجل الظنّ برجل فقد غرر »(125). أي: أوقع نفسه في الخطر.
وعن أبي الحسن الثالث (عليه السلام): « إذا كان زمان العدل فيه أغلب من الجور فحرام أن تظنّ بأحد سوءاً حتّى يُعلم ذلك منه، وإذا كان زمان الجور فيه أغلب من العدل، فليس لاحد أن يظنّ بأحد خيراً حتّى يبدو ذلك منه »(126).
إنّ معنى حسن الظنّ: عدم اتّهامه، لا العمل بمقتضاه، وهذا هو مقتضى الجمع بين الاخبار في المقام، كما يدلّ على ذلك خبر إسماعيل بن الامام الصادق (عليه السلام)، ودفعه المال للتجارة إلى الرجل الذي كان يقال عنه أنّه يشرب الخمر، وتفسير قوله تعالى: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) من أنّ الايمان للمؤمنين هو عبارة أُخرى عن حسن الظنّ بهم، بعدم تهمتهم وعدم ترتيب الاثر لكلام أحدهم ضدّ آخر منهم.


الدليل الخامس
السيرة على ترتيب آثار العدالة

ومنها: قيام سيرة السلف إلى زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ترتيب آثار العدالة على المسلم إذا لم يعرف بفسق، ولذا كانوا يأخذون بأخبار العبيد والنساء إذا عرفوهم بالاسلام ولم يعرفوا منهم الفسق، وقد كان ذلك بمسمع ومشهد من المعصومين (عليهم السلام).
وفيه: عدم ثبوت ذلك، بل ثبوت خلافه لما عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) من تحقيقهما عن حال الشهود الذين لم يعرفوا عدالتهم ـ كما مرّ عند سرد الاحاديث في أوّل هذا المبحث ـ.
نعم، قبول أخبارهم شيء لا ينكر، ولا يفيد ما نحن فيه بعد كفاية الوثوق فيه من أيّة جهة كانت ـ كما حقّقناه في الدراية تبعاً لمشهور المتقدّمين والمتأخّرين (قدس سرهم) ـ.


الدليل السادس
رواية قبول شهادة الاعرابي في الهلال

ومنها: ما روي من أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل شهادة الاعرابي على رؤية الهلال (127)، وأمر بالنداء بالصوم، مع أنّه لم يظهر من الاعرابي إلاّ الاسلام.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه قضية في واقعة لا تنخرم بها الاُصول المعروفة بين المسلمين من لزوم شاهدين في الهلال وإلى معارضته بالمستفيض من الروايات الدالّة على لزوم أكثر من ذلك مثل: « لو رآه واحد لرآه خمسون، ولو رآه خمسون لرآه الف » ونحو ذلك ممّا هو أصحّ سنداً، وأكثر عدداً، وأظهر دلالة، وأقوى عملاً، وإلى أنّه لعلّ المراد قبول شهادة الاعرابي من حيث هو أعرابي لا من حيث العدد، وإلى أنّ الامر غير ثابت بطريق معتبر شرعاً، وإلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لعلّه كان يعلمه رمضاناً، وحكم المعصوم (عليه السلام) بعلمه جائز بلا إشكال ـ أنّ الاعرابي لعلّه كان عدلاً، وكان يعرف ذاك رسول الله (صلى الله عليه وآله). والعلم لا إطلاق له حتّى يتمسّك به.
وقد نقل عن المجدّد الشيرازي (قدس سره) أنّه ذات مرّة حكم بالهلال على رؤية شخص، ثمّ نقل عنه بعض خواصّه أنّه كان بنفسه قد رأى الهلال لكنّه ـ لجهات وجهات ـ لم يرجّح نسبة الرؤية إلى نفسه.


حاصل الكلام

والحاصل: أنّه بمثل ذلك لا يرفع اليد عن مثل العدالة التي ثبت بالادلّة المتظافرة اشتراطها في أبواب متعدّدة في الفقه.
فتحصّل من جميع ذلك: أنّ الاصل في المسلم ليس العدالة حتّى أنّه يصحّ إشهاد كلّ مسلم غير معلوم الحال للطلاق، ويجوز الصلاة خلفه، وتقليده إذا كان فقيهاً، ونحو ذلك.


التنبيه الثاني: هل المروّة شرط ؟

التنبيه الثاني من تنبيهات باب العدالة: هل تشترط المروّة في تحقّق العدالة أم لا ؟
والبحث هنا في مقامين: موضوع المروّة وحكمها.


هنا مقامان
المقام الاوّل: المروّة موضوعاً

أمّا المقام الاوّل: وهو موضوع المروّة، فاعلم: أنّ المروءة ـ بضمّ الاوّلين وفتح الهمزة مصدر مرء على وزن عظُم ـ معناه اللغوي كما في القاموس وأقرب الموارد وعن الصحاح وغيرها: الانسانية، وكمال الرجولية، والاداب التي تحمل مراعاتها الانسان على الوقوف عند محاسن الاخلاق وجميل العادات، وغير ذلك من العبارات المتشابهة الدالّة على معنى جامع واحد، وقد تبدّل الهمزة واواً وتدغم فيقال: مروّة.
فما في بعض شروح العروة من: أنّ المروءة هي الانسانية أو ما يقاربها، وتفسيرها بالرجولية أو كمالها، خطأ واشتباه، غير ظاهر الفرق لانّ هذه التعابير كلّها تشير إلى معنىً جامع واحد مشكّك.
وأمّا المروّة في علم الاخلاق: فهو ـ كما قيل: ـ اعتدال القوى الثلاث: الشهوية، والغضبية، والقوّة العاقلة، فإذا اعتدلت ثلاثتها معاً كانت المروّة.
وأمّا شرعاً فهي المرادف للفتوّة، القريب من المعنى اللغوي، بل قيل: إنّه هو.


المروّة في الروايات

ففي الوسائل عن الامام الصادق (عليه السلام): « المروّة أن يضع الرجل خوّانه بفناء داره »(128).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنّه سئل ما المروّة ؟ فقال (عليه السلام): « لا تفعل شيئاً في السرّ تستحيي منه في العلانية »(129).
وعن الامام الحسن (عليه السلام) في جواب من سأله عن المروّة، قال (عليه السلام): « شحّ الرجل على دينه، وإصلاحه ماله، وقيامه بالحقوق »(130).
ومثلها غيرها، وقد عقد صاحب البحار (قدس سره) في الاخلاق باباً بعنوان: « باب معنى الفتوّة والمروّة ».


ما هو المشترط من المروّة ؟

فأمّا المروّة في علم الاخلاق فلا إشكال ولعلّه لا خلاف في عدم اشتراطها في العدالة، نعم: قد يقال بأنّها سبب للمروّة الشرعية، أو أنّ الشرعية ملازمة لبعض مراتبها في علم الاخلاق، فتأمّل.
وأمّا المروّة بالمعنى الشرعي واللغوي فهي أخصّ من المروّة المبحوث عنها في العدالة، إذ قيام الرجل بالحقوق مطلقاً ـ كما ورد في الحديث ـ ليس شرطاً قطعاً في العدالة، لانّه لا إشكال في أنّ معظم الحقوق مستحبّة، ولا دخل للمستحبّات في العدالة بقول مطلق، كما أنّ كلّ ما هو من الانسانية، وكمال الرجولية ليس له مدخلية في صدق العدالة أيضاً.


استنتاج

إذن: فالمروّة المبحوث عنها في العدالة، المختلف في اشتراطها فيها إيجاباً ونفياً هي ما عن الشهيد (قدس سره): « وأمّا المروّة فهي تنزيه النفس عن الدناءة التي لا تليق بأمثاله، كالسخرية، وكشف العورة التي يتأكّد استحباب سترها في الصلاة... »(131).
ويؤيّده ما رواه الكليني (قدس سره) في فروع الكافي بسنده عن سلمة بن محرز مسلمة بن محمّد قال: « مرّ أبو عبدالله (عليه السلام) على رجل قد ارتفع صوته على رجل يقتضيه شيئاً يسيراً، فقال: بكم تطالبه ؟ قال: بكذا وكذا، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): أما بلغك أنّه كان يقال لا دين لمن لا مروّة له »(132).
ولعلّ المراد الاعمّ من الدناءة العرفية لا عند خصوص المتشرّعة.
وعن علي (عليه السلام): « وأمّا المروءة فإصلاح المعيشة »(133).
وعن الامام الصادق (عليه السلام): « ليس من المروءة أن يحدث الرجل بما يلقى في السفر من خير أو شرّ »(134).
وبعبارة أُخرى: فهي كلّ ما يشين الانسان ويوجب تنفّر الناس منه، ممّا ليس بنفسه ـ وبالعنوان الاوّلي ـ حراماً، وهذا يختلف فيه الزمان والمكان والافراد والشرائط، فربّ عمل ليس خلاف المروّة من شخص، مع كونه خلافها من شخص آخر.
وهذا الذي مثّل به الشهيد (قدس سره): من كشف العورة التي يتأكّد استحباب سترها في الصلاة ما بين السرّة والركبة ليس كشفها خلاف المروّة من حمّال أو زبّال أو قصّار خصوصاً في مثل سيف البحار في أيّام الصيف حيث الحرّ الشديد والرطوبة الشديدة. ولعلّ هذا هو جامع ما يستفاد من عبارات الاصحاب في المقام، والله العالم.


المقام الثاني: المروّة حكماً

وأمّا المقام الثاني: وهو حكم المروّة وأنّه هل تشترط العدالة بها أم لا ؟ ففيه خلاف، والمحكي عن المتقدّمين عدم الاشتراط، كما عليه معظم المراجع المعاصرين، وما يحضرني من حواشي العروة لم أجد فيها اشتراط المروّة في العدالة، كما ليس ذلك في العروة نفسها، في باب التقليد هنا، وإن ذكرها في باب الجماعة، قال: « العدالة ملكة الاجتناب عن الكبائر، وعن الاصرار على الصغائر، وعن منافيات المروّة الدالّة على عدم مبالاة مرتكبها بالدين... »(135).
وصريح البابين: أنّه تفسير للعدالة بما هي عدالة، ومطلقاً، لا عدالة مرجع التقليد بالخصوص، ولا عدالة إمام الجماعة بالخصوص، مع أنّه لو قيل بتفصيل في العدالة بالنسبة إلى الابواب فإنّ عدالة مرجع التقليد أشدّ من عدالة باب الجماعة بلا إشكال ولعلّه بلا خلاف أيضاً، لكن مع ذلك فإنّ معظم المعلّقين على العروة لم يعلّقوا على هذه المسألة لا في باب التقليد ولا في باب الجماعة، حتّى مثل المحقّقين: النائيني والعراقي والحائري والوالد (قدس سرهم).
ولعلّ ذلك لانّ المصنّف (قدس سره) قيّد المروّة بما يخرجها عن عنوانها الاوّلي بما هي هي، لانّه قال: « وعن منافيات المروّة الدالّة على عدم مبالاة مرتكبها بالدين ».
لكن ذلك منه (قدس سره) على خلاف المصطلح ظاهراً.`


بين المشترطين للمروّة والنافين لها

وإنّما كان ذلك منه خلاف المصطلح، لانّ صريح بعض المشترطين للمروّة وظاهر آخرين منهم: أنّها شرط في موضوع العدالة مضافاً إلى ملكة اجتناب العصيان والتزام الطاعة، والنافون لاشتراطها نفوا الاشتراط بما هي، لا إذا إنطلق عليها عنوان التديّن والالتزام بالطاعة واجتناب المعصية.
وهو المحكي أيضاً عن المفيد، والعدّة، والشرائع، والارشاد، والاردبيلي، والمدارك والرياض، وعن المحقّق الشيخ محمّد حسين الاصفهاني: أنّه لم يجد اعتبارها في كلام من تقدم على العلاّمة (قدس سره) وأنّه مذكور في كتب العامّة وتبعهم العلاّمة على ذلك وتبعه جماعة ممّن تأخّر عنه.
وفيه: ما لا يخفى.
وعن المبسوط وابن إدريس والعلاّمة في كتبه في الاُصول والفروع والشهيد والمحقّق الكركي، والوحيد البهبهاني والمعالم وغيرها اشتراط المروّة في العدالة وحكي عن الرياض والبحار نسبته إلى المشهور، وعن المدارك والذخيرة إلى المتأخّرين.
وحكي عن بعضهم التفصيل بين الشهادات فيشترط فيها المروّة، وبين غيرها ممّا يشترط بالعدالة ـ كالتقليد، وصلاة الجماعة، والقضاء ونحوها ـ فلا.
وفيه: أنّه كما سيأتي إنّ الاصحّ أنّ العدالة في جميع الابواب واحدة.
وعلى كلّ فالخلاف في المسألة عظيم. والمهمّ بيان أدلّة الطرفين.


أدلّة المشترطين
أوّل أدلّة المشترطين

استدلّ لاشتراط المروّة في تحقّق موضوع العدالة شرعاً بأُمور:
الاوّل: أنّ منافيات المروّة منافية لمعنى المروّة في اللغة التي هي الاستواء والاستقامة، فإذا كان الشخص لا يبالي بما هو منكر عرفاً كان خارجاً عن الاستواء والاستقامة.


مناقشة الدليل الاوّل

وفيه: أنّ العدالة الشرعية تابعة لادلّتها، وهي ـ كما تقدّم ـ إمّا ملكة أو حسن الظاهر أو غيرهما ممّا هي مرتبطة بالشرع من واجب وحرام لا غير، والعدالة الشرعية أعمّ من العدالة اللغوية والاخلاقية، والذي يضرّ بالعدالة شرعاً هو: فعل ما ينافي الاستقامة على جادّة الشرع، لا حتّى على جادّة العرف، ودلالة ما ينافي المروّة على رذيلة نفسانية، أو قصر نظر، أو قلّة همّة أو نحوها من المعاني الاخلاقية ليس معناه: سلب العدالة عنه.


ثاني أدلّة المشترطين

الثاني: وهو العمدة، موارد عدّة في صحيحة ابن أبي يعفور.
منها: قوله (عليه السلام): « أن تعرفوه بالستر والعفاف » بتقريب: أنّ المراد منه ستر العيوب مطلقاً الشرعية والعرفية لالقاء الكلام إلى العرف والمتبادر منه الاعمّ، والعفاف كذلك.
ومنها: قوله (عليه السلام): « وكفّ البطن والفرج واليد واللسان » بتقريب: أنّ منافيات المروّة كلّها من شهوات الجوارح فهي تنافي إطلاق « كفّ البطن... » على من ينساق وراء شهواته ولو غير المحرّمة منها.
ومنها: قوله (عليه السلام): « والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه » بتقريب أنّ: « جميع عيوبه » جمع مضاف يفيد العموم الشامل للعيوب الشرعية وهي المعاصي، والعيوب العرفية وهي منافيات المروّة.
ومنها: عطف « ويعرف باجتناب الكبائر » على « الستر والعفاف، وكفّ البطن... » وظاهر العطف والمعرّفية، أي: الكاشفية الغيرية مع المعطوف عليه والمنكشف والمعرّف ـ بالفتح ـ فإمّا يراد من: « الستر، والعفاف، وكفّ البطن... » هذه المعاني العرفية فقط، أو الاعمّ من الشرعية والعرفية، تحقيقاً لمعنى المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وعلى كلا التقديرين تدلّ الصحيحة على اشتراط المروّة في معنى العدالة.


مناقشة الدليل الثاني
المناقشة الاُولى

وفيه أوّلاً: قد سبق أنّ مقتضى الجمع بين روايات باب العدالة هو القول: بأنّها صفة ذات مراتب، ولا يلزم من فقد المرتبة العالية فقد المرتبة الدانية، وصحيحة ابن أبي يعفور تدلّ على مرتبة عالية من العدالة لا على أصل العدالة، وما يدلّ على أصلها هو صحيحة علقمة، وغيرها ممّا مرّ مفصّلاً البحث والنقاش عنها.


المناقشة الثانية

وثانياً: ظاهر هذه الفقرات كون المراد منها: العيوب الشرعية فقط، لانّ الامام بما هو حجّة الله يجب أن يحمل كلامه على المقاييس الشرعية، فلو ورد في حديث: « من أذنب فعليه الاستغفار » لا نقول: بأن « أذنب » أعمّ من الذنب الشرعي والعرفي، بل نقول: المراد به الذنب الشرعي.
ولو ورد في حديث آخر « من اغتاب أخاه لم يجمع الله بينهما في الجنّة » يراد به الغيبة المحرّمة شرعاً، لا الغيبة المحرّمة ولو عرفاً حتّى إذا أجازها الشرع.
وهكذا كلّما ورد في حديث كلمة، تبادر منها المعنى الشرعي ـ إلاّ أن لا يكون له حقيقة شرعية ولو بالتعيّن بحيث ينصرف ولو في عرف المتشرّعة الكلام إليه، أو يكون هناك عرف أقوى يوجب الانصراف ـ وما نحن فيه هكذا، فالستر، والعفاف، والكفّ المراد بها الستر فيما يأمر الشرع بستره، والعفّة عمّا نهى الشرع عنه، والكفّ عمّا أمر الشارع بالكفّ عنه.
وعلى هذا التقريب يحمل أيضاً الجمع المضاف « لجميع عيوبه » فيقال: بأنّ المراد به جميع العيوب التي في الشرع هي عيوب.
وبهذا البيان ينجلي أيضاً معنى الفقرة الاخيرة وهي عطف « ويعرف باجتناب الكبائر » على الستر والعفاف ونحوهما، فإذا كان المراد بالستر والعفاف: الستر والعفاف الشرعيين، كان « ويعرف » معرّفاً ودالاًّ للستر الشرعي، والعفاف الشرعي، لا مغايراً له.
وحديث ظهور العطف في المغايرة غير ثابت مطلقاً، والمتّبع في باب الحجج الظواهر العرفية وهي في المقام منتفية، اللهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ المنصرف عرفاً من هذه الكلمات هي العرفية منها، دون الشرعية التي حتّى إذا تحقّقت فيها الحقيقة ولو التعيّنية لم يحرز كونها كذلك في عصر الصادقين (عليهما السلام) إذ لعلّ التعيّن حصل بعد عصرهم.
ويؤيّد ذلك ما ورد من إرسال النبي (صلى الله عليه وآله) نفرين لقبائل الشهود للاستطلاع عن حالهم، فهل كانت القبائل مسلمين يعرفون الحقائق الشرعية لهذه الكلمات ؟
كما ورد مثل ذلك في تفسير الذنب في قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)(136).
لكنّه ثبت ذلك بالقرائن، التي منها: تناسب الحكم والموضوع مع الفتح العظيم، ومنها: عصمة النبي (صلى الله عليه وآله)الثابتة بالادلّة القطعية، ومنها: غير ذلك.
وقد يورد بأن « ويعرف باجتناب الكبائر » قرينة على صرف الاطلاقات السابقة على المعاني الشرعية، فتأمّل.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: على فرض تسليم دلالة هذه الفقرات على اشتراط المروّة، لكن مقتضى الجمع بين هذه الصحيحة وبين صحيحة علقمة هو: حملها على إرادة الستر والعفاف والكفّ الشرعية، لانّ في صحيحة علقمة قال الامام الصادق (عليه السلام): « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، ولم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر... » فأطلق الستر على من لم يرتكب الذنب، وظهور الذنب في المعصية الشرعية لا ينكر.
ومثل صحيحة علقمة عدد آخر من روايات الباب.
وعليه: فليست صحيحة ابن أبي يعفور يراد بها الستر الاعمّ من العرفي الشامل للمروّة.


ثالث أدلّة المشترطين

الثالث: أنّ الفاعل لمنافيات المروّة لا يطلق عليه: « حسن الظاهر » فحسن الظاهر إمّا هو العدالة، أو طريق إليها، وعلى كلا التقديرين فلا يستكشف العدالة عمّن يتعاطى منافيات المروّة.


مناقشة الدليل الثالث

وفيه أوّلاً: مقتضى الادلّة الدالّة على: « حسن الظاهر » ـ عدالة أو طريقاً إليها ـ كونه بنفسه دليلاً سواء أفاد الظنّ أم لا، بل حتّى إذا قام الظنّ الشخصي على الخلاف، وبناءً عليه: فلا وجه لاعتبار المروّة في صدق: « حسن الظاهر » فحسن الظاهر موجود، سواء كان صاحبه مع المروّة أم لا ؟
وثانياً: أنّ عدم المبالاة بالاُمور العرفية لا يكشف عن عدم المبالاة بالدين، بل كم نرى من المقدّسين الملتزمين بأوامر الشريعة لا يتقيّدون بكلّ العرفيات.


رابع أدلّة المشترطين

الرابع: الاجماع الذي نقله الجواهر عن « الماحوزية ».
والشهرة التي هي ظاهر المفاتيح على اشتراط المروّة في العدالة.


مناقشة الدليل الرابع

وفيه: أمّا الشهرة:
1. فلا حجّية لها.
2. مع مسلّمية عدمها عند المتقدّمين.
3. واختلاف القائلين بها، فأفتى بعضهم بالاشتراط في كتاب، وبعدمه في كتاب آخر، كالشيخ في المبسوط والعدّة، والشهيد الثاني في الروضة والروض.
وأمّا الاجماع فهو:
1. مسلّم العدم.
2. ومنقوله ليس حجّة.
3. وأمّا احتمال الاستناد فلا إشكال فيه ـ كما تقدّم غير مرّة ـ.


خامس أدلّة المشترطين

الخامس: أصالة عدم تحقّق العدالة بدون المروّة، إذ الامر الوجودي إذا شكّ فيه يكون مسرحاً لاصل العدم، ولها عدّة تقريرات:
منها: استصحاب عدم تحقّق العدالة قبل وجود المروّة.
ومنها: الاستصحاب الحكمي كعدم جواز الصلاة خلفه، وعدم جواز تقليده، وعدم جواز قبول شهادته، ونحوها.
ومنها: استصحاب العدم الازلي، بأنّ العدالة حادث لم يكن موجوداً من الازل، فإذا شككنا في أنّه وجد ـ مع عدم المروّة ـ أم لا، نستصحب عدمها.
ومنها: الاستصحاب التعليقي، بتقريب: أنّ هذا الرجل لو لم يكن مجتنباً عن المعاصي لم يجز الصلاة خلفه، فالان الذي هو مجتنب عن المعاصي ولكن ليست عنده المروّة هل تجوز الصلاة خلفه أم لا ؟ الجواب: لا.


مناقشة الدليل الخامس

وفيه أوّلاً: بعد قيام الدليل على عدم اشتراط المروّة يكون الاستدلال بالاستصحاب كالحجر في جنب الانسان.
وثانياً: أنّها معارضة بأصالة عدم الاشتراط، وقد ثبت في الاُصول: أنّ أصل البراءة حاكم على أصل الاشتغال، فليتأمّل.
وثالثاً: بأنّ الاستصحاب المذكور مخدوش بتقريراته الاربعة.
أمّا التقرير الاوّل: فإن أُريد عدم تحقّق العدالة مفهوماً قبل تحقّق المروّة فلا يفيد، إذ المفهوم ما لم يكن له خارجية لا يكون مسرحاً للاحكام التكليفية، وإن أُريد عدم تحقّق العدالة في هذا الشخص المعيّن فلا يطّرد، إذ من المحتمل أن لا تكون له حالة غير عادلة بعد البلوغ حتّى تستصحب.
وأمّا التقرير الثاني: وهو الاستصحاب الحكمي فإن كانت له حالة فسق سابقة بعد البلوغ تمّ الاستصحاب، وإلاّ فليس هو سوى الاستصحاب التعليقي.
وأمّا التقرير الثالث: فبأنّ العدم الازلي لا يثبت العدم النعتي كما هو معروف، مضافاً إلى إنصراف الادلّة عن السالبة بانتفاء الموضوع إلاّ بقرينة، كمن لم يتزوّج فيقال: إنّه ليس ابنه مختوناً إلى الان.
وأمّا التقرير الرابع: الاستصحاب التعليقي، مثلاً: زيد المرتكب للكبيرة والاصرار على الصغيرة ومنافيات المروّة ليس بعادل، له حكمان:
1. تنجيزي وهو الفسق.
2. وتعليقي وهو أنّه إذا لم يترك الثلاثة لا يكون عادلاً، فنستصحب الحكم عند ترك الكبيرة والصغيرة.


سادس أدلّة المشترطين

السادس: العدالة مشروطة بملازمة التقوى، والتقوى ملازمة للمروّة، فالعدالة مشروطة بالمروّة.


مناقشة الدليل السادس

وفيه: أنّ المقدّمة الثانية أوّل الكلام، إذ التقوى مرادفة للطاعة تقريباً، وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي (صلى الله عليه وآله): « اعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس »(137) فإذا عمل الشخص بفرائض الله تعالى كلّها ـ التي ليست المروّة منها ـ ولم تكن له مروّة كان متّقياً بل أتقى الناس.


سابع أدلّة المشترطين

السابع: أنّ من لا مروّة له لا ثقة به، فلا يجوز الاستفتاء منه، لاحتمال زيادته وتنقيصه في أحكام الله، وكذلك في الشهادة ونحوهما.


مناقشة الدليل السابع

وفيه أوّلاً: الكلام في مطلق العدالة الاعمّ من التقليد والشهادة وصلاة الجماعة ونحوها، وما ذكر يصلح دليلاً للاوّلين فقط ونحوهما، دون مثل الصلاة خلفه ونحوها.
وثانياً: أنّ العادل إذا كان مجتنباً عن المحرّمات كفى ذلك وثاقة نوعية به، لانّ الزيادة والنقيصة العمدية العصيانية مأمونتان معه.
والحاصل: إن كان المراد الوثاقة النوعية فهي ملازمة للعدالة، وإن كان المراد الشخصية فنمنع الصغرى وهي لزوم وثاقة شخصية في العادل.
وثالثاً: إذا دلّ الدليل على كون العادل غير مشترط فيه المروّة، وجب اتّباعه وإن أوجب عدم الوثاقة، لانّ المصالح الالهية العظمى لا نعلم مناطاتها التحقيقية حتّى نحكم بتلك المناطات.
ألا ترى أنّ الشارع جعل أشياء كثيرة محرّمة، ولكن مع ذلك جعل: « كل شيء نظيف » و « كلّ شيء لك حلال » و « يد المسلم حجّة » و « سوق المسلمين حجّة » و « أرض الاسلام حجّة » ونحوها ممّا يرتكب بسببها الاُلوف والاُلوف من المحرّمات والنجاسات الواقعية، لا رفعاً لليد عن تحريم ونجاسة تلك المحرّمات والنجاسات وإنّما لمصلحة التسهيل على العباد ونحوها، فلعلّ الشارع وسّع في العدالة لهذا ولذاك. فبمجرّد كون العادل الذي لا مروّة له لا يوثق به ـ على فرضه ـ لا يوجب الحكم بعدم العدالة بعد توفّر الادلّة عليها.


ثامن أدلّة المشترطين

الثامن: ما روي عن الامام الكاظم (عليه السلام) في حديث هشام: « لا دين لمن لا مروّة له، ولا مروّة لمن لا عقل له »(138) وواضح أنّه يجب كون العادل ذا دين وزيادة.


مناقشة الدليل الثامن

وفيه: ـ بعد الغضّ عن ضعف السند، وأنّ هذه الرواية نظير العشرات بل المئات من أمثالها ممّا ورد في المستحبّات والمكروهات، مثل: « من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يترك عانته فوق أربعين يوماً »(139) ونحوه ممّا يراد بها الحثّ والتحريض على فعل المستحبّ وعلى الانتهاء من المكروه، حتّى قال جمع من محقّقي الفقهاء: بأنّ أمثال هذه التعبيرات قرائن عدم الوجوب والحرمة، إذ الوجوب والحرمة يكفي فيهما الامر والنهي وحدهما ولا يحتاجان إلى مزيد التحريض، فتأمّل.
إنّ المراد ليس نفي أصل التديّن قطعاً، كيف وأتقى الناس من عمل بالفرائض، والعادل الذي يعمل بالفرائض أتقى الناس فكيف « لا دين له » ؟ فلابدّ من حملها على إرادة نفي الدين الكامل ـ جمعاً بينها وبين غيرها ـ وإنّما يكون العادل الذي لا مروّة له غير كامل الدين، لانّ من الدين المستحبّات والمكروهات، وكما له الاطاعة فيهما أيضاً.


تنبيه وتنظير

ونظير ذلك ـ استدلالاً وجواباً ـ قوله (عليه السلام): « لا إيمان لمن لا حياء له »(140) أي: الايمان الكامل، إذ من لا مروّة له لا حياء له.
وهكذا « من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له »(141) بتقريب: أنّ من لا مروّة له يصدق عليه أنّه ألقى جلباب الحياء عرفاً، منضمّاً إلى أنّه لا تجوز غيبة العادل، وهما ينتجان: أنّ الذي لا مروّة له ليس بعادل.
والجواب: أنّ المقدّمة الثانية « لا تجوز غيبة العادل » مطلقاً غير مسلّمة، إذ العادل إذا فعل شيئاً قبيحاً عرفاً على ملا من الناس، كما لو ركب الحمار العاري مقلوباً في مجامع المسلمين جازت غيبته بهذا العمل، بأن يقال: العادل الفلاني ركب الحمار العاري مقلوباً، لانّ كلّ مجاهر بأي عمل، تجوز غيبته في ذلك العمل.
وهكذا غير ذلك من الاحاديث الواردة بهذه المضامين.


تاسع أدلّة المشترطين

التاسع: اقتران « المروّة » و « العدالة » في بعض أخبار الباب يدلّ على أنّهما يوجدان معاً، وينتفيان معاً، ولا يمكن التفكيك بينهما بأن تكون العدالة ولا تكون المروّة.
وذلك مثل الحديثين اللذين ذكرناهما عند سرد الاحاديث برقم: 11 و12، وهما: قوله (صلى الله عليه وآله): « من عامل اناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أُخوّته، وحرمت غيبته » وقول الامام الصادق (عليه السلام): « ثلاث من كنّ فيه أوجبن له أربعاً على الناس: من إذا حدّثهم لم يكذبهم، وإذا خالطهم لم يظلمهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم، وجب أن تظهر في الناس عدالته، وتظهر فيهم مروءته، وأن تحرم عليهم غيبته، وأن تجب عليهم أُخوّته » وغيرهما ممّا هو نظيرهما.


مناقشة الدليل التاسع

وفيه: أنّ ترتيب أُمور على أُمور لا يدلّ عرفاً إلاّ على وجود مجموع الاُمور المرتّبة، على مجموع الاُمور المرتّب عليها، ولا يدلّ على ترتّب كلّ واحد من المرتبة على كلّ واحد من المرتّب عليها.
فإذا قيل: من درس الفقه، والقانون، والهندسة، والطبّ، كان فقيهاً، ومحامياً، ومهندساً، وطبيباً، كان معنى ذلك: أنّ الدارس للعلوم الاربعة جميعاً يتّصف بالصفات الاربعة جميعاً، ولا يدلّ على التلازم بين « الفقه » و « الهندسة » حتّى إذا لم يكن مهندساً لم يكن أيضاً فقيهاً.
والروايتان وأشباههما لعلّها من هذا القبيل، فإنّ من فعل الافعال الثلاثة، ظهرت فيه أربع صفات، ولا ينافي كون كمال المروءة مترتّباً على: « إذا وعدهم لم يخلفهم » مثلاً، لانّ خلف الوعد ليس بحرام على المشهور.
مضافاً إلى أنّ كمال المروءة في الرواية الاُولى غير أصل المروءة، ومن التزم باشتراط المروءة في العدالة قال باشتراط أصلها لا كمالها.


عاشر أدلّة المشترطين

العاشر: ما عن بعض الاخباريين: من أنّ قاعدة الاحتياط قاضية بذلك.


مناقشة الدليل العاشر

وفيه: أنّه قد حقّق في الاُصول جريان البراءة في الاجزاء والشروط المشكوك فيها وتقدّمها على الاحتياط.
هذه عمدة ما استدلّ به القائلون باشتراط المروّة في تحقّق العدالة، وما قيل من غير ذلك يرجع إلى ما ذكرناه، أو يعرف منها، والغريب ما في تقريرات بعض مراجع العصر: من أنّ ما استدلّ به للمنافاة فقط أمران، مع أنّ معظم هذه الادلّة العشرة ذكرها الفقهاء في كتبهم المتداولة المعروفة.


