المسألة (22): يشترط في المجتهد أُمور:....

ما هي شروط المجتهد ؟

المسألة (22): يشترط في المجتهد الّذي يرجع اليه العامي في أحكام الدين أُمور: وهذا القيد الّذي ذكرناه لاخراج المجتهد في عمل نفسه، فإنّه لا يحتاج إلى بعض الشرائط كالاعلمية والعدالة، وأن يكون مجتهداً مطلقاً ونحو ذلك، كما لا يخفى.
وربما يقال في المقام بالتفصيل بين المجتهد الّذي يؤخذ منه الاحكام الشرعية للعمل بها فقط، وبين المجتهد الّذي يعتبر مرجعاً للمسلمين في شؤون دينهم ودنياهم من الولايات، والقضاء، والمرافعات، ونفوذ حكمه على الجميع، ونحو ذلك باشتراط ما قيل من الشروط في الثاني وبعدم اشتراط غير الاجتهاد، والعقل، و الايمان، والوثوق في الاوّل.
مثلاً: لو أراد العامي أن يعرف الحكم الشرعي في عدد التسبيحات في الركعتين الاخيرتين، أو في جلسة الاستراحة، كفى أن يراجع مجتهداً عاقلاً موثوقاً به مؤمناً.
وذلك لانّ الدليل لا يدلّ على أكثر من ذلك في مثل المقام، والّذي يمكن الاستدلال به لذلك أُمور:


هنا أدلّة
الدليل الاوّل

الاوّل: أنّ التقليد طريقي، ومقتضى الطريقية كفاية سلوك كلّ ما يكون طريقاً عرفاً، ومثله طريق عرفي بلا إشكال، كما يكفي مثله في الطرق إلى فهم سائر العلوم، والاُمور.


الدليل الثاني

الثاني: الفرق بين حجّية الخبر وحجّية الفتوى: الحدس، وهو يتكفّل به الاجتهاد، وفي الخبر لا يشترطون غير العقل والوثاقة.


الدليل الثالث

الثالث: أنّ مراجعة الشخص الواجد لهذه الشروط الاربعة، استبانة عرفاً، فيدخل في اطلاق قوله (عليه السلام) ـ في موثّقة مسعدة بن صدقة: ـ « حتى يستبين لك غير ذلك ».
وتوهّم أن يكون الحرمة المفتى بها من هكذا إنسان موضع قبول، دون غيرها من الاحكام، لورود الرواية في ذلك، في غير محلّه ـ مضافاً إلى القطع بوحدة المناط بين ثبوت الحرمة لشيء وبين ثبوت سائر الاحكام الشرعية ـ لانّ بعضاً آخر من الاحكام كالحلّية أولى بالثبوت بما يثبت به الحرمة، لانّ الحل موافق للاصل أيضاً غالباً.

...البلوغ... .


الدليل الرابع

الرابع: بناء العقلاء فإنّهم لا يوجبون فيمن يؤخذ منه أىّ علم، أكثر من أن يكون عاقلاً موثوقاً به، والاجتهاد محقّق للموضوع، وغيرها يبقى خالياً عن الدليل عدى الايمان الّذي دلّت عليه النصوص.


الدليل الخامس

الخامس: أنّ الادلّة التي دلّت على سائر الشروط الاُخرى، كالرجولية والعدالة والحياة والحرية ونحوها، إمّا هي في خصوص المرجع العام في جميع أُمور الدنيا والدين، أو منصرف اليه بقرائن حاليّة أو مقالية، كما في مثل « فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله » ونحوه، فالاطلاق، والتنظير، يجعلانه خاصّاً بالمرجع العام.
هذا ولكنّه محل تأمّل، لشبهة الاجماع على خلافه ولو المركب.
نعم، يرد على هذا كلّه عدم معروفية هذا التفصيل، وعدم إحراز التزام أحد به، بل احتمال كونه خلافاً للاجماع البسيط، وهذا هو الّذي يوقف الفقيه في التزام مثل هذا التفصيل وإلاّ لم يبعد القول به. فالاحتياط ينبغي أن لا يترك في مثله.
وهنا نبدأ بذكر الشروط وما فيها من بحث ونقاش:


الشرط الاوّل: البلوغ

الاوّل ممّا يشترط في مرجع التقليد: البلوغ واستدلّ لاشتراطه بوجوه:


الاستدلال لاشتراط البلوغ بوجوه
الوجه الاوّل

الاوّل: الاجماع، صرّح به جمهرة كبيرة، قال في مفتاح الكرامة في كتاب القضاء: « إجماعاً معلوماً ومنقولاً حتى في المسالك، وفي الكفاية، والمفاتيح »(1) ولعلّ قوله: « حتّى » من أجل أنّ أصحاب هذه الكتب كثيراً مّا يناقشون في الاجماعات المنقولة، فمن عدم مناقشتهم قد يكشف قوّة الاجماع عندهم.
وقال المحقّق الملاّ عبدالرحيم تلميذ شريف العلماء (قدس سرهما) في حقائقه: « ولظهور الاجماع بل الاجماع حقيقة »(2).
وفي الضوابط: « ظهور عدم الخلاف فيه بين أصحابنا »(3).
وربما يظهر من كلام الشيخ الانصاري (قدس سره) حيث أنّه بعد ذكر البلوغ والعقل والايمان قال: « ولا إشكال في اعتبار هذه الثلاثة » ولو احتمل خلاف ـ بله مسلميته ـ لم يجزم مثل الشيخ (قدس سره) بهكذا جزم، كما هو معلوم من حال الشيخ (قدس سره)وكيفية كتاباته.
ومع هذا لا مجال للخدشة في مثل هذا الاجماع موضوعاً ولا حكماً.
قال في التنقيح: « فإن كان عدم جواز التقليد من الصبي مورداً للتسالم الاجماع القطعي فهو... وحيث لا سبيل لنا إلى إحراز التسالم على عدم الجواز، فلا مانع من تقليد غير البالغ بوجه »(4).


نقاط ينبغي الالتفات إليها

أقول: ينبغي الالتفات إلى نقاط:
1. الاجماع موضوعاً.
2. الاجماع حكماً.
3. الاجماع المحتمل الاستناد.


النقطة الاُولى

الاُولى: وهي الاجماع موضوعاً، فالظاهر كشف نقل مثل هؤلاء عن تحقّق الاجماع خارجاً والاطمينان إليه ـ الّذي هو علم عرفي لا مجال للجعل معه إثباتاً ولا نفياً ـ بل حتى فى التنقيح الّذي كان بصدد ردّ الاجماع، ردّه بعدم الاطمينان اليه، ولو وجد قولاً بالخلاف لكان نقله أقوى في ردّ الاجماع من عدم الاحراز.


النقطة الثانية

الثانية: وهي الاجماع حكماً، فقد تقدّم مكرّراً منّا أنّه على فرض عدم إحراز اتّفاق الكل، فلا أقل من الاطمينان إلى شهرة عظيمة قديمة وحديثة، مع عدم العثور على الخلاف، وبناء العقلاء في طريقية مثله ليس بأقل من بنائهم على طريقية نقل الثقة، وكشفه عن قول المولى حسّاً، ولا أقل من طريقية الظواهر وكشفه عن مراد المولى في مقام التنجيز والاعذار فيكون حجّة ببناء العقلاء.
وحيث إنّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية، فلا حاجة معها إلى إحراز موافقة الشارع وعدم ردعه كما تقدّم مراراً.


النقطة الثالثة

الثالثة: وهي كون الاجماع محتمل الاستناد، فهو وارد في المقام بعد الاستدلال لعدم جواز تقليد الصبي بأدلّة مختلفة.
لكن القطع به لا يضرّ، فكيف بالاحتمال ؟ وذلك لما تقدّم أيضاً في شتّى المباحث السابقة مفصّلاً، وإجماله: أنّ اتّفاق أهل خبرة فنّ على حدس، منجّز ومعذّر عند العقلاء ـ بنفسه ـ وإن احتمل استناده إلى ما لم يحرز دلالته، بل إلى ما أُحرز عدم دلالته.
كيف والمشهور في الفقه ـ والمنصور عندنا فقهاً وأُصولاً ـ أنّ الاجماع المقطوع الاستناد إلى خبر لا دلالة له (وقد أُحرز ذلك) يوجب جبر الدلالة، عليه بنى المعظم فى الفقه ـ كما لا يخفى على المتتبّع ـ فكيف بهذا ؟
إذن: فهذا الاجماع على عدم جواز تقليد الصبي حجّة على عدم الجواز.
ومعها لا مجال لانكاره تارةً، ولا لعدم حجّيته موضوعاً أُخرى، ولا لاحتمال استناده ونفي حجّيته من هذه الجهة.


الوجه الثاني

الثاني: قول الامام الصادق (عليه السلام) في صحيح محمّد بن مسلم ـ على الاصحّ ـ: « عمد الصبي وخطأه واحد »(5)لشمول اطلاقه لاقوال الصبي وآرائه وفتاواه، فإذا نزّل عمد الصبي مطلقاً منزلة الخطأ، وقد ثبت أنّه لا حجّية للفتوى الصادرة خطاءً، فلا حجّية لفتوى الصبي بالحكومة.


إشكالات وأجوبة
الايراد الاوّل

وأُورد عليه تارةً: بأنّ مادّتي « عمد وخطأ » منصرفتان إلى مقام الجناية والدية، لا مطلق ما يصدر من الصبي من فعل أو قول، ولا أقل من انصراف مثل هذه الجملة إلى ذلك، فلا اطلاق لها، أو يشكّ في اطلاقها.
ويؤيّد ذلك ـ مضافاً إلى ذكر المحدّثين والفقهاء هذه الجملة في كتاب القصاص والديات ـ: أنّ العديد من نصوصها مذيّلة بما يخصّها بذلك:
ففي موثّق إسحاق بن عمّار عن الصادق عن أبيه أنّ علياً (عليهم السلام) ـ كان يقول « عمد الصبيان خطأ، يحمل على العاقلة »(6).
وفي خبر أبي البختري المروي في قرب الاسناد عن علي (عليه السلام) أنّه كان يقول في المجنون والمعتوه الّذي لا يفيق والصبي الّذي لم يبلغ ـ: « عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم »(7).
وفي المستدرك عن الجعفريات باسناده عن علي (عليه السلام): ـ « ليس بين الصبيان قصاص، عمدهم خطأ يكون فيه العقل »(8).
ومرسل الدعائم عن علي (عليه السلام): « ما قتل المجنون المغلوب على عقله والصبي، فعمدهما خطأ على عاقلتهما »(9).
ومرسل الصدوق (قدس سره) في المقنع: « وليس على الصبيان قصاص، عمدهم خطأ، تحمله العاقلة »(10).


مناقشة الايراد

لكن قد يرد عليه: بأنّ ذلك كلّه ربما لا يخرجه عن الاطلاق ـ مضافاً إلى القاعدة المسلّمة: من أنّ المثبتين لا تقييد بينهما ـ وإن فهم الفقهاء الاطلاق قديماً وحديثاً يذهب بالشكّ، ولذا فإنّهم استدلّوا بهذه الجملة لبيان بطلان عقود الصبي وإيقاعاته، إلاّ ما خرج بدليل كالوصية، فتأمّل.
قال الشيخ في المكاسب ـ في اشتراط البلوغ لصحّة عقد الصبي ـ: « ويمكن أن يستأنس له أيضاً بما ورد في الاخبار المستفيضة من أنّ (عمد الصبي وخطأه واحد) كما في صحيحة ابن مسلم وغيرها، والاصحاب وإن ذكروها في باب الجنايات، إلاّ أنّه لا إشعار في نفس الصحيحة ـ بل وغيرها ـ بالاختصاص بالجنايات، ولذا تمسّك بها الشيخ في المبسوط والحلّي في السرائر، على أنّ إخلال الصبي المحرم بمحظورات الاحرام ـ التي تختصّ الكفّارة فيها بحال التعمّد ـ لا يوجب كفّارة على الصبي، ولا على الولي، لانّ عمده خطأ.
وحينئذ فكلّ حكم شرعي تعلّق بالافعال التي يعتبر في ترتّب الحكم الشرعي عليها القصد ـ بحيث لا عبرة بها إذا وقعت بغير القصد ـ فما يصدر منها عن الصبي قصداً بمنزلة الصادر عن غيره بلا قصد، فعقد الصبي وإيقاعه مع القصد كعقد الهازل والغالط والخاطىء وإيقاعاتهم »(11).
إنّ المثبتين لا تقييد بينهما كما حقّق في الاُصول، بل يحملان على مراتب الامر عملاً بظواهرهما، وحمل المقيّد على بيان بعض المصاديق، وفي موارد الاوامر حمل المقيّد على مراتب الاستحباب، ونحو ذلك ممّا طفحت به كتب الفقه في شتّى الابواب.


الايراد الثاني

وأُورد عليه تارةً أُخرى: بأنّ الملغى هو فعل الصبي بأن يعامل معه معاملة الخطأ، هذا لا يشمل آراءه وعلومه وأقواله.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ الرأي إذا أظهره صاحبه عدّ من أفعاله عرفاً، وقد ورد في الحديث ما معناه: عدّوا أقوالكم من أفعالكم، إن لم نقل بأنّ مطلق القول فعل من أفعال الانسان كما هو مبحوث عنه في الفقه والاُصول في أصل الصحّة(12)ـ أنّه لا قرينة تقيّد إطلاق « العمد » بالفعل دون القول.