أدلّة النافين
أوّل أدلّة النافين

وأمّا أدلّة النافين لاعتبار المروّة في العدالة ـ مضافاً إلى الاصل السببي وهو كاف كما في معظم العبادات والمعاملات بل كلّها من الارتباطيات ـ فهي أيضاً أُمور:
أوّلها: وهو عمدتها خلوّ الاخبار المبيّنة لمعنى العدالة وأجزائها وشرائطها وموانعها ـ على كثرتها، واختلاف لهجاتها وفي مختلف أبواب اشتراط العدالة ـ خلو جميعها عن التصريح بالمروّة، أو التلويح بها بخصوصها بحيث يلتفت إليها العامّة الذين خوطبوا بهذه الاحاديث الشريفة، ومثله لو كان لبان.
مع أنّ كلمة « المروّة » واردة في كثير من الاحاديث في مقام التحريض عليها، وبيان بعض ما ينافي المروّة وغير ذلك، ولو كانت شرطاً في العدالة لذكرت ولو في بعض الاخبار.
وإنّي لم أدّع الاستقصاء التامّ لجميع أخبار العدالة من جميع أبواب الفقه، إلاّ أنّ الذي تتبّعته من الابواب ووقفت عليه من الاخبار، التي ربما تربو على المائة حديث، لم أجد فيها ذكراً للمروّة إلاّ خبرين قرن فيهما بين العدالة والمروّة، ممّا ربما يستأنس بهما اشتراط المروّة في العدالة، وهما: قوله (صلى الله عليه وآله): « من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أُخوّته وحرمت غيبته » وقول الامام الصادق (عليه السلام) قريباً منه.


مناقشة مردودة

وما قيل: من أنّ « المروّة » وإن لم تذكر بلفظها لكن ذكرت بلوازمها، فإنّ إطلاقات: « الستر » و « العفاف » و « كفّ البطن... » من لوازمها، وهكذا غيرها من الاخبار.
فيجاب عنه أوّلاً: بأنّ ذلك لا يكفي في مثله ممّا يغفل عنه العرف العامّ الذي وردت الاخبار على لسانه وبأساليب تفاهمه.
وثانياً: بما ذكرناه في الجمع بين أخبار العدالة: من أنّها تدلّ على أنّ للعدالة مراتب، ولا نمانع من كون « المروّة » شرطاً في مرتبة عالية من العدالة، وإنّما الذي نمنعه اشتراطها في أصل العدالة والمرتبة الدانية منها.
وثالثاً: أنّ أخبار العدالة لو كانت قليلة، كان لاحتمال اشتراط المروّة مع عدم ذكرها صراحة مجال، وأمّا مع كثرتها، ومختلف أساليبها، وخلوّها جميعاً عن تصريح واحد، يشكل حتّى احتمال اشتراطهما فكيف بالقطع أو الظنّ به ؟
ورابعاً: تلازم الالفاظ المذكورة من « الستر » و « العفاف » و « كفّ البطن » ونحوه للمروّة ممنوع، لما أسلفنا: من أنّ ظاهرها الستر والعفّة والكفّ عن المعاصي.


ثاني أدلّة النافين

ثانيها: أنّ ارتكاب الصغيرة مع كونها معصية لا تنافي العدالة، إلاّ مع الاصرار عليها، فعدم منافاة المرور ـ وهي ليست بمعصية ـ للعدالة أولى.


مناقشة غير تامّة

وأُجيب: بأنّ الدليل إذا دلّ على اعتبار المرّوة في العدالة، ولم يدلّ على اعتبار عدم الصغيرة، أو دلّ على عدم منافاة الصغيرة، لم تتمّ الاولوية، لانّ الفارق: النصّ.
مع أنّ جمعاً من الاساطين قالوا بمنافاة الصغيرة للعدالة أيضاً، كما نسب ذلك إلى المفيد وابن إدريس والحلبي وغيرهم (قدس سرهم) فليس الحكم في المقيس عليه مسلّماً.
وفيه: أنّه إذا ثبت عدم منافاة فعل الصغيرة للعدالة مع كونها معصية شرعية، فدلالة ذلك على عدم منافاة المروّة لها عرفاً غير بعيدة، وليس ذلك من القياس بل الاولوية العرفية التي تحسب في الظواهر وهي حجّة، وليس في المقام أدلّة خاصّة تقول بمنافاة عدم المروّة للعدالة، حتّى تعتبر تلك الادلّة هي الفارق، وإنّما الذي استفيد منه اشتراط المروّة ومنافاة عدمها هي نفس أخبار: الستر، والعفاف، وكفّ البطن ونحوها.


ثالث أدلّة النافين

ثالثها: أنّ من يرتكب ما ينافي المروّة بدون أن يرتكب معصية إطلاقاً، إذا لم يكن عادلاً وجب كونه فاسقاً، مع أنّه لا يسمّى فاسقاً.


مناقشة محتملة

وأُجيب: بأنّه إن كان المراد بالفاسق مطلق غير العادل فلا مانع من تسمية مثله فاسقاً على الفرض، وإن كان المراد به مرتكب الكبيرة، أو المصرّ على الصغيرة، بل ـ كما قيل: وليس بالبعيد ـ من كان عمله المعصية كرّات وتكراراً، فالاتي بخلاف المرّوة لا يسمّى فاسقاً، ولا مانع معه من القول بالواسطة.


رابع أدلّة النافين

رابعها: أنّ معظم الروايات: « المزبورة » فسّرتها بأُمور مستحبّة، أو بالاعمّ من المستحبّة، مع قيام الاجماع على عدم اشتراط العدالة بفعل المستحبّات، مثل حديث أبي عبدالله (عليه السلام): « المروّة مروّتان: مروّة الحضر، ومروّة السفر:
فأمّا مروّة الحضر: فتلاوة القرآن، وحضور المساجد، وصحبة أهل الخير، والنظر في الفقه.
وأمّا مروّة السفر: فبذل الزاد، والمزاح في غير ما يسخط الله، وقلّة الخلاف على من صحبك، وترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم »(142).
وخبر أمير المؤمنين (عليه السلام): « لا تتمّ مروّة الرجل حتّى يتفقّه في دينه، ويقتصد في معيشته، ويصبر على النائبة إذا نزلت به، ويستعذب مرارة اخوانه »(143).
وسئل (عليه السلام) ما المروّة ؟ فقال (عليه السلام): « لا تفعل شيئاً في السرّ تستحيي منه في العلانية »(144).
وعن الامام الباقر (عليه السلام): « المروّة أن لا تطمع فتذلّ، ولا تسأل فتقلّ، ولا تبخل فتشتم، ولا تجهل فتخصم »(145). ومثلها غيرها.


مناقشة منظور فيها

وقد يجاب عنها أوّلاً: بوجود مثل ذلك من الجمع بين المستحبّات والواجبات في أخبار العدالة، وغيرها من الواجبات.
وثانياً: بأنّ الاجماع على عدم اشتراط العدالة بفعل المستحبّات ـ بعد تسليمه ـ دليل لبّي، والمتيقّن منه المستحبّات غير المنافي تركها للمروّة، لوجود الخلاف في هذا القسم من المستحبّات التي تسمّى بالمروّة.
وثالثاً: إن تمّ دليل اشتراط المروّة، فمثل هذه القرينة على الخلاف لا تقاومه، وإلاّ فلا يحتاج إليها.
وفيها: أنّ الانصاف أنّ ملاحظة مجموع روايات المروّة تعطي كونها من أخبار الاخلاقيات التي قد فسّرت بالفضل، أو التفضّل، كما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه خرج على أصحابه وهم يتذاكرون « المروّة » فقال: « أين أنتم من كتاب الله ؟ قالوا: ياأمير المؤمنين في أي موضع ؟ فقال في قوله عزّوجلّ: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِحْسَانِ)فالعدل الانصاف، والاحسان التفضّل »(146).
وفرق بين « المروّة » التي كلّ أخبارها أخلاقيات، وبين مثل « العدالة » التي إن كان فيها أخبار أخلاقية فليس كلّها ولا جلّها، بل بعضها، وذلك ممّا يؤيّد قولنا في « العدالة » بأنّها ذات مراتب مختلفة بعضها واجبة، وبعضها مستحبّة، ومراتب المستحبّة منها أيضاً متفاوتة في مقدار الفضل.


خامس أدلّة النافين

خامسها: ما استدلّ به بعض بما روي من فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو أمير المؤمنين (عليه السلام) أفعالاً، أسماها أنّها من منافيات المروّة مثل: ركوب الحمار العاري، والاكل ماشياً إلى الصلاة، ورقع الجبّة حتّى استحيى من راقعها، وحلب الشاة بيده، وغسل الثياب، أو كنس البيت ونحوها.


مناقشة مقبولة

وفيه أوّلاً: لا نسلّم كون شيء من هذه منافياً للمروّة، خصوصاً إذا صدر في مقام الضرورة، وبالاخصّ إذا اتّفق ذلك في العمر مرّة واحدة كما في بعضها.
وثانياً: لا شكّ كما لا خلاف في أنّ منافي المروّة ليس أمراً منضبطاً معيّناً محدوداً، فهو يختلف بحسب الازمنة، والامكنة، والاشخاص، والملابسات، فربّ عمل يكون منافياً للمروّة من شخص غير مناف لها من شخص آخر، أو في زمان دون زمان آخر، أو مع ملابسات خاصّة دون غيرها.
وثالثاً: أنّ بعض هذه الاُمور فضائل مطلقاً في جميع الازمان، والامكنة، وبالنسبة لجميع الافراد، فكنس الشخص بيته، أو غسل ثيابه، أو حلب الشاة بيده لرفع الكلفة بذلك عن زوجته وأهله فضيلة لا شكّ فيها، وقد وردت أحاديث مستفيضة في الحثّ على المعاونة مع العيال في أعمال البيت.
ورابعاً: لا شكّ أنّ المعصومين (عليهم السلام) كانوا في أعلى مراتب جميع الفضائل ومنها المروّة، وكلّ ما صدر منهم ـ بحكم عصمتهم ـ لا يكون إلاّ ذا مصلحة مهمّة شرعية، كما ثبت ذلك في مباحث أُصول الدين.
وعلى كلّ حال: فإيراد مثل ذلك دليلاً على عدم ضرر منافيات المروّة بالعدالة، المستلزم للقول بفعل المعصومين (عليهم السلام) ما ينافيها ـ والعياذ بالله ـ في غير محلّه.


سادس أدلّة النافين

سادسها: ما روي من قبول شهادة أصحاب الحِرَف التي تنافي المروّة: كالمكاري، والجمّال، والحمّال، والحجّام، والملاّح ونحوهم، فإنّه لو كانت المروّة شرطاً لزم عدم قبول شهادة هؤلاء.


مناقشة واضحة

وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ منافيات المروّة لها درجات ولا شكّ كما لا إشكال في أنّ الدرجات الضعيفة من منافيات المروّة ليست مخلّة بالعدالة قطعاً، فالاكل في السوق، أو ماشياً، إن كان ينافي المروّة، فأكل قطعة صغيرة جدّاً من الخبز في السوق أو ماشياً من المراتب الضعيفة له، التي لا تنافي العدالة، ولتكن هذه الحِرَف من قبيل ذلك، فإنّها وإن كانت أعمالاً مستهجنة منحطّة عند الناس لكنّها ليست بحيث يستكشف منها عدم الاشكال في مطلق منافيات المروّة ـ:
أنّ منافيات المروّة ـ كما تقدّم ـ تختلف باختلاف الازمان، والبلاد، والاشخاص، فربّ فعل يكون منافياً للمروّة لو صدر عن مرجع التقليد غير مناف لها لو صدر عن كاسب عادل، وربّ فعل يكون منافياً للمروّة في بلد غير مناف لها في بلد آخر، وربّ فعل يكون منافياً للمروّة في زمان غير مناف لها في زمان آخر، وأعمال المكاري، والجمّال، والملاّح ونحوهم وإن كان بأنفسها منافية للمروّة لكنّها ليست كذلك للذين أصبح عملهم هذه الاعمال.
مع أنّه قد يقال: بعدم كون مثله منافية للمروّة إطلاقاً، فالعمل المنحطّ غير مناف للمروّة وبينهما عموم من وجه، وليس ذلك بالبعيد.
وما قيل: من أنّ بينهما عموماً مطلقاً لانكار عمل منحطّ وهو غير مناف للمروّة.
ففيه: أنّ ذلك يكون كالتصدّي لبيع الاشياء الرخيصة والاعمال كذلك، ممّا ينسب إلى بعض الزهّاد، ولا ريب في عدم منافاتها للمروّة منهم.


المفصّلون وتفصيلاتهم
التفصيل الاوّل

وفي المسألة تفصيلات:
منها: ما في رسالة الشيخ الانصاري (قدس سره) في العدالة عن بعض المتأخرين: من أنّ منافي المروّة لو كشف فعله عن قلّة المبالاة في الدين بحيث لا يوثق معه بالتحرّز عن الكبائر والاصرار على الصغائر، كان معتبراً في العدالة ـ موضوعاً ـ ترك منافيات المروّة، وإلاّ فلا، وهذا هو الذي تقدّم آنفاً أن نقلنا عن المصنّف (قدس سره)ممّا ذكره في باب صلاة الجماعة تبعاً للشيخ حسن كاشف الغطاء (قدس سره) في أُصوله وفقهه.
قال في الثاني: « ويراد بمنافيات المروّة ما أنبأت عن خساسة النفس، ودناءة الهمّة، وقلّة المبالاة في الدين »(147).
وقال في الاوّل ـ بعد كلام طويل: « إلاّ أن يقال: إنّ اشتراط المروّة في العدالة ليس تعبّدياً، بل لكشفه (عدم المروّة) عن عدم التقوى، لتلازمهما عادةً، لانّها أتباع محاسن العادات واجتناب مساويها وما تنفر منه النفس من المباحات ممّا يؤذن بدناءة الهمّة وقلّة المبالاة... »(148).


مناقشة التفصيل الاوّل

وأورد عليه الشيخ (قدس سره): بأنّ هذا التفصيل غير بعيد لكنّه في الحقيقة ليس تفصيلاً في مسألة اعتبار المروّة في نفس العدالة، بل هو قول بنفيه مطلقاً، إلاّ أنّه يوجب الوهن في حسن الظاهر الذي هو طريق إليها.
ويؤيّد كلام الشيخ (قدس سره) ما نراه في الرسائل العملية: من تقييدهم أحياناً العدالة بترك منافيات المروّة، وإطلاقهم أحياناً أُخر.
1. ففي نجاة العباد لصاحب الجواهر قال: « والمراد بها (أي: العدالة) حسن الظاهر باجتناب منافيات المروّة الدالّة على عدم مبالاة مرتكبها بالدين »(149).
وفي صراط النجاة للشيخ الانصاري (قدس سره) ما ترجمته: « إذا حصل للمأموم العلم بأنّ الامام له حالة تمنعه عن ارتكاب المعصية الكبيرة والاصرار على الصغيرة... وليس له عدم الاعتناء بالدين... فاقتد به »(150).
ولم يعلّق على هاتين العبارتين الشيرازيان، والرشتي، والكاظمان: اليزدي والخراساني، والحاج آقا رضا الهمداني وغيرهم، والشيخ في حاشيته على نجاة العباد لم يعلّق هنا.
وهذا ربما يدلّ على ما قاله الشيخ (قدس سره): من أنّ ذلك قول بنفي اشتراط المروّة مطلقاً، فتأمّل.
كما يرد عليه أيضاً: على ما حقّقناه في الجمع بين روايات العدالة: من أنّه يكفي فيها حسن الظاهر تعبّداً، وإن لم يكشف عن حسن الواقع.
وبعبارة أُخرى: كون العدالة هو حسن الظاهر، لا أنّ حسن الظاهر طريق إلى العدالة التي هي حسن الواقع، فلو كشف فعل ما ينافي المروّة عن قلّة المبالاة الواقعية بالدين ـ بالمعنى العام للدين الشامل لمثل ذلك ـ بما لا ينافي حسن الظاهر، وصدق فيه: أنّه « يعرف منه خير » ونحوه لم يضرّ بالعدالة.
لكنّه مشكل جدّاً إذا علم قبح الواقع، فحسن الظاهر وإن لم يكن طريقاً كاشفاً عن حسن الواقع لا علماً ولا ظنّاً، ولكنّه يجب أن لا يكون منكشفاً خلافه، وسيأتي بيانه في التنبيه السابع إن شاء الله تعالى.


التفصيل الثاني

ومنها: التفصيل الذي ذكره بعض مراجع العصر في تقريراته: من أنّ ما ينافي المروّة قد يكون حراماً لكونه هتكاً للمؤمن ومثّل له بما إذا خرج أحد المراجع العظام إلى الاسواق بلا عباءة، أو جلس في الطرقات، أو دخل المقاهي، وبالاخصّ إذا اقترن معه بعض الاُمور غير المناسبة، فإنّه لا شبهة في أنّه هتك في حقّه، وموجب لسقوطه عن الانظار.
فمثله ينافي العدالة، لا لانّه مناف للمروّة فقط، بل لانّه موجب لهتك المؤمن، الحرام.


مناقشة التفصيل الثاني

وفيه: أنّه نفسه قد اعترف بأنّ ذلك من أجل كونه حراماً، ولا نضائق في أنّ الحرام ـ ولو لعنوان ثانوي ـ يخدش بالعدالة، وإن كان قد تأمّل بعض مع ذلك في منافاة مثل هذا الحرام للعدالة من جهة عدم منافاة مثله للعناوين المأخوذة في تفسير العدالة في الاخبار، مثل: صحيح علقمة، ونحوه ممّا لم يشترط في العدالة عدم المعصية مطلقاً حتّى الصغائر التي سيأتي البحث عنها، ثمّ أكّد ذلك بعدم صدق الفسق على مثل هذا الصنيع، فتأمّل.


التفصيل الثالث

ومنها: ما اختاره الاخ الاكبر: من أنّ منافيات المروّة قد تنافي عرفاً الستر والعفّة الواردين في روايات العدالة، كما لو ركب الفقيه الحمار مقلوباً، أو صارع في السوق مع سوقي لاظهار شجاعته، أو هرول بين الناس كما يفعله المجانين بلا داع معتد به، ممّا لم يكن يصدق عليه عرفاً أنّه ساتر أو عفيف.
فمثله ينافي العدالة لا لانّه مناف للمروّة، بل لانّه ينافي ما أخذ في تفسير العدالة من « الستر » و « العفاف »، وإلاّ فلا.


مناقشة التفصيل الثالث

وهذا التفصيل وإن كان حسناً في نفسه، إلاّ أنّه ـ مضافاً إلى ما ذكره هو: من أنّه ليس تفصيلاً في المروّة ـ ينسجم مع بعض المراتب العالية من العدالة، لا لاصل العدالة بناءً على ما بنينا عليه: من كون أصل العدالة أن يصدق عليه: أنّه « يعرف منه خير » وأن يصدق عليه: أنّه « حسن الظاهر » ـ على تفسيرهما بالحلال والحرام الشرعيين بالعناوين الاوّلية ـ ونحو ذلك ممّا لا ينافيه تلك الاعمال إذا لم تدخله العناوين الثانوية في المحرّمات.


التفصيل الرابع

ومنها: ما في تقريرات بعض الاجلّة المعاصرين: من أنّ منافيات المروّة على أقسام:
تارةً: يستلزم الطعن في عرض الرجل، كما إذا لبس رئيس الشيعة لباس أقبح الجند من غير داع إلى ذلك وخرج إلى السوق.
وأُخرى يكون بحيث يتراءى منه نقصان عقل فاعله.
وثالثة: ما لا يوجب شيئاً من ذلك وإنّما يكون ممّا يستهجن عادة من دون قبح شرعي أو عقلي فيه، كالاكل في السوق ونحوه.
قال: أمّا الاوّلان: فلا كلام في منافاتهما للعدالة، أمّا الاوّل: فللامر بحفظ العرض، وأمّا الثاني: فواضح، وأمّا الاخير: فالاظهر عدم اعتباره في العدالة.


مناقشة التفصيل الرابع

وفيه: ـ مضافاً إلى ما في غيره: من أنّه لا نسلّم ذلك إذا لم يبلغ الاوّلان مرتبة الحرام الشرعي بالعناوين الاُخرى، ومعه يخرجه عن موضوع البحث إذ صار منافياً للعدالة، لانّه أصبح حراماً لا لانّه مناف للمروّة والكلام في الثاني لا في الاوّل ـ أنّ في الامر الوجوبي بحفظ العرض مطلقاً وفي وضوح الثاني مطلقاً نظر، كما لا يخفى.
وهناك تفصيلات أُخرى في المسألة تشبه التفصيلات الانفة.


خلاصة الكلام

وجملة القول: أنّ منافيات المروّة من حيث هي منافيات المروّة ـ دون أن ينطبق عليها عنوان ثانوي آخر كما هو مفروض البحث ـ لا تنافي العدالة مطلقاً، لعدم ذكر له ولا عين ولا أثر في أخبار العدالة على كثرتها واختلاف لهجاتها وألسنتها، مع أنّه ممّا يغفل عامّة الناس عنه، ولو كان مثله شرطاً لبان.
والقول: بأنّها داخلة في صدق « الستر » و « العفاف » و « لم نر منه إلاّ خيراً » و « كونه خيراً » أو « إذا علم منه خير » ونحوه، غير واضح.
مع أنّ قوله (عليه السلام) في صحيح علقمة: « فهو من أهل العدالة والستر » بعد قوله (عليه السلام): « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً ولم يشهد عليه بذلك شاهدان » شارح لروايات « الستر » و « العفاف » بأنّ القصد منها ذلك: أن لا يرى على ذنب، ولم يشهد عليه شاهدان بالذنب، ونحو ذلك.
وما قيل: من سقوط الرواية سنداً، فلا حكومة لها على روايات « الستر » و « العفاف »، أو أنّه يجب تقييدها بما لا ينافي روايات « الستر »، أو غير ذلك، غير ظاهر الوجه، بعد كونه خرقاً للقواعد المسلّمة في الاُصول، إذ قد علمت سابقاً صحّة الرواية سنداً أو لا أقلّ من حسنها.


هنا تتمّة

تتمّة: بناءً على كون منافيات المروّة مخلّة بالعدالة، فهل المخلّ بها مجرّد فعلها، أو الاصرار عليها ؟
ظاهر إطلاق الاصحاب: الاوّل، وقد صرّح به ـ في كتاب الصلاة في بحث عدالة إمام الجماعة ـ الشيخ حسن نجل كاشف الغطاء (قدس سرهما) قال في أنواره: « والكبائر ومنافيات المروّة يكفي فعلها مرّة في الاخلال بها »(151).
إلاّ أنّه هو نفسه في شرحه على مقدّمة كشف والده أفتى بخلافه، قال: « وعلى اشتراط المروّة فهل يخلّ بالعدالة فعل ما ينافيها مرّة، أو لا يخلّ إلاّ الاصرار ؟ الاظهر الثاني »(152).
ويمكن توجيهه بأمرين:
أحدهما: أنّ الصغيرة مع كونها معصية لا تنافي العدالة إلاّ بالاصرار، فكيف تكون منافيات المروّة مخلّة بالعدالة حتّى بلا إصرار ؟
ثانيهما: أنّه لا يصدق منافي المروّة إلاّ بالاصرار عليه، ومع صدوره مرّة واحدة لا يصدق عليه أنّه مناف المروّة.
وفي الوجهين نظر:
أمّا الاوّل: فلكونه استبعاداً غير مستند إلى أدلّة شرعية.
وأمّا الثاني: فلعدم تسليمه، إذ هناك منافيات للمروّة يصدق عليها الموضوع بمجرّد صدوره مرّة واحدة ولو في العمر كأن يطأ الشخص الشريف جاريته في مجتمع مزدحم تحت غطاء تستر الجارية والمقدار الواجب من الرجل فقط.
والظاهر: كون التفصيل بين منافيات المروّة موضوعاً بالصدق على بعضها بلا إصرار، وبعدم الصدق على بعض آخر إلاّ مع الاصرار في محلّه، لكونها أُموراً عرفية خارجية تختلف شدّة وضعفاً في الازمان والامكنة والملابسات الاُخرى.
وكونه خلاف الاجماع المركّب غير مسلّم إن لم يكن مسلّم العدم، لعدم تعرّض معظم الفقهاء ممّن يحضرني كتبهم أو أقوالهم للمسألة.
وربما يؤيّد ما قلناه: ما ذكره الشيخ حسن كاشف الغطاء (قدس سره) في عدالة إمام الجماعة من كتاب الصلاة، قال: « ولا يبعد القول بأنّ منافيات المروّة إن دلّت على نقص التقوى أخلّت بالعدالة وإلاّ فلا »(153) وواضح أنّ بعض منافيات المروّة تدلّ على هذا النقص بمجرّد فعله مرّة واحدة، وبعضها ليس كذلك.
والامر هيّن على من يشترط ذلك في العدالة.


التنبيه الثالث: المروّة وترك المندوبات

التنبيه الثالث من تنبيهات باب العدالة: هل ترك المندوبات ينافي العدالة ؟ وعلى فرض المنافاة هل لكونها معصية، أم لمخالفتها للمروّة ؟
فيها خلاف، ووجوه:
قيل: إنّه لم يرد عن أحد من القدماء تعرّض لهذه المسألة، وإنّما بحثها المتأخّرون بدءاً بالمحقّق في الشرائع.
فمن قائل بالقدح مطلقاً، ومن قائل بالعدم مطلقاً، ومن مفصّل بين ما لو بلغ حدّاً أوجب صدق عنوان التهاون بالسنن فالقدح، وبين غير ذلك فالعدم.
ولعلّ مرجع القولين الاوّلين إلى الثالث، فالقائل بالقدح كان نظره إلى أنّ الترك تهاون بالسنن، والقائل بالعدم نظره إلى أنّ مجرّد ذلك لا يلازمه عرفاً.
ولا يخفى أنّ البحث إنّما هو في ترك جميع المندوبات مطلقاً وفي جميع الاحوال من غير عذر أو انشغال، كما هو صريح بعضهم، ومنصرف آخرين.
حتّى أنّ الذي مال إلى القدح في ترك بعض المندوبات كالمسالك يظهر منه الترك لكلّ أفراده في كلّ حال كالجماعة والنوافل ونحو ذلك.
وهذا البحث لا يتوقّف على القول بقدح الصغائر في العدالة، ولا على القول بقدح منافيات المروّة لها، لانّ دليل كلّ واحدة من هذه المسألة والمسألتين السابقتين يختلف عن غيره كما لا يخفى، فقد يقتنع فقيه بأدلّة كلّ المسائل الثلاث، وقد لا يقتنع بشيء منها، وقد يختلف نظره في بعضها عن بعضها الاخر.


الاستدلال لحرمة ترك المندوبات بأُمور
الامر الاوّل

وكيف كان: فعن المفتاح أنّه نقل عن بعضهم القول بحرمة ترك المندوبات صريحاً، ووجوب فعل شيء منها في الجملة واستدلّ لذلك بأُمور:
الاوّل: استقلال العقل بقبح ذلك، لا سيّما إذا كان صادراً عن العلماء والصلحاء خصوصاً في شهر رمضان فكيف بتمام مدّة العمر ؟
وفيه: أنّ القبح مطلقاً الاعمّ من الحرام المستوجب للعقاب لا يضرّ بالعدالة، والقبح البالغ المستوجب للعقاب لا دليل عليه لا من العقل ولا من النقل.
وأمّا صدور ذلك عن العلماء والصلحاء، فإنّ ترتّب عليه عنوان ثانوي محرّم فهو لا ينحصر في ترك كلّ المندوبات، بل قد يلازم العناوين الثانوية لترك بعض المندوبات، بل وبعض العرفيات، بل والمباحات أحياناً، وإن لم يترتّب عليه عنوان ثانوي محرّم فلا يضرّ بالعدالة، وإن كان المقصود غلبة ملازمة ذلك لبعض العناوين المحرّمة، فهو لا يكون ملاكاً لجعل حكم شرعي.
وأمّا تخصيص شهر رمضان، وتمام مدّة العمر، ونحو ذلك فهي أشبه بالخطابة منها إلى البرهان.


الامر الثاني

الثاني: أنّ ترك جميع المندوبات من منافيات المروّة، والمروّة لازمة في العدالة شرطاً أو شطراً، مضافاً إلى أنّ بعض المندوبات من المروّة الذي تركه ترك للمروّة ومناف لها.
وفيه: إشكال صغرى وكبرى كما لا يخفى، وكون بعضها من المروّة، لا يوجب الحكم فيه بما حكم في المروّة، إذ الاعمّ من وجه لا يوجب تعدية الحكم فيه من أحد العامّين إلى الاخر.


الامر الثالث

الثالث: دلالة بعض الروايات الواردة في ترك بعض المستحبّات وفعل بعض المكروهات من اللعن والعذاب ونحوهما، الذي يستفاد منه عرفاً: أنّ تارك كلّ المندوبات لا يعتبره الشرع عدلاً، ولا يرضى بالصلاة خلفه، ولا تقليده، ولا التقاضي إليه، ولا قبول شهادته، ونحوها.
وفيه: أنّ هذه الاستفادة غير ظاهرة عرفاً، ومع عدم الظهور لا حجّية لها.
مع أنّ اللعن والعذاب ونحوهما بالمعنى المجامع لجواز الطرفين غير مضرّ بالعدالة، وبالمعنى غير المجامع لجواز الطرفين، لا حجّية لتلك الروايات على هذا المعنى: إمّا سنداً، أو دلالة، أو إعراضاً، أو قرينة حالية أو مقالية.


عدم حرمة ترك المندوبات وأدلّته

واستدلّ لعدم حرمة ترك المندوبات بأُمور أيضاً:
الاوّل: ـ على ما في شهادات الجواهر ـ من « ضروة عدم المعصية في ترك جميع المندوبات أو فعل جميع المكروهات من حيث الاذن فيهما »(154).
الثاني: ما ورد مستفيضاً: من أنّ من عمل بما فرض الله تعالى عليه فهو أعبد الناس، ونحوه غيره.
الثالث: أدلّة المستحبّات والمكروهات أنفسها، الملازمة لترك جميع المندوبات، وفعل جميع المكروهات، لعدم الفرق بين بعضها، وجميعها.
وما أُورد على الجميع: من صيرورة الترك للجميع من المعصية، ومن أنّ ادّعاء الضرورة من الجواهر في غير محلّه، فيكون ممّا افترض، ولا ملازمة بين أدلّة المستحبّات والمكروهات واحداً واحداً وبين مخالفة الجميع، غير تامّ.
وإنّما لم يكن ما أُورد تامّاً: لانّ ذلك كلّه إذا لازم عنواناً ثانوياً محرّماً فهو خروج عن البحث، وإذا لم يلازم فلا إشكال.


القائلون بالتفصيل وأدلّتهم

واستدلّ للتفصيل الذي ورد في الشرائع، ونقل عن التحرير، والقواعد، والتلخيص، والدروس، والروضة، والمسالك، والكفاية وغيرها، بين إيذان ذلك بالتهاون بالسنن فالقدح في العدالة، وبين عدمه فالعدم، بأُمور:


الدليل الاوّل

أحدها: الاجماع، استظهر من الكفاية، حيث أسنده إلى الاصحاب فيما حكي عنه، وفي الجواهر احتماله حيث قال ـ بعد نقل التفصيل ـ: « ولكن الانصاف عدم خلوّه من البحث إن لم يكن إجماعاً ».
وفيه: أنّ المحصّل منه مقطوع العدم بالخلاف، والمنقول منه غير معتبر، خصوصاً في مثل هذه المسألة التي لم يتعرّض لها القدماء إطلاقاً ـ كما قيل ـ ولا جملة من المتأخرين.


الدليل الثاني

ثانيها: التعليل الذي ذكره الفاضل (قدس سره) في قدح منافيات المروّة: بأنّها تدلّ على قلّة المبالاة بالدين، وفقدان الثقة ـ الواردة نصّاً بمختلف اشتقاقاتها في بعض روايات العدالة ـ عن التارك للمندوبات.
وفيه: إشكال صغرى وكبرى كما مرّ.