الايراد الثالث

وأُورد عليه ثالثه: بأنّ مناسبة الحكم والموضوع في « عمد الصبي خطأ » توجب انصراف الصبي إلى المتعارف من الصبيان الذين تصدر منهم عادةً أعمال غير عقلائية، أمّا الصبي الّذي صار مجتهداً وأفتى في أحكام الله تعالى، بحيث كان بصيراً في الاستنباط فهو صبي غير متعارف، تشمله الاطلاقات، وينصرف عنه « عمد الصبي وخطأه واحد » ولا أقل من الشك في الشمول، فتبقى الاطلاقات محكّمة.
وقد يجاب عنها ـ مضافاً إلى أنّ عهدة الانصراف على مدّعيه ـ هل مثل هذا الصبي الخارج عن المتعارف يكون (موضوعاً) عمدهُ غير خطأ مطلقاً حتى في الديات أم لا ؟ إذن فما الفارق ؟


الايراد الرابع

وأُورد عليه رابعة: بالنقض، كما في التنقيح(13) بأنّ عمد الصبي خطأ يخصّ الديات، وإلاّ فهل تكلّم الصبي في الصلاة له حكم الخطأ فلا تبطل، بناءً على شرعية عباداته ؟
وفي موضع آخر(14) نقض ببطلان الصوم بأكله، ثم قال: « للقطع ببطلان الصلاة والصوم في مفروض المثال ـ ثمّ قال: ـ للقطع بعدم إرادة الاطلاق ».
أقول: أوّلاً: هذا القطع هو دليل تقييد الاطلاق، لا أنّ الاطلاق في نفسه غير تامّ.
وثانياً: استثناء عباداته وشرعيتها من « عمد الصبي وخطأه واحد » ظاهر في أنّ عباداته بما لها من الاحكام في العمد والسهو وغيرها من الصبي شرعية، وإلاّ لم يكن استثناءً.


الايراد الخامس

وأُورد عليه خامسة: بما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) في موارد عديدة(15): من أنّ « عمد الصبي وخطأه واحد » له ظهور في خصوص ما كان لشيء عمد وخطأ، ولهما حكمان، كل غير الاخر، كما في القتل، والحجّ ونحوهما، و لا اطلاق للصحيحة.
ولو كانت الصحيحة هكذا: « عمد الصبي كلا عمد » أو « ليس بعمد » لكان لها عموم شامل لكلّ أفعاله وأقواله....
أقول: العدم لا يصحّ حقيقة جعله مسنداً أو مسنداً اليه، أو جزءاً أو شرطاً، أو مانعاً أو قاطعاً، لانّ العدم ليس شيئاً سوى العدم، فلا يوصف بأوصاف الوجود.
ولذا قالوا: إذا جعل للعدم مرتبة المسند أو المسند اليه، أو العلّة أو المعلول، فهو مجاز عن الملازم الوجودي لذاك العدم.
فإذا قال شخص: المشاغل صارت سبب عدم السفر، فالمراد: أنّها صارت سبب البقاء في البلد، وهكذا.
ولذا إن كان التعبير في الصحيحة « عمد الصبي كلا عمد » أو « ليس بعمد » كان اللازم حمله على الامر الوجودي، مثل « عمد الصبي خطأ » أو « عمد الصبي وخطأه واحد » ونحو ذلك.
مضافاً إلى أنّه أيّ مانع عرفي في مقام الاستظهار: من أن يراد بـ « الخطأ » غير العمد، للتقابل بينهما، نظير « العمد والسهو » و « العلم والجهل » ونحوهما ؟ فتأمّل.


الوجه الثالث

الثالث: الاصل، وهو عدم حجّية قول الصبي وفتواه لغيره، وقد استدلّ به صاحب الفصول لانّ الشكّ في الحجّية موضوع عدم الحجّية.
وأُورد عليه: ـ مضافاً إلى أنّ الاطلاقات والادلّة إذا شملت الصبي فالاصل يكون مقطوعاً، ولا أصالة للاصل مع الدليل ـ أنّ الاصل في الشكّ في الشرطية المانعية والناطقية، عدمها ـ كما حقّق في الاُصول ـ وبه يرتفع موضوع أصالة عدم الحجّية وهو الشكّ، لارتفاعه بالاصل السببي وقد تقدّم نظائره.


الوجه الرابع

الرابع: أنّ الصبي لا تقبل روايته الحسّية، فعدم قبول فتواه الحدسية إن لم يكن أولى فهو بمناط واحد.
وأُجيب: بالاشكال في المقيس عليه، وفي القياس.
أمّا في الاوّل: فلعدم ثبوت عدم قبول روايته إذا كان صبياً مميّزاً ثقة، سوى الاجماعات المنقولة، الشهرة المحقّقة، وهما غير حجّة، وبناء العقلاء على عدم الفرق بين البالغ وغيره.
نعم، إن كان دليل حجّية خبر الواحد التعبّد، لا بناء العقلاء، فربما يشكل، لاشتراط العدالة وكونها ملكة تقتضي البلوغ.
وأمّا في الثاني: فبأنّه قياس وهو غير حجّة، والقطع بالمناط أو الاولوية حجّة للقاطع لا لغيره، ولو فرض تمامية الدليل في الرواية، فخروج الرواية عن بناء العقلاء بدليل خاص، لا يوجب خروج فرد آخر وهو التقليد.
أقول: في كليهما إشكال بل منع:
أمّا عدم قبول روايته فهو المشهور شهرة عظيمة ومثلها حجّة ـ على ما بنينا عليه في الاُصول والفقه، تبعاً لمشهور المتقدّمين والمتأخرين في شتّى أبواب الفقه، لبناء العقلاء على طريقية مثل هذه الشهرة في مقام التنجيز والاعذار في مقابل الاصل المبني على الجهل بالواقع ـ.
وأمّا مناط عدم قبول الرواية في عدم قبول الفتوى التي هي رواية حدسية، فالظاهر كونه مسلّماً بل الاولوية في محلّها.
فالرواية الحسّية التي يقلّ خطأها إذا لم تقبل ـ مع الطريقية ـ تكون الفتوى الحدسية التي يكون خطأها أكثر قطعاً، لا تقبل بالاولى، فتأمّل.


الوجه الخامس

الخامس: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) « رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم » بتقريب: أنّ اطلاق الرفع يشمل التكليف والوضع ـ ومنه حجّية قوله للمقلّد ـ والعقوبة وغيرها.
وأورد عليه الشيخ ـ في الرسائل والمكاسب تبعاً للجواهر وغيره وتبعهما من بعدهما ـ بأمرين:
أوّلاً: أنّه ظاهر في رفع قلم التكليف، لا الوضع.
وثانياً: أنّه العقوبة الدنيوية كالغرامات، والاُخروية من العذاب.
وكلاهما غير ما نحن فيه، إذ قبول قوله في الفتوى، ليس تكليفاً ولا عقوبة.


مناقشات
المناقشة الاُولى

أقول: أوّلاً: السياق في جعل الصبي مع النائم والمجنون يعطي وحدة الحكم فيهم جميعاً، والسياق قرينة عرفية يؤسّس الظهور ويهدم.
فكما أنّ المجنون والنائم مرفوع عنهما قلم المؤاخذة والتكليف والوضع جميعاً ـ إلاّ ما خرج بدليل كالضمانات ـ فكذا الصبي.
وقد صرّح الشيخ (قدس سره) بالسياق في شمول الرواية للصبية، بشمولها لها في المجنون والنائم.
قال في كتاب الصوم: « وتوهّم إرادة خصوص الذكر من الصبي، مدفوع بإرادة العموم من أخويه أعني: النائم والمجنون بلا إشكال »(16).


المناقشة الثانية

وثانياً: وممّا يؤيّد إرادة الاعم من الحكم الوضعي من اطلاق « القلم » في الحديث الشريف، التعبير في مستفيض الروايات ـ أو متواترها ـ بمادّة « الامر » الّذي قيل: ـ كما في حاشية المولى عبدالله على تهذيب التفتازاني ـ أنّه جنس الاجناس على الاطلاق، وأنّه أعمّ من مفهوم « الشيء » كما في صحيح عبدالله بن سنان وإن روي في الوسائل باسقاط عبدالله بن سنان إلاّ أنّه سهو، لوجود ابن سنان في المصدر (الخصال)(17) وعنه في جامع أحاديث الشيعة(18) وفي طريقه أبو الحسن الخادم بيّاع اللؤلؤ وهو آدم بن المتوكّل الثقة(19). « عن اليتيم متى يجوز أمره... قال إذا بلغ وكتب عليه الشيء جاز أمره إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً »(20).
ومفهومه: إذا لم يبلغ لم يجز أمره ونحوه غيره وهو متعدّد.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: أنّ الفقهاء (قدس سرهم) بمختلف أذواقهم العلمية استدلّوا بحديث رفع القلم ـ في شتّى أبواب الفقه ـ لرفع الحكم الوضعي، كما استدلّوا به لرفع المؤاخذة والتكليف، واليك نماذج منها:


أمثلة ونماذج

قال في المبسوط: « الناس في الاقرار على ضربين: مكلّفون وغير مكلّفين، فأمّا غير المكلّفين فمثل الصبي والمجنون والنائم، فهولاء إقرارهم لا يصحّ، لقوله (عليه السلام): (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه) ورفع القلم عنهم بقتضي أن لا يكون لكلامهم حكم... »(21).
وقال أيضاً في نفي صحّة جعل الصبي وصيّاً: « لا تصحّ الوصية إلاّ إلى من جمع صفات خمسة: البلوغ... وإنّما راعينا البلوغ لانّ الصبي لا يجوز أن يكون وصياً لقوله (عليه السلام): (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم) وفي بعضها حتى يبلغ وإذا كان كذلك لم يكن لكلامه حكم... »(22).
وقال أيضاً في نفي القذف عنه: « وإذا قال الصبي لزوجته يازانية لم يكن ذلك قذفاً، ولا يلزمه به الحدّ بلا خلاف، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم) فإن بلغ وأراد أن يلاعن لم يكن له ذلك، لانّ اللعان إنّما يكون لتحقيق القذف وقد بيّنا أنّه لا قذف له »(23).
وقال أيضاً في نفي القصاص عنه: « لا قصاص على الصبي والمجنون إذا قتلا، لما رواه علي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: « رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم... »(24).
وقال في السرائر في بطلان طلاق الصبي وعتقه وصدقته ووصيته مع ورود الرواية الخاصّة بصحته: « والاولى ترك العمل بهذه الرواية... ولقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) ورفع القلم عنه يدلّ على أنّه لا حكم لافعاله »(25).
وقال أيضاً في مقام ردّ صحّة عتق الصبي: « وقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المجمع عليه يؤيّد ما قلناه وهو: (رفع القلم عن ثلاث) وذكر الصبي من جملة الثلاث »(26).
وقال في المعتبر: « البلوغ... شرط وجوب القضاء... ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ »(27).
وفي نفي زكاة المال قال: « ولا تجب زكاة العين على صبي ولا مجنون ـ ثمّ ذكر الخلاف في المسألة وأدلّة الطرفين ـ وقال: « لنا قوله (عليه السلام): رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ »(28).
ونحوه في نفي زكاة الفطرة عنه أيضاً(29).
وقال أيضاً في مقام نفي صحّة نيابته في الحج: « ولا يصحّ نيابة... الصبي غير المميّز... وفي الصبي المميّز تردّد... والاشبه أنّه لا يصحّ نيابةً... ويدلّ على ذلك قوله (عليه السلام): رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم الصبي حتى يبلغ »(30).
وقال الشيخ الانصاري (قدس سره) في رسالة في قاعدة من ملك: « فلانّ جلّ الاصحاب... لبنائهم على خروج الصبي من حديث الاقرار، لكونه مسلوب العبارة بحديث: رفع القلم »(31).
وقال أيضاً: « إلاّ أنّه ـ أي الشارع ـ اكتفى عن ذلك في جميع الاسباب القولية والفعلية بحديث: رفع القلم »(32).
أي: أخرج الشارع الصبي والمجنون والنائم عن جميع الامارات الفعلية: كاليد، والقولية: كالاقرار، بحديث رفع القلم.
وقال السيد الخوئي (قدس سره) في كتاب النكاح في مسألة عدم صحّة عقد الصبي النكاح لنفسه في شرح قول الماتن: « يشترط في العاقد ـ المجري للصيغة ـ الكمال بالبلوغ والعقل سواء كان عاقداً لنفسه أو لغيره... فلا اعتبار بعقد الصبي ـ قال بعد ذكر بعض الروايات الخاصّة ـ ثم إنّ مقتضى اطلاقات هذه النصوص، وأدلّة رفع القلم، عدم الفرق في الحكم بين كون الفعل الصادر منه على نحو الاستقلال بإذن من المولى وعدمه، فيحكم فيهما معاً بالبطلان »(33).


أدلّة مخدوشة لاشتراط البلوغ
أوّل الادلّة

وهناك وجوه استدلّ بها لاشتراط البلوغ في مرجع التقليد وهي مخدوشة، أحدها: قوله (عليه السلام) في حسنة أبي خديجة ـ على الاصحّ ـ: « انظروا إلى رجل منكم » والصبي مقابل الرجل.
وردّ بأنّ الظاهر منه عدم خصوصية للرجولة في الحكم بل هو وارد مورد الغالب، كما له نظائر كثيرة في الفقه، مع أنّه إن قيل بكونه قيداً احترازياً وجب أن يكون احترازياً عن المرأة، لا عن الصبي، مضافاً إلى أنّه في مقام القضاء لا الافتاء، واِسراء مثله لا يخرجه عن القياس ـ كما قالوا ـ مع أنّ ظاهر « رجل » هو الشخص كما في نظائر كثيرة له في الروايات.
مثل « إيّاك أن تطأ أعقاب الرجال »(34).
ومثل « من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال »(35).
ومثل « إنّ دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحقّ »(36).
ومثل « إنّ الرجل إذا رضي هَديَ الرجل وعمله، فهو مثله »(37).
ومثل « إنّ الرجل ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبُه »(38).
ومثل « إنّ الرجل ليطلب الحاجة فيزويها الله عنه لما هو خيرٌ له »(39).
وغيرها وغيرها كثير.