الدليل الثالث

ثالثها: ما عن بعضهم من أنّ المستفاد من الاخبار وعبارات الاصحاب لزوم تعظيم الشرع وحرمة إهانته، والتهاون نوع تحقير وإهانة محرّمة.
وفيه: الاشكال في ذلك صغرى، لعدم الاهانة والتحقير مع إجازة الشارع نفسه للترك، مع أنّ التهاون بالسنن غير التهاون بالشرع.

الدليل الرابع

رابعها: ما ورد عن الامام الصادق (عليه السلام) من: « أنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة »(155).
بضميمة أنّ المفهوم عرفاً من أنّ الاستخفاف بما هو محرّم، ولا خصوصية للصلاة، بل يعمّ من استخفاف بالدين.
وفيه: ـ مضافاً إلى ظهور الخصوصية بالصلاة لاهميّتها الكثيرة ـ أنّ ترك المندوبات مستنداً بإجازة الشارع ليس استخفافاً بالدين.


استدلال المفصّلين بالروايات

ثمّ إنّ المحكي عن المسالك، والكفاية، ومجمع الاردبيلي، والبحار وغيرهم: أنّ ترك الجماعة مطلقاً إماماً ومأموماً دائماً قادح في العدالة، لما ورد صريحاً في ذلك، كصحيح ابن أبي يعفور ـ فيما روي عن التهذيب ـ عن النبي (صلى الله عليه وآله): « لا غيبة إلاّ لمن صلّى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، وسقطت بينهم عدالته، ووجب هجرانه، وإذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذّره، فإن حضر جماعة المسلمين وإلاّ أُحرق عليه بيته، ومن لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته وثبتت عدالته بينهم »(156).
وعن الذكر نحوه.
وعن الشهيد الثاني عن الامام الباقر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): « من سمع النداء فلم يجبه من غير علّة فلا صلاة له »(157).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله): « لا تسلّموا على يهود أُمّتي، قيل يارسول الله ومن يهود أُمّتك ؟ قال: الذين يتركون صلاة العصر مع الجماعة »(158).
وبمضامينها روايات أُخر.


مناقشة روايات المفصّلين

لكن فيه أوّلاً: إرسال غير صحيح ابن أبي يعفور، يمنع عن العمل به.
وثانياً: أنّها معارضة بما دلّ على خلافها وما أكثره.
وثالثاً: أنّ ظاهره وجوب الجماعة، وهو ممنوع بضرورة المذهب بل الاسلام، إلاّ في الجمعة والعيدين ـ بشرائطهما ـ.
ورابعاً: إعراض الاصحاب عنها يمنع الاعتماد عليها.
وخامساً: وهو الاهمّ أنّ ذلك كان بالنسبة للجماعة التي كان إمامها النبي (صلى الله عليه وآله) بشخصه، ولا إشكال ظاهراً في أنّ ذلك خصوصاً مع استمراره هو من علامات النفاق، فلا يسري الحكم إلى مثل أيّامنا.
نعم، لو صارت الجماعة في ظروف وملابسات خاصّة شعاراً للاسلام أو للمذهب الحقّ، وكان عدم حضوره ـ مع الاعتقاد بعدالة الامام ـ هدماً لشوكة الاسلام وتقوية لاهل الباطل التزمنا بحرمته ومنافاته للعدالة، ولكن لهذا العنوان الثانوي لا لترك الجماعة. والله العالم.


استنتاج

والحاصل: أنّه لم يظهر دليل متين على أنّ ترك المندوبات كلاً أو بعضاً قادح في العدالة، ولكن مع هذا كلّه قد يكون هذا الترك يكشف عن أمر يكون
تنبيهات باب العدالة: التنبيه الرابع والخامس
ذلك قادحاً في العدالة، ولا نضائق فيه، بل نلتزم به.
وعليه: فإن أراد القائلون بالقدح ذلك، فالنزاع لفظي ـ وقد يستظهر ذلك من بعضهم أو يحتمل منه ـ وإن أرادوا غيره فلا، والاحتياط خصوصاً في أمثال الحقوق فيما نحن فيه حسن، والله العالم.


التنبيه الرابع: العدالة وارتكاب الحرام جهلاً

التنبيه الرابع من تنبيهات باب العدالة: الشخص الذي يملك نفسية باعثة على ملازمة التقوى ولكنّه جاهل ببعض المحرّمات، فيمكن صدورها عنه لا مع العلم بمخالفته للشرع ولكن للجهل بكونه حراماً، نظير الاعراب الذين يجهلون ـ حتّى اليوم ـ كثيراً من أحكام الاسلام، فهل مثله عادل أم لا ؟
مقتضى القاعدة: كونه عادلاً على القول بكونها الملكة فقط، وكذلك على بقية الاقوال الاربعة إذا لم يصدر منه الحرام، وأمّا إن صدر عنه الحرام أحياناً للجهل بحرمته فالظاهر عدم كونه عادلاً:
أمّا على القولين الذين كانا يشترطان عدم المعصية مطلقاً مع الملكة أو بدونها، فظاهر.
وأمّا على القول بكون العدالة هي: حسن الظاهر، فإنّ صدور المعصية أحياناً ينافي حسن الظاهر.
وأمّا على القول بالاسلام وعدم ظهور الفسق، فقد يقال بعدالة مثله لعدم صدق « الفاسق » على مثل هذا الجاهل، لانّ الفسق ـ على الظاهر ـ ليس مطلق العمل بالمعصية، وإنّما هو المعصية عن فهم وإدراك وعناد، كما ربما يستفاد ذلك من استعمال مادّة « الفسق » في أكثر من خمسين مورداً من القرآن الحكيم.
ويساعده تفسيره اللغوي أيضاً بـ « العصيان » و « الخروج عن طاعة الله » ونحوهما ممّا يستشعر منها: العلم والعمد.


التفصيل في المقام

وربما يفصّل في المقام: بأنّ المعاصي التي تصدر عنه جهلاً حكمياً بها، إن كان عن قصور، فلا تضرّ بعدالته، لعدم صدق العصيان، ومخالفة الله في حقّه، وإن كان عن تقصير، أضرّت بعدالته، وهو وجيه.


التنبيه الخامس: العدالة وآثارها الخاصّة

التنبيه الخامس من تنبيهات باب العدالة: مقتضى القاعدة في الابواب المتشابهة موضوعاً أو حكماً: ملاحظة أخبار كلّ باب لاثبات أو نفي الحكم أو الموضوع في ذلك الباب.
فمثلاً: الغسل يجب بالجنابة، والحيض، والاستحاضة، ومسّ الاموات، ونحوها، ولكن أحكامها في الابواب المختلفة متفاوتة، فغسل الجنابة لا يجوز الوضوء معه، بينما ليس كذلك ـ على المشهور ـ غسل مسّ الميّت، فلو وجدنا: « إنّ الوضوء قبل غسل الجنابة وبعده لا يصحّ » فليس لنا الحكم على غسل مسّ الميّت به أيضاً لانّ كليهما غسل، إذ ذلك لا يخرجه عن القياس.
وكذلك مسألة العدالة، فقد وردت في مرجع التقليد، والقاضي، وإمام الجماعة، وشهود الطلاق وغيرها، ولو ثبت للعدالة آثار خاصّة موضوعاً أو حكماً في باب، لا يجوز تعدية تلك الاثار إلى باب آخر.
نعم، إذا فهم المناط القطعي في الابواب المختلفة جاز ذلك، ولكنّه لا يفيد سوى من حصل له القطع بالمناط.


العدالة المعروف عنها بين الفقهاء

والمعروف بين الفقهاء: وحدة موضوع « العدالة » في الابواب المتفرّقة،
تنبيهات باب العدالة: التنبيه السادس والسابع
وإن ذهب بعض آخر إلى التفاوت تبعاً لما ربما يستظهر من التفاوت في الاخبار، فالتزموا بأنّ عدالة إمام الجماعة أهون موضوعاً من عدالة الشاهد، وهي من عدالة القاضي، وهي من عدالة مرجع التقليد.
ولعلّ الاظهر الثاني، وإن كان الاوّل لا يخلو عن وجه.
نعم، قد يقال: بأنّه إذا لم يستظهر من الادلّة شيء، وحصل الشكّ في الحقيقة التعيينية أو التعيّنية، فلا يخلو الاستعانة بفهم المشهور من وجه، وذلك لبناء العقلاء على اتّباع أهل الخبرة فيما هم أهل خبرته، حتّى لمن كان هو من أهل الخبرة إذا لم يظهر لديه خطأهم ـ كما تكرّر منّا ذلك ـ.
وما اشتهر على الالسن في العصور المتأخّرة: من عدم حجّية الجبر الدلالي بالشهرة، فهو ـ مضافاً إلى عدم دليل معتمد له على إطلاقه ـ لم يلتزم به معظم القائلين به في الفقه، وإن صرّح بعضهم به في الاُصول، لكنّه خالفه ـ بنفسه ـ في الفقه غير مرّة والله العالم.


التنبيه السادس: العدالة وشرائطها الخاصّة

التنبيه السادس من تنبيهات باب العدالة وشرائطها الخاصّة في كلّ فرد من أفرادها.
قال في « موسوعة الفقه »: « إذا ورد دليل على اشتراط معنى في مسألة، لا يصحّ أن يرجع ذلك الشرط إلى معنى آخر، ثمّ النزاع في ذلك المعنى الثاني، بل اللازم الاخذ بنفس المعنى الاوّل واتّباع ظهوره العرفي ».
ومن هذا القبيل ما نحن فيه، فإنّه لم يرد في باب الفتوى رواية تدلّ على اشتراط العدالة في المرجع بهذا اللفظ بل ليس في المقام إلاّ مثل رواية الاحتجاج: « من كان من الفقهاء صائناً لنفسه... ».
فإنّ الشرط الذي تضمّنته وهو: صيانة النفس وحفظ الدين ومخالفة الهوى وإطاعة المولى وغير ذلك، ممّا اشتمل عليه سائر فقراتها أُمور مبيّنة عند العرف والشرع، فاللازم اشتراطها في المرجع، لا إرجاعها إلى العدالة ثمّ تفسير العدالة بالمعنى الذي ورد في باب الشهادة أو باب الجماعة، ثمّ النزاع في أنّها ملكة أو حسن الظاهر أو غير ذلك.


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ إرجاع باب الفتوى والادلّة الواردة في لزوم تحفّظ المرجع على جهاته الدينية إلى العدالة، ثمّ تفسير العدالة بالملكة أو غيرها، ثمّ الاستدلال ببعض الاشعارات الواردة في باب الامامة والشهادة ونحوها أشبه شيء بإلحاق باب بباب بلا جامع، إلاّ أن يفهم من تلك المضامين العدالة، كما ليس ببعيد.
والانصاف: أنّه كلام في محلّه، ويظهر عن الحدائق أيضاً ذلك، حيث حكي عنه أنّه قال: « يعتبر في القاضي والمفتي أعلى مراتب العدالة » كما أنّ دأب الفقهاء في غير هذه المسألة على عدم إلحاق باب بباب آخر، لكن المعروف بينهم في مسألة العدالة الالحاق.


التنبيه السابع: العدالة بين الصغيرة والكبيرة

التنبيه السابع من تنبيهات باب العدالة: المشهور على التفصيل بين الكبيرة والصغيرة: بمنافاة فعل الكبيرة للعدالة مطلقاً، وعدم منافاة الصغيرة للعدالة إلاّ مع الاصرار عليها، وتنقيح المبحث يستدعي رسم جهات:


هنا جهات
الجهة الاُولى: في أقوال المسألة

أمّا الجهة الاُولى من جهات البحث في الكبيرة والصغيرة: فهي في أقوال المسألة.


القول الاوّل

الاوّل: أنّ المعاصي كلّها كبائر وإنّما تختلف بالنسبة إلى الاكبر منها، كما نقل القول به عن المفيد، والقاضي، وأبي الصلاح، والطبرسي، والحلّي، والشيخ في العدّة، وعن العدّة نسبته إلى الاصحاب، وحكي عن ظاهر الطبرسي والحلّي الاجماع عليه، ويظهر القول به عن الصدوق (قدس سره) حيث قال ـ كما في الوسائل ـ: « الاخبار في الكبائر ليست مختلفة، لانّ كلّ ذنب بعد الشرك كبير بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، وكلّ كبير صغير بالنسبة إلى الشرك بالله »(159) كما يظهر من صاحب الوسائل ارتضاء هذا القول.


القول الثاني

الثاني: أنّ المعاصي على قسمين: كبائر بقول مطلق، وصغائر بقول مطلق، وهو المعروف المشهور قديماً وحديثاً ـ كما قيل ـ وعن مفتاح الكرامة نسبته إلى قاطبة المتأخرين، وعن مجمع البرهان نسبته إلى العلماء، وهو المحكي عن المبسوط وابن حمزة والفاضلين، وحكي عن الصيمري والشيخ البهائي الاجماع عليه.


القول الثالث

الثالث: أنّ المحكي عن أربعين الشيخ البهائي: التفصيل، حيث قال: « ويحتمل أن يكون لفظ الكبائر في الكتاب والسنّة يطلق تارةً على جميع الذنوب، وتارةً على بعضها، بل هذا هو الظاهر الذي ينبغي الجزم به »(160).


القول المنتخب والدليل عليه

والذي: يقوى في النظر هو الثاني، وقد استدلّ له بالكتاب والسنّة والاجماع.


الدليل الاوّل للقول المنتخب: الاجماع

أمّا الاجماع: فموهون بوجود الخلاف وجداناً في المسألة، لكن دلالة الاخرين تامّة.


الدليل الثاني للقول المنتخب: الكتاب

وأمّا الكتاب: فآيات:
منها: قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً)(161).
والمعنى: إن تجتنبوا عن المعاصي الكبيرة من مجموع المعاصي التي تنهون عنه، نغفر لكم أعمالكم السيّئة (أي: الصغائر) وندخلكم الجنّة، والذي يدلّ عليه من الاية على وجود كبائر وصغائر في المعاصي كلمة: « كبائر » وإضافتها إلى: « ما تنهون عنه » و « سيّئاتكم ».
والاية ظاهرة في المطلب بلا إشكال.
ومنها: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)(162).
ومنها: قوله سبحانه: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ)(163).
ودلالتهما ظاهرة على أنّ « الاثم » على قسمين: منها كبائر، ومنها غير كبائر.


إشكال وجواب

وما أُورد على دلالتها على ذلك:
من أنّ المراد بالكبائر فيها: جميع المعاصي، والمقصود بالسيّئات المكفّر عنها: سيّئات المؤمنين قبل نزول الاية، تنظيراً بقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)(164).
ومن أنّ المراد باجتناب الكبائر: العزم على اجتناب المعاصي، وبالسيّئات: فكر المعصية.
أو احتمال أن يكون المراد بالكبائر: فعل المعاصي، وبالسيّئات: نيّة المعاصي مؤيّداً بما ورد: من أنّ نيّة الذنب لا تكتب وهي مغفورة.
أو احتمال أن يكون المراد بالكبائر: ما لم يستغفر منها، وبالسيّئات: ما استغفر عنها وتاب.
أو غير ذلك من الاحتمالات.
فلا يخرم الظهور المبتني على الدلالة العرفية، الذي لا ينافيه تطرّق ألف احتمال ـ مضافاً إلى أنّها محتملات استحسانية لا دليل عليها ـ.
مع أنّ التنظير بـ: (يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) في غير محلّه من جهات: التصريح بغفران الذنوب السابقة، وكفى به فارقاً، وكون آية الكبائر موجّهاً للمسلمين والاية الثانية للكفّار، وكونه قياساً وغير ذلك.
وكذلك تأييد الاحتمال الثالث برواية تدلّ على أنّ نيّة الذنب لا تكتب، غير وجيه، لكونهما مثبتين، ولعدم الدليل على وحدة موضوعهما.
مثلاً: لو وجب الوضوء لصلاة اصبح، ووجوب الوضوء لصلاة الظهر، فهل يدلّ ذلك على أنّ الصلاتين واحدة ؟
أو ورد: أنّ قضاء حاجة المؤمن يطفىء غضب الربّ، وورد أنّ التوبة تطفىء غضب الربّ، فهل يدلّ ذلك على أنّ التوبة هي قضاء حاجة المؤمن ؟


تأييد وتسديد

ومنها: ما يصلح مؤيّداً، وهو قوله عزّ من قائل: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الُْمجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(165).
وجه التأييد: أنّ المستفاد منها أنّ الصغيرة والكبيرة هما قسمان لما يراه المجرمون في كتابهم فيشفقون ويحزنون له، ويؤيّده: تعقيب « ما عملوا » بقوله: (وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً).
وهذه قرائن كلّها تؤيّد أنّ المقصود من الصغيرة والكبيرة هي: الذنوب الصغيرة والذنوب الكبيرة، لا مطلق الاعمال الصغيرة والكبيرة، بل حتّى لو استظهر مطلق الاعمال فلا شكّ أنّ محطّ الاشفاق هو الذنوب الصغيرة والكبيرة، إذ غيرهما من الكبائر والصغائر ليست مورداً للاشفاق، فتأمّل.


الدليل الثالث للقول المنتخب: السنّة

وأمّا السنّة فروايات كثيرة تدلّ بالدلالات الثلاث على أنّ المعاصي على قسمين: كبائر وصغائر، ولو جمعنا ما في الروايات من اسم: الكبائر والصغائر، والكبيرة والصغيرة ونحوها، لبلغت عدّة مئات، ولكن نذكر بعضها ونحوّل من أراد المزيد إلى كتابي: الوسائل والمستدرك في أبواب مقدّمة العبادات، وكتب الصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، والجهاد، والامر بالمعروف، والديّات وغيرها.


روايات تقسيم المعاصي إلى كبائر وصغائر

1. صحيح محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) قال: « من اجتنب الكبائر ـ ما أوعد الله عليه النار ـ إذا كان مؤمناً كفّر الله عنه سيئاته »(166) ودلالتهما على أنّ الذنوب كبائر وغير كبائر واضحة.
2. صحيح ابن سنان عن الامام الصادق (عليه السلام): « لا صغيرة مع الاصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار »(167).
3. وموثّقة ابن فضّال والحجّال جميعاً، عن ثعلبة، عن زياد، عن الامام الصادق (عليه السلام): « إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)نزل بأرض قرعاء فقال لاصحابه: ايتوا بحطب، فقالوا: يارسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، فقال (صلى الله عليه وآله): فليأت كلّ إنسان بما قدر عليه، فجاءوا به حتّى رموا بين يديه بعضه على بعض، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هكذا تجتمع الذنوب، ثمّ قال: إيّاكم والمحقّرات من الذنوب، فإنّ لكلّ شيء طالباً ألا وإن طالبها يكتب (مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْء أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين) »(168). ويمكن أن يكون مرسل الديلمي بعضاً من هذا الحديث، ولعلّه غيره.
4. وحديث شرائع الدين عن الامام الصادق (عليه السلام) في تعداد الكبائر: « والكبائر محرّمة وهي: الشرك بالله وقتل النفس ـ وآخره: ـ والاصرار على صغائر الذنوب »(169). وهو يدلّ على أنّ أصل فعل الصغائر ـ دون إصرار ليس بكبيرة.
5. مرسل الصدوق في الفقيه قال: قال الصادق (عليه السلام): « من اجتنب الكبائر يغفر الله جميع ذنوبه... »(170).
6. وفي نهج البلاغة في رسائل الامام (عليه السلام) في النهي عن عيب الناس في بعض كلامه: « وأيم الله لو لم يكن عصاه في الكبير لقد عصاه في الصغير ـ إلى أن قال (عليه السلام): ـ ولا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلّك تعذّب عليه... »(171).
7. ومرسل الكراجكي في كنز الفوائد عنه (صلى الله عليه وآله): « لا تنظروا إلى صغر الذنب ولكن انظروا إلى ما اجترأتم »(172).
وهناك أحاديث كثيرة في تعداد الكبائر ونحوها.


مناقشة القول المنتخب
المناقشة الاُولى

وقد أُورد على هذا القول إيرادان:
أحدهما: أنّ اختلاف الروايات الدالّة على تعداد الكبائر دليل على عدم كونها كبائر في مقابل صغائر، لانّ الاختلاف يكشف عن نوع من المسامحة والمجاز في التعبير على الاقل.
وفيه: أنّ الاختلاف في تعداد الاُمور الشرعية ليس بعزيز في الاخبار، حتّى أنّك لا تكاد تجد أُموراً متعدّدة في الواجبات، أو المحرّمات، أو المكروهات أو غيرها، إلاّ وفي أخبارها المعدّدة لها اختلاف، ففي واجبات الصلاة، وشرائط الوضوء، وتعداد النجاسات، والمطهّرات، والاغسال الواجبة والمستحبّة، والصلوات الواجبة، ومفطّرات الصوم، وتروك الاحرام، وغيرها موجود هذا الاختلاف.
مضافاً إلى أنّ مقتضى القاعدة في اختلاف الروايات ـ مثل ما نحن فيه ـ هو: جمع الحجّة منها بعضها مع بعض وتخصيص مفهوم بعضها ببعض، وإعمال سائر القواعد الاُصولية معها، لا أن يؤخذ الاختلاف قرينة على عدم وجود كبيرة في مقابل صغيرة رأساً.


المناقشة الثانية

ثانيهما: أنّ صحيح عبدالعظيم جعل مقياس الكبائر ما توعّد الله عليه النار، ثمّ ذكر فيه ما ليس كذلك: ككتمان الشهادة، أو جعل له في القرآن عقوبة غير النار كأكل الربا، والغلول، والسحر وغيرها، ومثل ذلك يدلّ على عدم وجود كبائر وصغائر.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ بعض ما ذكر بل كلّها هي ممّا ذكر في القرآن الوعيد عليها بالنار، ولكن بترتيب صفة عليها ثمّ ترتيب النار على تلك الصفة، ففي كتمان الشهادة يقول تعالى: (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)(173) ثمّ في آية أُخرى يتوعّد على الاثم العذاب بقوله سبحانه: (أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لاَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)(174) وهكذا ـ:
أنّ وجود مثل هذا في رواية لا يوجب سقوط جميع دلالاتها، وهل يسمح هذا المستدلّ بمثل ذلك على عدم كون ما ذكر في صحيح عبدالعظيم محرّمات لوجود هذه الملاحظة في الصحيح مع أنّ مثله ليس بعزيز في الاخبار فلاحظ ؟


القول الاوّل وأدلّته

واستدلّ للقول الاوّل القائل بأنّ الذنوب كلّها كبائر ـ وإنّما الخلاف في الكبر والصغر نسبي لا مطلق ـ بروايات لا تخلو عن المناقشة:


روايات تفسير الصغائر والكبائر

منها: ما ورد في تفسير الصغائر والكبائر: من أنّ الصغائر ما استغفر منها، والكبائر ما لم يستغفر منها.
مثل: موثّقة إسحاق بن عمّار: « عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ) فقال (عليه السلام): الفواحش الزنا والسرقة، واللمم الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر الله منه »(175).
والحسن بواحد من شيوخ الصدوق عن ابن أبي عمير، عن أبي الحسن (عليه السلام): « من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر، قال الله تعالى « إن تجتنبوا... » ـ إلى أن قال (عليه السلام): ـ قال النبي (صلى الله عليه وآله): لا كبير مع الاستغفار، ولا صغير مع الاصرار »(176).
وقد فسّر (عليه السلام) فيه الاصرار بأنّ من لم يندم عليها كان مصرّاً، والمصرّ لا يغفر له، ومثلهما غيرهما.
ويؤخذ على الاستدلال بهذه الطائفة لهذا القول: أنّ بيان المصداق ليس بحاصر، وكم له من نظائر كثيرة في الفقه، فمن مصاديق اللمم: الالمام بالذنب ثمّ الاستغفار منه، ومن مصاديقه المعاصي الصغائر.
وبعبارة أُخرى: كون هذا مصداقاً للّمم، لا ينفي كون غيره أيضاً مصداقاً له.
نعم، لو كان تفسير اللمم منحصراً في ذلك أمكن ادّعاء الحصر ولكن الامر ليس هكذا.
مع أنّ الاستدلال بالحسنة على القول بالصغائر أولى، فهل تفسير الامام (عليه السلام) الاصرار: بأنّه الذي لم يندم عليه فاعله يدلّ أو يشعر بعدم وجود الصغائر ؟
والغريب من بعض الاعلام المعاصرين الذي استدلّ بالحسنة على ذلك، ولم نعلم وجهه.
وهكذا غيرهما.


روايات شدّة المعاصي وحرمة الاستحقار

ومنها: ما دلّ على أنّ كلّ معصية شديدة، كالموثّق عن الامام الباقر (عليه السلام): « الذنوب كلّها شديدة وأشدّها ما نبت عليه اللحم والدم... »(177) بادّعاء مرادفتها للكبيرة.
وفيه: أنّ تفصيل الكبائر والصغائر حاكم على مثله ومفسّر له.
ومنها: ما دلّ على عدم جواز استحقار الذنب معلّلاً بأنّه قد يكون غضب الله فيه.
وفيه: أنّه لا إشكال كما لا خلاف ظاهراً في أنّ استحقار الذنب أيّ ذنب كان، هو في نفسه كبيرة، وأين استحقار الذنب، من فعل الذنب الصغير ؟
فالاستحقار حال الذنب عملان: ذنب، واستحقار، وإتيان الصغيرة عمل واحد، وهل الاستدلال بذلك إلاّ كالاستدلال بأنّ شارب الخمر مرتدّ يقتل، ثمّ الاستدلال له بأنّ من شربها مستحلاً كان مرتدّاً وحلّ دمه ؟


روايات الوعيد بالنار وعظمة الذنوب

ومنها: ما دلّ على أنّ الكبائر ما وعد الله عليه النار، بضميمة قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ)(178).
فإنّ كليهما يستفاد الايعاد على كلّ معصية بالنار.
وفيه: ـ مضافاً إلى إمكان انصراف (يَعْصِ) مادّة إلى الكبائر، ولا أقل من قرينيّة عشرات الروايات الدالّة بأنّ المعاصي كبائر وصغائر، والكبائر هي التي وعد عليها النار فقط على هذا الانصراف ـ أنّ أدلّة غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر تكون حاكمة عليها، بمقتضى التضييق الشرعي.
ومنها: صحيح الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في القنوت في الوتر ـ إلى أن قال: ـ « واستغفر لذنبك العظيم » ثمّ قال (عليه السلام): « كلّ ذنب عظيم »(179).
والجواب عنه ما مضى: من كون أدلّة تقسيم الذنوب على قسمين كبائر وصغائر حاكمة على مثل هذا.
مضافاً إلى عدم دلالة الصحيح على نفي الصغائر، إذ كونها عظيمة لا تنافي إنقسامها إلى قسمين شرعاً: صغائر وكبائر، للجمع بين الادلّة، ولعلّ العظيم هنا باعتبار ما ورد من أنّه: « لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت »(180).
فظهر: أنّ الاقوى هو القول الثاني المنتخب، القائل: إنّ السيّئات على قسمين: كبائر بقول مطلق، وصغائر بقول مطلق.


روايات عدّ الكذب من الكبائر

ثمّ إنّه حكي عن بعض الاعلام كون الكذب من الكبائر التي يعتبر اجتنابها في تحقّق موضوع العدالة وإن خلت أخبار الكبائر عن ذكره، واستدلّ لذلك بأنّ الغرض الاصلي في العدالة هو التحرّز عن الكذب ليحصل الوثوق بقوله في الراوي والشاهد وحاكم الشرع، قال: ولو فرض كونه من الصغائر وعدم قدح الصغيرة في العدالة كان منافياً للغرض المقصود.
وفيه: مواضع للنظر غير أنّ المهمّ منها أنّ الكذب يدخل تحت اثنتين من العلامات الثلاث للكبائر، فقد ورد عدّه في الكبائر في الصحيح أو الحسن المروي عن الامام الرضا (عليه السلام) في تعداد الكبائر كما سيجيء(181).
كما أنّه ورد في الحديث « أنّ الكذب شرّ من الشراب »(182). وورد أيضاً: « جعلت الخبائث في بيت وجعل مفتاحه الكذب »(183). ونحو ذلك.


الجهة الثانية: في مميّزات الكبائر والصغائر

وأمّا الجهة الثانية من جهات البحث في الكبيرة والصغيرة: فهي في أنّه بماذا تمتاز الكبائر عن الصغائر ؟


خمسة من طُرق التمييز

ذكر الشيخ (قدس سره) في رسالة « العدالة »(184) أنّها تمتاز بعدّة طرق:
الاوّل: النصّ المعتبر على كونها كبيرة مثل ما في صحيح عبدالعظيم وغيره.
الثاني: النصّ المعتبر على كونها ممّا أوجب الله عليه النار.
الثالث: النصّ في القرآن الحكيم على ثبوت العقاب عليها بالخصوص.
الرابع: دلالة النقل والعقل على أشدّية المعصية فيها عمّا ثبت كونها كبيرة، أو مساواتها لها.
الخامس: ورود النصّ بعدم قبول شهادته.


مناقشة طُرق التمييز المذكورة

أمّا الاوّل: فواضح.
وأمّا الثاني: فهو مسلّم، للنصوص المفسّرة للكبائر بكونها ممّا أوجب الله عليها النار.
وأمّا الرابع: فدليله الاولوية، أو قياس المساواة، وصحيح عبدالعظيم الاتي في تعداد الكبائر، وجاء فيه استدلال الامام الصادق (عليه السلام) على كون شرب الخمر من الكبائر، لانّ الله عزّوجلّ نهى عنها كما نهى عن عبادة الاوثان.
نعم، يبقى الكلام في الثالث والخامس.
أمّا الثالث: فقد استدلّ له الشيخ (رحمه الله) بأنّ النصّ في الكتاب على العقاب بالخصوص لشيء، دليل كونه كبيرة، واستدلّ لذلك بصحيحة عبدالعظيم المتضمّنة سؤال عمرو بن عبيد عن الامام الصادق (عليه السلام) عن الكبائر، وإجابة الامام (عليه السلام) للكبائر واستدلاله (عليه السلام) على كبيرة كلّ واحد منها بآية وعيد من القرآن.


مؤاخذات على الطريق الثالث

لكن قد يؤخذ عليها أوّلاً: ما ذكره الامام الصادق (عليه السلام) في الصحيح لعمرو ابن عبيد لم يكن كلّه نصوصاً عن القرآن الحكيم، وإنّما كان بعضه عن النبي (صلى الله عليه وآله)وهو ـ كما سيأتي نصّ الحديث قريباً ـ في ترك الصلاة متعمّداً من الاستدلال بقول النبي (صلى الله عليه وآله).
وثانياً: ليس كلّما ذكره الامام الصادق (عليه السلام) في الصحيح استدلالاً بالعقاب بالخصوص، وإنّما بعضه وعيد غير العقاب، مثل: (آثِمٌ قَلْبُهُ) و (لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الاْخِرَةِ) ونحو ذلك، فيلزم تعميم النصّ للسنّة أيضاً والعقاب إلى كلّ وعيد أو تهديد.
وثالثاً: أنّ الصحيحة لا تدلّ على كلّية ذلك، بل إنّما ذكرت محرّمات واستدلّت على كبيرتها بتهديدات في القرآن أو السنّة، فهل هذا يدلّ على الحصر ؟
اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ استدلال الامام (عليه السلام) لكبر كلّ كبيرة بأيّة عقاب أو تهديد من القرآن أو السنّة يدلّ عرفاً على ذلك، والله العالم.
ورابعاً: ثبوت العفو عن الصغائر، غير مناف مع ذكر عقاب أو وعيد أو تهديد بالخصوص على صغيرة، إذ العفو غير عدم ثبوت العقاب، بل مقتضاه ثبوت العقاب.
مضافاً إلى أنّ العفو مشروط باجتناب الكبائر، فلعلّ مع عدم اجتناب الكبائر لا يعفى عن الصغائر، فربما يكون شيء صغيرة وقد وعد عليها النار، أو العقاب، أو مطلق الوعيد، أو التهديد، ولا يغفر أيضاً لعدم اجتناب فاعلها الكبائر، فلا تلازم، فتأمّل.