ثاني الادلّة

ثانيها: عدم الوثوق بالصبي، إذ الصبي إذا بلغ رتبة الاستنباط فلا شكّ أنّه يعلم بأنّ تقصيره غير مأخوذ عليه لرفع القلم عنه، فيحلّل ويحرّم ولا يبالي.
وفيه: أوّلاً: لا نسلّم على مثل هذا الصبي المميّز جواز إتيان المحرّمات خصوصاً مثل الفتوى بغير ما أنزل الله التي هي من أشدّ المحرّمات، وخصوصاً فيما يبقى أثره إلى بعد بلوغه.
وثانياً: الكلام في الصبي الّذي يوثق بفتاواه وبعدم تقصيره، وإلاّ فعدم الوثوق يوجب عدم جواز التقليد حتى للبالغ.


ثالث الادلّة

ثالثها: أنّ اشتراط العدالة فحواه اشتراط البلوغ، لكونها ملكة لا تصدق مع عدم البلوغ.
وفيه: أوّلاً: لا مانع عن صدقها على غير البالغ، نعم الّذي قيل أو يمكن لقائل أن يدّعيه هو: عدم وجوب تحصيل العدالة على غير البالغ، ووجوبها على البالغين مقدمة لاجتناب المحرّمات، لا أنّ غير البالغ إذا وجدت فيه ملكة اجتناب المحرمات لا يسمّى عادلاً، إذ أدلّة العدالة أعمّ، مثل « أن تعرفوه بالستر العفاف » والعرف، واللغة، والشرع ببابك.
إن قلت: هل تطلق العدالة على المجنون.
قلت: لا، لانّ الظاهر أنّ العدالة والفسق من قبيل الملكة وعدم الملكة، فلا تشمل المجنون الستير العفيف إن لم نقل بانصراف الستر والعفّة عنه، فتأمّل.
وثانياً: سيأتي البحث والنقاش عن ضرورة العدالة في الشخص الّذي يؤخذ منه تقليداً مسائل الحلال والحرام، بل ربما يقال بكفاية الوثوق به دون اشتراط العدالة، ولذا نُقل عن المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه التنظّر في مسألة اشتراط البلوغ في إمام الجماعة.


رابع الادلّة

رابعها: قول أبي الحسن الثالث (عليه السلام) في جواب سؤال أحمد بن حاتم وأخيه وقد سألاه: « عمّن آخذ معالم ديني » فكتب إليهما: « فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبّنا وكل كثير القِدم في أمرنا »(40).
وهذا يشترط فيه البلوغ على الاقل.
وأشكل عليه سنداً ودلالة وإعراضاً:
أمّا السند: ففيه بعض المجاهيل.
وأمّا الدلالة: فبأنّ طول العمر غير شرط قطعاً، لعدم اشتراط كون المرجع معمّراً مسنّاً ـ مضافاً إلى أنّ تقييده بكلمة: « في حبّنا » يعطي السبق إلى التشيّع لا السبق في العمر، ويمكن السبق إلى التشيّع في الصبي على البالغ كما لا يخفى.
اللّهم، إلاّ أن يقال بأنّ سبق الصبي ليس بسبق لانّ « عمد الصبي خطأ »، فتأمّل.
وأمّا الاعراض: فالظاهر ـ المنقول أيضاً ـ أنّ الرواية غير معمول بها من قبل أحد من الفقهاء، إذ لم يشترط أحد ذلك، فلعلّها قضية خارجية، فأراد الامام (عليه السلام) توجيه السائل إلى شخص خاص ـ دون شخص آخر ـ لخصوصية في الطرفين.


خامس الادلّة

خامسها: أنّه محجور عن التصرّف في ماله، فكيف يجوز تقليده وهو تصرّف فى دين الناس الّذي هو أهمّ من المال قطعاً ؟
وفيه: مع أنّه من القياس الاولوي ـ وهو غير حجّة عندنا ـ لا نسلّم الحجر حتى في الصبي المميّز الرشيد.


سادس الادلّة

سادسها: أصالة تعيين البالغ عند دوران الامر بين التعيين والتخيير فيما لو كان فقيه آخر بالغ.
وفيه: أوّلاً: نفرض الكلام فيما لم يكن فقيه آخر بالغ، أو كان الصبي أعلم، أو أورع، أو ذا مزية أُخرى بحيث كان الدوران بين تعيين وتعيين، لا بين تعيين وتخيير.
وثانياً: أنّ الاصل مقطوع بالاطلاقات.
وثالثاً: بأنّ الاصل عندنا ـ تبعاً لجمهرة من الاعيان ـ التخيير لا التعيين، كما حقّق في الاُصول.


الاستدلال لعدم اشتراط البلوغ بأُمور
الامر الاوّل

واستدلّ لعدم اشتراط البلوغ بأُمور:
الاوّل: اطلاقات الادلّة اللفظية مثل: « أهل الذكر » و « من كان من الفقهاء » و « عرف حلالنا وحرامنا » ونحوها، فإنّها باطلاقها تشمل الصبي غير البالغ أيضاً.
وعمدة ما فيه تقييد هذه الاطلاقات بالصحيحين والاجماع، وإلاّ فما أشكل به عليه غير تامّ، وهي:
أوّلاً: بعدم الاطلاق الاحوالي لها، وإنّما لها اطلاق أفرادي، والّذي يفيدنا في المقام هو اطلاق يشمل حالتي البلوغ وعدمه، فكما لا تشمل هذه المطلقات حالتي الفسق والعدالة، ولا حالتي الكفر والايمان، كذلك لا تشمل حالتي البلوغ وعدمه.
وثانياً: بأنّ المطلقات في مقام بيان أصل التشريع وهو: رجوع الجاهل إلى العالم الّذي هو قاعدة عقلائية، بل عقلية، بل فطرية، ـ على ما قيل ـ ولا لسان لهذه الادلة اللفظية بل هي بلحاظ المرشد إليه دليل لبّي، فلا اطلاق لها رأساً أصلاً.
وثالثاً: على فرض الاطلاق فهي منصرفة إلى البالغ، أو عن غير البالغ.
وقد يجاب: بأنّ اللفظ إذا أطلق في مقام البيان وكان له شمول افرادي وأحوالي ـ بنفسه، بلا قرينة حالية أو مقالية ـ انعقد له الاطلاق الاحوالي كالاطلاق الافرادي سواءً بسواء، وعدم شمولها لحالتي العدالة والفسق، والكفر والايمان، ليس لعدم اطلاق يشملها، وإنّما لادلّة خاصّة أُخرى.
فلو لم يقم دليل على اشتراط العدالة لجوّزنا (بنفس هذا الاطلاق) تقليد الفاسق، وكذا لو لم يدلّ دليل على الايمان ـ كما نقول بمثل هذا الاطلاق في أهل خبرة التقويم وثبوت الموضوعات في الخارج في المنازعات بين المتعاملين، والاُروش، ونحوها ـ فنكتفي في بعض الموارد بتقويم الفاسق والكافر (على الاصح) مع الوثوق بكلامهما.
وقد صرّح الماتن وغيره (قدس سره) بذلك في موارد عديدة من الفقه، ودونك نماذج من ذلك:


نماذج وشواهد

1. قال في عروة الوثقى: « لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقاً أو عادلاً، بل مسلماً أو كافراً »(41).
وقال في المستمسك في شرطها: « لعموم دليل الاعتبار »(42).
وقال في التنقيح: « لانّ عدالة صاحب اليد وفسقه وكذلك إسلامه وكفره على حدّ سواء »(43).
2. وقال في العروة الوثقى أيضاً في بحث التيمّم: « الثالث: الخوف من استعماله... ويكفي الظن بالمذكورات... سواء حصل له من نفسه أو قول طبيب أو غيره، وإن كان فاسقاً أو كافراً... »(44).
وقال في المستمسك: « بلا خلاف ظاهر »(45).
وقال في « موسوعة الفقه »: « بلا إشكال ولا خلاف في الجملة »(46).
وفي العروة الوثقى: « إذا قصد الصبي مسافة ثم بلغ في الاثناء وجب عليه القصر وإن لم يكن الباقي مسافة... »(47).
3. وأمّا الانصراف عن الصبي فلا وجه له بعد عدم القرينة عليه، وظهور اللفظ في الاطلاق.
ثمّ ما ذكره جمع في الاُصول: من أنّ حجّية الاطلاق متوقّفة على إحراز كون المتكلّم في مقام البيان من تلك الجهة، فلم نتحقّقه.
بل اللازم عدم القرينة على أنّ المتكلّم ليس في مقام بيان هذه الجهة.
كما إذا طلب المولى الماء للشرب، فهو في مقام بيان عدم الاطلاق من حيث الحلاوة والحموضة والمرورة لانّه يريد الماء للشرب.
أمّا إذا أمر المولى بسقي الزرع بالماء فللماء اطلاق من هذه الجهة، وإن لم يحرز العبد كون المولى في مقام البيان من جهة طعم الماء، وذلك لعدم اشتراط العقلاء هذا الشرط في مقام التنجيز والاعذار.
ولذا اشتهر فقهاً وأُصولاً في موارد ادّعاء الانصراف، قولهم: الاصل عدم الانصراف وعهدة الانصراف على مدّعيه.
وأمّا إحراز كون المطلق في مقام بيان شيء لافادة حكم ذلك الشيء فلم نتحقّقه، بل الّذي يدلّ عليه العرف والعقل هو لزوم عدم إحراز كون المتكلّم في مقام عدم بيان هذا الشيء، وإلاّ فالاحراز المذكور لا يساعد عليه العرف ولا العقلاء، كما يتّضح ذلك بمراجعة الموالي والعبيد والاباء والابناء، والملوك الرعية، والقونين والناس....
وأمّا الانصراف فعهدة ذلك على مدّعيه، ولم نتحقّق نحن انصرافاً.


الامر الثاني

الثاني: عدم ذكره في شروط التقليد لا في آية ولا في رواية، ولو كان لبان.
وفيه: لعلّ عدم ذكره لعدم وجود مثله، كما لم يذكر كون المجتهد إنساناً، لعدم وجود مجتهد غير إنسان، أو لندرته جداً بحيث لا يستحقّ إضافة قيد لاخراج مثله، كما هو كثير النظير في الابواب المختلفة من الفقه لمن راجعها، فاعتمد الشارع على الانصراف الموجود فيه، وفي مثله لا تصحّ قاعدة: لو كان لبان.


الامر الثالث

الثالث: بناء العقلاء، فإنّ بناءهم على أخذ كلّ شيء ممّن هو أهل خبرته، دون تقيّد، بل ولا التفات إلى ضرورة كونه بالغاً البلوغ الشرعي، فلو وجد طبيب حاذق غير بالغ، أو مهندس حاذق غير بالغ، أو خيّاط حاذق غير بالغ، لراجعه الناس في أمراضهم، وبناء دورهم، وخياطة ألبستهم دون توقّف أو تروّي في أنّه بلغ السنّ الكذائي أم لا.
وحيث إنّ التقليد ليس سوى رجوع الجاهل إلى أهل خبرة الفقه وهو العالم بالحلال والحرام، وهو طريقي، ولم يرد عن الشرع ردع عن ذلك، فجاز الاعتماد على الصبي الفقيه في مقام التقليد.


إيرادات وأجوبة

وأُورد عليه أوّلاً: بالتشكيك في مثل هذا البناء.
وثانياً: بأنّه دليل لبي، والمتيقن منه البالغ.
ويردّ: بأنّ البناء مسلّم ليس قابلاً للشكّ، ويكفي لزوال الشكّ مراجعة العرف والعقلاء في استفاداتهم وأحوالهم في مختلف شؤونهم المهمّة وغيرها فإنّهم يراجعون أهل الخبرات لكونهم أهل خبرات فقط وفقط من دون مدخليه للعمر في نظرهم أبداً.
وما يرى من انتقاد بعض الناس طبيباً شاباً، أو مهندساً شاباً، ونحوهما بأنّه شاب فكيف بكونه صبياً ؟
فإنّه لعدم الوثوق بعرفان الشاب وعلمه، ولعلمهم بقلّة تجاربه فيما تكون التجارب كفيلة بزيادة العلم، أمّا لو وثقوا بشاب أو صبي في أمر، فإنّهم يعتمدون عليه بلا شكّ أو ارتياب.
وأمّا أنّه دليل لبّي، فالمتيقّن إنّما يبحث عنه إذا حصل الشكّ، وفيما نحن فيه لا شكّ بعد مراجعة أحوال العرف والعقلاء في مختلف شؤونهم، فلا نحتاج إلى المتيقّن.
وأما استبعاد أن يكون الصبي شاغلاً لمنصب الافتاء.
ففيه: أنّه ليس أعظم من منصب النبوّة والامامة وقد شغلهما مثل عيسى بن مريم، والامام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف مع كونهما صبيين.
والتفريق بينهما وبين المجتهد بأنّهما معلوم كمالهما التكويني بخلاف المجتهد.
ففيه: ـ مضافاً إلى أنّه يكفي ذلك لدفع الاستبعاد، إذ الاستبعاد ليس دليلاً، ولا يقاوم الدليل كالاطلاق ونحوه ـ أنّ في المجتهد الصبي أيضاً بنسبته كمال وإلاّ لم يبلغ (قبل البلوغ التكويني) درجة الاجتهاد.


حاصل الاشكال والجواب

والحاصل: أنّ عمدة الاشكال على بناء العقلاء كونه مردوعاً بالادلّة الشرعية وهي الصحيحتان والاجماع المنقول والشهرة العظيمة المحصّلة.
فتحصّل من جميع ذلك: اشتراط البلوغ في المقلَّد ـ بالفتح ـ حتى الّذي يؤخذ منه الاحكام فقط، بحيث يُقدِم الفقيه على الفتوى باشتراطه، والتزام كل التوالي الفاسدة الّتي تترتّب على الفتوى باشتراطه: من بطلان أعمال المقلّد الفقيه الصبي، ووجوب إعادتها أو قضائها أو كفّارتها، ووجوب الاستغفار عليه، وسقوط شهادته، وعدم جواز الاقتداء به، ونحو ذلك.
ومصير المشهور إلى ذلك يؤيّد الفتوى في المسألة.
وما دام الفرد المبحوث عنه قليل الوجود لندرته جدّاً، فلا يحتاج المقام إلى تطويل أكثر كما فعله بعض المؤلّفين.
هذا في المقلَّد ـ بالفتح ـ الّذي يؤخذ منه الاحكام الشرعية فقط باعتباره أهل خبرة الاحكام والاستنباط وأمّا في المرجع الّذي يكون وليّاً للمسلمين، يجري الحدود والاحكام، والقضاء والخصومات، ونحو ذلك، فالظاهر عدم الاشكال في اشتراط البلوغ فيه، لاشتراطه في بعض لوازم مثل هذا المنصب، أمّا النبوّة والامامة فهما خارقان كما لا يخفى.


تتمّة

ثمّ إنّه على تقدير اشتراط البلوغ، فهل يشترط حال الاستنباط، أم حال أخذ الحكم منه، أم حال عمل المقلّد ؟
ربما يقال باشتراطه في جميع الحالات الثلاث، لاطلاق النقل باشتراطه الشامل للحالات الثلاث.
وقد يفصّل بين ما لو كان دليل اشتراط البلوغ الادلّة اللفظية التي لها اطلاق فالاشتراط في الحالات الثلاث، وبين ما كان دليله الادلّة اللبّية من إجماع ونحوه، فعدم الاشتراط إلاّ في المتيقّن وهو حال العمل للمقدّمية المحضة في غيره ـ بناءً على البراءة في الشكّ في الحجّية ـ وإلاّ كان المقتضي الاشتغال، الاشتراط. وكذا لو كان الدليل مجموع ما ذكر من الادلّة من حيث المجموع لقصور كلّ واحد منهما في نفسه وتبعية النتيجة أضعف المقدّمات.
لكن التحقيق أن يقال بعدم اشتراطه في غير حال العمل مطلقاً، لانّه مع طريقية التقليد إلى العمل الصحيح، فالمقياس حال العمل لا غير، فلو استنبط غير البالغ حكماً شرعياً، ثمّ بلغ وبقي على ما استنبطه جاز تقليده في ذلك الحكم، كما أنّه لو أخذ العامي الحكم الشرعي عن فقيه بقي إلى بلوغه يوم واحد، ثمّ عمل به يوم غده حين بلغ، صحّ.
والاطلاق ـ إن كان في البين ـ فهو إمّا منصرف إلى ما ذكرنا أو لا أقل من عدم ظهور المطلق في الاطلاق من هذه الجهة، فلا تتمّ مقدّمات الحكمة، فتأمّل.


تأييد وتشديد

ويمكن تأييده بالراوي والشاهد حيث يصرّحون بكفاية اجتماع الشرائط فيهما حال النقل والشهادة دون حال التحمّل.
والتفريق بينهما بالحسّ والحدس غير فارق فيما نحن فيه.
وهل يختلف الامر على الخلاف في أنّ التقليد التزام أو أخذ أو عمل ؟
الظاهر: لا، لانّ العمل شامل لهما أيضاً.
وهل يجري الاستصحاب في مثله أم هو من قبيل تغيّر الموضوع لانتقاله من عدم البلوغ إلى البلوغ ؟
الظاهر: الاوّل لانّ تغيّر الموضوع عرفي، لا دليلي ولا عقلي ـ كما حقّق في الاُصول ـ والعرف لا يعتبر مثل ذلك تغيّراً في الموضوع، لكن الادلّة لم تدع مجالاً لتصل النوبة إلى الاُصول العلمية.


فرع

إذا تعلّم العامي مسائل المجتهد الصبي والتزم بتقليده ثمّ بلغ الصبي ومات، فعلى القول بكون التقليد هو الالتزام، كما صرّح به صاحب العروة في المسألة السابعة، فالظاهر جواز البقاء على تقليده، لانّه حال البلوغ كان له التزام فكان مقلّداً له. وعلى القول بكون التقليد العمل، لا يصحّ البناء إلاّ بعد العمل.


شروط المجتهد: العقل

و الثاني ممّا يشترط في مرجع التقليد العقل.
أمّا بالنسبة إلى العقل في وقت الاستنباط فلا خلاف ولا إشكال فيه، بل دعوى كونه من البديهيات الاوّلية في جميع أهل الخبرات في محلّها.
والاجماع مسلّم، وليس المجنون مصداقاً للصفات المذكورة في الرواة، مثل (أَهْلَ الذِّكْرِ) و « عرف حلالنا وحرامنا » و « الفقهاء » ونحو ذلك.
وأمّا بالنسبة إلى وقت عمل المقلّد ويسمّى باشتراط العقل استدامة أو بقاءً، بأن كان المجتهد حال الاستنباط عاقلاً ثمّ جنّ، فهل يجوز تقليده حال الجنون بالعمل بفتاواه التي استنبطها حال العقل أم لا ؟
والّذي يبدو للنظر: أنّ التقليد حيث إنّه طريقي محض وسيرة العقلاء هي الحاكمة في الطرق إلاّ ما وسّع الشارع وضيّق، فالعقلاء لا يفرّقون بين جامع الشرائط وفاقدها حال العمل وإنّما يشترطونها حال الاستنباط.
ولكن للاجماع المنقول والشهرة المحقّقة العظيمة، ورفع القلم بالبيان السابق في بحث البلوغ، نخرج عن بناء العقلاء.
وإذا وصلت النوبة إلى الاصل العملي فالاستصحاب بأنواعه الثلاثة (استصحاب الموضوع والحكمين: التكليفي والوضعي) أركانه تامّة، والشكّ في الرافع ظاهراً.
لكن المسألة بحمد الله تعالى نادرة الوجود أو عديمتها، لعدم وقوفي في ما رأيت في تواريخ العلماء وما عاصرت وعاشرت، على مرجع تقليد يجنّ وذلك لايمانهم القوي واستهانتهم بالدنيا وما فيها ـ جعلنا الله كذلك ـ.
وأمّا البحث الصناعي للمسألة: فالذي وقفت عليه في المسألة قولان:


في المسألة قولان
القول الاوّل

الاوّل: لبعض مراجع العصر، وهو الجواز.
ويدلّ عليه: أوّلاً: إطلاق الادلّة، خرج عنه الجنون حال الاستنباط بالضرورة والاجماع، وبقي الباقي.
ثانياً: بناء العقلاء، فإنّهم مطبقون على العمل برأي صادر عن العاقل وإن جنّ صاحب الرأي بعد ذلك، فالطبيب الّذي وصف دواءً حال العقل، ثمّ جُنّ لا يترك العقلاء ما وصفه من الدواء، والمقوّم الّذي قوّم داراً بقيمة حال العقل، ثم جُنّ لا يترك العقلاء قوله لعروض الجنون عليه، والمهندس الّذي صنع خريطة لبناء دار، ثم جُنّ يعمل العقلاء بخريطته، وهكذا دواليك.
ثالثاً: الاستصحاب بأنواعه الثلاثة: استصحاب الموضوع والحكمين الوضعي والتكليفي.
أمّا الموضوع للحجّية ولجواز التقليد بالمعنى الاعمّ وهو كون « هذا فتوى من يجوز تقليده » فإنّ هذا الموضوع كان ثابتاً قبل جنونه، والعقلاء يعتبرونه ممّا إذا ثبت دام ولا يغيّره الجنون والنسيان ونحوهما. ولكن إن شكّ في تغيّره فمقتضى الاستصحاب بقاؤه.
نعم، قد يقال بأنّه من الشكّ في المقتضي، إذ مرجعه إلى الشكّ في أنّ الفتوى إذا حدثت كم يكون دوامها ؟ لكنّه غير تامّ ظاهراً، بل هو من الشك في الرافع، إذ دوام الفتوى حتى يأتي ناقضها ـ وهو خلافها ـ واضح، فتأمّل.
وعليه: فإنّ رأيه كان حجّة حال الاستنباط، فنستصحب الحجّية إلى حال عروض الجنون.
كما يستصحب الحكم التكليفي بالنسبة للمقلّد، فإنّه كان لا تجب عليه جلسة الاستراحة فيستصحب، وكل ما دلّ على جواز البقاء على تقليد الميت ممّا سبق مفصّلاً.
وهذا القول هو الّذي اتّبعنا فيه الاخ الاكبر صناعةً، وإن أشكل فيه بعد ذلك فتوى.


القول الثاني

الثاني: عدم جواز تقليد المجنون الّذي كان حال الاستنباط عاقلاً، وذلك:
1. لعدم صدق العناوين المأخوذة شرعاً في مرجع التقليد، مثل: (أَهْلَ الذِّكْرِ) و « الفقيه » و « العالم » ونحوها على المجنون، لانّ ظاهرها لزوم كونه فعلاً أهل الذكر، وفقيهاً، وعالماً، لا كون الرأي فقط رأي فقيه، وفتوى عالم، وحكم أهل الذكر.
2. ولعدم اطلاق في الادلّة اللفظية يكون في مقام البيان الاحوالي.
3. ولعدم ثبوت بناء العقلاء، أو عدم اعتباره بعد صلاحية ما ذكر للردع عنه.
4. ولانقطاع الاستصحاب بالدليل الاجتهادي.


مناقشة الادلّة

وفي الكل نظر:
أمّا الاوّل: فلانّ الظاهر من « أهل الذكر » و « من كان من الفقهاء » و « العالم » ـ بمقتضى الطريقة المرتكزة في أذهان المتشرّعة، بل كل أهل اللسان، المستفادة عرفاً من أمثال هذه الكلمات ولو لمناسبة الحكم والموضوع على نحو الحيث التعليلي ـ كون الرأي والفتوى صادراً عن هؤلاء، لابقاء هؤلاء على هذه الاوصاف، ومراجعة العرف في الاستفادة من أمثال هذه الكلمات فى شؤون الناس الدنيوية تثبت ذلك.
وأما الثاني: فقد سبق أنّ الاطلاق شموله للافرادي وللاحوالي على قدم المساواة إلاّ فيما علم إرادة حالة خاصّة بقرينة لفظية أو غيرها، خصوصاً وقد ذكرت أوصاف مرجع التقليد في الادلّة من كونه « صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لامر مولاه » ونحو ذلك ولم يذكر فيه « بشرط أن لا يجنّ إلى آخر عمره » كما لم يذكر « بشرط لا يموت » ونحوه، فتأمّل.
وأمّا الثالث: فبناء العقلاء مسلّم، ويكفيك مراجعتهم في إفاداتهم واستفاداتهم من أوامر الموالي للعبيد، والحكومات للرعايا، ونحوها لاثبات المطلب.
ولم نجد، ولم يذكر المستدل ما عبّر عنه بـ « ما يصلح رادعاً » عن هذا البناء، اللهمّ إلاّ ما دلّ على اشتراط العقل في التكليف، وما دلّ على أنّ المجنون محجور عليه وما أشبه ذلك، وكل ذلك بمعزل عمّا نحن فيه.
وأمّا الرابع: فلانّه بعد عدم تمامية دليلهم الاجتهادي على مذهبهم، فلا قاطع للاستصحاب، هذا عمدة ما قيل في المقام.


احتمال التفصيل

ويمكن أن يقال بالتفصيل: بين المرجع الّذي يؤخذ منه الاحكام الشرعية فقط باعتباره أهل خبرة الفقه، وبين المرجع الّذي يتولّى عامّة أُمور المسلمين،
شروط المجتهد: الايمان
بالتزام اشتراط استمرار العقل في الثاني، لاحتياج مزاولة الاعمال المرجعية تولّي قيادة الاُمور العامّة إلى العقل، دون الاوّل لعدم الدليل المقنع فيه، ومع ذلك
... والايمان....
فالاحتياط بالقول باشتراط العقل مطلقاً في محلّه.
وأمّا المجنون الادواري، الّذي استنبط الحكم الشرعي حال العقل، ثمّ جُنّ، ثمّ عاد عقله، فهل يجوز تقليده حال إفاقته ؟
الظاهر نعم، ولم أجد فيه فتوى بالعدم فيما يحضرني من كتب، حتّى أنّ الذين استشكلوا في العمل حال جنون المقلَّد ـ بالفتح ـ أجازوا في الادواري.
قال في المستمسك: « ولا بأس به إن لم ينعقد الاجماع على خلافه »(48) وكأنّه مظنّة مخالفة الاجماع عنده، لكن لا يخفى عدم استقامة الاعتماد على مثل هذه الاطلاقات لمثل هذه الاجماعات.
ويأتي نفس الكلام على اشتراط العقل الاستمراري في مثل غلبة مرض، أو نسيان، أو كثرة السهو، أو نحو ذلك على المرجع بعد استجماعه للشرائط حال الاستنباط.
ولولا شبهة التزام ما لم يقل به أحد لتوجّه التفصيل الّذي ذكرناه.