تأمّلات في اطلاق الطريق الخامس

وأمّا الخامس: ففي إطلاقه تأمّل، وذلك:
أوّلاً: لا دليل عليه كلّياً.
وثانياً: على القول بكون الصغائر مطلقاً، وكذا منافيات المروّة منافية للعدالة موضوعاً أو حكماً، يشكل هذا الامر، إذ لعلّ المنافي صغيرة وليست بكبيرة، أو أنّه مناف للمروّة وليس معصية أصلاً حتّى يكون كبيرة.
وثالثاً: لا تنافي بين عدم قبول الشهادة، وعدم كونه معصية فكيف بالكبيرة كما ورد في ردّ شهادة من يجرّ النار إلى قرصه ونحوه ؟
ثمّ إنّ الظاهر سقوط: « أو عدم جواز الصلاة خلفه » من الخامس، إذ المثال الذي مثّل به الشيخ (قدس سره) ينسجم مع هذا المحذوف، لا مع عدم قبول شهادته، لانّه قال: « الخامس: أن يردّ النصّ بعدم قبول شهادته عليه، كما ورد النهي عن الصلاة خلف العاقّ لوالديه ».
ومعه فيكون المراد بردّ الشهادة الردّ من جهة كونه عاصياً غير عادل، وإلاّ فعدم جواز الصلاة خلفه أيضاً ينسجم مع العدالة، كما إذا كان مستصحباً للطهارة وكان المأموم يعلم ببطلان طهارته، أو كان الامام متوضّئاً بماء لاصالة طهارته وعلم المأموم نجاسته، أو كان الامام والمأموم واجدي المني في اللباس المشترك أو نحو ذلك ممّا لا يجوز معه الصلاة خلفه مع تمام عدالته.
اللهمّ إلاّ أن يضاف إليه: « من حيث فعل الكبيرة » وهو دوري، إلاّ أن يقال بظهور النهي عن الصلاة خلفه في كونه فاعلاً للكبيرة حتّى يثبت الخلاف، فتأمّل.


كلام الشهيدي في خامس الطُرق

وقد أغرب الشهيدي (قدس سره) في حاشيته على رسالة العدالة للشيخ (قدس سره) حيث قال بعد ذكر الخامس: « وكيف كان: فهذا الوجه لا بأس به فيما إذا علم من الخارج كون ذلك معصية، فإنّ عدم نفوذ شهادته حينئذ يدلّ على كونه كبيرة، بناءً على اختصاص القدح بالعدالة بالكبيرة من بين المعاصي... »(185) والامر سهل مع ظهور الحال.
أقول: على ما ذكره الشيخ (قدس سره) كان ينبغي إضافة: كلّما دلّ على عدم جواز كلّ مشترط بالعدالة، كالتقليد، والقضاء، وصيرورته شاهد طلاق، أو نحو ذلك ممّا اعتبره بعضهم كالقيّم على الصغار، أو الولي للاوقاف، أو المعطى له الزكاة أو الخمس، أو قضاء عبادات الميّت، وهلمّ جرّا.


نتيجة البحث

والحاصل: أنّ مقياس كون معصية كبيرة هو أحد ثلاثة أُمور: النصّ المعتبر على كونها كبيرة، أو النصّ المعتبر على أنّها ممّا أوجب الله عليها النار، أو ثبوت أشدّيته من كبيرة أُخرى أو مساواتها لها، وهذا هو مقتضى الجمع بين الادلّة.
نعم، لا يستبعد عثور الباحث المتفحّص على رواية تدلّ على أنّ كلّما ثبت عليه العقاب بالخصوص من الكبائر، أو ما ثبت في الكتاب بالخصوص، وإن قيل: باستبعاد أن يذكر عقاب بالخصوص في القرآن الحكيم لمعصية مع كونها صغيرة.


السادس من طرق التمييز

السادس: ارتكاز المتشرّعة، قال في الجواهر: « والذي يظهر أنّ الكبائر لم تثبت لها حقيقة شرعية، بل هي باقية على معناها اللغوي، والمراد بها هنا: كلّ معصية عظيمة في نفسها لا من جهة المعصي، ويعرف ذلك: إمّا من ورود الاخبار بأنّه كبيرة ـ إلى أن قال: ـ أو ما بقي عظمته في أنفس أهل الشرع وإن لم نعثر على غير النهي عنه »(186).
وقال أيضاً في عدّ الشطرنج من الكبائر: « مضافاً إلى ما عرفت من أنّ الكبيرة ما كانت كذلك عند أهل الشرع »(187).
وقال صاحب العروة الوثقى: « المعصية الكبيرة هي كلّ معصية ورد النصّ بكونها كبيرة، كجملة من المعاصي المذكورة في محلّها، أو ورد التوعيد بالنار عليه في الكتاب أو السنّة صريحاً أو ضمناً أو ورد في الكتاب أو السنّة كونه أعظم من إحدى الكبائر المنصوصة، أو الموعود عليها بالنار، أو كان عظيماً في أنفس أهل الشرع »(188).
ولم يعلّق عليه أحد من المحقّقين: النائيني والعراقي والحائري والشيرازي ابن العمّ والبروجردي والوالد والاخ (قدس سرهم).
وفي نجاة العباد: « المبحث الرابع يعتبر في الامام... والكبائر... هي كلّ معصية عظيمة في نفسها وتعرف بالنصّ عليها... أو بتوعّد النار عليها في كتاب أو سنّة صريحاً أو ضمناً، أو بعظمته في أنفس أهل الشرع »(189).
ولم يعلّق عليه أحد، ومنهم: الشيرازيان والكاظمان والهمداني والنائيني وشيخ الشريعة.


طرق أُخرى لتمييز الكبائر والصغائر

ثمّ إنّ هناك أقوالاً أُخرى كثيرة في مقياس الكبائر، وهي جميعاً غير خالية عن النقاش أو الخدشة.


أوّل الطرق المناقش فيها

أحدها: أنّ الكبيرة كلّ ما وعد الله عليه في الاخرة عقاباً، ووضع له في الدنيا حدّاً.
وفيه: أنّه منقوض بالربا، وولاية الكفّار، والاصرار على الصغائر ونحوها، فإنّها كبائر مع عدم وضع حدّ لها.


ثاني الطرق المناقش فيها

ثانيها: أنّها كلّ ما يشعر بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به.
وفيه: أنّ الزنا، وقتل النفس المؤمنة بغير حقّ، وأكل مال اليتيم، ونحوها كبائر وإن لم تشعر بالاستهانة بالدين.
وما يقال: من أنّ الكبيرة ما حرّمت لنفسها لا لعارض، كالاستهانة بالدين ونحوها.
وفيه: أنّه لا شكّ أنّ الاستهانة بالدين كبيرة بل من أكبر الكبائر، حتّى إذا كانت بأفعال ليست هي بأنفسها معاصي وبالعنوان الاوّل.


ثالث الطرق المناقش فيها

ثالثها: أنّ الكبائر هي المذكورة في سورة النساء من أوّلها إلى قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ)(190) وكأنّه لاعتبار هذه الاية إشارة إلى المعاصي السابقة الذكر: من الزنا وقطع الرحم وأكل مال اليتيم ونحوها.
وفيه: أنّه مناف لاطلاق الاية نفسها، وللادلّة القطعية الاُخرى كتاباً وسنّة وإجماعاً وملاكاً.


رابع الطرق المناقش فيها

رابعها: أنّ الكبيرة ما يكبر عقابها عن ثواب فاعلها، والصغيرة ما يكبر ثواب صاحبها عن عقابها.
وفيه: أنّه لا دليل على هذا التفسير، بل الادلّة قائمة على خلافه.


خامس الطرق المناقش فيها

خامسها: أنّ الكبيرة هي كلّ ذنب علم حرمته بدليل قاطع من كتاب، أو تواتر، أو إجماع.
وفيه: عدم الدليل عليه، بل أدلّة تفسير الكبائر تنقضه.


سادس الطرق المناقش فيها

سادسها: أنّ الكبيرة هي كلّ ما توعّد عليها توعّداً شديداً في الكتاب أو السنّة.
وفيه: أنّه تفسير من عنده، مضافاً إلى التوعّد الشديد في بعض المكروهات فضلاً عن المحرّمات.


سابع الطرق المناقش فيها

سابعها: أنّ الكبائر سبع، وهي المذكورة في صحيح محمّد بن سنان.
وفيه: أنّ مقتضى الجمع بين الادلّة عدم انحصارها في ذلك.


ثامن الطرق المناقش فيها

ثامنها: أنّ الكبائر سبعمائة.
وقيل: غير ذلك.

كلام الشيخ البهائي

وهنا كلام للشيخ البهائي (قدس سره) أورده في شرح الحديث الثلاثين من أربعينه قائلاً: « اختلفت آراء الاكابر في تحقيق الكبائر إلى:
1. قال قوم هي كلّ ذنب توعّد الله عليه بالعقاب في الكتاب العزيز.
2. وقال بعضهم: هي كلّ ذنب رتّب عليه الشارع حدّاً أو صرّح فيه بالوعيد.
3. وقال طائفة: هي كلّ معصية تؤذن بقلّة اكتراث فاعلها بالدين.
4. وقال آخرون: كلّ ذنب علم حرمته بدليل قاطع.
5. وقيل: كلّما توعّد عليه توعّداً شديداً في الكتاب أو السنّة.
6. وعن ابن مسعود أنّه قال: اقرأوا من أوّل سورة النساء إلى قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)(191) فكلّ ما نهي عنه في هذه السورة إلى هذه الاية فهو كبيرة.
7. وقال جماعة: الذنوب كلّها كبائر.
8. وقال قوم: إنّها سبع: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والزنا، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين.
9. وزاد بعضهم على ذلك ثلاثة عشر أُخرى: اللواط، والسحر، والربا، والغيبة، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وشرب الخمر، واستحلال الكعبة، والسرقة، ونكث الصفقة (يعني: العهد)، والتعرّب بعد الهجرة، واليأس من روح الله، والامن من مكر الله.
10. وقد يزاد أربعة عشر أُخرى: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهلّ لغير الله به، من غير ضرورة، والسحق، والقمار، والبخس في الكيل والوزن، ومعونة الظالمين، وحبس الحقوق من غير عسر، والاسراف، والتبذير، والخيانة، والاشتغال بالملاهي، والاصرار على الذنوب، وهذه الاربعة عشر منقولة في عيون الاخبار عن الامام الرضا (عليه السلام).
ثمّ قال البهائي (قدس سره): فهذه عشرة أقوال في ماهية الكبيرة، وليس في شيء منها دليل تطمئن به النفس، ولعلّ في اخفائها مصلحة لا تهتدي إليها عقولنا كما في إخفاء ليلة القدر والصلاة الوسطى... » انتهى كلامه، رُفع في الخلد مقامه.


روايات عدّ الكبائر
الرواية الاُولى

ولا بأس هنا بإيراد بعض الاحاديث الشريفة العادّة للكبائر تتميماً للفائدة.
ففي الصحيح المروي في الكافي، والفقيه، ومجمع البيان وغيرها بالاسناد إلى عبدالعظيم بن عبدالله الحسني رضوان الله تعالى عليه قال: حدّثني أبو جعفر الثاني (عليه السلام)، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: « دخل عمرو بن عبيد على أبي عبدالله (عليه السلام)، فلمّا سلّم وجلس تلا هذه الاية: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ)(192) ثمّ أمسك، فقال له أبو عبدالله (عليه السلام): ما أسكتك ؟ قال: أُحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله عزّوجلّ، فقال: نعم ياعمرو ! أكبر الكبائر الاشراك بالله، يقول الله: (مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)(193).
وبعده الاياس من روح الله، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ)(194).
ثمّ الامن من مكر الله، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)(195).
ومنها عقوق الوالدين، لانّ الله سبحانه جعل العاقّ جبّاراً شقيّاً: (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً)(196).
وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا)(197) إلى آخر الاية.
وقذف المحصنة، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(198).
وأكل مال اليتيم، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)(199).
والفرار من الزحف، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(200).
وأكل الربا، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)(201).
والسحر، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الاْخِرَةِ مِنْ خَلاَق)(202).
والزنا، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً)(203).
واليمين الغموس الفاجرة، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الاْخِرَةِ)(204).
والغلول، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(205).
ومنع الزكاة المفروضة، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ)(206).
وشهادة الزور(207).
وكتمان الشهادة، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)(208).
وشرب الخمر، لانّ الله عزّوجلّ نهى عنها كما نهى عن عبادة الاوثان(209).
وترك الصلاة متعمّداً، أو شيئاً ممّا فرض الله عزّوجلّ، لانّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: « من ترك الصلاة متعمّداً فقد برء من ذمّة الله وذمّة رسوله ».
ونقض العهد، وقطيعة الرحم، لانّ الله عزّوجلّ يقول: (لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)(210).
قال: فخرج عمرو وله صراخ من بكائه، وهو يقول: هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم »(211).
أقول: إنّ قوله (عليه السلام) في تعداد الكبائر: « أو شيئاً ممّا فرض الله عزّوجلّ » أي: أو ترك شيئاً، لا يدلّ على كون كلّ معصية كبيرة، إذ المراد بفرض الله لعلّه ليس مقابل المستحبّ، بل مقابل فرض النبي (صلى الله عليه وآله) كما ورد في ركعات الصلاة الاربع أنّ الشكّ إذا وقع في فرض الله تبطل الصلاة، وإذا وقع في فرض النبي (صلى الله عليه وآله) أو سنّة النبي (صلى الله عليه وآله) (يعني: الركعتان الاخيرتان) لا تبطل الصلاة، فتأمّل.
ثمّ إنّ مقتضى التعليلات المذكورة في هذه الصحيحة هو: اعتبار كلّ الكبريات أدلّة على الكبائر.
مثلاً: (حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) مقتضى تعليل الامام (عليه السلام) لكون الشرك كبيرة بقوله تعالى: (حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)يقتضي أن يقال بكبَر كلّ ما ورد أثر صحيح بأنّ فيه (حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ).
وكذا استدلاله (عليه السلام) لكون الامن من مكر الله كبيرة، بقوله تعالى: (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) يقتضي أن يكون ورود الخسران في كلّ مورد علامة كونه كبيرة، وهكذا دواليك.
لكنّه مشكل من جهة النقض في العديد منها، كقوله تعالى: (لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)(212).
اللهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ الاصل ذلك، وكلّ نقض يخرج به عن هذا الاصل للدليل الخاصّ، ويحمل التعليل على الحكمة، فتأمّل.


الرواية الثانية

وفي الصحيح أو الحسن(213)، عن الفضل بن شاذان عن الامام الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون، قال: «... واجتناب الكبائر: وهي قتل النفس التي حرّم الله تعالى، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهلّ لغير الله به من غير ضرورة، وأكل الربا بعد البيّنة، والسحت والميسر وهو القمار، والبخس في المكيال والميزان، وقذف المحصنات، والزنا، واللواط واليأس من روح الله، والامن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، ومعونة الظالمين، والركون إليهم، واليمين الغموس، وحبس الحقوق من غير عسر، والكذب، والكبر، والاسراف، والتبذير، والخيانة، والاستخفاف بالحجّ، والمحاربة لاولياء الله، والاشتغال بالملاهي، والاصرار على الذنوب »(214).
أقول: ورويت هذه الرواية في « تحف العقول » باختلاف يسير في بعض الفقرات، ومن ذلك في أخيرها: « والاصرار على الصغائر من الذنوب ».


الرواية الثالثة

وصحيح عبيد بن زرارة: « قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الكبائر ؟ فقال: هنّ في كتاب علي (عليه السلام) سبع: الكفر بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وأكل الربا بعد البيّنة، وأكل مال اليتيم ظلماً، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. قال: فقلت: هذا أكبر المعاصي ؟ فقال (عليه السلام) نعم، قلت: فأكل الدرهم من مال اليتيم ظلماً أكبر أم ترك الصلاة ؟ قال: ترك الصلاة، قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر ؟ قال (عليه السلام): أي شيء أوّل ما قلت لك ؟ قلت: الكفر، قال (عليه السلام): فإنّ تارك الصلاة كافر يعني: من غير علّة »(215).
والروايات في معنى الكبائر وتعدادها كثيرة تربو على المائة، مبثوثة في: الجهاد، ومقدّمة العبادات، وكتاب الزكاة، وأبواب الصدقة، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي أبواب مختلفة أُخرى.


الجهة الثالثة: في منافاة الصغيرة للعدالة وعدمها

وأمّا الجهة الثالثة من جهات البحث في الكبيرة والصغيرة: فهي في أنّه هل فعل الصغيرة بلا إصرار مناف للعدالة أم لا ؟
نسب إلى المفيد والحلبي والحلّي: المنافاة، وقال به بعض الاعلام المعاصرين.
ونسب إلى المشهور، أو الاصحاب: عدم المنافاة، بل عن كتاب الصلاة للشيخ الانصاري (قدس سره): ادّعاء إجماعهم على عدم المنافاة.


المثبتون للمنافاة وأدلّتهم
الدليل الاوّل

استدلّ للقول الاوّل بأُمور:
أحدها: صدر صحيحة ابن أبي يعفور، وهو قوله (عليه السلام): « أن تعرفوه بالستر والعفاف » ولا يصدق الستر والعفاف على مرتكب الصغيرة.
وأُجيب: أوّلاً: بأنّ الستر والعفاف جعلا علامة على العدالة لا نفسها، وقد يعتبر في العلامة ما لا يعتبر في مؤدّاها. فتأمّل.
وثانياً: إذا ثبتت أدلّة القائلين بعدم منافاة فعل الصغيرة للعدالة تكون حاكمة على ذلك.
مضافاً إلى التأمّل بل الاشكال في عدم صدق الستر والعفاف على من ارتكب الصغيرة مرّة واحدة، بل أشكل بعض في ذلك في الكبيرة أيضاً فكيف بالصغيرة ؟


الدليل الثاني

ثانيها: ما في ذيل الصحيحة من اعتبار ستر جميع العيوب في العدالة، وفاعل الصغيرة ليس ساتراً لجميع العيوب، إذ لا شكّ أنّ الصغيرة عيب.
وأُجيب: ـ مضافاً إلى ما مرّ، وإلى الاشكال في صدق العيب على فعل الصغيرة مرّة واحدة في العمر، والاشكال في خدشة ذلك في صدق مثل: « ساتراً لجميع عيوبه » عرفاً ـ أنّ ستر جميع العيوب عبارة أُخرى عن الستر والعفاف المذكورين في أوّل الصحيحة، وليس شيئاً أكثر من ذلك، فإنّهما واردان مورداً واحداً كما ربما لا يخفى ذلك على من لاحظ الصحيحة كلّها من أوّلها وإلى آخرها، فإذا لم يدلّ الستر والعفاف على ذلك، لم يدلّ ستر جميع العيوب عليه، ولا ينعكس دقّياً ليلزم الدور، لعدم الدور في المعرّفات العرفية غير الحقيقية.


الدليل الثالث

ثالثها: قوله تعالى: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ...) بادّعاء أنّ فاعل الصغيرة فاسق.
وأُجيب: بالاشكال فيه صغرى، بل قيل: ـ وليس بعيداً ـ إنّ فاعل الكبيرة مرّة واحدة ليس بفاسق، فالفاسق في العرف وكذا الشرع هو: غير المبالي بما فعل من المعاصي، أو المتهتّك، أو نحو ذلك. كما سبق في أوّل بحث العدالة.


الدليل الرابع

رابعها: ما في رواية ابن أبي يعفور الاُخرى في شهادة النساء السابقة، وذكر فيها اعتبار ترك التبرّج في العدالة، مع أنّه لم يذكر في الكبائر، بل هو من الصغائر، وهذا دليل على اعتبار اجتناب الصغائر في تحقّق العدالة.
وأُجيب: بأنّ العدالة مجموع أُمور، أحدها: ترك التبرّج، وما رتّب على مجموع لا يدلّ على ترتّبه على كلّ واحد من أجزاء ذلك المجموع، فلو قيل: العسكر فتح البلاد، هل معناه: أنّ جندياً واحداً من العسكر هو الفاتح للبلاد ؟
مع الفرق بين أصل التبرّج، والاصرار والاستمرار عليه، ولعلّ منصرف التبرّج: من يكون ذلك دأبها، لا أنّها تبرّجت لحظة ولمرّة واحدة بدون إصرار وقصد المعاودة.
مضافاً إلى اشتمال الرواية على أُمور بعضها ليس بمتعلّق للتكليف أصلاً ككونها من ذوي البيوتات، وهذا دليل آخر على أنّ العدالة هي التحرّز من مجموع هذه الاُمور على سبيل الوصف، لا الحصر. كما لا يخفى.


الدليل الخامس

خامسها: ما قيل: من أنّ فعل الصغيرة تعدّ عمّا حدّده الله تعالى، والمتعدّي ظالم، لقوله سبحانه: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(216) والظالم ليس بعادل.
مضافاً إلى النهي عن الركون إلى الظالمين والاعتماد على الظالم نوع من الركون.
وأُجيب أوّلاً: بأنّ مقتضى الاية أنّ الظالم هو: المتعدّي لجميع حدود الله، لا لحدّ واحد منه، إذ الجمع المضاف يفيد العموم، فتأمّل.
وثانياً: منع صدق التعدّي على فاعل الصغيرة مرّة واحدة، مع كونه تاركاً للكبائر.
وثالثاً: الكلام في فاعل الصغيرة التارك للكبائر، ومثله قد وعده الله بالعفو، والموعود بالعفو لا يسمّى « متعدّياً للحدود » ولو للانصراف العرفي الذي هو ملاك الظهور الحجّة عند العقلاء.


القائلون بعدم المنافاة واستدلالهم بأُمور
الامر الاوّل

واستدلّ للقول المشهور بعدم منافاة فعل الصغيرة من غير إصرار للعدالة بأُمور:
الاوّل: قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)(217) فإنّها تدلّ على تكفير الصغائر مع الاجتناب عن الكبائر، وغاية ما يقال في فعل الصغيرة أنّها إن كانت مقتضياً لرفع العدالة فهو من المقتضي المبتلى بالمانع لمكان التكفير.
وهكذا قوله تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ)(218).
وكذا قوله عزّ من قائل: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)(219).
بتقريب: أنّ المجتنب من الكبائر والفواحش غير مطالب من قبل الله بشيء، وهذه درجة إن لم تكن أكبر من أصل العدالة، فلا تقل عن أقلّ مراتبها.


مناقشة الامر الاوّل

وأُورد على الاستدلال بهذه الايات: بأنّ صدق المعصية شيء، والتكفير شيء آخر، والذي ينافي العدالة هو الاوّل، والذي تثبته الاية هو الثاني.
فسبيل الاية سبيل الادلّة الدالّة على تكفير السيّئات بالاعمال الصالحة، فهل يلتزم أحد بأنّ العامل للكبائر إذا عمل في مقابلها الصالحات يكون عادلاً ؟
فالعدالة تدور مدار الاستقامة على جادّة الشرع، وعدم البعد عن الله تعالى، وعدم إتيان فعل مبغوض لله سبحانه، والصغيرة تنافي ذلك كلّه.


جواب المناقشة

وفيه: أنّ العدالة وعدمها لا تدوران مدار صدق المعصية وعدمها، وإنّما تدوران مدار حسن الظاهر، وعدم حسن الظاهر، وحسن الظاهر إذا كشف عن حسن الواقع فهو من مراتب العدالة الراقية أو لا أقل من كونه هي العدالة، فإذا كشف شيء آخر عن حسن الواقع كان ملاك العدالة ـ إن لم نقل نفسها ـ ثابتاً، وبعد قيام الدليل على تكفير الصغائر عمّن اجتنب الكبائر يكون ذلك دليلاً على حسن الواقع ـ تعبّداً ـ.
مضافاً إلى التأمّل بل الاشكال في صدق المعصية على الصغيرة إذا كان فاعلها مجتنباً عن الكبائر، لانّ المعصية هي المخالفة، أو الشديدة منها، وكلاهما غير صادقين ـ بالحمل الشائع، أو لا أقل من الانصراف ـ على مجتنب الكبائر كلّها وإن فعل صغيرة مرّة، فتأمّل.
مع أنّه قد يقال: بأنّ مطلق إتيان الفعل المبغوض إذا لم تسر المبغوضية إلى الفاعل لا يضرّ بالعدالة.
وبعبارة أُخرى: المعصية الفاعلية هي التي تضرّ ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ لا مطلق المعصية، حتّى إذا وعد عليها التكفير، لانّه حينئذ كلا معصية.
وأمّا الاستقامة على جادّة الشرع، وعدم البعد عن الله تعالى ـ بعد تسليم اعتبارهما في العدالة المبتني عليها الاحكام الشرعية ـ فلا تنافي بينها وبين فعل الصغيرة للمجتنب عن الكبائر، إذ من وعده الله بالمغفرة ليس بعيداً عن الله، ولا يصحّ سلب الاستقامة الشرعية عنه، ولا أقل من عموم الاستقامة إلى ما يشمله ـ بمعونة التعبّد الشرعي ـ.
والتنظير بتكفير السيّئات بالاعمال الصالحة مع الفارق، إذ المسلّم منه مجمل لانّه لا يعلم أيّ عمل صالح يكفّر أيّ نوع من السيّئات، ولذا الفاعل للسيّئات العامل بالصالحات لا يعلم أنّه ممّن يكفّر سيّئاته أم لا ؟ لوضوح أنّ كلّ عمل لا يكفّر كلّ سيّئة، وإنّما هي قضية على سبيل الاجمال الملحقة بالجزئية، وليست قضيّة كلّية، لا من الطرفين، ولا من طرف واحد.
مضافاً إلى صراحة بعضها وظهور بعضها الاخر في أنّ ذلك لاجل التوبة عن السيّئات السابقات، ومعلوم عود العدالة بالتوبة ـ كما تقدّم ـ.
وهذا بخلاف ما علمنا من تكفير الله تعالى السيّئات الصغائر بترك الكبائر على نحو العموم.
نعم، لو فرض في مقام تكفير الاعمال الصالحة للسيّئات أنّ فاعل السيّئات أخبره نبي أو إمام بتكفير سيّئاته لعمل صالح صدر منه، كان القول بعدالته حينئذ في محلّه.
وكذا إذا دلّ دليل معتبر على أنّ العمل الصالح الفلاني يكفّر السيّئة الفلانية، مثل ما دلّ على أنّ الصلاة المكتوبة تكفّر ما قبلها من الذنب، كقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)(220).
والمروي عن الصادق (عليه السلام): « صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب النهار »(221).


الامر الثاني

الثاني: قوله (عليه السلام) في صحيح ابن أبي يعفور في مقام تعريف العدالة: « ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار »(222) ولو كان فعل الصغيرة منافياً للعدالة لما خصّ الامام الاجتناب بالكبائر.


مناقشة الامر الثاني

وأُورد عليه تارةً: بالاجمال من جهة أنّ هذه العبارة هل هي معرّفة للعدالة، أو معرّفة لمعرّفها، أو تتمّة للمعرّف، وعلى الاخيرين لا ينحصر المعرّفية فيها، لجواز أن يكون شيء آخر منضمّاً معها بمجموعها يكون المعرّف الكامل، وعليه: فلا دلالة للرواية على أنّ اجتناب الكبائر فقط علامة العدالة.
وأُخرى: بأنّه على فرض تسليم عدم الاجمال فإنّ التعبير باجتناب الكبائر إنّما هو للملازمة الغالبية بين تركها وبين ترك جميع المعاصي حتّى الصغائر منها.


الردّ على المناقشة

وفيه: ـ مضافاً إلى عدم الفرق فيما ذكر أوّلاً بين معرّف الشيء وبين معرّف معرّفه، أو تتمّة معرّفه، إذ الاطلاق إن تمّ كان حجّة في كليهما، واحتمال التقييد مرفوع بأصل العدم، وإن لم يتمّ لم يكن حجّة فيهما ـ أنّ دلالة الرواية عرفاً على أنّ العدالة هي اجتناب الكبائر لا تنكر، والملازمة الغالبية بين ترك الكبائر، وبين ترك الصغائر إن لم تكن ممنوعة فهي غير مسلّمة، إذ اجتناب الاشدّ لا يلازم ـ لا عقلاً ولا عرفاً ـ لاجتناب الاخفّ، خصوصاً مع وعد العفو الذي يجعل العبد متساهلاً فيه.


الامر الثالث

الثالث: الروايات التي استدلّ بها للقول: بأنّ العدالة هو مجرّد الاسلام وعدم ظهور الفسق، تدلّ بالاولوية أو بالالتزام على عدم منافاة الصغائر للعدالة، لعدم الاشكال في عدم صدق الفسق على مرتكب الصغيرة من غير إصرار، كصحيح علقمة على الاصحّ: « لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلاّ شهادة الانبياء والاوصياء (عليهم السلام) »(223).
وصحيح حريز: « إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور، أُجيزت شهادتهم جميعاً »(224).
وحديث سلمة عن علي (عليه السلام): « واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض إلاّ مجلوداً في حدّ لم يتب منه، أو معروفاً بشهادة زور، أو ظنين »(225).
وحسن البزنطي: « من ولد على الفطرة أُجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير »(226) وغيرها.
ومقتضى الجمع بينها وبين غيرها: عدم قدح الصغائر في العدالة بتقييد اطلاق كلّ طائفة بالاُخرى.


مناقشة الامر الثالث

وما أُورد على الاستدلال بها: أوّلاً: بأنّها لم تتمّ دلالتها في موردها بضعف السند أو الدلالة فكيف يستدلّ بها لما نحن فيه ؟
وثانياً: بأنّه جمع تبرّعي، فإن كان له شاهد من نصّ أو إجماع فهو، وإلاّ فمقتضى القاعدة تقييد مطلقات هذه الطائفة بالطائفة التي تدلّ على اجتناب كلّ المعاصي، مثل إطلاق صحيح ابن أبي يعفور: « أن تعرفوه بالستر والعفاف... أن يكون ساتراً لجميع عيوبه... ».


الاجابة على المناقشة

ففيه أوّلاً: أنّ الاستدلال بها هنا وهناك واحد، مضافاً إلى أنّ الروايات لم ترد في ذلك المورد حتّى يعتبر من خروج المورد، بل الفقهاء أوردوها هناك، مع أنّ سند بعضها صحيح، أو حسن ويكفي ذلك حجّة.
وثانياً: يكفي في الشهادة على الجمع قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)(227)، ونحوه من الايات والروايات، مؤيّدة بالاجماع الذي نقله مثل الشيخ الانصاري (قدس سره) الذي تقدّم نقله.


الامر الرابع

الرابع: بعض الروايات التي استدلّ بها على كون العدالة هو حسن الظاهر، ومنها: معتبرة العلاء عن شهادة من يلعب بالحمام ؟ قال (عليه السلام): « لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق »(228) والمجتنب للكبائر فقط يصدق عليه أنّه لا يعرف بفسق.


إشكال وجواب

إن قلت: مرتكب الكبيرة مرّة واحدة غير مصرّ عليها أيضاً يصدق عليه أنّه: « لا يعرف بفسق » إذ المعروفية بالفسق أخصّ من عمل الفسق مرّة واحدة غير مصرّ عليه.
قلت: ـ مضافاً إلى إمكان منع عدم الصدق وأنّ الكبيرة لفظاعتها الشرعية يصدق معها مطلقاً أنّه عرف بفسق ـ إنّ ذلك خرج بالاجماع على أنّ مرتكب الكبيرة مطلقاً لا يكون عادلاً، فيبقى مرتكب الصغيرة غير مصرّ عليها داخلاً في: « لا يعرف بفسق ».
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم: « لو كان الامر إلينا لاجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير »(229) وصدق « إذا علم منه خير » على المجتنب عن الكبائر واضح، والكلام في صدقه على مرتكب الكبيرة مرّة واحدة غير مصرّ عليها، هو الكلام الانف.
ومنها: معتبرة الكرخي: « من صلّى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنّوا به خيراً، وأجيزوا شهادته »(230).
فإنّها تصدق على مرتكب الكبيرة والصغيرة، سواء مع الاصرار في كليهما أم مع عدم الاصرار، لكن الكبيرة مطلقاً والصغيرة مع الاصرار خرجت بالادلّة الاُخرى وبقي مرتكب الصغيرة بلا إصرار باقياً.