الشرط الثالث: الايمان

و الثالث ممّا يشترط في مرجع التقليد الايمان بمعنى: كونه مسلماً شيعياً اثني عشرياً، وقد استدلّ لاشتراطه في مرجع التقليد بأدلّة:


أدلّة اشتراط الايمان في مرجع التقليد
الدليل الاوّل: السنّة

إنّ أدلّة اشتراط الايمان في مرجع التقليد هي: السنّة، والاجماع، والارتكاز.
أمّا السنّة فروايات:


أُولى الروايات وثانيتها

أُولاها مقبولة عمر بن حنظلة: « ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا »(49).
ثانيتها: حسنة أبي خديجة: « ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا »(50).
ونحوهما غيرهما أيضاً بتقريب: أنّ « منكم » في هذه الاخبار يعطي لزوم كون المرجع من أمثال أصحاب الائمّة من الامامية الاثنى عشرية.


مناقشة المقبولة والحسنة سنداً

وأُورد على ذلك سنداً ودلالةً:
أمّا مناقشتهما سنداً: فبأنّ المقبولة ليست مقبولة عندنا لانّها ضعيفة السند، وتلقّي جمع من الاصحاب لها بالقبول لا يخرجها عن الضعف، مضافاً إلى عدم إحراز كون الاصحاب تلقّوها بالقبول، إن لم يكن خلافه محرزاً (51).
وبأنّ أبا خديجة تعارض فيه التوثيق والتضعيف، فالنجاشي وثّقه، والشيخ ضعّفه تارة ووثّقه أُخرى، وفي الطريق أيضاً « الحسن بن علي » الراوي عن أبي خديجة وهو لم يوثّق(52).


المقبولة صغرى وكبرى

وفيه: أنّ كلتا الروايتين معتبرتان.
أمّا اعتبار المقبولة فلتمامية الصغرى والكبرى.
أمّا الصغرى: فلانّ جمعاً كثيراً من الاعيان استدلّوا بهذه الرواية في باب القضاء وهذا يكفي للتلقّي بالقبول، وإلاّ فهؤلاء يردّون الاخبار لمجرد جهل الراوي، وفيهم من يردّ الخبر الصحيح لكونه واحداً(53).
وقد صرّح في التنقيح في أكثر من مورد: أنّ الاصحاب تلقّوا هذه الرواية بالقبول. ففي بحث نجاسة الخمر من كتاب الطهارة قال: « إنّ رواية عمر بن حنظلة ضعيفة لعدم توثيقه في الرجال وإن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات.
نعم، له رواية أُخرى قد تلقّاها الاصحاب بالقبول وعنونوها في بحث التعادل والترجيح ومن ثمّة سمّيت بمقبولة عمر بن حنظلة، إلاّ أنّ قبول رواية منه في مورد ممّا لا دلالة له على قبول جميع رواياته »(54).
وفي بحث التخيير بين القراءة والتسبيحات في الركعتين الاخيرتين نسب إلى الاصحاب تلقّي جميع رواياته بالقبول، قال: «... من جهة عدم ثبوت وثاقة علي بن حنظلة ولا أخيه عمر في كتب الرجال وإن تلقّى الاصحاب روايات الثاني بالقبول وأسموها: مقبولة عمر بن حنظلة »(55).
مع أنّه في باب التقليد شكّك في كون هذه الرواية الواحدة أيضاً مقبولة قال: « وإن سمّيت روايته هذه بالمقبولة وكأنّها ممّا تلقّته الاصحاب بالقبول، وإن لم يثبت هذا أيضاً »(56).
وأمّا الكبرى: فقد تقدّم سابقاً بناء العقلاء عليه، لعدم الفرق عندهم بين الوثاقة المخبرية والوثاقة الخبرية، بل الاولى لحجّيتها العقلائية لانّها من صغريات الثانية دون العكس.


مع حسنة أبي خديجة

وأمّا الحسنة فأمّا أبو خديجة: فقد وثّقه النجاشي، والشيخ ضعّفه تارةً ووثّقه أُخرى، فهو معتبر من وجهين:
1. أضبطية النجاشي، وبناء العقلاء على الاخذ بالاضبط ـ كما هو ثابت في شتّى موارد الفقه ـ إن لم نقل بالتخيير بين المتعارضين.
2. الشخص الواحد إذا تعارضت أقواله تسقط عن الاعتبار، فليس تضعيف الشيخ قابلاً للحجّية حتى يعارض به توثيق النجاشي.
وأمّا الحسن بن علي الراوي عن أبي خديجة فقد قال عنه النجاشي « خيّر » وهذا توثيق.
إذن: فالسند في كلتا الروايتين معتبر وإن أشكل فيهما بعض(57)، أو في خصوص عمر بن حنظلة (58) وقد تقدّم حجّية السندين مفصّلاً في بحث اشتراط الاعلمية في مرجع التقليد.


توثيق ابن حنظلة وأبي خديجة

بل صرّح جمع بوثاقة الرجلين ـ عمر بن حنظلة وأبي خديجة ـ تصريحاً، أو بتصحيح رواياتهما، وإليك نماذج من ذلك في هذه العجالة:
أمّا ابن حنظلة فقد وثّقه جمع وصحّحوا ما رواه، ومنهم:
1. الشهيدان وثّقا عمر بن حنظلة(59).
2. صاحب المستند نسب إلى المحكي عن النجاشي توثيقه قال: « وعمر ابن حنظلة وقد حكي عنه ـ أي النجاشي ـ توثيقه »(60).
وعدم وجدان التوثيق في رجال النجاشي لا ينافي حجّية نقل الثقة، فلعلّ النجاشي وثّقه شفهاً، أو في كتاب آخر له قد فُقِد، أو نحو ذلك، ومثله غير عزيز.
3. وصاحب الجواهر، فقد عبّر أحياناً عن رواية عمر بن حنظلة بالصحيحة قال في كتاب النكاح: « ومنها صحيح عمر بن حنظلة... »(61).
وأمّا أبو خديجة فقد كرّر صاحب الجواهر التعبير عن رواياته بالصحيحة في مسائل مختلفة، وإليك بعضها:
1. في قراءة الركعتين الاخيرتين قال: « ومنها صحيح أبي خديجة عن الصادق (عليه السلام)... »(62).
2. في كمّية التسبيح في الاخيرتين قال: « كصحيح أبي خديجة سالم بن مكرم... »(63).
3. في استحباب النكاح قال: « وفي صحيح أبي خديجة عنه (عليه السلام)أيضاً... »(64).
4. وغير صاحب الجواهر أيضاً من عبّر عن رواية أبي خديجة بالصحيح، مثل: صاحب المستند، قال في كتاب القضاء: « وكصحيحة أبي خديجة... »(65).
5. والعلاّمة في المختلف في باب الخمس عدّ روايته من الصحاح(66).
6. وفي التنقيح في اعتبار العدالة في القاضي قال: « بل يمكن الاستدلال عليه بما ورد في صحيحة أبي خديجة... »(67).


مناقشة المقبولة والحسنة دلالة

وأمّا مناقشتهما دلالةً فمن وجوه:


الوجه الاوّل من مناقشة الدلالة

أوّلاً: بأنّهما في القضاء، وسحب حكمه إلى باب الافتاء، قياس.
وفيه: مضافاً إلى فهم الفقهاء قديماً وحديثاً وحدة البابين: القضاء الافتاء، وفهمهم جابر للدلالة وإن لم نفهم الوحدة، ككثير من موارد الجبر الدلالي الّذي تقدّم مكرّراً أنّ المعظم في شتّى أبواب الفقه ملتزمون به.
وإليك نماذج من العشرات بل المئات ممّا التزموا وأفتوا بالجبر الدلالي أو الكسر الدلالي السندي:


أمثلة ونماذج

1. في كتاب الصلاة تقرير المحقّق النائيني (قدس سره) في بحث الالتفات قال: « إنّه لو سلّم مفهوم الخبرين في دلالته على عدم البطلان بالالتفات إلى غير الخلف في الفريضة، فلا يمكن العمل بهما من جهة إعراض القدماء عن العمل بهما... »(68).
2. بعد ذكر خبر يدلّ على اشتراط الاستماع في وجوب سجدة التلاوة، قال: « لكن الّذي يوهنه احتمال إعراض القدماء عن العمل به وتحقّق الشهرة القدمائية على وجوب السجدة بالسماع... »(69).
3. المحقّق العراقي (قدس سره) في شرح التبصرة في مسألة تجديد النيّة في الصوم قبل الزوال بعد أن قال: « فأصالة البراءة عن دخل المشكوك من النيّة محكمة... » قال: « ولكن الانصاف أنّ كلماتهم لا تساعد على مرجعية مثل هذا الاصل في الباب، بل بناؤهم على إجراء حكم العبادية من الفساد بالاخلال بالنيّة في المقام... »(70).
4. وقال أيضاً في ردّ ظهور العلّة المذكورة في رواية الاكل في الصوم ـ بأنّه ليس بطعام ـ في ما لا يعتاد أكله: « لابدّ من رفع اليد عن ظهور العلّة بإعراض الاصحاب عن مثلها، لعدم بنائهم على كون المفطر ما يعتاد أكله »(71).
5. وقال أيضاً في ردّ من قال ببطلان الصوم بجلوس المرأة في الماء، أو قال بالكفّارة فيه أيضاً، انتصاراً للمشهور بالكراهة: « وإلى مثل ذلك أيضاً نظر الاصحاب ويكون فهم مثلهم ـ أيضاً ـ صالحاً للقرينية »(72).
6. وقال أيضاً في مسألة غسل الاحرام الّذي دلّت النصوص على وجوبه: « فالمسألة من جهة مخالفة النصوص مع الكلمات في غاية الاشكال »(73).
لكنّه في حاشية العروة الوثقى وافق المشهور من الاستحباب(74).
7. وفي اشتراط وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدم الضرر المالي وإن لم يكن حرجيّاً استناداً إلى فهم الفقهاء بعد استظهاره من الادلّة كون الملاك فيهما عدم الحرج، قال: « إنّ العناوين المأخوذة في النصوص السابقة آبية عن الشمول للضرر المالي غير البالغ حدّ الحرج في ارتكابه فلا تبقى في البين إلاّ دعوى جبر فتاويهم لعموم نفي الضرر حتى المالي منه في خصوص المقام »(75).
وفيه: مضافاً إلى ما ذكر ـ وحدة البابين مناطاً، إذ الملاك في القضاء: الفتوى باضافة الحكم والتطبيق، إضافةً إلى أنّ ظاهر « روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا » أنّ الملاك لحجّية القضاء الفتوى أيضاً، وصرّح بذلك في الحدائق(76) وفي غيرها أيضاً. وقد تقدّم تفصيله في شرح المسألة الاُولى.


الوجه الثاني من مناقشة الدلالة

وثانياً: بأنّ المراد من قوله (عليه السلام) « منكم » ـ بقرينة صدر وذيل الروايتين ـ أن لا يكون مرجع التقليد من العامّة لانّه يحكم بغير حكم الائمّة الطاهرين (عليهم السلام)للانصراف، هو أخصّ من المدّعى، إذ أنّ الخبرين ـ بمجموعهما صدراً وذيلاً ـ لا يشملان ما لو استخرج فقيه عامي الحكم الشرعي من آثار الائمّة الطاهرين مع فرض الوثوق باجتهاده، فلا خصوصية للايمان في شخص القاضي، بل الخصوصية للحكم بحكمهم (عليهم السلام) وإن كان الحاكم لا يعتقد عقيدتهم (عليهم السلام)، كالخبر الموثّق.
وقد يجاب: ـ مضافاً إلى قطعية اشتراط الايمان في القاضي الّذي هو مورد الرواية ـ أنّ الظاهر من الرواية اشتراط الشرطين مجتمعين:
1. الحكم بحكم أهل البيت (عليهم السلام).
2. وكون الحاكم مؤمناً.
ولا يصحّ رفع اليد عن أحدهما للاخر لظهورهما في قيدين، فإذا قيل: راجع طبيباً تثق به، هل يصح حمل أحدهما على الاخر ؟
كلاّ بل هما ظاهران في أنّهما قيدان.
مثلاً: هل يصحّ العكس: بأن يقال: المراد بقوله (عليه السلام): « فإذا حكم بحكمنا »: كون القاضي مؤمناً، سواء حكم بحكمهم أم لا ؟
مع أنّ المحكّم هو اطلاق المنع المستفاد من القيد « منكم »، والتعليل الاستنباطي الانصرافي ـ إن كان ـ يحمل على الحكمة لا على العلّة التامّة التي يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً ـ وليس ببعيد ـ.


إشكال وجواب

إن قلت: المقبولة والحسنة لا تصلحان مقيّدة لاطلاقات أدلّة التقليد مثل: « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم »(77).
فغير الشيعي إن روى حديث أهل البيت (عليهم السلام) وكان ثقة شمله هذا الاطلاق، وذلك لما تقرّر في الاُصول من عدم التنافي بين المثبتين حتّى يحتاج في الجمع بينهما إلى حمل المطلق على المقيّد.
قلت: إنّ صدري الروايتين فيهما تصريح بالنهي عن مراجعة غير الشيعة في أحكام الله تعالى، ففي المقبولة: « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دَين أو في ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحلّ ذلك ؟
فقال (عليه السلام): من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً لانّه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر الله عزوجل أن يكفر به.
قلت: كيف يصنعان ؟
قال (عليه السلام): انظروا إلى من كان منكم... »(78).
وفي الحسنة: « بعثني أبو عبدالله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة، أو تدارى بينكم في شيء من الاخذ والعطاء أن تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً... »(79).
واطلاقهما قاض بعدم جواز مراجعة غير الشيعة حتّى ولو استنبط من أدلّة الشيعة.
وهاتان الروايتان إمّا هما نفس المقبولة والحسنة، أو غيرهما ولكن حيث إنّ الراوي فيهما، وكذا المروي عنه واحد، فيكونان ـ على فرض المغايرة ـ بحكم الرواية الواحدة كما لا يخفى.
وتصريح الصدر يكون قرينة على إرادة الذيل الحصر في مراجعة الشيعة.


كلام الشيخ الحائري

ثمّ إنّ شيخنا الحائري (قدس سره) ذكر أنّ المقبولة وأمثالها تصلح للتقييد، وإن كانت مع المطلقات مثبتين، إذ قد يلزم في المثبتين حمل المطلق على المقيّد كما إن كان مرجعهما إلى المتنافيين، وذلك يكون في موارد، وما نحن فيه منها.
الاوّل: إذا دلّ دليل القيد على دخالته في سنخ الحكم المستلزم لانتفاء سنخ الحكم عند الانتفاء، فيرجع بمفهومه إلى المتنافيين.
الثاني: إذا أحرز كون المطلق والمقيّد في مقام الانشاء واحداً مفهوماً، بأن يعلم أنّ الحكم المقيّد هو الّذي أُنشئ في كلا الدليلين، لكن القيد لم يذكر في المطلق في مقام التلفّظ لمصلحة: من وضوح ونحوه.
الثالث: إذا أحرز وحدة الحكم من الخارج، قال (قدس سره): وما نحن فيه من هذا القبيل، إذ لا يحتمل في المقام وجوب الرجوع إلى مطلق الراوي تارةً، ووجوب الرجوع إلى الشيعي أُخرى، فإنّ من الواضح أنّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل إلاّ رجوعاً واحداً فإنّه طريق إلى ثبوت الحكم، فإن ثبت بالرجوع الاوّل الحكم الواقعي على المكلّف فلا معنى للرجوع الثاني، فإنّ القيد وإن لم يدلّ على انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء القيد، لكن يعلم من الخارج انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء القيد بمقدّمتين:
الاُولى: دخالة القيد في تحصيل الحكم ـ أي: الحكمة المنبعثة عن المصلحة التي لاجلها أُنشئ الحكم ـ.
الثانية: عدم تمامية كون الحكم في الواقع معلولاً لمصلحتين، حتى يكون في الواقع حكمان أحدهما متعلّق بالمطلق والاخر بالمقيّد، فيرجع إلى المتنافيين بالعرض(80).


تدقيق وتحقيق

أقول: إنّ مقام استعلام الحكم الشرعي يكفي فيه عند ما يكون لنا مطلق، مثل « ارجعوا فيها إلى رواة حديثنا » ومقيّد، مثل: « رجل منكم » في وجوب الرجوع إمّا إلى هذا المطلق، أو إلى المقيّد، لا إلى هذا تارةً وإلى الاخر أُخرى، حتى يتمّ ما ذكره (قدس سره) من أنّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل إلاّ رجوعاً واحداً.
نعم، يمكن التزام كون ما نحن فيه من قبيل المورد الثاني الّذي ذكره (قدس سره): من إحراز كون المطلق والمقيّد في مقام الانشاء واحداً مفهوماً، ومرجعه إلى التزام انصراف المطلق إلى المقيّد أيضاً موضوعاً أو حكماً فقوله (عليه السلام): « فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا » يراد بذلك الرواة من الشيعة، لا مطلق الرواة لحديثهم، وإن كان من غير الشيعة، إمّا لعدم وجوده خارجاً وإمّا للانصراف إلى الشيعة لاجل المغروس في الاذهان من متواتر الروايات: إن مراجعة غير الشيعة غير مبرئ للذمّة، حتّى أصبح من الواضحات عند الشيعة، أو لغير ذلك.
والحاصل، أنّه يلزم حمل المطلقات على المقيّدات لبعض هذه الوجوه المذكورة أو لغيرها، والله العالم.
مضافاً إلى وضوح دلالة هذه الروايات بمجموعها على لزوم كون المرجع اثني عشرياً رغم المناقشات المتعدّدة في كلّ واحدة واحدة منها، ولا تنافي، فالجيش يفتح البلاد مع أنّ كلّ واحد واحد منهم لا يفعل شيئاً، والتواتر يورث العلم مع أنّ كلّ خبر خبر منه لا يوجبه، وهكذا دواليك.


ثالثة الروايات

ثالثتها: قوله (عليه السلام) « فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لامر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه، وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم... »(81).
فغير المؤمن الشيعي الاثني عشري لا تصدق عليه الصفات في هذا الحديث، فلا يقال عنه: إنّه صائن لنفسه، أو حافظ لدينه، أو مطيع لامر مولاه، فتأمّل.
مضافاً إلى تصريح الامام (عليه السلام) بكونه بعض فقهاء الشيعة، فغير الشيعي مسلّم عدم كفاية فتواه.


مناقشة الرواية سنداً ودلالة

ونوقش فيها: أوّلاً بضعف السند، لضعف نسبة التفسير إلى الامام العسكري (عليه السلام).
ويردّ بما مضى في أوائل الكتاب ـ في شرح المسألة الاُولى ـ مسهباً من تصريح بعضهم بحجّية التفسير، واعتماد أجلاء من الفقهاء عليه.
مضافاً إلى إمكان أن يقال: إنّ هذه القطعة من الرواية من قسم المعمول بها، المتلقّاة بالقبول من قبل الفقهاء (قدس سرهم).
مع أنّ متن المقبولة لا تخلو من الدلالة على أنّها كلام المعصوم (عليه السلام) ويعرف ذلك الخرّيت في هذا المجال ـ كما قيل ـ فتأمّل.
وثانياً: بضعف الدلالة: ووجهه أنّ الرواية إنّما وردت لبيان الفارق بين علماء اليهود، وعلماء الشيعة وتقليد العوام في الطائفتين لعلمائهم، فعوام اليهود مع معرفتهم علماءهم بالفسق مع ذلك قلّدوهم، وعوام الشيعة عرفوا علماءهم بالتقوى وقلّدوهم، وظاهر ذلك كفاية الوثوق وعدم خصوصية للايمان إلاّ كونه في الخارج مورد الوثوق مصداقاً.
وقد يجاب: بأنّ الحصر المستفاد من « لا وإلاّ » في قوله (عليه السلام): « وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم » له ظهور في نفي حجّية فتوى غير الشيعة مطلقاً، فتأمّل.
مضافاً إلى ما قيل: من أنّ فقهاء غير الشيعة لا تجتمع فيهم هذه الصفات خارجاً، فتأمّل.
وثالثاً: بأنّ الشيعة في الرواية أعمّ من الاثني عشري، للاطلاق على كل من قال بإمامة علي (عليه السلام) وإن لم يلتزم بإمامة كلّ الائمّة (عليهم السلام).
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ الشيعة منصرف في الروايات إلى الاثني عشري كما لا يخفى على من تأمّلها ـ أنّه قد يكون وجه التصريح بـ « بعض » لذلك وغيره، فتأمّل.


رابعة الروايات

رابعتها: خبر أحمد بن حاتم بن ماهوية، أنّ أبا الحسن الثالث (عليه السلام) كتب اليه وإلى أخيه « فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبّنا، وكل كثير القِدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إن شاء الله تعالى »(82).


مناقشات سندية ودلالية

ونوقش أيضاً، بضعف السند، قال في التنقيح: « كما أنّ في سند الثانية جملة من الضعاف منهم: أحمد بن حاتم بن ماهويه »(83).
وبأنّ ما اشترط فيه من شدّة الحب، والثبات التامّ في أمرهم (عليهم السلام) هو فوق الايمان، ولم يقل به أحد، ولذا قال في المستمسك: « محمول على الاستحباب للاجماع القطعي على خلاف ظاهره »(84).
وقال في التنقيح: « وأمّا الرواية الثانية فهي غير معمول بها قطعاً، للجزم بأنّ من يرجع اليه في الاحكام الشرعية لا يشترط أن يكون شديد الحب لهم، أو يكون ممّن له ثبات تامّ في أمرهم (عليهم السلام)، فإنّ غاية ما هناك أن يعتبر فيه الايمان على الوجه المتعارف بين المؤمنين، إذاً لابدّ من حملها على بيان أفضل الافراد ـ على تقدير تماميتها بحسب السند ـ »(85).
ثمّ أكّد ذلك بأنّ أخذ معالم الدين كما يكون بالرجوع إلى المفتي، كذلك يكون بالرجوع إلى راوي الحديث، وحيث إنّ حجّية الرواية لا تتوقّف على الايمان ـ كما هو المشهور المنصور ـ فكذلك المفتي، لوحدة المناط.


جواب مناقشة السند

وقد يجاب عن ضعف السند: بجبره بالعمل، وتلقّي الفقهاء له بالقبول على الظاهر، للاستدلال به في كتبهم المعدّة لبيان أدلّة الاحكام، وهذه المناقشات السندية معظمها نشأ في العصور المتأخرة، كما هو واضح.
أمّا تصحيح الاسناد ـ مستقلاً ـ فالسند عبارة عن الكشي في رجاله، عن جبرئيل بن أحمد، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن أحمد بن حاتم بن ماهويه، عن الامام الهادي (عليه السلام).
فأمّا جبرئيل وأحمد فهما ممدوحان عند المشهور ـ كما في رجال العلاّمة المجلسي (قدس سره) ـ بل قال الوحيد البهبهاني (قدس سره) في التعليقة(86) بشأن جبرئيل بن أحمد الفاريابي « هو معتمد الكشي حتى أنّه يعتمد على ما وجد بخطه ».
لكن « موسى بن جعفر بن وهب » لم يوثّق ولم يمدح صريحاً فيما عثرت عليه، لكن هناك قرائن قد تدلّ على جلالته، قال المحدّث النوري (قدس سره) في الفائدة العاشرة من خاتمة الوسائل بعد ذكر قرائن على ذلك: « فالحقّ أنّه معدود من الاجلاّء »(87).
فالسند غير خال عن الاشكال وإن كان الميل فيه إلى الاعتبار أقرب والله العالم.


الجواب عن مناقشة الدلالة

وعن اشتراط شدّة الحب وكثرة القِدم في أمرهم: بأنّ هذا هو كناية عن الايمان، أو عبارة أُخرى عنه، لا أنّه أمر فوق الايمان حتى تسقط الرواية، لانّ أحداً لم يلتزم باشتراط درجة فوق أصل الايمان ـ كما أسلفنا نقله عن المستمسك والتنقيح ـ.
بل ربما يقال، بأنّ ظاهر مثل هذه العبارات: « مسنّ في حبّنا كثير القِدم في أمرنا » ـ كما يومي اليه نظائر كثيرة له في الروايات ـ هو طريقية مثل ذلك للايمان المستقرّ الّذي يكشف عن ثباته، مقابل الايمان اللساني غير الكاشف عن الاعتقاد القلبي، ممّن كانوا يؤمنون اليوم بالائمّة (عليهم السلام)، ويتراجعون غداً، فتأمّل.
أو أنّها ليست في مقام حصر الحجّة فيمن اجتمع فيه الوصفان « مسنّ في حبّنا، كثير القِدم في أمرنا » بل لبيان أنّ مجمع الوصفين يستطيع أن يجيب على كثير من المسائل التي هي محل الابتلاء، إمّا لكثرة روايته عنّا ونقله لمعظم المسائل، أو لكثرة ممارسته، فيستطيع أن يردّ الفروع على الاُصول ـ كما أمروا (عليهم السلام) بذلك ـ ويجتهد فيما ليس فيه نصّ خاص باستنباط حكمه من النصوص الواردة، ولعلّ جملة: « فإنّهما كافوكما إن شاء الله تعالى » تشير إلى هذا المعنى.
ثمّ إنّ ظاهر تقييد المسنّ بـ « حبّنا » وتقييد كثرة القِدم بـ « في أمرنا » ـ بعد عدم إرادة كثرة سنيّ العمر ـ قد يعطي الكيف لا الكم، فلو كان رجلان: أحدهما يرتاد مجالسهم (عليهم السلام) خمس سنوات ولكن كل يوم، وآخر له عشرون سنة في الارتياد لكن كل اسبوع مرّة، كان الاوّل هو المسنّ وكثير القِدم، فتأمّل.
وقول المستمسك: « للاجماع القطعي على خلاف ظاهره » فإنّه إن أراد به أنّ ظاهره درجة أقوى من الايمان ففيه: ما قلناه، وإن أراد به أنّ ظاهره كونه كثير العمر، فهو واضح الفساد.
وكذا قول التنقيح: « فهي غير معمول بها قطعاً ».


خامسة الروايات

خامستها: عن علي بن سويد، قال: كتب إليّ أبو الحسن الاوّل وهو في السجن:
« وأما ما ذكرت ياعلي ممّن تأخذ معالم دينك، لا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنّك إن تعديّتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم، إنّهم ائتمنوا على كتاب الله جلّ وعلا فحرّفوه وبدلّوه، فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكته، ولعنة آبائي الكرام البررة، ولعنتي، ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة »(88).
بتقريب: أنّ من أظهر مصاديق أخذ معالم الدين التقليد، وإذا كان أعمّ من أخذ الرواية فإن دلّ دليل على جواز أخذ الرواية يكون خارجاً بالتقييد بالاظهر ويبقى التقليد تحت اطلاق نهي الاخذ.