الامر الخامس

الخامس: الرواات الدالّة على أنّ العدالة الزائلة بالمعاصي تعود بالتوبة مثل صحيح أبي الصباح الكناني: « عن القاذف بعد ما يقام عليه الحدّ ما توبته ؟ قال: يكذب نفسه، قلت: أرأيت إن أكذب نفسه وتاب أتقبّل شهادته ؟ قال: نعم »(231) ومثله غيره.
بتقريب: أنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له ولذلك تقبل شهادته، ونفس هذا المناط موجود في المجتنب عن الكبائر، لانّه كمن لا ذنب له، إذ مع التكفير لا يبقى ذنب.
وليس هذا من القياس، بل هو بالتعبّد الشرعي، الدالّ عليه الاية الكريمة (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)(232) يكون مصداقاً حقيقياً شرعياً لـ « لا ذنب له »، إذ « لا ذنب له » بمنزلة كبرى كلّية كلّما تحقّق مصداقها الحقيقي أو التعبّدي صدقت هذه الكبرى، وما نحن فيه مصداق تعبّدي لهذه الكبرى.
ولذا قال بعض الافاضل المعاصرين: إنّ هذا الدليل أحسن الادلّة على أنّ مرتكب الصغيرة غير مصرّ عليها عادل، إذا اجتنب الكبائر، فتأمّل.


الامر السادس

السادس: ما نقله بعض الاعلام في شرحه على العروة عن المستفاد من كلمات بعض أكابر المحقّقين من أنّ: « الذنوب التي ليست في أنظار أهل الشرع كبيرة قد يتسامحون في أمرها، فكثيراً ما لا يلتفتون إلى حرمتها حال الارتكاب أو يلتفتون إليها ولكن يكتفون في ارتكابها بأعذار عرفية مسامحة، كترك الامر بالمعروف أو النهي عن المنكر، أو الخروج عن مجلس الغيبة ونحوها حياءً، مع كونهم كارهين لذلك في نفوسهم، فالظاهر عدم كون مثل ذلك منافياً لاتّصافه بالفعل عرفاً بكونه من أهل الستر والعفاف... وهذا بخلاف مثل الزنا واللواط وشرب الخمر....
واستشهد له بأنّ: المتبادر من اطلاق كون الرجل عدلاً في الدين، ليس إلاّ إرادة كونه ملازماً للتقوى والصلاح بأداء الواجبات وترك المحرّمات، ولم يظهر من صحيحة ابن أبي يعفور ولا من غيرها من الروايات إرادة ما ينافي ذلك، فمن شهد أهل العرف الذين أُلقي إليهم الخطاب بإشهاد ذوي عدل منهم بكونه موصوفاً بهذه الصفة، جرى عليه حكمه، وإن كانت شهادتهم بذلك مبتنية على بعض المسامحات المغتفرة لديهم، كسائر الموضوعات التي تعلّق بها حكم شرعي ممّا يتحمّل المسامحات العرفية »(233).


مناقشة الامر السادس

وأُورد عليه الناقل: بأنّ المسامحات العرفية في تطبيق المفهوم على المصداق تضرب على الجدار ولا يعتنى بها، فبعد كون مفهوم العدالة هو الاستقامة على جادّة الشرع، مسامحة أهل العرف في كون الانحراف اليسير استقامة لا يعتنى بها.


تقييم المناقشة

أقول: المسامحات العرفية قسمان:
قسم يكون في تطبيق المفهوم على المصداق بعد اعتراف العرف نفسه بأنّ المصداق لا ينطبق عليه المفهوم.
وقسم يكون في استفادة سعة وضيق المفهوم من رأس، من قبيل الانصراف ونحوه، الداخل في الظهورات التي هي حجّة ونافذة عقلاً وعرفاً وشرعاً.
التنبيه السابع وجهاته: الجهة الرابعة
ولعلّ مراد المستدلّ من المسامحات المغتفرة: هو القسم الثاني لا الاوّل، إذ الثاني أيضاً يصحّ تسميته بالمسامحة، فالماء الذي فيه شيء قليل من السكّر، أو من ماء الورد، أو نحوهما بحيث لم يغيّر ريحه، أو طعمه، أو لونه، تغييراً بالحمل الشائع يصحّ أن يقال فيه: إنّه ماء مضاف إليه السكّر، أو مضاف إليه ماء الورد، ولكن إطلاق المضاف منصرف عن مثله، وهل سبب مثل هذا الانصراف إلاّ المسامحة العرفية في ترك تسمية مثله مضافاً ؟


خلاصة البحث

والحاصل: أنّه لا يبعد ادّعاء صدق: العدل، والستر والعفاف، ونحو ذلك ممّا أخذ موضوعاً للاحكام المترتّبة على العدالة على من يجتنب الكبائر كلّها وإن أتى بصغيرة مرّة واحدة، وإذا تمّ الصدق العرفي ولو لاجل المسامحة، ترتّب أحكامه، وله في الفقه نظائر كثيرة ـ يقف عليها المتتبّع ـ مبثوثة هنا وهناك.


الجهة الرابعة: في حكم الاصرار على الصغيرة

وأمّا الجهة الرابعة من جهات البحث في الكبيرة والصغيرة: فهي في أنّه هل الاصرار على الصغيرة كبيرة ؟
نسب إلى المشهور ذلك، وعن المحقّق الاردبيلي عدم الخلاف فيه، قال في نجاة العباد: « والكبائر التي منها: الاصرار على الصغائر »(234).
وعن بعض أنّه ليس بكبيرة، ونسب ذلك إلى ظاهر كلّ من عرّف العدالة بأنّه: اجتناب الكبائر والاصرار على الصغائر، لانّ العطف ظاهر في المغايرة، فتأمّل.
وقوّاه بعض الاجلّة المعاصرين في تقريراته.


القول المشهور وأدلّته
الدليل الاوّل

استدلّ للقول المشهور بأدلّة:
أحدها: المستفيضة المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تارةً، وعن الامام الصادق (عليه السلام) أُخرى: « لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الاصرار »(235).
وظاهرها: أنّ الصغيرة إذا قرنت بالاصرار لا تكون صغيرة، فيدور الامر بين كونها كبيرة، وبين نفي كونها معصية إطلاقاً، ولا سبيل إلى الثاني فيتعيّن المصير إلى الاوّل لعدم الواسطة ولظهور الرواية في الكبيرة.
وقوله (عليه السلام): « لا كبيرة مع الاستغفار » نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وهو عبارة أُخرى عن قوله (عليه السلام): « التائب من الذنب كمن لا ذنب له »(236) يعني: لا يبقى حكم للكبيرة مع الاستغفار، وليس معنى ذلك انقلاب الكبيرة صغيرة، بل المعنى ـ ولو لقرينية السياق ـ أنّ الاستغفار يمحو الذنب حتّى ولو كان كبيرة، والله العالم.


مناقشة الدليل الاوّل

وأُورد عليه أوّلاً: بأنّ « لا صغيرة » لا تدلّ على صيرورة الصغيرة كبيرة، لانّها لنفي الذات حكماً لا نفي وصف الصغيرية، لوحدة السياق.
وثانياً: بأنّ الشيء لا ينقلب عمّا هو عليه.
وثالثاً: بعدم التزام أحد بصيرورة الصغيرة بما هي مصرّ عليها كبيرة، بل بما أنّ الاصرار أمن من مكر الله تعالى.


الجواب عن المناقشة

وفيه: أنّ ظاهر تقابل: الصغيرة والكبيرة، ونفي أحدهما مع عدم وجود شقّ ثالث لهما هو: إثبات الشقّ الاخر، وإنّما لم نقل بذلك في « لا كبيرة » لانّ المعلوم من الخارج: إنّ الاستغفار يمحو الذنب من أصله، وهذا هو المتفاهم العرفي من مثل هذه الجمل، والعرف ببابك.
وأمّا الايرادات الثلاثة المذكورة: فالسياق لا يقاوم الظهور العرفي.
وعدم انقلاب الشيء عمّا هو عليه مسلّم، ولكن الصغيرة مع الاصرار غير الصغيرة بلا إصرار، فالاصرار شيء، غير أصل فعل الصغيرة، وله حكم آخر غير حكم أصل فعل الصغيرة، وليس المقام من انقلاب الشيء عمّا هو عليه.
وأمّا إنّ الاصرا ليس حرمته لانّه إصرار، بل لكونه أمناً من مكر الله تعالى، فإن أُريد بذلك: لزوم كون الفاعل شخصاً آمناً من مكر الله بإصراره على الصغيرة ملتفتاً إلى أنّه أمن من مكر الله سبحانه حتّى يكون الاصرار محرّماً، منعنا القيد، إذ إطلاق الرواية والفتوى يردّه، وإن أُريد: أنّ الاصرار بما هو أمن من مكر الله كان كبيرة، سلّمناه، ولكنّه لا يخرج الاصرار عن كونه كبيرة، فالامن من مكر الله حيث تعليلي لا تقييدي ـ على حدّ تعبيرهم ـ.


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ المستفاد من المستفيضة: هو أنّ الاصرار على الصغيرة يخرجها عن كونها صغيرة، ولا يفهم من ذلك سوى صيرورتها بالاصرار كبيرة، ولا يهمّنا وجه صيرورتها كبيرة بعد كون البحث في أصل صيرورة الصغيرة كبيرة بالاصرار.
والغريب من بعض الاعلام المعاصرين أنّه قال ـ بعد الخدشة في دلالة المستفيضة ـ: « وهذا لا يلازم كون الاصرار بنفسه محرّماً فضلاً عن كونه من الكبائر كي يستدلّ به عليه » إذ اللزوم العرفي ـ الذي هو ملاك الظهورات ـ ثابت على الظاهر، فكأنّ النظر إلى الاجنبية ـ مثلاً ـ نوعان: نوع صغيرة وهو ما لم ينوِ حينه الاصرار ولا عاوده، ونوع كبيرة وهو ما لو نوى حينه الاصرار أو عاوده.


الدليل الثاني

ثانيها: ما في تحف العقول من كتاب الامام الرضا (عليه السلام) إلى المأمون في عدّ الكبائر، وجاء فيه: « والاصرار على الصغائر من الذنوب »(237).
وأُورد عليه بأُمور:


إيرادات وأجوبة
الايراد الاوّل وجوابه

الاوّل: رواية كتاب الامام الرضا (عليه السلام) في الفقيه بسنده إلى الفضل بن شاذان، وليس فيه: « الصغائر من الذنوب » وإنّما هكذا: « والاصرار على الذنوب » ونسخة الفقيه أصحّ، وسنده أقوى.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ في تعارض النقص والزيادة بناء الفقهاء على تقديم أصل عدم الزيادة على أصل عدم النقيصة، وكونه بناء العقلاء ليس بالبعيد ـ أنّ الشيخ الانصاري (قدس سره) في رسالة العدالة ذكر رواية الفضل بن شاذان مع لفظ « الصغائر » ولعلّه ظفر بذلك في تتبّعه، مع أنّ المحكي عن النراقي في « المشارق » أنّ في بعض النسخ رواية ذلك مع « الصغائر » وتتبّع النراقي لا ينكر.


الايراد الثاني وجوابه

الثاني: لقد جاء في آخر خبر الاعمش ما يلي:
«والملاهي التي تصدّ عن ذكر الله عزّوجلّ مكروهة: كالغناء، وضرب الاوتار، والاصرار على صغائر الذنوب»(238).
ومعلوم: أنّ تغيير التعبير واطلاق: مكروهة على هذه المعاصي، ومحرّمة على الكبائر، آية اختلافهما في مراتب المبغوضية، فلا يدلّ على أنّها أيضاً من الكبائر.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ اختلاف التعبير لا يكون علامة عدم كونه كبيرة، بعد ما كان ذلك كلّه داخلاً في تفسير الكبائر في أوّل الخبر، ووجود نظائر كثيرة له في الاحاديث لمن لاحظها، وإلى أنّ إدخال مثل: الغناء وضرب الاوتار، في سياق « الاصرار على الصغائر » يدلّ على أنّ سبيل « الاصرار على الصغائر » سبيل الاوّلين، ولا شكّ في حرمتهما عندنا والمستفيضات بهما متوفّرة عن طرقنا ـ أن اختلاف مراتب المبغوضية لا يدلّ على عدم الحرمة كما مال إليه بعض، بل ولا على عدم كونه من الكبائر، مع أنّ التعبير بالكراهة عن الحرمة ليس بعزيز في الاحاديث، فلاحظ.


الايراد الثالث وجوابه

الثالث: أنّ « الاصرار على الذنوب » وإن كان عاماً يشمل الكبائر والصغائر وبه يتمّ المطلوب من كون الاصرار على الصغائر من الكبائر، لكونه صغرى للاصرار، لا أنّ تعليل ذلك في بعض الاخبار بأنّه أمن من مكر الله ـ كما في حسن ابن أبي عمير وخبر تحف العقول ـ يجعله مختصّاً بالاصرار على الكبائر، إذ ليس الاصرار على الصغائر أمناً من مكر الله.
وفيه: أنّ الكبرى غير مسلّمة إذ أيّ مانع في أن يكون الاصرار على الذنب ـ بما هو إصرار، لا بما أنّ الذنب كبيرة ـ أمناً من مكر الله ؟
بل المناسب للامن من مكر الله هو: مطلق الاصرار على الذنب، لانّ الاصرار بما هو إصرار لكونه دالاً على أنّ المصرّ غير معتن وغير مبال بمعصية الله كان أمناً من مكر الله.


الدليل الثالث

ثالثها: ما في تحف العقول أيضاً عن أبي جعفر (عليه السلام): « الاصرار على الذنب أمن لمكر الله، ولا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون »(239) بضميمة ما ورد: من أنّ الامن من مكر الله من الكبائر.
وأُورد عليه: ـ بعد الاغماض عن ضعف سنده بالارسال ـ بأنّه مختصّ بالاصرار على الكبائر، إذ الاصرار على الصغائر بعد وعد الله تعالى بتكفيره باجتناب الكبائر، لا يكون أمناً من مكر الله.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ تكفير الصغائر مشروط باجتناب الكبائر لا مطلقاً، والكلام في الاعمّ ـ أنّ المكفّر هو الصغائر، لا الاصرار عليها، وليس هذا الايراد إلاّ مصادرة.


الدليل الرابع

رابعها: خبر أبي بصير عن الامام الصادق (عليه السلام): « لا والله لا يقبل الله شيئاً من طاعته على الاصرار على شيء من معاصيه »(240).
وقد يؤخذ عليه: ـ مضافاً إلى ما في سنده ـ بأنّ عدم قبول شيء من الطاعة لم يكن من ملاكات الكبائر، اللهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ عدم قبول شيء من الطاعة أقوى من الوعد بالعقاب، ونحوها من ملاكات الكبائر. فتأمّل.


الدليل الخامس

خامسها: ما من عن القطب الراوندي في: « لبّ اللباب » مرسلاً من النبي (صلى الله عليه وآله) « أربعة في الذنب شرّ من الذنب: الاستحقار، والافتخار، والاستبشار، والاصرار »(241).
بتقريب: أنّ معنى شرّ من الذنب في الاصرار ليس إلاّ صيرورته كبيرة، والسياق يدلّ عليه أيضاً، فالثلاثة الباقية كلّها من الكبائر فكذلك الاصرار.
وقد يورد عليه: ـ مضافاً إلى ما في سنده ـ بأنّ « شرّ من الذنب » يمكن أن يجعله صغيرة أُخرى أعظم من أصلها، ولا تلازم بين ذلك وبين صيرورته كبيرة.


أدلّة أُخرى للقول المشهور

وقد يستدلّ للقول المشهور أيضاً بما رواه المستدرك عن الامدي(242) مرسلاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام): « الاصرار يجلب النقمة »(243) بتقريب: أنّ فعل الصغيرة ليس مسلّماً جلبه للنقمة لاحتمال العفو عنها.
وفيه: ما لا يخفى.
وقد يستدلّ أيضاً بقوله (عليه السلام): « أعظم الذنوب عند الله: ذنب أصرّ عليه عامله »(244).
وفيه: أنّ الاعظمية نسبية، بالنسبة لنفس الذنب لا بالنسبة لجميع الذنوب، لانّه لا شكّ أنّ الاصرار على النظر إلى الاجنبية ـ مثلاً ـ ليس أعظم من جميع الذنوب حتّى مثل اليأس من روح الله ونحوه.
وقد يستدلّ أيضاً بقوله (عليه السلام): « من أصرّ على ذنبه اجترأ على ربّه »(245) باعتبار أنّ الجرأة على الربّ ليست إلاّ أمناً من مكره، وعدم المبالاة به، وهي كبيرة إن لم تكن بالنصّ فبالملاك، وإطلاق « ذنبه » في الخبر يشمل الصغيرة أيضاً.
إلى غير ذلك ممّا يجده المتتبّع الغوّاص في أحاديث المعصومين (عليهم السلام).


ما هو معنى القول المشهور ؟

ثمّ إنّ ظاهر القول المشهور القائل: بأنّ الاصرار على الصغيرة كبيرة: أنّ الكبيرة هو الاصرار، لا أنّ الصغيرة تنقلب كبيرة للاصرار، وقد حكي ذلك عن المشهور أيضاً، فالمتّصف بالكبيرة إنّما هو الاصرار على فعل الصغيرة، لا نفس الصغيرة المصرّ عليها.
لكن قد يقال: بأنّه مناف لظاهر المستفيضة « لا صغيرة مع الاصرار »(246) إذ ظاهرها: أنّ الاصرار يجعل من الصغيرة كبيرة، وليس معنى ذلك: انعقاد المعصية صغيرة ثمّ انقلابها كبيرة، بل المعنى: أنّ النظر إلى الاجنبية بغير ريبة ـ مثلاً ـ على نوعين:
أحدهما: المصرّ عليه، فهو معصية كبيرة.
وثانيهما: غير المصرّ عليه، فهو معصية صغيرة، فالصغيرة بشرط لا والكبيرة بشرط شيء، لا أنّ الصغيرة لا بشرط، والكبيرة بشرط شيء ـ فتأمّل ـ.
هذه عمدة ما ذكر في هذا المقام أو يمكن أن يذكر.


القول غير المشهور نقضاً وإبراماً

ثمّ إنّه من مطاوي المناقشات في القول المشهور وأدلّتهم: يظهر حكم أدلّة القول غير المشهور القائل: بأنّ الاصرار على الصغيرة ليس كبيرة والجواب عنها، فلا نعيد.


الجهة الخامسة: في معنى الاصرار

وأمّا الجهة الخامسة من جهات البحث في الكبيرة والصغيرة: فهي في معنى الاصرار، وقد اختلفت فيه كلمات الاعلام على أقوال:
منها: أنّه الاكثار من فعل المعصية.
ومنها: أنّه المداومة على المعصية.
ومنها: أنّه فعل المعصية مع العزم على العود إليها.
ومنها: أنّه فعل المعصية مع عدم التوبة منها.
ومنها: أنّه فعل المعصية مرتّين، وإلى غير ذلك.
كما وقع الكلام بالنسبة لبعض هذه الاقوال في أنّه هل يشترط اتّحاد المأتي به مع المعزوم على إتيانه في المستقبل من المعاصي، أم لا ؟
وبعبارة أُخرى: لو نظر إلى الاجنبية وعزم على لمسها هل يعدّ ذلك إصراراً على الصغيرة، أم الاصرار هو العزم على النظر نفسه، لا اللمس ؟


الاصرار لغة واصطلاحاً

أقول: لا شكّ في أنّ المداومة على معصية، أو الاكثار من فعلها، إصرار لغة وعرفاً: كحلقة الذهب في اليد لانّها عرفاً إصرار، وما لم يثبت حقيقة شرعية خاصّة في معنى الاصرار، يكون المتبادر منه لغة وعرفاً هو الموضوع الذي يترتّب عليه أحكام وآثار الاصرار.
وأمّا فعل المعصية مرّة مع العزم على العود عليها، أو فعلها مرّة مع عدم التوبة منها، فهما وإن لم يكونا إصراراً لغة ولا عرفاً، لانّه أخذ فيه التكرّر فعلاً، إلاّ أنّ ورود أحاديث تقول بأنّهما من الاصرار يوجب المصير إليهما أيضاً، واعتبارهما من الاصرار شرعاً تنزيلاً بالتعبّد.


الروايات المفسّرة للاصرار

مثلاً: معتبرة جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) قال: « الاصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله ولا يحدّث نفسه بالتوبة فذلك الاصرار »(247).
ومرسل الامدي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): « المعاودة للذنب إصرار »(248) إذا كان المراد من: « المعاودة » في النيّة لا العمل، فتأمّل.
ومعتبرة حفص المؤذّن عن أبي عبدالله (عليه السلام): « إيّاكم والاصرار على شيء ممّا حرم الله ـ إلى أن قال (عليه السلام): ـ عرفوا أنّهم قد عصوا الله في تركهم ذلك الشيء فاستغفروا ولم يعودوا إلى تركه، وذلك معنى قول الله: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(249).
وهي مقبولة معتمدة في الفقه وإن أشكل في الاسناد: بأنّ فيه محمّد بن سنان المشكل، والاصحّ: اعتباره.
ومفهوم المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): « ما أصرّ من استغفر »(250) فإنّ مفهومه: إنّ من لم يستغفر فقد أصرّ ـ ولكنّه أشبه بمفهوم اللقب غير الحجّة على المشهور مطلقاً. فتأمّل.
والمروي عن الامام الكاظم (عليه السلام) في حسنة شيخ الصدوق عن محمّد بن أبي عمير: « ومتى لم يندم عليها كان مصرّاً »(251).
وخبر جنود العقل والجهل الذي ذكر التوبة وجعل ضدّها: الاصرار. وغير ذلك.


الروايات والمعنى المستفاد منها

والذي يمكن استفادته من هذه النصوص: هو أنّ القولين الاوّلين في « الاصرار » متوقّف على عدم التوبة والندم.
فالمداومة على المعصية، والاكثار منها، إصرار إذا لم يتخلّلها التوبة والندم والاستغفار، وإنّ المعصية مرّة مع العلم والعمد دون ندم، أو مع العزم على العود عليها أيضاً إصرار، تضييقاً وتوسيعاً من الشرع في تفسير الاصرار.


إيراد بعض الاعلام

وأورد بعض الاعلام المعاصرين القائلين بأنّ الذنوب كلّها كبائر تبعاً لغيره على مذهب المشهور: بأنّه لو سلّم صحّة تقسيم الذنوب إلى الكبائر والصغائر، وتمّ ما هو المشهور: من أنّ الاصرار على الصغائر من الكبائر، وثبت أنّ فعل الصغيرة مع عدم التوبة، أو مع العزم على المعاودة إليها إصرار، لم تبق ثمرة لثبوت الصغائر.
وإنّما لم تبق لثبوتها ثمرة: لانّ الكبيرة إن تاب عنها محيت، وإن لم يتب عنها عدّ فاعلها عاصياً، والصغيرة كذلك إن تاب عنها محيت، وإن لم يتب كانت كبيرة، لانّ عدم التوبة عنها إصرار والاصرار يجعلها كبيرة.


أجوبة وحلول

وتفصّى عن ذلك المحقّق الاصفهاني (قدس سره): بأنّ صدور الصغيرة عن المجتنب عن الكبائر مانع عن تأثير الصغيرة في العقوبة، فلا يحتاج في رفع العقوبة إلى التوبة: فلا يتحقّق الاصرار إلاّ بفعلها مرّة بعد أُولى، وكرّة بعد أُخرى، فيكون حال الاتيان بالصغيرة ـ للمجتنب من الكبائر ـ حال الكبيرة مع التوبة عنها، فكما أنّ التوبة تكفّر الكبيرة، كذلك اجتناب الكبائر يكفّر الصغيرة.
وقال بعض آخر في التفصّي عن ذلك: بأنّ صورة العزم على العود إلى الصغيرة خارجة عن عموم: « من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يُسأل عن الصغائر »(252) لانّه نوع تخصيص في ذلك.
وفصّل ثالث: بين ما إذا كان العزم على العود إلى المعصية مستمرّاً من حين ارتكاب المعصية أوّل مرّة، وبين ما إذا حدث العزم بعد ذلك قبل التوبة، باشتراطه اتّحاد المعصية سنخاً ونوعاً في الثاني دون الاوّل، ففاعل صغيرة إذا كان عازماً على فعل صغيرة أُخرى حال المعصية فهو مصرّ وإن كانت ذنوباً مختلفة، وأمّا إذا لم ينو حال الذنب معصية أُخرى، لكنّه بعد ذلك وقبل التوبة منه تجدّد له العزم بمعصية، فلا يقال له الاصرار، إلاّ إذا تجدّد العزم على تكرار نفس ذلك الذنب، لا ذنباً آخر.


مقتضى الجمع بين الادلّة

وقد كثر الكلام والنقض والابرام في المقام، ولعلّ الذي يقتضيه الجمع بين الادلّة في بادي النظر هو أن يقال: إنّ الثمرة لثبوت الصغائر يمكن أن تكون في العفو عنها، حتّى مع صيرورتها كبائر بالاصرار إذا كان المرتكب لها مجتنباً عن الكبائر التي هي بالعنوان الاوّلي كبائر، لا بعنوان الاصرار.
وهذا وإن كان منافياً لاطلاق « الكبائر » بعد شموله للاصرار على الصغيرة ـ بالورود أو الحكومة ـ إلاّ أنّ ارتكاب خلاف الاطلاق في مثله أولى من مخالفة الادلّة شبه الصريحة والمعتمدة لدى محقّقي الفقهاء: من إنقسام المعاصي إلى: الصغائر والكبائر، ومن كون الاصرار على الصغيرة كبيرة، الذين ارتكب كليهما أو أحدهما من أراد التمسّك بإطلاق « الكبائر » أو اتّخذ من الاطلاق ممسكاً لالتزام أحد الامرين.
ولعلّ ما ذكرناه ليس بعيداً عن المتفاهم عرفاً من الادلّة لمن صفي ذهنه عن شوائب الاشكالات.


إشكال وجواب

وما يقال: من أنّ هذا الجمع مقتضاه: عدم الالتزام بكون الاصرار على الصغيرة كبيرة، مع أنّ نتيجته أيضاً عدم ترتيب الاثر المنسوب للمشهور: من أنّ الاصرار على الصغيرة ينافي العدالة.
فإنّه يقال: إنّ عدم ترتيب بعض آثار الكبائر للادلّة المقتضية له بنحو التخصيص لا يوجب خروج المورد موضوعاً، فما أكثر نظائره في مختلف أبواب الفقه « كالطواف بالبيت صلاة » الدالّ على توسعة الصلاة موضوعاً، ومع ذلك لا ينافي ذلك جواز الكلام فيه، وجواز قطعه وغير ذلك.
وكما دلّ على أنّ صلاة الميّت ليست صلاة، الدالّ على تضييق الصلاة موضوعاً، ومع ذلك لا ينافي ذلك وجوب الاستقبال ونحوه فيها.
وأمّا كون نتيجة هذا الجمع المختار، عدم كون الاصرار على الصغيرة كبيرة فلا، إذ ذلك يتبع أدلّته الخاصّة به التي ذكرناها آنفاً.


حاصل البحث

والحاصل: أنّه يمكن أن يقال: بأنّ الاصرار على الصغيرة كبيرة، ومقتضى ذلك: ترتيب جميع آثار الكبيرة على الاصرار على الصغيرة: من سقوط العدالة به، وعدم جواز الصلاة خلفه ونحو ذلك، لكنّه استثني من ذلك الوعد بالعفو عنها مطلقاً حتّى مع الاصرار، جمعاً بين الادلّة كما ذكرنا، فتأمّل.
ويمكن أن يقال: بأنّ مقتضى الجمع بين الادلّة هو: تضييق دائرة الصغائر التي تكفّر، بحصرها في ما لم يعزم على المعاودة أيضاً، قضاءً للورود أو الحكومة في أمثال: « من لم يندم عليها كان مصرّاً » وجمعاً بين: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) وبين (إِلاَّ اللَّمَمَ) فتأمّل.


الجهة السادسة: في حكم إخلال المعصية بالعدالة

وأمّا الجهة السادسة من جهات البحث في الكبيرة والصغيرة: فهي في حكم إخلال المعصية بالعدالة، وهل أنّ الاخلال مشروط بالعلم أم لا ؟
قال الشيخ حسن نجل كاشف الغطاء في أُصوله: « هل العلم بالكبيرة شرط في الاخلال بفعلها مرّة ؟
فلو صدرت مع جهل الحكم أو الموضوع، صار حكمها كحكم الصغائر ؟
أو العلم بكونها صغيرة، شرط في عدم الاخلال بها إلاّ مع الاصرار ؟
أو لا هذا ولا ذاك، بل الحكم تعبّدي في الاخلال وعدمه أخذاً بإطلاق كلامهم ؟
وجوه: أقواها اشتراط العلم بكونها صغيرة في عدم الاخلال، فلو أقدم على الصغيرة زاعماً أنّها كبيرة ولم يعلم أخلّت، ولو أقدم على الكبيرة زاعماً أنّها صغيرة ولم يعلم أخلّت على الاظهر أيضاً »(253).


التفصيل بين القاصر والمقصّر

أقول: لا يبعد التفصيل في ذلك كلّه بين القاصر والمقصّر، سواء في المجتهد أم العامي، فلو اجتهد المجتهد في معصية وأدّى اجتهاده إلى أنّها صغيرة وكانت في الواقع كبيرة جرى حكم الصغيرة مع القصور، وحكم الكبيرة مع التقصير، وبالعكس العكس، وكذا المقلّد، والله العالم.


التنبيه الثامن: العدالة واشتراطها بالعلم

التنبيه الثامن من تنبيهات باب العدالة: هل يشترط في العدالة العلم بها.
أو يكفي الاطمئنان بموافقة باطن الشخص العادل لظاهره.
أو يكفي الظنّ بها.
أو يكفي عدم الظنّ بالخلاف.
أو يصحّ ترتيب آثار العدالة لتحقّق الموضوع حتّى مع الظنّ الشخصي بالخلاف ؟


أقوال خمسة
القائلون بالقول الاوّل

احتمالات أو أقوال خمسة.
ذهب إلى القول الاوّل المحقّق الخراساني في حاشية مجمع الرسائل(254).


القائلون بالقول الثاني

وذهب إلى القول الثاني جمع فتوىً أو احتياطاً، منهم اليزدي (قدس سره) قال في تكملة العروة: « لا وجه لكفاية الظنّ في ثبوتها ـ أي العدالة ـ »(255) والوالد والحكيم والمجدّد الشيرازي (قدس سرهم) من جهة أنّ ظاهر كلّ صفة كونها واقعية فقوله (عليه السلام): « صائناً لنفسه، حافظاً لدينه... » ظاهره كونه كذلك واقعاً لا في الظاهر فقط فكما لو قيل: فلان طبيب، أو مهندس، أو فقيه، ظاهرها إلمامه الواقعي بهذه العلوم، لا كون مظهره مظهر طبيب، أو مهندس، أو فقيه، كذلك فيما نحن فيه.


القائلون بالقول الثالث

وذهب إلى القول الثالث وهو كفاية الظنّ في مجمع الرسائل، الشيخ شيخ الشريعة والنائيني والعراقي والحائري والميرزا محمّد تقي (قدس سرهم) وفي العروة الوثقى ابن العمّ والبروجردي وكاشف الغطاء والاخ (قدس سرهم).
قال الشيخ (قدس سرهم): « وهل هي ـ العدالة ـ معتبرة تعبّداً حتّى لو كان الظنّ على خلافها، أو يشترط عدم الظنّ على خلافها، أو يشترط إفادتها الظنّ ؟ وجوه مبنية على ملاحظة إطلاق أدلّة اعتبارها... »(256).
ثمّ إنّ الشيخ ذكر هنا تفصيلاً بين احتمال الكذب فالظنّ بالخلاف لا يضرّ، وبين احتمال الخطأ فالظنّ بالخلاف يضرّ.
وفيه: أنّه خروج عن المبحث، إذ البحث في احتمال الكذب ظنّاً أو وهماً ونحوهما.