مناقشة الرواية سنداً

ونوقش فيها: بضعف السند، لوجود محمّد بن إسماعيل الرازي، وعلي بن حبيب المدائني في السند، قال في التنقيح: « وكلاهما لم يوثّق في الرجال »(89).
أقول: هنا ملاحضات:
1. محمّد بن إسماعيل الرازي هو من رجال تفسير علي بن إبراهيم الّذي يرى جمع ومنهم السيد الخوئي (قدس سره)اعتبارهم.
قال في التنقيح بالنسبة إلى أبي الورد: « ولا يخفى أنّ الرجل وإن لم يوثّق في الرجال إلاّ أنّه ممّن وقع في أسانيد تفسير علي بن إبراهيم القمّي، فبناءً على ما عليه سيدنا الاُستاذ (قدس سره) من وثاقة كل من وقع في سلسلة أسانيد ذلك الكتاب أعني تفسير القمّي لابدّ من الحكم باعتبار الرواية »(90).
وإن كنّا لم نعتبر ذلك في محلّه.
2. وأمّا علي بن حبيب المدائني فلم أجد في هذه العجالة ما يدلّ على وثاقته، إلاّ أنّه جاء في كتاب « الجامع في الرجال »: « روى الكشي... عنه حديثاً جيّداً يدلّ على حسن اعتقاده وظاهر الكشي الاعتماد عليه »(91).
لكن هذا المقدار لا يكفي للدلالة على صدق اللهجة، الّذي هو مبنى العقلاء في الحجّية، ولا على العدالة التي هي مبنى الشرع على الحجّية.
3. ربما يقال، إنّ الرواية مقبولة لتناقل عدد من المتأخرين لها في مقام الاستدلال، فإن تمّ ذلك فبها، وإلاّ لم يتمّ سند الرواية.


مناقشة الرواية دلالة

وأمّا دلالة: فبأنّ المانع عن أخذ معالم الدين من غير الشيعة هو خيانتهم، فلو فرض الاطمينان بعدم خيانة أحدهم لجاز الاخذ من غير الشيعة، وبانصرافه إلى قضاة العامّة العاملين بالقياس ونحوه في قبال أخبار المعصومين (عليهم السلام)، فلا يشمل غير الشيعي الّذي يستنبط من رواياتهم (عليهم السلام).
وقد يجاب: عن أنّ مصبّ المنع هو الخيانة، والخيانة حكمة لا علّة، كما هو مبنى الفقهاء في التعاليل الواردة في مختلف الروايات بحملها على الحكمة لا العلّة التامّة التي يدور مدارها الحكم. والانصراف ممنوع، بل اطلاقه محكّم.


الدليل الثاني لاشتراط الايمان في مرجع التقليد
الاجماع

وأمّا الاجماع: فالظاهر عدم وجود خلاف في المسألة، وقد نقل عن مثل المحقّق الاردبيلي ظهور الاتّفاق، ومثله ممّن يخدش في أغلب الاجماعات، يُطمأن إلى نقله الاجماع.
قال في المستمسك: « نعم حكي عليه إجماع السلف الصالح والخلف، وهو العمدة فيه »(92).


إشكالات ثلاثة
الاشكال الاوّل

وأشكل على هذا الاجماع من وجوه كلّها غير تامّة:
أوّلاً: ما في التنقيح وغيره: من الاشكال عليه صغرى: بأنّه منقول، وكبرى: بأنّه محتمل الاستناد إلى بعض الوجوه المذكورة من الايات والروايات وغيرهما.
وفيه: أمّا الصغرى، فبأنّه وإن كان صحيحاً أنّه إجماع منقول، إلاّ أنّه قد يشرف الفقيه على القطع من عدم الخلاف في المسألة، ويكفي مثل هذا القطع في اطلاق « العلم » عليه عرفاً، ومع ذلك فليس مجرد كون الاجماع منقولاً مجوّزاً لردّه رأساً في كل مكان، لاكتنافه بقرائن مؤيّدة مثل نقل المحقّق الاردبيلي (قدس سره) له، فإنّه يبعث على الاطمئنان به، كما تقدّم آنفاً.
وأمّا الكبرى: فبأنّ الاجماع في مثل هذه المسألة التي ربما يعتبر من ضروريات الشيعة ـ إجمالاً ـ لو لم يمكن التعويل عليه، فأين يتحقّق في الفقه إجماع يصحّ التعويل عليه ؟
فمثل هذا الاجماع إن لم يقم دليل خاص عليه فلا أقلّ من كونه مصداقاً ظاهراً للاستبانة عرفاً، فيدخل في قوله (عليه السلام): « حتى يستبين لك غير هذا ».
مضافاً إلى ما مرّ منّا من عدم الاستبعاد لحجّية الاجماع المحتمل الاستناد، وذلك لبناء العقلاء، فلا يسقط لمجرد كونه محتمل الاستناد، نعم لا يكون من الاجماع المصطلح، لكنه غير ضائر بعد كونه إجماعاً وحجّة شرعاً.


الاشكال الثاني

وثانياً: أنّه دليل لبّي ولا اطلاق له حتى يستدلّ به على خصوصية الايمان في المفتي، إذ لو فرض أنّ غير مؤمن استنبط من طرق الائمّة الاطهار (عليهم السلام)، فهل هناك إجماع على عدم حجّية حدسه ؟
فلعلّ الاتّفاق من جهة أنّ غير المؤمن يعتمد في فتاواه ما ليس حجّة من قياس واستحسان ونحوهما.
وفيه: الظاهر من الاجماع أنّه بعد مفروغيته، عدم حجّية ما ليس عن طريق أهل البيت (عليهم السلام).
ولذا لم يتعرّضوا لاشتراط أن يكون استنباطه عن طرقهم (عليهم السلام)، كما لم يذكروا ذلك في القاضي.
فمصبّ الاجماع إمّا خصوص هذا الفرد أو الاعمّ منه.


الاشكال الثالث

وثالثاً: أنّ المسلّم من الاجماع إنّما هو في باب القضاء، لا الافتاء.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما تقدّم من وحدة البابين ـ إنّهم ذكروا الاجماع في باب الافتاء أيضاً.
نعم، إنّ جعل المستمسك له العمدة، محل مناقشة، بل هو أحد أدلّة المسألة بجنب الروايات والارتكاز.


الدليل الثالث لاشتراط الايمان في مرجع التقليد
الارتكاز

وأمّا الارتكاز: فالظاهر أنّ المرتكز في أذهان المؤمنين عدم جواز تقليد غير المؤمن، والاشكال عليه بمثل ما ورد على الاجماع غير تامّ:
1. إذ الصغرى مسلّمة ودونك المؤمنين فارتكازهم مسلّم.
2. والكبرى حيث إنّه يحتمل استناد الفقهاء منهم إلى الوجوه المذكورة، واستناد عوامهم إلى فتاوى الفقهاء فقد تقدّم الجواب عنه وأنّه حجّة عقلائية ولها طريقية ما لم يردع الشارع عنها كالقياس.
3. واللبّية أيضاً تقدّم الجواب عنها آنفاً، مضافاً إلى أنّ المرتكز خصوصية المؤمن لا مجرد كون أدلّة الفتوى مأخوذة عن أهل البيت (عليهم السلام)، وفي الارتكاز هذه الخصوصية للمفتي أوضح منه في القاضي.
نعم، جعل الارتكاز الدليل الوحيد في المسألة بعد ردّ الادلّة الاُخرى ـ كما في التنقيح ـ(93) لا يخلو من مناقشة، وذلك لما تقدّم في بحث اشتراط العقل في المفتي: من انسحاب نفس الاشكالات المذكورة في الاجماع على الارتكاز.
هذه عمدة ما يصحّ الاستدلال به لاشتراط الايمان في المفتي.


أدلّة غير تامّة لاشتراط الايمان

وقد استدلّ أيضاً بأدلّة أُخرى، لكنّها قابلة للنقاش:


الدليل الاوّل: الكتاب
الاستدلال بآية الركون

الاوّل: آيات من الكتاب كقوله تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)(94).
بتقريب: أنّ التقليد نوع ركون بلا إشكال. بضميمة أنّ غير الشيعي الاثني عشري ظالم لنفسه، باعتقاده خلاف الواقع من أُصول الدين.
وفيه: إنّ ظاهر الاية الكريمة النهي عن الاعتماد عليهم في أُمور الدين على طريقتهم.
أمّا التقييد في أُمور الدين ـ فمضافاً إلى المقطوع به من جواز مراجعة المشركين فى أُمور الدنيا من طب وهندسة وغيرهما ـ فهذه قرينة التقييد.
وأمّا التقييد بكون الاعتماد على طريقتهم ـ ليخرج ما إذا نقل الظالم طريقتنا ـ فلقرينة أنّ تعليق الحكم على الوصف قد يكون ظاهراً في العلّية، وظاهر النهي عن الركون إلى الظالمين، أي: فيما هم ظالمون فيه وهو طريقتهم.
وإلاّ فأخذهم طريقتنا ليس ظلماً، ولذا يقولون بصحّة عمل المخالف إذا طابق الواقع عندنا.
ويؤيّد ذلك: ما في الروايات والتفاسير، ففي مجمع البيان: « روي عنهم (عليهم السلام) إنّ الركون: المودّة والنصيحة والطاعة »(95).
فإذا استنبط غير الامامي الحكم من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، فهل الاعتماد عليه مودّة ونصيحة وطاعة له، أو مودّة ونصيحة وطاعة لاهل البيت (عليهم السلام) ؟ هذا ما يبدو للنظر.


ردود وأجوبة

ويورد على الاستدلال بها أيضاً بما لا يخلو عن نقاش: أوّلاً: بأنّ الاية لا تدلّ على عدم جواز الركون إلى من ظلم نفسه، وهو يصدق على المعاند الّذي عرف الحقّ وأنكره، أمّا غير الشيعي، أو غير الاثني عشري من الشيعة الّذي كان قاصراً ـ غير مقصّر ـ في جهل الحقّ بسبب التقيّة الشديدة أو لشبهة حصلت له أو نحوهما فلا تشمله الاية الكريمة، فالدليل أخصّ من المدّعى.
وقد يجاب: بأنّ المقصود ليس الظلم الفعلي، بل الظلم مطلقاً وإن كان واقعياً، وغير أهل الحقّ أيّاً كانوا فهم ظالمون لانفسهم، سواء كان من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون.
لكنّه خلاف ظاهر كلمة « ظلموا » فقد قال أهل الادب: بأنّ ظاهر الافعال كونها صادرة ومتلبّس بها عن الاختيار والالتفات، فلو قيل: فلان قتل فلاناً كان ظاهره القتل العمدي، وإن كان القتل خطأ قد يمكن ولكنّه خلاف الظاهر، فتأمّل فإنّه محل إشكال.
وثانياً: بأنّ مبنى الفقهاء العمل بروايات أصحاب المذاهب الباطلة كالفطحية، والطاطريين، والناووسية، وبني فضّال، وغيرهم، كما ورد الحديث في جواز العمل بما روته العامّة عن علي (عليه السلام) عند إعواز النصوص، مع أنّ الاعتماد عليهم حتّى في نقل الخبر نوع من الركون.
ويجاب أوّلاً: أنّ نقل مجرد الرواية ـ مع الوثاقة ـ لا يسمّى ركوناً، بخلاف تقليده فإنّه نوع من الركون لانّه اعتماد واستناد إليه في الدين، وأي ركون أعظم من هذا ؟
وثانياً: الفارق الادلّة التي قامت على جواز أخذ رواياتهم، دون آرائهم في قوله (عليه السلام) في كتب بني فضّال: « خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(96).


الاستدلال بآية النبأ

وكقوله تعالى أيضاً: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)(97) بضميمة أنّ غير الاثني عشري من الشيعة فاسق، فلا يجوز أخذ فتواه، كما لا يجوز أخذ روايته بطريق أولى.
ويورد عليه: أوّلاً: أنّ الاية لم تنف حجّية نبأ الفاسق مطلقاً، بل أوجبت التبيّن عنده، فهل يقال بجواز العمل بفتوى الفاسق بعد تبيّن أنّه لم يأل جهداً في الاستنباط ولم يكذب ـ لعدم التلازم بين الفسق والكذب ـ ؟ كلاّ.
وثانياً: الشكّ في صدق « الفاسق » على غير أهل الحقّ إذا لم تتم عليهم الحجّة بعد، كما هو محل خلاف بين الاعلام، فلا أقل من كونه تمسّكاً بالمطلق في الشبهة المصداقية.
وثالثاً: الاولوية غير مسلّمة، لجواز وجوب التبيّن في الخبر دون الفتوى، فلا قطع بالملازمة والمناط، حتّى يتعدّى به الحكم من التبيّن الخبري، إلى التبيّن الفتوائي، لكن الظاهر ثبوت الاولوية، إذ الخبر ليس سوى طريق إلى كشف مؤدّاه، والفتوى خبر وزيادة لتمام المدخلية للحدس فيها، فتأمّل.


الدليل الثاني: العقل

الثاني: العقل، وقد قرّر: بأنّ غير الامامي الاثني عشري لا وثوق باستنباطه عن أخبار أهل البيت (عليهم السلام) غالباً.
وفيه: أنّ الغرض أعمّ من ذلك، صحيح أنّه لا وثوق غالباً به، ولكن لو وثق لم يرَ العقل ولا العقلاء مانعاً من الاخذ بقوله.