القائلون بالقول الرابع

وقال بالرابع آخرون: اعتماداً على أنّ طريقة العقلاء في ترتيب الاثار على الصفات في جميع أُمورهم على عدم الظنّ الشخصي بالخلاف، ولا يلتزمون بالاطمئنان على الوفاق، فأصحاب الصنائع والحرف يراجعهم الناس في أُمورهم كلّها بمجرّد كون ظاهرهم ذلك من دون توقّف على الاطمئنان بموافقة واقعه لظاهره، فالداخل في بلد غريب، لو أراد صياغة ذهب يذهب إلى أحد المحلاّت المعدّة للصياغة بظاهرها، من دون التزام التحقيق بمقدار الاطمئنان إلى معرفة صاحب المحلّ بالصياغة ومهارته فيها.
وإذا ثبت كون ذلك طريقة عقلائية صحّ ترتيب الاثار الشرعية للعدالة على من ظاهره ذلك، إيكالاً من الشرع على العرف والعقلاء في جميع الموضوعات إلاّ ما استثني بالخصوص.


القائلون بالقول الخامس

وذهب إلى القول الخامس جمع من الفقهاء وهم: كلّ من قال بأنّه كاشف تعبّدي ولم يشترط في الكواشف التعبّدية إلاّ العلم بالخلاف لعدم الموضوع وهو الشكّ.
منهم: محمّد تقي الخونساري وسيّد أحمد الخونساري وآل ياسين، قال في المفاتيح: « ولو ظنّ مع حسن الظاهر بعدم العدالة، فهل يحكم حينئذ بعدالته بمجرّد حسن الظاهر فلا يكون الظنّ بعدم العدالة معتبراً ؟ فيه إشكال »(257).


مناقشة الاقوال الخمسة
مناقشة القول الاوّل

أقول: أمّا القول الاوّل: ـ فمضافاً إلى عدم نظير له في الفقه، للتسالم في كلّ الابواب على كفاية الوثوق والاطمئنان ـ إنّ الاخوند (قدس سره) لم يلتزم به في حاشية نجاة العباد على ما تقدّم، وإن كان الظاهر أنّه الرأي الاخير له للتصريح به ـ عدم كفاية الوثوق ـ في الطبعة المطبوعة في سنين قبل وفاته (قدس سره).
ويمكن أن يستدلّ عليه بقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن أبي يعفور: « أن تعرفوه بالستر والعفاف » والمعرفة: العلم.
ويردّه أنّ المعرفة عرفاً هو الاطمئنان والوثوق.


مناقشة القول الثاني

وأمّا القول الثاني: فهو المتيقّن في جمع الموضوعات وجميع الاحكام. وكلّ من قال بذلك لم يستفد الخصوصية من أدلّة العدالة بكفاية أقلّ من ذلك.
وفيه: أنّ المستفاد من الادلّة أعمّ من الاطمئنان.
وهناك وجه آخر لكفاية الظنّ في توافق الباطن والظاهر في العدالة وهو تلفيق وجهين:
الاوّل: ما هو بناء العقلاء من لزوم الاطمئنان ـ النوعي أو الشخصي ـ في الملكات، فلا ينسبون إلاّ مع الاطمئنان.
الثاني: ما دلّ على نفس حسن الظاهر: « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً »(258) لا يمكن التزامه للاعراض عنه، فيبقى الظنّ.


مناقشة القول الثالث

وأمّا القول الثالث: فالظاهر صحّته، أوّلاً: للادلّة الخاصّة المعتبرة وثانياً: لتوقّف نظام المعاش لقلّة الوثوق.
قال سبحانه وتعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْل مِنْكُمْ)(259).
وقال عزّوجلّ: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ)(260).
وقال تبارك وتعالى: (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ)(261).
مع مقدّمات تالية:
1. كثرة الموارد التي شرط الشارع فيها العدالة.
2. لزوم اختلال النظام إذا لزم الاطمئنان الشخصي، لكون العدالة إمّا من أصعب الملكات أو أصعبها على الاطلاق، لوجود الموانع عنها في الداخل، على ما قال الشاعر:
نفسي وشيطاني ودنيا الهوى كيف الخلاص وكلّهم أعدائي ؟
3. عدم كفاية أقلّ من الظنّ بالوفاق، للاصل، وبناء العقلاء، ظاهراً، فالنتيجة: كفاية الظنّ بالوفاق.


مناقشة القولين: الرابع والخامس

وأمّا القولان الاخيران: وهما عدم الظنّ بالخلاف، أو حتّى مع الظنّ بالخلاف، فإن ثبت أحدهما انتفت الاقوال السابقة، إنّما الكلام في مقام الاثبات بالنسبة للقولين والمثبت أحد أمرين:
1. بناء العقلاء.
2. الادلّة الشرعية.
1. أمّا بناء العقلاء ـ كما في الظواهر وخبر الثقة والاقرار ونحوها ـ فليس في المقام، ولم يدّعه أحد: من طريقية حسن الظاهر للحجّية على الباطن مع عدم الظنّ بتخالفهما، أو حتّى مع الظنّ بتخالفهما، وقد ذكر الخلاف في الظواهر منذ القديم، وذكره الشيخ في الرسائل، وصاحب الكفاية وآخرون في كتبهم، وعمدة الخلاف فيه، مقدار بناء العقلاء.
صرّح الاخوند في الكفاية بالحجّية حتّى مع الظنّ بالخلاف.
وصرّح آخرون بعدم الحجّية إلاّ مع الظنّ بالوفاق.
وفصّل بعضهم كالمظفّر في أُصول الفقه بين الظنّ الذي يكون عرفاً قرينة على الخلاف وبين غيره.
أقول: الكلام في الظنّ بالخلاف مع بقاء الظهور، لا مع عدم بقائه، لانّ موضوع البحث مدى حجّية الظهور.
2. وأمّا الادلّة الشرعية، فلا كتاب يدلّ على طريقية حسن الظاهر لكشف الباطن الحسن مطلقاً، ولا إجماع ـ وإن ادّعي ـ ولا عقل، فيبقى الاخبار.
وهي الروايات المصرّحة أو الظاهرة في أنّ مقياس العدالة شرعاً هو الظاهر فقط، وفي بعضها: « ولا يسأل عن باطنه »(262) وفي بعضها: « مأمون » و « خير » و « مرضي ».
خصوصاً مثل صحيح أو حسن علقمة: « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنباً »(263).
وصحيح حريز: « وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم، إلاّ أن يكونوا معروفين بالفسق »(264).
وخبر العلاء: « إذا كان لا يعرف بفسق »(265).
وحسن البزنطي: « أُجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير »(266).
فهذه كلّها مصرّحة أو ظاهرة بصدق العدالة على من كان ظاهره عدلاً، وإن ظنّ ظنّاً شخصياً على مخالفة باطنه لظاهره.


إيرادات وأجوبة
الايراد الاوّل وجوابه

وقد أُورد على الاستدلال بذلك من وجوه:
أوّلاً: بأنّ هذه الروايات هي كانت مستند القول بأنّ العدالة مجرّد الاسلام مع عدم ظهور الفسق، وقد أعرض الفقهاء كلاً أو جلاً عن التمسّك بها، لاصل العدالة، فكيف يتمسّك بها لهذه المسألة الفرعية للعدالة ؟
وفيه: أنّ دلالة هذه الروايات على كون العدالة مجرّد الاسلام مع عدم ظهور الفسق، ودلالتها على عدم مانعية الظنّ بمخالفة باطن العادل لظاهره، حاصلتان، وإذا رفعنا اليد عن إحدى الدلالتين لمانع من: الاعراض، أو مخالفة المشهو أو نحوهما، لا يوجب ذلك سقوط الروايات عن الحجّية سنداً كي لا يصحّ التمسّك بها في المقام.
كيف وقد التزم جمع من الفقهاء التفكيك بين الدلالة المطابقية، والالتزامية، بترك الاُولى، والاخذ بالثانية، إذا كانت الاُولى مبتلاة بمانع، كالمتعارضين في نفي الثالث، مع أنّ ما نحن فيه أهون، وليس يرى فيه أي مانع عرفي ؟


الايراد الثاني وردّه

وثانياً: بأنّها واردة مورد الغالب إذ الغالب حصول الظنّ بل الاطمئنان بموافقة الباطن للظاهر.
وبعبارة أُخرى: انصرافها إلى الغالب، وعدم الاطلاق الشامل لما نحن فيه، حتّى قيل: « الظاهر عنوان الباطن » ونحوه.
وفيه: ـ مضافاً إلى إمكان منع الغلبة لشيوع التدليس والتزوير في الاُمور، خصوصاً في أمثال ذلك الذي يسهل التزوير فيها ويترتّب آثار مهمّة عليها ـ أنّ الغلبة بما هي لا توجب انصرافاً في اللفظ إلى معنى خاصّ.


الايراد الثالث ومناقشته

وثالثاً: بأنّ مفاد المطلقات ليس جعل الطريقية بطور التأسيس والتعبّد حتّى يمكن التمسّك باطلاقها، وإنّما مفادها: جعلها بطور الامضاء لما هو طريق عند العرف والعقلاء، وهم لا يجعلون ذلك طريقاً معتبراً ولا يحكمون بثبوت ذي الطريق إلاّ فيما إذا لم يكن ظنّ بالخلاف.
وفيه: منع ذلك، كبرى وصغرى، بل الحال في هذا عند العقلاء حال ظواهر الالفاظ، التي لا يتقيّدون فيها بموافقة الظنّ الشخصي لما يستفاد منها، بل ولا بمخالفته، وعلى فرض تسليم ذلك، فمع إطلاق الروايات لا مانع من التزام التعبّد فيها، فتأمّل.


الايراد الرابع وجوابه

ورابعاً: بأنّ المطلقات على فرض تسليم الاطلاق لها حتّى لصورة الظنّ الشخصي على الخلاف، إلاّ أنّه يجب تقييدها بما ورد من اعتبار الوثوق بدين الامام، وعدم جواز الصلاة خلف من لا يثق بدينه ونحو ذلك، ممّا يلزم في تحقّق موضوعه الاطمئنان على موافقة الباطن للظاهر.
وفيه: ـ مضافاً إلى صراحة بعضها في عدم لزوم معرفة الباطن، أو عدم لزوم كشف الظاهر عن الباطن مثل: « إلاّ أن يكونوا معروفين بالفسق »(267).
أو: « إذا كان لا يعرف بفسق »(268).
أو: « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً... وإن كان في نفسه مذنباً »(269) ونحوها.
وإلى أنّ ظاهر الوثوق بالدين هو: الوثوق بعقيدته بكونه شيعياً، لا الوثوق بعلمه، كما يستفاد ذلك من نظائر مثل هذه التعبيرات في لسان الروايات ـ:
إنّ لسان بعض تلك المطلقات بالقياس إلى مثل: « لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه »(270) لسان الحكومة، والتوسعة الموضوعية، مثل: « من صلّى الصلوات الخمس جماعة فظنّوا به خيراً كلّ خير »(271).


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ الظنّ الشخصي غير المعتبر بكون باطن الانسان العادل غير موافق لظاهره المأمون، لا يقدح في عدالته، فكيف بلزوم الظنّ الشخصي بالموافقة بين الظاهر والباطن، أو الاطمئنان إلى ذلك ؟
إلاّ أنّ الاحتياط مهما سهل فلا شكّ في كونه أفضل، خصوصاً في مثل مرجع التقليد، وشهود الطلاق، ولعلّه في مقام الفتوى غير بعيد.


التنبيه التاسع: العدالة والمعصية الفاعلية

التنبيه التاسع من تنبيهات باب العدالة: لا إشكال في أنّ المراد من: « الكبائر » و « العيوب » اللتين جعل اجتنابهما نفس العدالة أو طريقاً تعبّدياً إليها، أو مجرّد معرّف خارجي للعدالة: ما كان معصية عند الفاعل، لا في نفسه، فالمرتكب للكبيرة أو للعيب مع عدم الالتفات القصوري إلى ذلك، أو العذر في الارتكاب، مثل النسيان، والاضطرار وغيرهما، ممّا تضمّنه حديث الرفع ونحوه غير قادح في العدالة، إذ ظاهر الاطلاق أو منصرف ذلك هو كونه صادراً عن عصيان لله تعالى، والعصيان صدقه متوقّف على عدم العذر.


أمثلة ونماذج

فلو استغاب شخص مؤمناً، وكانت الغيبة له جائزة، لم تقدح في عدالته، كما قد يفكّك في ذلك بين المغتاب ـ بالكسر ـ وبين السامع، فربّ مغتاب غير معذور في الغيبة ومستمعه معذور فيه، وبالعكس، وقد يفكّك بين السامعين أيضاً، فربما كانت الغيبة جائزة السماع لشخص، لكونه مثلاً في طريق الاصلاح، دون شخص آخر، والمناط واضح ومعلوم.
ومع الشكّ في كون الفاعل للكبيرة عاص بفعلها أم لا، فهل الاصل العصيان حتّى يثبت العذر، أم العكس: بأنّ الاصل العذر حتّى يثبت العصيان ؟ احتمالان:
من أنّ قيد العذر أمر زائد(272)، فينتفي بالاصل، إلاّ إذا أحرز وجوده فيكون الاصل في حال الشكّ: العصيان، كما هو المنسوب إلى صاحب الجواهر في كتاب الشهادات.
ومن أنّ المعصية بنفسها أمر بسيط يشكّ في وجوده فالاصل عدمه، وتجزّءه إلى فعل المعصية، وعدم العذر، تجزّء فلسفي غير عرفي، فيكون الاصل في حال الشكّ عدم العصيان. كما ارتضاه بعض المقاربين لعصرنا. وينافيه قول الجواهر: « من أنّ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يجبان مطلقاً حتّى في حال الشكّ في أنّه مقتلع أم لا ؟ »(273).
هذا مع عدم وجود حالة العدالة سابقاً، وإلاّ فاستصحابها لا مانع منه، فلو رؤي شخص مسبوق العدالة يغتاب مؤمناً، أو يستمع إلى الغيبة، وشكّ في أنّه هل له عذر في ذلك أم لا ؟ كان مقتضى عدم نقض اليقين بالشكّ: استصحاب عدالته، إلاّ أن يثبت عدم العذر له بإقراره، أو من قرينة خارجية قطعية، أو حجّة.
وهكذا في الكذب، وشرب الخمر، وإفطار شهر رمضان، ونحوها من المحرّمات. وفاقاً للجواهر وغيره.


كلام صاحب الجواهر

قال في الجواهر: « إنّ المراد بمشاهدة فعل ما يقدح في العدالة حصول العلم بكونه على الوجه المحرّم وإلاّ لم يشهد به، ضرورة أعمّية شرب الخمر ـ مثلاً ـ من ذلك، ودعوى: أنّ للافعال ظهوراً يجب الاخذ به كالاقوال واضحة المنع، فإنّ الفعل من حيث هو كذلك لا ظهور فيه، وإنّما يحصل معه بعض المقارنات المقتضية لكونه كذلك، فهي إن أفادت العلم جرى عليه الحكم، وإلاّ كان من الظنّ الذي لا دليل على حجّيته بل الدليل على خلافه »(274).
خلافاً للمنقول عن الجواهر أيضاً في قدح مثل ذلك للعدالة، لاصالة عدم تكفيرها، ولعمومات التوبة الشاملة لحال الشكّ، ولغيرهما.


مناقشة كلام الجواهر

وفيه: أنّ أصل عدم التكفير ـ مضافاً إلى كونه محكوماً بأصل عدم العصيان، أو استصحابه سببياً ومسبّبياً، ومع جريانهما لا مجال لاصل عدم التكفير كما حقّق في محلّه ـ مثبت فلا يجري من رأس.
وأمّا التمسّك بعمومات التوبة فهو من التشبّث بالعام في الشبهة المصداقية.
وإذا جرى أصل عدم العصيان، واستصحاب العدالة بالنسبة لهذه المحرّمات الفعلية، فجريانهما بالنسبة للاعمال التي تكون حرمتها وعدم حرمتها بالوجوه والاعتبارات أولى، مثل: التصدّي للامامة، ودعوة الناس إلى نفسه ونحوهما، ممّا تختلف وجوه الحرام والحلال والواجب منها باختلاف الموارد، والنوايا ونحوهما.
نعم، قد يسبّب مثل ذلك ضعف العقيدة بقوّة تديّن مرتكب ذلك، ولكنّه لا يجوز ترتيب آثار الفسق عليه: كجواز غيبته، ووجوب العدول عنه ونحو ذلك.


تعقيبٌ وتهذيب

أقول: 1. قد يكون مشكوك المعصية حتّى فعلياً: كرجل يكلّم امرأة ولعلّها محرمة، فهنا أصل الصحّة لاحتمال الوجهين.
2. وقد يكون معلوم المعصية لكنّه يشكّ في الفاعلية ـ ممّا يكون بعنوانه الاوّلي معصية: كالغيبة والكذب ونحوهما ـ فلاصل الصحّة فيه مجال أيضاً، لكن له هنا معارض عدم ترتّب الاثر، وهناك لا معارض له.
وفي مثله إن قلنا بأصالة المعصية ـ عند الشكّ في الفاعلية ـ فلا مجال للاستصحاب، وإن قلنا بأصالة عدم المعصية كان للاستصحاب مجال.
قال في العروة الوثقى في مستحبّات الجماعة ومكروهاتها: « إذا عرف الامام بالعدالة ثمّ شكّ في حدوث فسقه جاز له الاقتداء به عملاً بالاستصحاب وكذا لو رأى منه شيئاً وشكّ في أنّه موجب للفسق أم لا ؟ »(275). وعلّق الشيرازي والبروجردي والعراقي وكذا الحكيم في المستمسك وجماعة: بأنّه إذا كانت الشبهة موضوعية.
وفي « موسوعة الفقه » قال: « كما لو رآه يغتاب إنساناً لكنّه لم يعلم هل أنّه مسلم أو كافر »(276) وهذا ينافي ما ذكره (قدس سره) في القضاء(277): من أصالة المعصية.


استنتاج

ولعلّ الاقرب: أصالة عدم المعصية، وفي مثل القتل والردّة ونحوهما من المهمّات: يلزم الفحص، ولاجله لا يجري أصل: لا أصل عدم العذر، ولا أصل العذر ـ عدم المعصية ـ ليترتّب عليه ثبوت العدالة فيجري استصحاب العدالة والفسق لعدم أصل حاكم.


التنبيه العاشر: العدالة وتحقّقها بحسن الظاهر

التنبيه العاشر من تنبيهات باب العدالة: حسن الظاهر الذي التزمنا بكونه العدالة، أو كونه طريقاً إليها، هل يتحقّق بالمرّة والمرتين ؟ الظاهر: أنّه لا يكفي في تحقّقه المرّة والمرتان غالباً، فلو رأينا شخصاً صلّى الظهر والعصر، وسألناه عن شيء فلم يكذب، ثمّ وصلت النوبة إلى غيبة إنسان فلم يغتبه، لا يكفي ـ غالباً ـ مثل ذلك في الحكم بعدالته، بل اللازم أن يتكرّر منه ذلك بحيث يصدق فيه بالحمل الشائع: « حسن الظاهر ».
وهذه الكلمة وإن لم تصرّح بها الروايات، ولكنّا استفدناها من جمع الروايات بعضها مع بعض، ومن عدم إمكان الالتزام بظهور الاسلام مع عدم ظهور الفسق فقط.
وهكذا على القول بكون العدالة هي الملكة، فإنّها بطريق أولى لا يكتفي في كشفها المرّة والمرّات القليلة، بل بحيث يصدق عليه: أنّه ذا نفس متمرّنة على الطاعة.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، لا يحتاج إلى: المعاشرة التامّة والصحبة المؤكّدة ـ كما قال به البعض ـ إذ دون مثل ذلك ينكشف به نفس الانسان لصاحبه.
مع أنّ صدق: « الستر » و « العفاف » وقوله (عليه السلام): « فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلّته قالوا: ما رأينا منه إلاّ خيراً »(278) ونحو ذلك، لا يستدعي المعاشرة التامّة والصحبة المؤكّدة.


حاصل التنبيه العاشر

والحاصل: أنّه لا يكتفي في مقام استكشاف العدالة بالطاعة مرّة ومرتين، كما قد يعتمد عليه بعض من أفرط في حسن ظنّه بالناس، ولا يحتاج إلى تجشّم المعاشرة الاكيدة الكثيرة، كما ذهب إليه آخرون، بل التوسّط وصدق عنوان: « حسن الظاهر » عند القائلين به، وصدق عنوان: « فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلّته قالوا: ما رأينا منه إلاّ خيراً »(279) عند القائلين بالملكة كاف، والله العالم.


التنبيه الحادي عشر: العدالة وترتيب آثارها

التنبيه الحادي عشر من تنبيهات باب العدالة: الظاهر عدم ترتّب آثار العدالة مطلقاً عند من صدقت عليه عناوين العدالة لدى قوم، ولم تصدق عليه لدى قوم آخرين.
فمن حسن ظاهره عند أهل العلم وأهل الدين، والوعّاظ والعلماء، وأصحاب المساجد والعبادات، ولم يحسن ظاهره عند أهل الفسق والفجور ونحوهم، فليس هذا بعادل، لانّ ظاهر: « الستر » و « العفاف » كونه متّصفاً بهذه الصفات مطلقاً، لا ظهورها عنه إجمالاً، وكذا ظاهر قول أهل محلّته فيه: « ما رأينا منه إلاّ خيراً » كون ذلك كاشفاً عن باطنه بالحمل الشائع وعلى نحو الاطلاق، لا مهملة أو جزئية ونحو ذلك.
وليس هذا نظير « الربا » و « الكرّ » ونحوهما، ممّا تختلف أحكامه باختلاف الناس وتفاوت البلدان.


التنبيه الثاني عشر: النسبة بين العدالة والاسلام

التنبيه الثاني من تنبيهات باب العدالة: هل النسبة بين: العدالة والاسلام، العموم المطلق، أو العموم من وجه ؟
وجهان، بل قولان مبنيان عى أنّ الكافر هل يكون عادلاً أم لا ؟
والمقصود بذلك: العدالة الشرعية، التي تترتّب آثار معيّنة عليها، لا العدالة اللغوية، أو الاخلاقية، لوضوح إمكانها في الكافر.


النافون لعدالة الكافر وأدلّتهم

استدلّ لعدم صيرورة الكافر عادلاً بأُمور:
الاوّل: بالاحاديث المستفيضة العادّة للكبائر وأكبرها الاشراك بالله تعالى، فكيف يكون الكافر عادلاً وهو مرتكب لاكبر الكبائر باستمرار ؟
الثاني: وبأنّ الكافر كيف يكون عادلاً وقد حكم في الشريعة للعادل بأحكام هي مقطوعة الانتفاء بالنسبة للكافر، مثل وجوب الاخوة، وحرمة الغيبة ونحوهما ؟
الثالث: وبقيام الادلّة المتظافرة على عدم صحّة صيرورة الكافر شاهداً، أو قاضياً، أو مفتياً، أو إمام جماعة، ممّا هي من آثار العدالة.
الرابع: وبالسيرة المستمرّة، والمرتكز الذهني العام عند جميع المؤمنين، بل عامّة المسلمين على عدم ترتّب تلك الاثار على الكافر.


المثبتون لعدالة الكافر واستدلالهم له

واستدلّ القائلون بإمكان صيرورة الكافر عادلاً بما يلي:
إنّ العادل هو الذي لا يعصي الله معصية فاعلية، ولا تنافي بين ذلك وبين الشرك بالله تعالى، إذ من الممكن أن يكون الكافر معذوراً في كفره كما ورد في تفسير قوله تعالى: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً)(280) من أنّهم الذين لم تبلغهم دعوة الاسلام، أو لم يؤتوا الالتفات الكافي للبحث عنه ونحو ذلك، وقد أسلفنا في التنبيه الثامن: أنّ المعصية الفعلية المجرّدة لا تخلّ بالعدالة، إنّما المخلّ بها المعصية الفاعلية.
أمّا كون الشرك بالله تعالى أكبر الكبائر: فإنّه يراد به الشرك الفاعلي لا الشرك الفعلي، بدليل أنّ بعض الاثار الاُخرى للشرك: من العقاب ونحوه غير مترتّبة على الشرك فقط، فليكن هذا الاثر أيضاً كذلك.
وأمّا تخلّف بعض آثار العدالة عن مطلق الكافر، مثل: وجوب الاخوة، وحرمة الغيبة ونحوهما، فلا يدلّ على انتفاء العدالة موضوعاً بل حكماً، لانّ الاستدلال بمثل ذلك على انتفاء آثار أُخرى لم تدلّ الادلّة على انتفائها عن الكافر، أشبه بالقياس.
وأمّا القول في مثل عدم جواز صيرورة الكافر مرجعاً للتقليد، أو قاضياً، أو شاهداً، أو إماماً للصلاة ممّا دلّت الادلّة عليها بالخصوص: فإنّه لا يصحّ استكشاف كلّي عدم العدالة موضوعاً منها.
وأمّا السيرة: فهي مخدوشة موضوعاً وحكماً، لاحتمال استنادها إلى فتاوى الفقهاء.
وأمّا المرتكز الذهني للمؤمنين بل المسلمين: فهو إن رجع إلى السيرة فهي، وإلاّ فلا دليل على حجّيته مستقلاً.


تعليق وتحقيق

أقول: مقتضى فقدان الدليل الخاصّ في المقام وإن كان هو الذهاب إلى القول الثاني، إلاّ أنّ السيرة، والمرتكز الذهني للمؤمنين، والمستفاد من مختلف الادلّة في شتيت الابواب: من إقصاء الكافر والفصل بينه وبين المسلمين في الاُمور الدينية ونحوها، تستوقف الفقيه، بل تشرّفه على القطع في أمثال ذلك، خصوصاً الكافر الذي نقل الاجماع مكرّراً ـ وارتضاه من دأبهم الخدشة في الاجماعات المنقولة صغرى وكبرى ـ على أنّ ناقل الرواية يشترط فيه أن يكون مسلماً، فإن كان كافراً لا يقبل خبره وإن كان ثقة، مع أنّ ملاك قبول الخبر الوثاقة، حتّى أنّهم عوّلوا على خبر الصبيّ الثقة.
والخدشة في السيرة في غير محلّها موضوعاً وحكماً.
والمرتكز الذهني للمؤمنين يمكن اعتباره طريقاً عقلائياً وعرفياً لكشف الحكم، خصوصاً في مثل هذه المرتكزات التي تنبئ عن بناء الشريعة عليها.
وقد اعتمد على المرتكز الذهني العام للمؤمنين بعض مراجع العصر تبعاً لجمهرة من الفقهاء العظام في العصور المختلفة، وليس بعيداً عن الصواب.
وأمّا احتمال استناد السيرة، والمرتكز الذهني، إلى فتاوى الفقهاء فهو غير مضرّ بعد ما كان مثله معدوداً من الطرق العقلائية والعرفية لكشف مقاصد الموالي، خصوصاً وقد ذكرنا غير مرّة الاشكال على الخدشة في الاجماع المحتمل الاستناد، وفي ما نحن فيه أولى.


حاصل النسبة

والحاصل: أنّ النسبة بين العادل والمسلم: هي العموم المطلق، فكلّ عادل مسلم ولا عكس، لا العموم من وجه.


التنبيه الثالث عشر العدالة والكاشف عنها

التنبيه الثالث عشر من تنبيهات باب العدالة: أنّ كاشف الملكة الظنّي إن كان حسن الظاهر كان حجّة، لقيام الدليل على كفاية حسن الظاهر الموجب للظنّ بالملكة.
وأمّا الظنّ بالملكة من غير حسن الظاهر، فالظاهر عندهم عدم اعتباره(281).
قال في تكملة العروة: « إنّها ـ أي العدالة ـ وإن كانت عبارة عن الملكة ويعسر الاطّلاع عليها غالباً بالعلم، إلاّ أنّ المستفاد من الاخبار الكثيرة أنّ حسن الظاهر كاشف عنها، والاطّلاع عليه سهل ـ فلا وجه لكفاية الظنّ في ثبوتها سواء حصل من المعاشرة التامّة أو من خبر الواحد ـ إلاّ مع العلم بما جعله الشارع كاشفاً عنها وهو حسن الظاهر المفيد للظنّ بحصولها »(282).
واحتمل الشيخ (قدس سره) كفاية الظنّ بالعدالة مطلقاً، حتّى ولو لم يكن من المعاشرة وحسن الظاهر.
قال: « بل يمكن أن يستفاد من الاخبار المتقدّمة ـ في استناد الشاهد إلى ظنّه الحاصل من المعاشرة ـ جواز استناده إلى مطلق الظنّ، وإن كان موردها الظنّ الحاصل من المعاشرة والاطّلاع على مواظبة الجماعة »(283).


التنبيه الرابع عشر: العدالة عند العادل نفسه

التنبيه الرابع عشر من تنبيهات باب العدالة: هل حسن الظاهر أمارة على العدالة عند نفس الشخص الحسن الظاهر أيضاً أم لا ؟ فلو كان الرجل ساتراً لعيوبه، بحيث إذا سئل عنه في محلّته وقبيلته قالوا عنه: « ما رأينا منه إلاّ خيراً » ولكنه يعلم بعدم حسن باطنه أو شكّ في ذلك، فهل له أن يرتّب على نفسه آثار العدالة، فيتصدّى للقضاء، ولامامة الجماعة، وللشهادة على الطلاق، ونحو ذلك ؟ أو لا يجوز بل يجوز له القبول إذا دعي إليها ؟
أو لا يجوز له ذلك أيضاً، وإنّما الجائز ما إذا وقع عنه جبراً، كما إذا كان واقفاً للصلاة فرادى فوقف خلفه شخص مؤتمّاً به ؟
أو يلزم عليه مع ذلك إخبار الشخص بعدم عدالته ؟
لا إشكال في أنّ الشكّ في الشرطية مسرح أصل عدم الشرطية، والشكّ في الصحّة وسقوط التكليف ونحو ذلك مسبّب عن الشكّ في الشرطية، يبقى مقدار الدليل على الشرطية في الابواب، ولذا استند الفقهاء ـ في موارد الخلاف ـ إلى أصل عدم شرطية العدالة في نائب الحجّ والوصي والقيّم ونحوهم.
قال في تكملة العروة: « إذا علم من نفسه عدم العدالة أو عدم الاجتهاد حرم عليه التصدّي ـ أي: للقضاء ـ وإن اعتقد الناس عدالته أو اجتهاده »(284).
وقال في العروة الوثقى: « الاحوط أن لا يتصدّى للامامة من يعرف نفسه بعدم العدالة وإن كان الاقوى جوازه »(285).
فهنا مسائل ثلاث:


مسائل ثلاث
المسألة الاُولى

إحداها: هل يجوز له التصدّي لما يشترط فيه العدالة بمجرّد كونه حسن الظاهر عند الناس، بحيث يدعو الناس إلى الصلاة خلفه، أو التحاكم إليه، أو جعله من شهود الطلاق ونحوها، أم لا ؟


المسألة الثانية

ثانيتها: إذا لم يجز ذلك، فهل له قبول التصدّي لها إذا دعي إليها، وذلك من غير أن يدعو هو الناس إلى نفسه ؟
فلو طلب إليه أن يأتي المسجد ويصلّي بالناس جماعة، أو سألوه أن يطبع رسالته العملية ويعطيها لمن طلبها منه، أو استدعي للقضاء بين اثنين، فهل يجوز له الذهاب إلى المسجد في أوقات الصلاة وتقدم المصلّين، وطبع فتاواه واعطاؤها لمن قلّده، والحكم بين متخاصمين طلبا منه ذلك ؟


المسألة الثالثة

ثالثتها: إذا لم يجز له ذلك أيضاً، فهل يجب عليه سحب نفسه عن هذه الميادين ؟
مثلاً: لو كان يصلّي فرادى فأتمّ به شخص، هل يجب عليه دفعه بيده، أو إعلامه بأن لا يصلّي معه ؟ أو استعلم منه الفتوى، فهل يجب عليه أن يقول له: لا تقلّدني ؟ أو أرادوا اجراء صيغة الطلاق عنده، فهل عليه أن يقول لهم: أنا لا أشهد على الطلاق، أم يجوز له أن يسكت ويستمع ؟


حكم المسائل الثلاث
المسألة الثالثة وحكمها

أمّا المسألة الثالثة: وهي هل يجب على من حسُن ظاهره وساء باطنه، أو شكّ في حُسن باطنه، أن يسحب نفسه ويدفع الناس عنه ؟ فالظاهر: أنّه لا يجب عليه سحب نفسه، ودفع الناس عنه ـ وإن كانت عادةً بعض المتّقين والمتديّنين على سحب أنفسهم عن هذه المقامات، ولذا ينهون الناس عن الصلاة جماعة خلفهم، ولا يستجيبون لسماع صيغة الطلاق ونحو ذلك ـ لعدم الدليل على وجوب السحب إلاّ ما يحتمل من الاغراء بالجهل، وهو ليس منه موضوعاً، إذ الاغراء يجب أن يكون بفعل المغري، وليس هنا فعل صادر من الشخص يسبّب الاغراء للاخرين.
اللهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ ستره لعيوبه هو نوع اغراء، وكذا عدم امتناعه أيضاً نوع اغراء، لملازمته عرفاً لتصديقه حسن ظنّ الناس به.
تنبيهات باب العدالة: التنبيه الرابع عشر
لكنّهما بعيدان، إذ ستر العيوب شرعاً من الواجبات أو الفضائل، وليس فيما أمر الشارع به وجوباً أو استحباباً اغراء، وهكذا عدم الامتناع ليس بينه وبين تصديقه حسن ظنّ الناس به، تلازم شرعي، ولا عرفي، وعلى فرض التلازم العرفي في بعض الموارد، فهو مضافاً إلى عدمه في مقامات أُخرى لكونه كاشفاً عن ذلك، لا دليل على لزوم دفع الملازم العرفي الذي ليس بشرعي، فتأمّل.


فرع آخر

ثمّ إنّه لو وقف الشخص الذي لا يرى نفسه عادلاً، أو يرى نفسه غير عادل، للصلاة فرادى، فاقتدى به شخص آخر لحسن ظاهره بنظره، فهل للامام أن ينوي الامامة حتى يحصل على ثواب الجماعة، أم لا ؟
ربما يحتمل عدم جواز ذلك، لانّ نيّة الجماعة وعدمها فرعان على كون الرجل أهلاً للامامة وعدمه، فلو علم الامام بعدم أهلّيته، أو شكّ في ذلك، فلا يحقّ له أن ينوي هذه النيّة.
مضافاً: إلى احتمال بطلان صلاته بهذه النيّة، إذ ما نواه من الجماعة لا تجوز له، وما يجوز له لم ينوه، فصلاته باطلة: إمّا لعدم صحّتها من جهة خلوّها عن النيّة، أو من جهة بطلانها لكونها جماعة.
ولعلّه لذلك علّق المحّق الميلاني (قدس سره) على العروة الوثقى ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ بقوله: « لكن لا يرتّب أحكام الجماعة، بل لا ينوي الامامة إلاّ بقصد الرجاء »(286).
وقد يقال: بجواز النيّة، ولكنّها غير مؤثّرة في زيادة الثواب، إذ النيّة بنفسها لا تضرّ، لكن ترتّب الاثر وهو اعتبار الله تعالى هذه الصلاة صلاة جماعة ـ الذي هو سبب زيادة الثواب ـ غير معلوم.
ويمكن أن يقال: بجواز نيّة الجماعة، وترتّب الثواب أيضاً:
أمّا النيّة: فلانّها تابعة للفعل، وما دام مثل هذه الجماعة جائزة له فنيّتها أيضاً جائزة، واحتمال بطلان صلاته في غير محلّه، إذ الفرض عدم البطلان بمثل ذلك.
وأمّا الثواب: فهو مترتّب على ما يصدق عليه الجماعة بالحمل الشائع، وهذه جماعة كذلك، فالحديث الشريف القائل بأنّ للامام من الاجر مثل أجر المأمومين يشمله.
والقول: بأنّ ذاك في الجماعة الصحيحة، وهذه ليست صحيحة لانّها من جانب الامام معلوم عدم صحّتها، ومن جانب المأموم متخيّل الصحّة، لا صحيحة.
يدفعه: أنّ الصحّة ليست سوى ما أجازه الشرع، ومثل هذه الصلاة مجازة شرعاً للامام على الفرض، وللمأموم باعتماده على حسن الظاهر.


حاصل المسألة الثالثة

والحاصل: أنّه لا يبعد القول بجواز نيّة الامام الجماعة، وترتّب ثواب الجماعة على مثلها، والتفصيل بين من يعلم عدم أهليته وبين من يشك فيها: بالتزام الجواز في الثاني دون الاوّل، غير واضح الوجه.


المسألة الثانية وحكمها

وأمّا المسألة الثانية: وهي هل يجوز لمن حَسُن ظاهره وساء باطنه، أو شكّ في حُسن باطنه أن يقبل التصدّي لامامة الجماعة وغيرها إذا دعي إليها ؟ فالظاهر أيضاً: عدم الاشكال فيه، لانّ جواز التصدّي لامامة الجماعة متوقّف على حسن الظاهر، وحسن الظاهر سواء كان هو العدالة، أم طريقاً جعلياً وامضائياً لها، فهو موجود، ولا دليل على أكثر من ذلك.
سوى ما عن السرائر نقلاً عن كتاب أبي عبدالله السياري صاحب الامامين الهمامين: موسى والرضا (عليهما السلام)، قال: « قلت لابي جعفر الثاني (عليه السلام): قوم من مواليك يجتمعون فتحضر الصلاة، فيقدّم بعضهم فيصلّي بهم جماعة ؟ فقال (عليه السلام): إن كان الذي يؤمّ بهم ليس بينه وبين الله طلبة فليفعل »(287).
ومفهومه: إن كان بينه وبين الله طلبة فلا يفعل، بمفهوم الشرط الحجّة عرفاً.
وفيه: أنّ الرواية غير تامّة من جهات:
سنداً: بما في أبي عبدالله السياري من قول أصحاب الرجال: إنّه « ضعيف، فاسد المذهب، مجفوّ الرواية، كثير المراسيل ».
ومتناً: بأنّ ظاهرها، أو محتملها: أنّ الامام هو الذي يتقدّم فيصلّي بهم جماعة، ولعلّ هذا من جهة الاغراء بالجهل ونحوه، ممّا ليس فيما لو قدّمه المأمومون.
ومتناً أيضاً: بأنّ « طلبة » كما قيل: هي المعصية التي استحقّ فاعلها عليها الحدّ لا مطلقاً، والكلام في الاعمّ من ذلك، ولا أقلّ من احتمال ذلك، فيكون مجملاً من هذه الجهة.
قال الشيخ الانصاري (قدس سره) في صلاته: « ثمّ إنّ العدالة كما تكون شرطاً في جواز اقتداء المأموم، فهل يشترط في جواز إمامة الامام، بمعنى: أنّ الفاسق يعاقب على الامامة، أو لا تصحّ صلاته، أم لا ؟ الظاهر الثاني، ولعلّه مذهب الاكثر.
نعم قد عبّر بعضهم عن اشتراط العدالة بقولهم: (إنّه لا يجوز إمامة الفاسق) الظاهر في أنّها شرط للامامة، لكن الظاهر أنّ مراده اشتراطها في الاقتداء، ولهذا يعقّبون هذا الكلام بالاستدلال عليه بما دلّ على المنع من الاقتداء بالفاسق والركون إليه.
وكيف كان: فحيث لا دليل على حرمة إمامة الفاسق، أو عدم صحّة صلاته إماماً، فالاقوى القول بالجواز والصحّة، نعم قد يستفاد من الخبر السابق المروي عن السرائر عدم الجواز، لكنّه ضعيف بالسياري »(288).
وقد أفتى بذلك الشيخ (قدس سره) في رسالته العملية وتبعه عليه أعاظم تلاميذه، وتلاميذهم، كالشيرازيين: المجدّد، والميرزا محمّد تقي، وابن العمّ، ووالده، وكذا الكاظمين: الخراساني واليزدي، والمحقّقين: العراقي، والنائيني، والشيخ عبدالكريم الحائري، وكبار من عاصرتهم من مراجع التقليد.
قال في مجمع المسائل ـ ما تعريبه ـ: « إذا لم يعرف الشخص نفسه عادلاً، وآخرون عرفوه بالعدالة، واقتدوا به، فلا مانع منه لايٍّ منهما، وإذا طلّقوا بمحضره لا مانع منه، إلاّ أنّه لا يعقد المرأة المطلّقة لنفسه »(289).
وقال في العروة الوثقى: « الاحوط أن لا يتصدّى للامامة من يعرف نفسه بعدم العدالة وإن كان الاقوى جوازه »(290).


إشكال المحقّق الميلاني

إلاّ أنّ هنا إشكالاً أشار إليه المحقّق الميلاني (قدس سره) في حاشية العروة قال: « لكن لا يرتّب أحكام الجماعة، بل لا ينوي الامامة إلاّ بقصد الرجاء »(291).
أقول: لعلّ وجه ذلك ما تقدّم قريباً مع جوابه مضافاً إلى مقدمتين غير مسلّمتين عندنا.
إحداهما: أنّ العدالة في موارد اشتراطها شرط واقعي لتلك الاُمور، إلاّ أنّه وسع الشارع في طريقها، فاكتفى بحسن الظاهر، أو الظنّ بها، ونحو ذلك.
ثانيتهما: قصور أدلّة أحكام الجماعة عن الشمول لمثل ما عرف الامام نفسه غير عادل، أو شكّ في عدالة نفسه، أو انصرافها عن مثله.
لكن الظاهر عدم تمامية المقدّمتين ـ مضافاً إلى عدم دلالة دليل على كون العدالة شرطاً واقعياً، وإلى عدم الملازمة بينهما، وإلى إطلاق أدلّة الجماعة، والانصراف إن لم يكن ظاهر العدم ولو للاعتبار الخارجي وكثرة المخالفة خصوصاً إن قلنا بأنّ العدالة هي الملكة، أو هي مع الطاعة الخارجية والالتزام بالسير على جادّة الشرع، فلا أقل من عدم ظهوره في ذلك ـ:
أنّ مصبّ الادلّة في الجماعة وغيرها ممّا اشترط بالعدالة هو: المأموم، والمطلّق، والمتقاضيان، والمقلّد، ونحوهم، ولا إطلاق لها يشمل نفس الامام، والشاهد، والقاضي، والمرجع ونحوهم، حتّى يبحث عن الانصراف وعدمه، وإذا تحقّق الموضوع الاعتباري الشرعي ترتّبت الاحكام كلّها عليه، والله العالم.


حاصل المسألة الثانية

والحاصل: أنّه يجوز له قبول إمامة الجماعة، ولا يكون من الاغراء بالجهل، لانّ من يعتقدون عدالته هم الذين قدّموه للجماعة. لا أنّه هو الذي قدّم نفسه حتّى يكون اغراءً بالجهل، وفي حكم الجماعة: طبع رسالته العملية واعطاؤها لمن طلبها من مقلّديه، وهكذا القضاء بين الناس إذا طلب إليه، وغير ذلك ممّا يشترط بالعدالة.


المسألة الاُولى وحكمها

وأمّا المسألة الاُولى: وهي هل يجوز لمن حسُن ظاهره وساء باطنه، أو شكّ في حُسن باطنه، أن يتصدّى لامامة الجماعة وغيرها ممّا يشترط فيه العدالة ؟ فقد يقال فيها أيضاً بالجواز، لانّ اطلاقات أدلّة العدالة لم يفصل فيها بين من يرى عدالة نفسه، وبين من لا يراها لنفسه، مع كثرة النوعين دائماً في الخارج، وترك الاستفصال دليل عدم التفصيل.
وفيه: أنّ الروايات وردت بملاحظة الناس، وليست ناظرة إلى العادل نفسه، فالاطلاق بالنسبة إليه غير شامل ولا تامّ، فليس في مقام البيان من تلك الجهة، الذي هو إحدى مقدّمات الحكمة المبني عليها تحقّق الاطلاق الحجّة في المحاورات الذي هو الظهور العقلائي.
مضافاً إلى كونه من الاغراء بالجهل، الحرام عقلاً وعرفاً وشرعاً ـ كما قيل ـ.


القول بالتفصيل

وقد يفصّل بين العلم بعدم عدالة نفسه فلا يجوز له دعوة الناس إلى نفسه، وبين الشكّ في عدالة نفسه فيجوز، لشمول الاطلاقات الثاني دون الاوّل.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ الشكّ في العدالة مرجعه إلى الحكم بعدمها كما سبق في بعض التنبيهات الانفة ـ أنّ الاطلاق غير شامل لحال العادل نفسه، حتّى يكون في الشاكّ مسلّماً، وفي العالم بعدم عدالة نفسه مشكوكاً أو مسلّم العدم.


التنبيه الخامس عشر: العدالة ورجوعها بالتوبة

التنبيه الخامس عشر من تنبيهات باب العدالة: لا إشكال ـ كما لا خلاف ظاهراً ـ في أنّ العادل إذا صدرت عنه معصية ثمّ تاب تعود عدالته. لكن الكلام في أنّه إذا لم تحرز توبته ـ موضوعاً أو حكماً ـ ولكنّه عمل بما دلّت الادلّة على أنّها تمحو السيّئات بالخصوص: كالصلاة، أو بالعموم: كمطلق الحسنات، فهل تعود العدالة بها ؟


هنا مقامان

والكلام هنا في مقامين:
الاوّل: في الحسنات الخاصّة التي دلّت الادلّة على محوها للسيّئات.
والثاني: في مطلق الحسنات.


المقام الاوّل

أمّا المقام الاوّل: فقد تطابق الكتاب والسنّة المستفيضة ـ بل المتواترة معنى أو إجمالاً ـ على أنّ الصلاة تكفّر السيّئات.
قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)(292).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله): « إنّها أرجى آية في كتاب الله »(293).
وقال الله سبحانه: (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات)(294).
وفي الحديث الانف: « قال ـ أي النبي (صلى الله عليه وآله) ـ: ياعلي والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً أنّ أحدكم ليقوم إلى وضوئه فتساقط عن جوارحه الذنوب، فإذا استقبل الله بقلبه ووجهه لم ينفتل وعليه من ذنوبه شيء كما ولدته أُمّه، فإن أصاب شيئاً بين الصلاتين كان له مثل ذلك، حتّى عدّ الصلوات الخمس، ثمّ قال: ياعلي إنّما منزلة الصلوات الخمس لاُمّتي كنهر جار على باب أحدكم، فما يظنّ أحدكم إذا كان في جسده درن ثمّ اغتسل في ذلك النهر خمس مرّات كان يبقى في جسده درن ؟ فكذلك والله الصلوات الخمس لاُمّتي »(295).
ونحوه موثّق وهيب بن حفص عن أبي بصير عن الامام الباقر (عليه السلام)، ومرسل الصدوق في الفقيه عن الحسن بن علي (عليهما السلام)(296).
وعن الامام الصادق (عليه السلام): « صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب النهار »(297).
ونحو هذه الروايات غيرها، وهي كثيرة.


تعقيب وتذنيب

أقول: هذه الروايات لا خدشة في إسنادها ككل ـ وإن تطرّق ذلك في بعضها ـ لتظافرها، بل تواترها معنى كما تقدّم، وإنّما الاشكال من جهات أُخر:
منها: أنّ الاية الشريفة الثانية لا ربط لها بسيّئات المؤمنين، وإنّما هي نزلت في الكفّار، الذين يشركون بالله ويفعلون عظائم المحرّمات، وشرطت التوبة والايمان عليهم، كما هو صريح ما قبلها وما بعدها.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات)(298).
ومنها: أنّ منصرفها التبديل في الاخرة لا في الدنيا، بقرينة ما قبلها: « يوم القيامة » إن لم نقل بأنّ تقدّم هذه القرينة يجعلها كالصريح في ذلك.
مضافاً إلى تصريح الروايات العديدة بذلك، ومن تلك الروايات: ما رواه محمّد بن مسلم عن الامام الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الاية من قوله: « يؤتى بالمؤمن المذنب يوم القيامة حتّى يوقف بموقف الحساب، فيكون الله تعالى هو الذي يتولّى حسابه لا يطّلع على حسابه أحداً من الناس، فيعرّفه بذنوبه حتّى إذا أقرّ بسيّئاته قال الله عزّوجلّ للكتبة: بدّلوها حسنات وأظهروها للناس... »(299). ونحوها غيرها.
وأمّا الاية الاُولى، والرواة في تفسيرها فلا إشكال في ظهورها في أنّ الصلاة من المكتوبات الخمس حكمها حكم التوبة تغسل الذنوب التي كانت قبلها، لكن دلالتها على ذلك مجرّدة عن التوبة غير واضحة، بل لعلّها واضحة العدم لانصرافها إليه لمن تأمّلها، فتكون هذه الروايات مصداقاً من مصاديق التوبة، والله العالم.


المقام الثاني

وأمّا المقام الثاني: وهو تكفير مطلق الحسنات للسيّئات، فهو الظاهر من الاية الاُولى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) إذ الجمع المحلّى باللام يفيد العموم، مضافاً إلى أنّ ظاهرها كونها بمنزلة كبرى لصغرى مطوية مستفادة من الامر بإقامة الصلاة، فكان المعنى هكذا: أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل، فإنّ الصلاة حسنة، وكلّ الحسنات يذهبن السيّئات، والتشبيه بالماء الذي يغسل به في اليوم والليلة خمس مرّات يؤيّد ذلك، والروايات في هذا المعنى أيضاً مستفيضة.
منها: ما في استسقاء المأمون بالامام الرضا، عنه (عليه السلام): «... قيل: يارسول الله ! هلك فلان، يعمل من الذنوب كيت وكيت ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بل قد نجى ولا يختم الله عمله إلاّ بالحسنى، وسيمحوا الله عنه السيّئات ويبدلها حسنات، إنّه كان مرّة يمرّ في طريق، عرض له مؤمن قد انكشفت عورته وهو لا يشعر فسترها عليه ولم يخبره بها مخافة أن يخجل، ثمّ إنّ ذلك المؤمن عرفه في مهواه فقال له: أجزل الله لك الثواب وأكرم لك المآب ولا ناقشك الحساب، فاستجاب الله له فيه. فهذا العبد لا يختم له إلاّ بخير بدعاء ذلك المؤمن.
أُمور تعرف بها العدالة: الاوّل حسن الظاهر
فاتّصل قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا الرجل فتاب وأناب وأقبل على طاعة الله عزّوجلّ فلم يأت عليه سبعة أيّام حتّى أُغير على سرح المدينة (أي: هجم الاعداء على الزرع والضرع في أطراف المدينة) فوجّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أثرهم جماعة، كان ذلك الرجل أحدهم فاستشهد فيهم »(300).
ومنها: غير ذلك ممّا طفحت به كتب التفسير والحديث.


نقد وتقييم

لكنّها كلّها ظاهرة أو صريحة في أنّ الحسنات توجب التوفيق للتوبة، فيكون ذلك أيضاً صغرى لكبرى التوبة.
مع أنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي انصراف العموم في « الحسنات والسيّئات » إلى الطبيعة، دون الافراد، فتكون مهملة في قوّة الجزئية، والله العالم.
... وتعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً أو ظنّاً....


نتيجة البحث

والحاصل: أنّ الفاسق أو المجهول الحال إذا فعل حسنة أو حسنات ولم تحرز منه التوبة، لا يكفي ذلك في الحكم عليه بالعدالة، حتّى على غير القول بالملكة.


أُمور تُعرف العدالة بها
الامر الاوّل

وتعرف العدالة بأُمور بعضها متّفق عليها، وبعضها مختلف فيها، وقد ذكر الماتن (قدس سره) ثلاثة منها، ونحن نذكرها أوّلاً، ثمّ نتبعها بالباقي.
الاوّل: بحسن الظاهر الكاشف عنها أي: عن العدالة علماً أو ظنّاً.
هذا على فتوى المصنّف: من أنّ العدالة غير حسن الظاهر من الملكة، أو اجتناب الكبائر ونحوهما، أمّا على القول بكونها نفس حسن الظاهر فلا يكون حينئذ طريقاً.


هنا بحثان

وفي المقام بحثان:
الاوّل: هل إنّ حسن الظاهر طريق إلى العدالة إجمالاً ؟
الثاني: هل يجب تقييد حسن الظاهر بما إذا أوجب العلم أو الظنّ بالملكة النفسانية أم لا ؟


أوّل البحثين

أمّا البحث الاوّل: وهو هل إنّ حسن الظاهر طريق إلى العدالة إجمالاً ؟ فطريقيته الاجمالية لا إشكال فيها، وقد نقل تسالم الاصحاب عليها، وكونه معروفاً بينهم، وأنّه لولاه لم يكن كشف العدالة ولو بالمعاشرة، لاحتمال أن يكون الاتي بالواجبات غير ناو للقربة بل وغير ناو للواجب، فلا يمكن الحكم بأنّ المكلّف آت بالواجب إلاّ من حسن الظاهر والمقصود بحسن الظاهر: هو أن لا يطّلع منه على ترك واجب أو فعل حرام أو التوبة مع فعل أحدهما.


الاستدلال لحسن الظاهر

والذي استدلّ به لذلك هو ما أسلفناه في أدلّة القول بأنّ حسن الظاهر هو العدالة، بل وأدلّة القول بكفاية الاسلام مع عدم ظهور الفسق في الحكم بعدالة الشخص، ممّا سردنا رواياته تحت ذلك القول.
مثل: الصحيح عن حريز، عن أبي عبدالله (عليه السلام): « في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، فعدّل منهم إثنان ولم يعدّل الاخران، فقال (عليه السلام): إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعاً »(301).
والموثّق عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً »(302).
والصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام): « لو كان الامر إلينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس »(303).
والصحيح عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): « يسلم الذمّي ويعتق العبد، أتجوز شهادتهما على ما كانا أُشهدا عليه ؟ قال (عليه السلام): نعم إذا عُلم منهما بعد ذلك خير، جازت شهادتهما »(304).
وصحيح ابن أبي يعفور: والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك »(305).
إلى غير ذلك هذه ممّا تدلّ بمختلف الدلالات على كفاية حسن الظاهر في الحكم بعدالة الشخص وترتيب آثارها عليه.


إيرادات مردودة
الايراد الاوّل والجواب عنه

ثمّ إنّه أورد على أصل كون حسن الظاهر طريقاً إلى العدالة، أو كونه هي العدالة بنفسها بأُمور غير خالية عن النقاش:
منها: أنّ حسن الظاهر معنى مشكّك ذو مراتب: وأوّل مراتبه مجهول الحال، وأعلى مراتبه المعصوم، وبينهما مراتب كثيرة، فأيّ مرتبة أُريد منها ؟ وإذا كان الموضوع مجهولاً للفقيه فكيف يكشف الحكم له ؟
والجواب: أنّ هذا الايراد موجود في عامّة الاوصاف الانسانية الظاهرة والباطنة: كالبلاغة، ومعرفة اللغة، والكرم، والشجاعة، ونحو ذلك، وإذا أطلقت عامّة الاوصاف، كان ما يستفيد العرف منها معنى صادقاً وإن كانت أفراد ذلك المعنى أيضاً متفاوتة، كذلك « حسن الظاهر » فإنّ المقصود منه: ما يطلق عليه بالحمل الشائع: « حسن الظاهر » وإن كانت أفراده متفاوتة المراتب.
وأمّا مجهول الحال والمعصوم، فهما خارجان قطعاً بعدم شمول الاطلاق بالحمل الشائع على مجهول الحال أو بالانصراف عنه، وعدم إرادة المعصوم منه قطعاً، ومن مراتبه أن يكون ما يظهر من أفعاله وأقواله غير حرام، وهو أقلّ مراتبه.
والحاصل: أنّه يكفي أقلّ مراتب حسن الظاهر في صدقه كسائر الاوصاف.


الايراد الثاني والاجابة عليه

ومنها: أنّ الظاهر والباطن أمران إضافيان، فالظاهر لاهل البيت من أعمال الشخص وأخلاقه يكون باطناً لاقربائه، والظاهر لاقربائه يكون باطناً بالنسبة لاصدقائه، والظاهر لاصدقائه باطن بالنسبة لاهل بلده، والظاهر لاهل بلده باطن بالنسبة إلى أهل البلاد الاُخرى وهكذا، فلا يدخل « حسن الظاهر » تحت عنوان منضبط.
والجواب: ـ مضافاً إلى أنّ « حسن الظاهر » كلمة لم ترد في آية أو رواية، ولكنّها مستنبطة من مختلف الالفاظ الواردة في الروايات، فلا يدور حكم العدالة مدارها بالدقّة، وإنّما الذي يدور الحكم مداره هو صدق: العفيف، المأمون، الصائن، الساتر لعيوبه، لا يعرف بشهادة الزور، الخيّر، إذا عرف منه خير، ونحو ذلك عليه، ممّا ورد في الروايات ـ إنّ لكلّ إنسان حكم نفسه في عامّة الموضوعات حتّى وإن تغيّر ذلك الحكم بالنسبة لغيره، وذلك لما في أكثر الموضوعات من اختلاف المصاديق، أو الاوصاف أو غيرهما.
فكما يقال في اختلاف المتوسّط من أشبار الناس بأنّ الكرّ لكلّ متوسّط الشبر ما كان كرّاً بشبره، وإن كان شخص آخر متوسّط الشبر أيضاً يقلّ ذلك عنده عن الكرّ، فكذلك ما نحن فيه من حسن الظاهر، فإنّ حسن الظاهر بالنسبة لمن هو من أهل بيت الشخص المطلوب معرفة عدالته، أصعب من حسن الظاهر بالنسبة لمن هو من أصدقائه، وكذلك حسن الظاهر بالنسبة للصديق يكون أصعب منه بالنسبة للغريب، وهكذا لكلّ منهم حكم نفسه، ومجرّد الاختلاف في ذلك لا يقدح في اعتبار الظاهر بعد ما كان ذلك هو المستفاد والمستنبط من مجموع الادلّة.


الايراد الثالث والمناقشة فيه

ومنها: ما دلّ على عدم الاغترار بظاهر الرجل من الروايات المتعدّدة، التي منها ما في الاحتجاج عن الامام الرضا (عليه السلام) قال: « قال علي بن الحسين (عليهما السلام): إذا رأيتم الرجل قد حسُن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويداً لا يغرنّكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا، وركوب المحارم منها لضعف قيمته بنيّته ومهانته، وجبن قلبه، فنصب الدين فخّاً لها، فهو لا يزال يخيّل يحيل الناس بظاهره، فإن تمكّن من حرام اقتحمه... »(306)ممّا ذكرنا تفصيله عند سرد الروايات في أوّل مسألة برقم: 31. فراجعه بتمامه.
وأُيّد ذلك بما يرى أحياناً ممّن كانوا سنين كثيرة، وأعماراً طويلة، يعيشون في الناس بظواهر حسنة، فلمّا وجدوا طريقاً إلى حرام لا يعارض مع كرامتهم اقتحموه، فكيف يكون « حسن الظاهر » دليلاً وأمارة على وجود ملكة العدالة في الشخص ؟
والجواب أوّلاً: أنّ هذا لا يكون قدحاً لمن يجعل « حسن الظاهر » هو العدالة بنفسها، فلا يحتاج في العدالة إلى الملكة، بل هي حسن الظاهر فحسب كانت الملكة أم لا، وقد أسلفنا: أنّ مثل هذه الاستفادة من الجمع بين روايات الباب غير بعيد، بل هذا الايراد غير وارد على من يقول بأنّ « حسن الظاهر » أمارة شرعية على العدالة نظير سائر الامارات: كيد المسلم، وسوق المسلمين وغيرهما. ممّا لا ينافيها كثرة موارد الخلاف، فيد المسلم أمارة الطهارة والحلّية، مع أنّ التحقيق في ما يؤخذ من أيدي جميع المسلمين يفضي إلى القطع بأنّ معظمها، أو كثير منها، على خلاف الطهارة والحلّية الواقعتين.
وثانياً: أنّ مثله رواية أخلاقية، مضافاً إلى قصر سنده عن الحجّية، وعن معارضة الروايات الكثيرة الدالّة على كفاية حسن الظاهر.
وثالثاً: بأنّ الرواية تدلّ على مرتبة عالية من مراتب العدالة، ولا نضائق عنها، ولكنّها لا تدلّ على عدم عدالة من دونها، وعن صاحب الوسائل أنّه حملها على أعلى مراتب العدالة.
ورابعاً: أنّ كلمة: « فرويداً لا يغرنّكم » ليس معناها: عدم عدالته بمجرّد ذلك، بل معناها: عدم اعتبار ذلك فحسب كاشفاً قطعيّاً عن أنّ له باطن حسن قوي في الحسن بحيث لا يتزعزع من كلّ أحابيل الشيطان، والذي: أظنّ أنّ هذه الرواية وردت في التعريض بالمتصوّفة من العامّة الذين كانوا يتماوتون، ويخضعون للناس، ولكنّهم لم يكونوا للحقّ الذي كان عند الائمّة الاطهار (عليهم السلام).


ثاني البحثين

وأمّا البحث الثاني: وهو هل إنّ حسن الظاهر ـ سواء قلنا بأنّه بنفسه هو العدالة، أم قلنا بأنّه الطريق إليها ـ يجب تقييده بما إذا أوجب العلم أو الظنّ بالملكة النفسانية، أم لا ؟ فإنّ في ذلك احتمالات، بل أقوال:
وسبب هذا الخلاف هو الاختلاف في الاستظهار من الادلّة الشرعية، أو اعتبار بعضهم بعض الروايات سنداً، وعدم اعتبار آخر له كذلك، ونحو ذلك، حتّى أنّ بعضهم أفتى مرّة، واحتاط أُخرى، أو قال في كتاب بشيء، وقال في آخر بآخر، إمّا لتردّدهم في المسألة، أو لتبدّل الفتوى، أو لغير ذلك، وسيظهر ذلك من نقل الاقوال فيما يلي:


أقوال المسألة
القول الاوّل

الاوّل: أنّ العدالة هي: حسن الظاهر الكاشف عن الملكة علماً أو ظنّاً، وهو صريح الشيخ الانصاري (قدس سره) في مبحث صلاة الجماعة من صلاته، وفي رسالته في العدالة، وفي حاشيته على « نجاة العباد » ـ باب صلاة الجماعة ـ لصاحب الجواهر، وعلّق على ذلك مثل الشيخ: تلميذاه: شيخ الشريعة والسيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدس سرهم).
وكذلك الشيخ (قدس سره) أيضاً في رسالته العملية: « صراط النجاة » في مبحث التقليد، ووافقه بترك التعليق على المورد المحقّق الرشتي، والاخوند، والشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سرهم).
وكذلك في العروة أفتى بذلك ووافقه عليها المحقّقان: العراقي والنائيني، والشيخ عبدالكريم الحائري، وابن العمّ (قدس سرهم) ومعظم من يحضرني تعليقاتهم على العروة بسكوتهم على المتن هنا.


القول الثاني

الثاني: عدم كفاية الظنّ مطلقاً بموافقة الباطن لحسن الظاهر، بل يلزم كون الظنّ اطمئنانياً، أو موجباً للوثوق.
واختار هذا القول صريحاً الشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره) في رسالته العملية الفارسية المسمّاة باسم: « سؤال وجواب » في بحث التقليد، ووافقه عليه بالسكوت على المتن من معلّقيها: النائيني، وشيخ الشريعة، والشيخ عبدالكريم الحائري (قدس سرهم) وكذلك السيّد القمّي الحاج آقا حسين والوالد (قدس سرهم).


القول الثالث

الثالث: أنّ حسن الظاهر بنفسه أمارة شرعية على العدالة ـ نظير سائر الامارات الشرعية على الموضوعات: كالبيّنة، وقول ذي اليد، ونحوهما ـ سواء أوجب العلم أو الوثوق أو الظنّ بالعدالة الباطنية، أم لم يوجب شيئاً من ذلك، وسواء شكّ في موافقة الباطن لحسن الظاهر، أم ظنّ بالخلاف ظنّاً غير معتبر شرعاً، كما هو صريح بعض، وظاهر اطلاق آخر.
مثل التعبير بالكاشف النوعي: كما في حواشي المجدّد الشيرازي، والسيّد محمّد كاظم الطباطبائي على « مجمع المسائل » ما ترجمته في باب التقليد: « كون حسن الظاهر كاشفاً نوعياً عن العدالة لا يخلو من قوّة ».
وكذا عبارة المحقّق الاصفهاني في رسالته: « الوسيلة » في باب التقليد.
وهكذا تعبير مثل الشيخ محمّد رضا آل ياسين (قدس سره) بـ « الكاشف التعبّدي » في حاشيته على العروة.
إذ كلتا العبارتين « الكاشف النوعي » و « الكاشف التعبّدي » بمعنى الامارة، وهكذا غيرهم ممّن عبّر بمثل هذه التعابير.


القول الرابع

الرابع: أنّ العدالة هي: حسن الظاهر، لا أنّ العدالة ملكة وحسن الظاهر أمارة عليها، وهو صريح صاحب الجواهر (قدس سره) في رسالته العملية: « نجاة العباد » في باب صلاة الجماعة واشتراط إمامتها بالعدالة، ووافقه ـ هناك الشيرازيان والهمداني والنائيني والشيخ محمّد طه نجف (قدس سرهم) بتركهم التعليق على المتن في هذا المورد.
وكذا الاخوند الخراساني والسيّد الصدر، إذ علّقا على المتن بقولهما: « وإن لم يحصل الظنّ »، وهذه الحاشية منهما وإن لم تزد على عبارة المتن دلالة على كون حسن الظاهر بنفسه هي العدالة تعبّداً وتنزيلاً شرعياً، إلاّ أنّهما علّقا بهذه الحاشية نفياً لحاشية الشيخ الانصاري وغيره في المورد: « بشرط حصول الظنّ ».
لكن قد يتأمّل في هذا الاستظهار بما في الجواهر ـ في باب صلاة الجماعة من قوله: « فقول الاصحاب العدالة حسن الظاهر لا يخلو من مسامحة، إذ حسن الظاهر نفسه ليس بعدالة بل العدالة غيره، وهو طريق إليها... »(307)ـ فتأمّل.


القول الاوّل وأدلّته
أوّل الادلّة

وأمّا القول الاوّل: وهو أنّ العدالة حسن الظاهر الكاشف عن الملكة علماً أو ظنّاً، فقد استدلّ له بأُمور:
أحدها: الانصراف، بدعوى: أنّ منصرف الادلّة ورودها مورد الغالب وهو: كون من حسن ظاهره حسن باطنه أيضاً.


مناقشة الدليل الاوّل

وأُورد عليه: ـ مضافاً إلى منع الغلبة، لتوفّر من لم يحسن باطنهم مع حسن ظاهرهم، كما يتّضح ذلك لمن يعرف الناس بالمعاشرة الخارجية، فإذا عاشرهم معاشرة داخلية بحيث يطّلع على أسرارهم يجد كثيراً منهم على غير ما كان يتصوّر. وقد ورد ذلك في الروايات أيضاً، مثل: « لو تكاشفتم ما تدافنتم »(308) و « أُخبر تقله »(309) ونحو ذلك ـ أنّ الانصراف إن كان من اللفظ فغير مسلّم، وإن كان لغلبة الوجود فغير حجّة.


ثاني الادلّة

ثانيها: الروايات التي دلّت على لزوم: « الوثوق بدين الرجل وأمانته » وكونه « مأموناً » بدعوى: أنّ مادّتي: الوثوق، والمأمونية ونحوهما، تدلّ على لزوم صدق هذه الصفات، ولا تصدق إلاّ مع العلم أو الاطمئنان إلى موافقة باطنه لظاهره، ولا أقل من الظنّ ـ غير المعتبر بنفسه بالخصوص ـ بذلك.
وقوله (عليه السلام) في معتبرة إبراهيم الكرخي: « من صلّى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة، فظنّوا به خيراً، وأُجيزوا شهادته »(310) بدعوى: أنّ إجازة شهادته من أجل الظنّ به خيراً، إلى غير ذلك من الروايات.


مناقشة الدليل الثاني

وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ ظاهر الوثوق بدين الرجل وأمانته كونه إمامياً اثني عشرياً، كما يشهد به ملاحظة الروايات الواردة بهذه التعبيرات في الشيعة، ممّا يشرف الانسان على القطع به، وإلى أنّ صريح بعضها تعقيبه بقوله: « ولا يسأل عن باطنه » كمعتبرة يونس بن عبدالرحمن: « فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته، ولا يسأل عن باطنه »(311) فعبارتا: « ظاهر الرجل » و « لا يسأل عن باطنه » صريحتان في كون هذا الظاهر أمارة شرعية، أفاد العلم أو الوثوق أو الظنّ، أم لا ـ:
أنّ إطلاقات حسن الظاهر بل صريح بعضها (مثلها مثل أدلّة الامارات والاُصول التنزيلية التي هي حاكمة على أدلّة لزوم الوثوق والاطمئنان بالموضوعات ذات الاحكام الشرعية أو الاحكام الشرعية أنفسها) حاكمة على أدلّة اعتبار الوثوق بدين الرجل وأمانته ونحوه، لانّ الاُولى توسّع دائرة الثانية، ولا تقيّد الاُولى بالثانية، لانّ ذلك موجب للغوية بعضها الصريح في الاطلاق، إذ الصريح نصّ وهو آب عرفاً عن التقييد، بخلاف ما قلناه فإنّه لا يوجب لغوية أو سقوط الثانية، لانّ الدليل الحاكم أو الوارد يوسّع أو يضيّق دائرة الدليل المحكوم أو المورود، ولا يلغيه، ولا يسقطه.
مع أنّ هذا هو مقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين أيضاً، كما لا يخفى.


حاصل المناقشة

والحاصل: أنّ ظاهر: « لا يسأل عن باطنه » ونحوه هو النظر إلى ما دلّ على أنّ العدالة تنكشف بالوثوق بدين الرجل وأمانته، فيكون حاكماً عليه، والله العالم.
لكن مع ذلك قد يقال: بأنّ ظاهر معتبرة يونس بن عبدالرحمن وأمثالها هو أنّ العدالة إذا تحقّقت بالوثوق بدين الرجل وأمانته ونحو ذلك، فلا يحتاج إلى البحث عن ما يدلّ على الخلاف ليصير الوثوق علماً، بل يكفي الوثوق كلّما حصل، لكنّه محل إشكال، إذ وزان « لا يسأل عن باطنه » وزان « وليس عليكم المسألة » في باب حجّية يد المسلم وسوق المسلمين، ممّا ظاهره الامارية والحجّية عند الشكّ واحتمال الخلاف، الذي يعمّ الظانّ بالخلاف أيضاً، فتدبّر.
وأمّا معتبرة الكرخي فهو ـ كما قيل ـ على خلاف المطلوب أدل، وذلك:
أوّلاً: من جهة أنّ اتيان الصلوات الخمس في اليوم والليلة بجماعة لا يكفي للدلالة على العدالة الواقعية خصوصاً على القول بكونها: « ملكة راسخة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى » ولا يكشف عن أنّ باطن الرجل حسن.
ثانياً: أنّ الامر بترتيب الاثر بلسان الامر بتحصيل الظنّ دليل على عدم اعتبار حصول الظنّ، وإلاّ فالظنّ عند حصول سببه ليس أمراً اختيارياً قابلاً لتعلّق التكليف به، وعند عدم حصول سببه ليس ممكناً فلا يقبل التكليف به، فقول (عليه السلام): « فظنّوا به خيراً » ظاهره: اعتباره أمارة شرعية لاجازة شهادته.


ثالث الادلّة

ثالثها: الروايات التي تنفي العدالة عمّن لا يوثق به، مثل قوله (عليه السلام): « لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه وأمانته »(312) وغيره وحيث إنّها نافية فتقيّد الاطلاقات الدالّة على حسن الظاهر، وليست مثبتة نظير الروايات التي ذكرت في ثاني الاقوال، حتّى يقال بعدم التقييد في المثبتين، فمقتضى الجمع بين الاطلاقات الدالّة على حسن الظاهر، وبين عدم جواز الصلاة إلاّ خلف من تثق بدينه وأمانته: تقييد الاُولى بالثانية.


مناقشة الدليل الثالث

وفيه: ما مرّ من أنّ الوثوق بالدين والورع، المذكور في الروايات هو: اصطلاح خاصّ بالشيعة الاثني عشرية، مضافاً إلى حكومة بعض تلك الاطلاقات ممّا كان نصّاً في الاطلاق، وظهوره في الحكومة والتوسعة كما تقدّم، والله العالم.
قال الفقيه الهمداني (قدس سره): « فتلخّص ممّا ذكرناه أنّ الاقوى ما ذهب إليه المشهور: من كفاية حسن الظاهر في الحكم بالعدالة وإن لم يحصل الوثوق بها حتّى في باب الجماعة »(313).
أقول: لعلّ قوله: « حتّى في باب الجماعة » لاجل ورود النصّ فيها على عدم جواز الصلاة إلاّ خلف من وثق بدينه وأمانته.


كيف يكون الظنّ دليلاً على العدالة

ثمّ إنّه بعد كون الاصل في الظنّ حرمة العمل به، كيف اعتبر دليلاً على العدالة فيمن اعتبروا حسن الظاهر الكاشف عن العدالة الواقعية كشفاً ظنّياً ؟


استدلال الشيخ لذلك

استدلّ له الشيخ الانصاي (قدس سره) بالانسداد الصغير، بأنّ باب العلم والعلمي بالعدالة منسدّ: « وعدم جواز الرجوع في جميع موارد الجهل بها (وهي كلّ الموارد أو معظمها) إلى أصالة عدمها، وإلاّ لبطل أكثر الحقوق، بل ما قام للمسلمين سوق ـ ولا يد والاحتياط في جميع الموارد متعذّر أو متعسّر فهو غير مأمور به، إن لم يكن منهيّاً عنه ـ فتعيّن الرجوع فيها إلى الظنّ، كما في نظائره من الموضوعات، بل أكثر الاحكام الشرعية عند القائل بعدم وفاء الظنون المعتبرة بالخصوص بأكثر الاحكام »(314).
واستدلّ أيضاً لحجّية مطلق الظنّ في باب العدالة ـ بعد لزوم كون حسن الظاهر كاشفاً عن العدالة الواقعية ـ بما ورد في أخبار العدالة ممّا فيه لفظة: « الظنّ » كمعتبرة إبراهيم الكرخي: « من صلّى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة، فظنّوا به خيراً، وأجيزوا شهادته »(315).
وقوله (عليه السلام) في أُخرى: « فظنّوا به كلّ خير » وغيرهما، باعتبار أنّ الظنّ في الباب من الظنون الخاصّة شرعاً.


مناقشة الاستدلال المذكور

وفيه: أمّا الانسداد فيمنع منه المقدّمة الاُولى، لتوفّر العلم أو العلمي: كالبيّنة، وقول العدل الواحد بناءً على اعتباره وغيرهما في أكثر الموارد.
وأمّا الروايتان: فإنّ لسانهما اعتبار من كانت فيه هذه الصفات: عدلاً، وعُبِّر عن ذلك بهذا التعبير، وليس فيهما دلالة على حجّية الظنّ بالخصوص.
وحيث كان الاشكال في هذا القول قائماً علّق عدد من المراجع المعاصرين على المتن عند قوله: « الكاشف عنها علماً أو ظنّاً » بلزوم كون الظنّ اطمئنانياً، أو عدل عن الظنّ إلى الوثوق، كالشيخ الانصاري (قدس سره) الذي اشترط الوثوق بذلك ـ كما تقدّم بشيء من التفصيل ـ.
لكن قد عرفت منّا آنفاً: أنّ حسن الظاهر بما هو، كاف في ترتيب آثار العدالة، سواء قلنا بأنّه بنفسه العدالة، أم قلنا بأنّه طريق تعبّدي إليها.
قال الفقيه الهمداني (رحمه الله) في حسن الظاهر: « وهل يشترط إفادته للظنّ أم يكفي مطلقاً ؟ وجهان بل قولان: أشبههما الثاني، لاطلاق الروايات الدالّة عليه، بل ظهور بعضها بالخصوص في ذلك »(316).


هل تعاهد الصلاة دليل العدالة ؟

ثمّ إنّه هل يكفي في الحكم بعدالة الشخص مجرّد كونه متعاهداً للصلوات الخمس جماعة، أو كونه ساتراً لعيوبه، أو كونه عفيفاً صائناً، أو نحو ذلك ممّا يجمعه: « حسن الظاهر » أم يعتبر مع ذلك المعاشرة والمخالطة الكاشفة عن ذلك ؟


القول بلزوم المعاشرة لكشف العدالة

ربما قيل بلزوم المعاشرة لدليلين:
أحدهما: أنّ ستر العيوب الذي أُخذ مقياساً للعدالة في صحيحة ابن أبي يعفور هو: من العدم والملكة، ولا يصدق الستر إلاّ إذا كان المقام محلّ صدور العيب، ولا يمكن الاطّلاع على أنّ الشخص ساتر لعيوبه إلاّ إذا خالطه الانسان في موارد كانت هي محلّ صدور العيوب عنه، فسترها ولم يرتكب العيوب، وهذا كما ترى يحتاج تحقّقه إلى المعاشرة.
ثانيهما: الروايات المتعدّدة التي تقول: « من عامل الناس فلم يظلمهم وحدّثهم فلم يكذبهم، وواعدهم فلم يخلفهم، كان ممّن حرمت غيبته، وكملت مروّته، وظهر عدله، ووجبت أُخوّته »(317) وما هي بمضمونها، فإنّ ذلك متوقّف على أن يعامل الناس، ويحدّثهم، ويعدهم، وهذا لا يتمّ إلاّ بالمعاشرة.


مناقشة القول المزبور

لكن القول به غير مشهور، والدليل عليه غير تامّ، وذلك:
أمّا الاوّل: فلانّ كشف كون الرجل ساتراً لا يتوقّف على المعاشرة، إذ ـ مضافاً إلى أنّ الروايات التي تقول: « من صلّى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة، فظنّوا به خيراً، وأجيزوا شهادته »(318) وشبهها حاكمة عليه بالتوسعة في موضوع الستر، وباعتبار مثله ساتراً تعبّداً، وإن لم يصدق عليه عرفاً أنّه ساتر لعيوبه، وإلى أنّ الستر وحده ليس المقياس المتعيّن لكشف العدالة، بل الروايات المعتبرة الاُخر التي دلّت على مقاييس أُخرى للعدالة يؤخذ بها، كما يؤخذ بصحيحة ابن أبي يعفور ـ:
أنّ العيوب في الانسان بمنزلة الطبيعة الاوّلية بحيث لو لم تكن في الشخص نفسية رادعة، تظهر منها العيوب، دون أن يحتاج إلى المعاشرة والمخالطة، لكن يحتاج إلى نوع من المعرفة ولو قليلة، فعدم صدور العيوب من الشخص كاف في الدلالة على أنّه: « ساتر لعيوبه ».
نعم، لا يطمئن الانسان إلى ستر جميع العيوب إلاّ بالمعاشرة الدقيقة في الموارد المختلفة ـ كما عن بعض لزوم ذلك ـ.
وأمّا الروايات: فظاهرها المتبادر منها هو: أنّه إذا عاملهم لا يظلمهم، وإذا حدّثهم لا يكذبهم، وإذا وعدهم لا يخلفهم، على سبيل القضية الشرطية، لا أنّه يجب صدور المعاملة عنه، والحديث، والوعد، وفيها لا يظلمهم ولا يكذبهم ولا يخلفهم، بأن لا يصدر منه ظلم للناس وكذب وخلف وعد، فلا يحتاج إلى المعاشرة لكشفه، بل مجرّد عدم صدور هذه من الشخص ولو لعدم الابتلاء بها كاف في الحكم بعدالته، ووجوب أُخوّته....
مضافاً إلى ما أسلفناه: من أنّ هذه الروايات لا تدلّ على حصر العدالة في صاحب هذه الاوصاف.
وبعبارة أُخرى: أنّها تدلّ على عقد الايجاب فقط دون عقد السلب.


القول الثاني وأدلّته

وأمّا القول الثاني: وهو لزوم كون حسن الظاهر كاشفاً علماً أو ظنّاً اطمئنانياً عن العدالة الباطنية، فعمدة الاستدلال لذلك إنّما هي: بكون الظنّ الاطمئناني عبارة أُخرى عن العلم العادي، الذي معه ـ دون مطلق الظنّ ـ يتحقّق موضوع الاحكام الشرعية تحقّقاً عرفياً خارجياً.
وأمّا مطلق الظنّ: فلا دليل خاصّ على اعتباره في باب العدالة حتّى يكون من الظنّ الخاصّ الذي علم طريقيته التنزيلية، ولا إنسداد صغير في باب العدالة لعدم التوقّف على مثله، ولا نقول بالانسداد الكبير، والاصل عدم حجّية مطلق الظنّ.
هذه عمدة مستند هذا القول، ولكن ربما يكفي في مناقشته ما أسلفناه ـ آنفاً ـ من المناقشات في القول الاوّل.


القول الثالث وأدلّته

وأمّا القول الثالث: وهو كون حسن الظاهر بنفسه أمارة شرعية على العدالة نظير سائر الامارات، غير مقيّدة بالظنّ بالوفاق، ولا عدم الظنّ بعدم الخلاف، فعمدة مستنده: الاستظهار من الروايات الدالّة على مثل « يعرف منه خير » « تعرفوه بالستر والعفاف » « خيراً » ونحوها بجعل الامارة لمثله.
لكن قد يظهر ممّا أسلفناه ـ آنفاً ـ في البحث عن القول الاوّل، الجواب عن ذلك.

... وتثبت بشهادة العدلين....


القول الرابع وأدلّته

وأمّا القول الرابع: وهو أنّ حسن الظاهر بنفسه هو العدالة ـ على ما هو ظاهر من تقدّم، ونقلنا ثمّة من كلمات بعضهم، وإن أوجبت عبارة الجواهر السابقة(319) التأمّل في ذلك ـ فعمدة الاستدلال له إنّما هي بالروايات التي دلّت على أُمور ليست هي إلاّ حسن الظاهر، واعتبارها منصرفة إلى مجرّد الكاشف، عار عن القرينة.
لكن قد يناقش ذلك بما أسلفنا، من البحث حول القول الاوّل باستفاضته، فلا حاجة إلى تكرار المطلب بصيغة أُخرى.
نعم ليس معنى ذلك: أنّه إن انكشف قبح باطنه يكون أيضاً عدلاً، إذ مع انكشاف قبح الباطن لا يصدق لمن انكشف له: حسن الظاهر، وصدقه لمن لم ينكشف له لا ينافي ذلك، وربما يأتي إن شاء الله تعالى بعض الكلام عن ذلك أيضاً.


استنتاج

ولعلّ الاصحّ من ذلك كلّه هو القول الثالث: وهو أنّ حسن الظاهر أمارة شرعية على العدالة مطلقاً، غير مقيّدة بالظنّ بالوفاق، ولا بعدم الظنّ غير المعتبر على الخلاف. والله العالم.


الثاني ممّا يثبت به العدالة: البيّنة

و الثاني ممّا تثبت العدالة به: أنّها تثبت بشهادة العدلين واستدلّ لذلك بأُمور:


ثبوت العدالة بالبيّنة وأدلّته
الدليل الاوّل

الاوّل: عموم حجّية البيّنة في الموضوعات، التي منها موضوع العدالة، وقد مرّ شيء من التفصيل في ذلك عند شرح المسألة العشرين في ثبوت اجتهاد المجتهد بشهادة العدلين.
ونزيد هنا: أنّه قد عثرنا في كتب القضاء والمواريث والحدود والديّات ونحوها على عشرات الروايات التي تصرّح أو تلوّح بأنّ البيّنة هي: الشاهدان العدلان، ممّا يشرف الباحث على القطع بثبوت الحقيقة الشرعية لكلمة: « البيّنة » وأنّها ليست بمعنى مطلق التبيّن في كلّ موارد استعمالها، وإن كانت قد استعملت بمعنى مطلق التبيّن في القرآن الحكيم والسنّة المطهّرة أيضاً.
فمقابلة « البيّنة » بـ « الاستبانة » في موثّقة مسعدة بن صدقة ليس من معنى واحد، كما تُخيّل لدى البعض، فما في تقريرات بعض المراجع المعاصرين من قوله: « إنّ البيّنة بمعنى شهادة العدلين، وإن لم يرد ما يدلّ على اعتبارها بالخصوص، إلاّ أنّها حجّة عقلائية أمضاها الشارع بعمله، لما بيّناه: من أنّ البيّنة بمعنى ما يتبيّن به الشيء... »(320) ليس على ما ينبغي، ومراجعة واحدة لروايات أبواب القضاء والحدود والديّات ونحوها، كافية للقطع بأنّ البيّنة هي في الشرع بمعنى: شاهدين عادلين.


استدلال غير تامّ

وممّا استدلّ به لعموم حجّية البيّنة في مطلق الموضوعات الاجماع، بل الضرورة الفقهية على ذلك.
وأُورد عليه: بأنّ وجود المخالف ينفي الاجماع كما هو المنقول عن ظاهر السيّد في الذريعة، والمحقّق في المعارج، والمحقّق الكركي في الجعفرية، وصاحب الوافية، حيث حكموا بعدم ثبوت الاجتهاد بشهادة العدلين، لعدم الدليل على اعتبارها عموماً أو في هذا المقام بالخصوص، فتأمّل.
ولا يخفى أنّه مع عدم إحراز الاجماع ـ بله إحراز العدم ـ لا مجال لادّعاء الضرورة الفقهية أصلاً.


الدليل الثاني

الثاني: ذيل صحيحة ابن أبي يعفور: « فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلّته قالوا: ما رأينا منه إلاّ خيراً »(321)لشمول إطلاقه لما إذا سئل عنه في محلّته وقبيلته من نفرين فقط.
والاشكال فيه: بأنّ المراد بالخير ليس العدالة، بل الاعمال الصالحة مثل ملازمة الصلاة ونحوها، في غير محلّه، إذ لو لم تكن العدالة أفضل أنواع الخير كلّها، فلا شكّ في كونها من أظهر مصاديقها، ومن الغريب أن يلتزم بصدق الفقرة على من سئل عنه فأُجيب: بأنّه ما رأيناه إلاّ مصلّياً، صائناً، بارّاً، ولا يلتزم بصدقها على من سئل عنه فأُجيب: بأنّه عادل، لانّ كلمة « عادل » تجمع الخير كلّه.


الدليل الثالث

الثالث: ما ذكره الشيخ الانصاري (قدس سره) من رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): « شهادة القابلة جائزة على أنّه استهلّ أو برز ميّتاً، إذا سئل عنها فعدّلت »(322) بتقريب: أنّ ظاهرها إنّ عدالتها سبب في قبول قولها.
وأُورد عليه: بعدم التعرّض فيه لما يثبت به العدالة، وأنّه شهادة العدلين، أو الشياع أو غيرهما.


الدليل الرابع

الرابع: ما ذكره الشيخ الانصاري (قدس سره) أيضاً من فحوى ما دلّ على اعتبار البيّنة في الجرح، مثل صحيحة علقمة: « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر »(323) أو عدم القول بالفصل بين ثبوت العدالة والفسق.
وأشكل عليه: ـ مضافاً إلى إنكار الفحوى ـ بعدم الدلالة على ثبوت الفسق بالبيّنة، فإنّ ما يدلّ عليه الخبر هو: أنّ الشهادة بالفسق مانعة من ثبوت العدالة، لا أنّ الشهادة بالفسق مثبتة للفسق.


نقد وتقييم

والانصاف: أنّ الاستدلال صحيح، وذلك:
أمّا الاولوية، فهي في محلّها، إذ لو كان مجرّد عدم البيّنة على الفسق دليلاً للعدالة، ألا تكون البيّنة نفسها دليلاً على العدالة ؟ فالظاهر: أنّ العرف يفهم ذلك من مثل هذا الكلام وكفى بفهمه حجّة على الدلالة.
وأمّا إنكار الدلالة على ثبوت الفسق بالبيّنة، بل مجرّد كون البيّنة مانعة عن ثبوت العدالة، فممّا لم نعرف الفرق بينهما في مرحلة الاثبات والحكم، وإن كان يوجد فرق في مرحلة الثبوت والموضوع الواقعي، لوسطية أمر ثالث بين العدالة والفسق ـ على ما قيل ـ.
هذا مضافاً إلى أنّ السياق يدلّ على أنّ البيّنة حكمها حكم الرؤية بالعين: « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان »(324) وكما أنّ الرؤية بالعين تثبت كلّ شيء لحصول القطع الخارجي به، كذلك البيّنة، لكونها قطعاً تنزيلياً، إذ استفادة كون البيّنة قطعاً تنزيلياً من هذا التعبير، غير بعيدة.


الدليل الخامس

الخامس: ما دلّ على أنّ الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) كان إذا تخاصم إليه رجلان في أمر ولا يعرف شهودهما، أنفذ رجلين من خيار أصحابه إلى قبائلهم لتحقيق حال الشهود، وكان يحكم (صلى الله عليه وآله) بما يأتيان به، وقد ذكرنا الرواية المتضمّنة لذلك بطولها عن تفسير الامام العسكري (عليه السلام) عند سرد أحاديث العدالة تحت رقم: 40. فراجعها، وهذا يدلّ على أنّ عدالة الشهود تثبت بشهادة رجلين خيّرين من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) على ما جعله الشارع دليل العدالة: من ثناء قوم الشهود وقبائلهم عليهم.


إشكال وجواب

وأشكل عليه: ـ مضافاً إلى أنّ ذاك لعلّه كان لاجل القطع ـ بأنّ ذلك مختصّ بباب المرافعات فلا يتعدّاها إلى غيرها من الابواب.
وفيه: أنّ الاشكال بكلا شقّيه غير وجيه، وذلك:
أمّا احتمال إفادته القطع: فساقط للاصل، وللوجدان الخارجي، ولكون الرسول (صلى الله عليه وآله) أعماله أُسوة لنا إلاّ ما خرج منه بدليل خاص.
وأمّا احتمال الاختصاص بباب المرافعات: فمردود لانّه بعد ثبوت لزوم عدالة الشهود في المرافعات، وأنّ ما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) طريق إلى عدالتهم، أفاد ذلك ثبوت موضوع العدالة بمثل ذلك، فإذا اشترطت العدالة في أمر آخر كالمجتهد، أو إمام الجماعة، أو القاضي، كان ثبوتها موضوعاً بذلك.
نعم، بناءً على ما قلناه سابقاً في تنبيهات العدالة: من احتمال كون العدالة ذات مراتب، وأنّ لزوم مرتبة منها في مورد أو كفايتها كذلك لا يدلّ على لزومها بتلك المرتبة أو كفايتها كذلك في مورد آخر، إذا كانت أدلّة المورد الاخر تنافي أدلّة المورد الاوّل، ولكن المشهور كما قيل: وحدة العدالة المطلوبة في الموارد المختلفة، وكفاية أقلّ مراتبها في جميع الموارد، وبناءً عليها لا يصحّ الاشكال على الاستظهار من الرواية، وكيف يمكن الجمع بين الامرين ؟


الدليل السادس

السادس: ما استدلّ به بعض مراجع العصر: من أنّ بناء العقلاء ثابت على العمل بقول البيّنة مطلقاً في جميع الاُمور، ولم يثبت الردع الشرعي عنها إلاّ في موارد خاصّة كالزنا ونحوه.
ويورد عليه: أنّ بناء العقلاء دليل لبّي وكيف يمكن إثبات عمومه حتّى في غير مورد المرافعة، وحتّى مع الظنّ بالخلاف، وحتّى إذا لم يكن الشاهد من أهل الخبرة، إلى غير ذلك من موارد الخلاف أو الاشكال التي لا إطلاق للدليل اللبّي يشملها ؟ نعم، لو ثبت استقرار بناء العقلاء في جميع الموارد على العمل بقول البيّنة، كان ذلك طريقاً عقلائياً لثبوت المواضيع الشرعية، لكنّه لا يخلو عن تأمّل، وعنده يأتي الكلام في صلوح بعض العمومات والاطلاقات للردع عن هذا البناء أو عدم صلوحه ممّا تقدّم سابقاً بعض الكلام في بعض نظائره.
مضافاً إلى أنّ ذلك بحاجة إلى متمّم وهو التساوي بين الوثاقة والعدالة، وهو محلّ تأمّل أيضاً.


الدليل السابع

السابع: قوله (صلى الله عليه وآله): « إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والايمان »(325) بتقريب: أنّ ظاهره مفروغية حجّية البيّنة مطلقاً.
وفيه: عدم دلالة ذلك عليها عرفاً بوجه، فإنّه إنّما يدلّ على حجّيتها في باب المرافعات والخصومات فقط.
أترى يمكن أخذ هذا الحديث الشريف دليلاً على حجّية اليمين مطلقاً ؟ كلاّ، ومثله البيّنة، فتأمّل.


أُمور خمسة ينبغي الاشارة إليها
أوّل الاُمور

ثمّ إنّ في المقام أُموراً ينبغي الاشارة إليها:
أحدها: هل حجّية البيّنة واعتبارها هنا تعبّدية، بحيث تكون دليلاً على العدالة ولو قام ظنّ غير معتبر على خلافها ؟
أو يشترط عدم قيام الظنّ على خلافها ؟
أو يشترط إفادتها للظنّ بالوفاق ؟
أو التفصيل بين ما إذا كان احتمال الخلاف لاحتمال كذب الشاهدين فلا اعتبار لهذا الاحتمال ولو وصل إلى مرتبة الظنّ، وبين ما إذا كان احتمال الخلاف لاجل احتمال اشتباه الشاهدين فيعتبر الظنّ بالوفاق ؟
وجوه، وبعضها أقوال:
والاقوى وفاقاً لكثير من الفقهاء المتقدّمين والمتأخرين والمعاصرين هو: عموم حجّيتها لاطلاق أدلّتها.
وبناءً على ما أفاده الشيخ الانصاري (قدس سره) في اعتبار الوثوق في طريقية: « حسن الظاهر » إلى العدالة، يجب أن يعتبر الوثوق في البيّنة أيضاً، لما أفاده هناك: من دعوى انصراف الادلّة إلى ما هو المتعارف عند الناس من حصول الوثوق لديهم من الطرق العرفية، ولكن حيث بنينا هناك على عدم اعتبار الوثوق بل ولا الظنّ، فالبيّنة مثله.
والتفصيل: بين احتمال كذب البيّنة، وبين احتمال اشتباهها، هو للشيخ الانصاري (قدس سره) في المقام، واستدلّ له: بأنّ احتمال الكذب ملغى بظاهر حجّية قول البيّنة، وأمّا احتمال السهو والاشتباه والخطأ ونحوها فلا، لانّ الغاءها إنّما يكون عند العرف والعقلاء إذا كان احتماله موهوماً لندرته، فأمّا إذا قام احتمال عقلائي به فلا دليل على حجّية البيّنة مع ذلك، والقدر المتيقّن من الاطلاق غير ذلك.
وأُورد عليه: بأنّ أصل عدم الخطأ من الاُصول اللفظية التي بنيت الظواهر وحجّيتها عليه، وهي غير مقيّدة بكونه موهوماً، بل هو مطلق، ولذا تتمّ الحجّة بين الموالي والعبيد بما هو ظاهر الكلام حتّى مع احتمال الخلاف.
إذن: فالاظهر حجّية البيّنة مطلقاً إذا قامت على عدالة شخص، سواء ظنّ بالوفاق، أم بالخلاف، أم لا، كان احتمال الخلاف لاجل احتمال الكذب أم السهو ونحوه.


ثاني الاُمور

ثانيها: الظاهر أنّ الشهادة العم