الدليل الثالث: التلازم بين العدالة والايمان

الثالث: مقتضى التلازم بين العدالة والايمان اشتراط الايمان، بتقريب: أنّ العدالة شرط في مرجع التقليد، ولا تتحقّق بلا إيمان، فيشترط الايمان في مرجع التقليد.
وأُورد عليه: أوّلاً: بأنّ اشتراط العدالة في مرجع التقليد قد يناقش فيه، خصوصاً في الّذي يؤخذ منه الاحكام فقط ـ كما سيأتي ـ.
وثانياً: قيل بعدم التلازم، لامكان تحقّق العدالة بدون الايمان، إذ العدالة ملكة اجتناب المعاصي، فلو كان شخص له هذه الملكة ولكن لم تتمّ عليه حجّة الايمان كان عادلاً غير مؤمن، فلا تلازم بين اشتراط العدالة واشتراط الايمان، بل بينهما عموم من وجه.
قال في الضوابط: « لفظ الفاسق ينصرف إلى الفسق بالجوارح لا الاعتقاد، فالصالح بجوارحه الفاسق باعتقاده نمنع صدق الفاسق عليه، أو انصرافه إليه ».
أقول: أي: انصراف الفاسق إلى غيره.
هذا مضافاً: إلى أنّ المراد بالفاسق باعتقاده ما كان عن قصور، لا حتّى إذا كان فسقه في اعتقاده عن تقصير، إذ لا إنصراف عنه، بل الفسق الجوانحي عن تقصير أعظم من الفسق الجوارحي، فتأمّل.


الدليل الرابع: السيرة

رابعاً: سيرة المتديّنين على ترك تقليد غير الامامي.
وفيه: إن كان المراد به، الارتكاز فهو، وإلاّ فحيث إنّها دليل لبّي خارجي، يقتصر فيها على المتيقّن، وهو غير الامامي الّذي يستنبط من طرقهم، لا طرق أهل البيت (عليهم السلام).


الدليل الخامس: الاولوية

خامساً: ما في المفاتيح من أنّ غير المؤمن لا يصحّ الاقتداء به، ولا تقبل شهادته، فترك تقليده أولى بعدم الصحّة والجواز.
وفيه: نقضاً بالخبر الحسّي.
وحلاً: بالدليل في الموردين.
والحاصل: أنّه يشترط الايمان في مرجع التقليد، لكن لا بالايات والعقل والسيرة والاولوية ونحوها، بل للسنّة والاجماع والارتكاز، وفيما ذكرناه خصوصاً الاخبار والاجماع كفاية.


تتمّات
التتمّة الاُولى

الاُولى: قد تحصل أنّ الاقوى اشتراط الايمان بالمعنى الاخصّ في مرجع التقليد بكلا قسميه، سواء الّذي يؤخذ منه فقط الاحكام الشرعية، أم الّذي يعتبر مرجعاً عامّاً في جميع الاُمور.
وما احتملناه من الفرق بينهما في بعض الشرائط لا يأتي هنا للروايات الخاصّة التي كان اطلاقها يشملهما، وإن كان مقتضى القاعدة الاوّلية ـ وهي بناء العقلاء والاصل العملي ـ كون المرجع في أخذ الحكم فقط يكتفى فيه الوثوق كسائر أهل الخبرة، ولكنّها محكومة بالدليل الاجتهادي، لصلاحيته رادعاً عن بناء العقلاء، ومعه لا أصالة للاصل العملي أيضاً، كما هو واضح.


التتمّة الثانية

الثانية: إذا كان فقيه حال الاستنباط مؤمناً ثمّ انحرف عن جادّة الايمان، أو العكس، فهل يجوز الاخذ بفتاواه الّتي استنبطها حال الايمان أم لا ؟
فيه احتمالان:


هنا احتمالان
الاحتمال الاوّل

الاوّل: عدم الجواز لاطلاق اشتراط الايمان الشامل للاستدامة، واطلاق قول الامام العسكري (عليه السلام) في بني فضّال « خذوا بما رووا، وذروا ما رأوا »(98) ولا شكّ أنّه كانت لبني فضّال فتاوى وقت بصيرتهم. وإطلاقه يشملها أيضاً.
بل لو قلنا بأنّ المراد ترك فتاواهم وقت إنحرافهم فلا يبقى له مورد أصلاً، فإنّه ـ مضافاً إلى معلومية ذلك لدى الشيعة بحيث لا يحتاج إلى بيان ـ مقتضى تطابق الجواب للسؤال هو ذلك، إذ المسؤول عنه « كتب بني فضّال » الظاهر في الكتب التي كانوا قد ألّفوها قبل الانحراف وكانت عند الشيعة.
وقوله (عليه السلام): « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك »(99) الّذي هو ملاك لاصل الاحتياط إن وصلت النوبة إليه.


الاحتمال الثاني

الثاني: الجواز للمناط، وهو أنّ المقصود بترك فتاوى غير المستبصرين إنّما هو لمخالفتها للواقع، ومثل هذا الّذي استنبط حال بصيرته ثمّ إنحرف منصرف عنه الدليل.
واطلاق اشتراط الايمان منصرف ـ لمناسبة الحكم والموضوع الموجب للظهور العقلائي ـ إلى المؤمن حال الاستنباط.
واطلاق « وذروا ما رأوا » إمّا منصرف إلى آرائهم بعد فساد عقائدهم.
أو لاختلاطها مع آرائهم حال صحّة عقائدهم وعدم معلومية هذه عن تلك.
أو للنهي عن آرائهم في أُصول الدين الّتي إنحرفوا بسببها، أو غير ذلك.
وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال لمكان الاجمال، فلا ظهور يعتمد عليه، فتأمّل.
و « دع ما يربيك إلى ما لا يريبك » ـ مضافاً إلى كونه حكماً إرشادياً كما هو ظاهره على ما قيل، ويؤيده ذيله: « فإنّك لن تجد فقد شيء تركته لله عزوجلّ » مع ضعف السند بالارسال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ إنّه من أدلّة الاحتياط الّتي لا تصل النوبة إليه في الشبهات البدوية غير المقرونة بالعلم الاجمالي، بل المسرح للبراءة ـ كما حقّق في البراءة من الاُصول ـ.
لكن مع ذلك كلّه فالاحوط قوياً إن لم يكن أقوى هو: عدم جواز الاستناد إلى قول المنحرفين حتّى إذا كان استنباطه في وقت صحّة عقائدهم، وذلك لما يستفاد من الايات والروايات في مختلف الابواب: من أنّ الشارع اشترط الايمان من قبيل المصلحة السلوكية، إن لم نقل بكون اشتراطه موضوعياً حتّى أصبح ذلك من مرتكزات المتشرّعة الّتي في مثله لا تقل حجّة عقلائية عن مثل خبر الثقة ونحوه، والفقيه يشرف على القطع بذلك إذا لاحظ في هذا المجال ـ مع هذا الارتكاز المتشرّعي الرصين ـ الاخبار الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) في مختلف الابواب والعمدة في المقام الاجماع.
قال في الضوابط: « أجمعوا على عدم اعتبار قول المجتهد إذا صار فاسقاً، لا بدواً ولا استمراراً ».
وصرّح بهذا الاجماع أيضاً شريف العلماء (قدس سره) في تقرير درسه(100).
والفارق بين هذه المسألة وبين مسألة عدم اشتراط العقل إلاّ بدءاً ـ على القول به ـ هو الدليل هنا وفقد مثله هناك.


التتمّة الثالثة

الثالثة: إذا عمل بقول المجتهد المؤمن ثمّ انكشف له الخلاف، وبالعكس.
فإن كان مقصّراً فالظاهر وجوب تحصيل المؤمّن في كلتا الصورتين.
أمّا إذا لم يكن مؤمناً، وكان يجهل ذلك مقصّراً، فلعدم الشرط الواقعي، عدم العذر في جهله، إلاّ على القول بجريان قواعد التجاوز والفراغ والصحّة ونحوها في حقّ المقصّر أيضاً، وهو محلّ إشكال.
وأمّا إذا كان مؤمناً واقعاً ولكن المقلّد يحسبه مخالفاً ـ لتقيّة المجتهد مثلاً ـ فلما تقدّم فيمن لم يقلّد مدّة وطابق عمله مع من كان تقليده له ـ حال العمل ـ صحيحاً.
حيث ذهب جمهرة من المتأخرين إلى عدم العذر، إذ حجّية الحجّة الظاهرية مقيّدة بالاستناد، لا مطلقاً.
لكن هناك وإن استشكلنا في هذا الاستدلال إلاّ أنّ المقصّر عقلاً ليس معذوراً مطلقاً إلاّ في صورة إحراز الواقع ـ لا الحجّة ـ وأنّى له بإحرازه ؟ إذ المقصّر ـ مطلقاً ـ لا مؤمّن له.
نعم، إذا دلّ دليل شرعي ـ ولو بعموم واطلاق ـ على معذورية الجاهل المقصّر، كان مؤمّناً.
... والعدالة....
فيقع البحث في ظهور بعض العمومات والاطلاقات مثل « لا تعاد » ونحوه في ذلك.
وإن كان قاصراً فتختلف الصورتان:
أمّا مع الايمان الواقعي، والجهل به، فالظاهر الصحّة، لوجود الشرط الواقعي، والجهل به معذور معه.
وأمّا العكس، مع عدم الايمان واقعاً، والجهل قصوراً بأنّه كان مخالفاً فيبنى على الخلاف في جريان تلكم القواعد مع العلم بعدم الالتفات حال العمل ـ كما لعلّه الاصحّ ـ صحّت أعماله السابقة حتّى إذا خالفت فتوى المجتهد الفعلي.
أو عدم جريان تلكم القواعد فلا مؤمّن له، فيجب عليه مراجعة المجتهد فعلاً والعمل بقوله.


الشرط الرابع: العدالة

و الرابع ممّا يشترط في مرجع التقليد العدالة وقد استدلّ لاشتراطها في مرجع التقليد بأدلّة:


أدلّة اشتراط العدالة في مرجع التقليد
الدليل الاوّل: السنّة

إنّ أدلّة اشتراط العدالة في مرجع التقليد كثيرة، وعمدتها: السنّة، والاجماع والارتكاز.
أمّا السنّة فروايتان:


الرواية الاُولى

الاُولى: المعتبر المرويّ في تفسير الامام العسكري (عليه السلام) « فأمّا من كان من الفقهاء... »(101).
بتقريب: أنّ ظاهر هذه الاوصاف هي العدالة، قال ابن العمّ (قدس سره) في حاشية العروة: « هذه الاوصاف عبارة أُخرى عن العدالة ».


إيرادات ثلاثة
الايراد الاوّل

وأُورد عليه أوّلاً: بضعف السند.
وفيه: أنّه سبق بتفصيل، البحث في سنده والميل إلى اعتباره.


الايراد الثاني

وثانياً: ما ذكره السيد الحكيم (قدس سره) في حاشية العروة قال: « إن هذا الخبر ليس في التقليد في الفروع » بأنّ مورده: اُصول الدين، ولا يجوز فيها التقليد، فهو خارج عن موضوع بحثنا، والخبر الّذي يخرج مورده عن حكمه كيف يصحّ الاعتماد عليه الاستدلال به في غير مورده ؟
وفيه: أنّ ملاحظة مجموع الرواية بطولها يظهر منها كونها في الاعمّ من أُصول الدين لا في خصوصه، وخروج أُصول الدين حينئذ بدليل آخر لا يسقط الرواية عن الحجّية.
أضف إلى ذلك ما ثبت في محلّه: من أنّه لا مانع من التقليد في أُصول الدين إذا أوجب العلم والاعتقاد الجازم للمقلّد ـ كما ذهب إليه جمع ـ.


الايراد الثالث

وثالثاً: ما ذكره السيّد الحكيم (قدس سره) أيضاً قال: « لا يدلّ على أكثر من الوثوق » بأنّ المستفاد من مجموع الرواية من أوّلها إلى آخرها: أنّ اعتبار هذه الصفات ـ صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لامر مولاه ـ ليست لها موضوعية بل طريقية محضة، وإنّما هي لحصول الوثوق معها، لا لخصوصية في العدالة الّتي قالوا بدلالة الرواية عليها.
وممّا يظهر منها ذلك هذه الفقرات: « فإنّ من ركب من القبائح والفواحش مراكب علماء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئاً ولا كرامة، وإنّما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك، لانّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الاشياء على غير وجهها لقلّة معرفتهم، آخرون يتعمّدون الكذب علينا... »(102) فإنّه (عليه السلام) علّل عدم القبول من الفسقة بالتحريف إمّا للجهل أو لتعمّد الكذب على أهل البيت (عليهم السلام).
فهذه الرواية لا تنفي تقليد غير العادل إذا كان موثوقاً بفهمه وبعدم تعمّده الكذب على أهل البيت (عليهم السلام).
وفيه: أنّ هذه الكلمات، مثل: الصون للنفس والحفظ للدين ومخالفة الهوى والطاعة لامر المولى، ظاهرة في العدالة.
مضافاً إلى أنّ اطلاق هذه الكلمات يقضي بمخالفة الهوى لا في صدق اللهجة فقط، والطاعة هكذا، وكذلك غيرهما.
وما أبعد ما بين هذا، وبين من قال: إنّ الرواية تدلّ على مرتبة أعلى من أقلّ مراتب العدالة، وعبّر عنها بالنفس القدسية.
لكن الظاهر كفاية العدالة بأقلّ مراتبها لصدق هذه الاطلاقات المذكورة في الرواية على ذلك.


الايراد الرابع

ورابعاً: بأنّ العدالة ـ كما يأتي تفسيرها ـ هي: الملكة الرادعة، والمستفاد من هذه الرواية هو الارتداع الفعلي، وهو أعمّ من أن تكون معه ملكة أم لا، لعدم التلازم بين فعلية الطاعة وبين كونها عن ملكة التقوى.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما يأتي في المسألة التالية: من أنّ الملكة ليست مورد اتّفاق لزومها في العدالة بل الامتثال الفعلي ـ أنّ التلازم العرفي موجود بين هذه الاوصاف بمجموعها مع ملكة التقوى وأنّ هذه الاوصاف إن لم تكن أعلى مرتبة من العدالة، فلا أقل من أنّها مظهر للعدالة، ولا يحتمل فيها أن تكون أقلّ من العدالة في الدلالة.


الايراد الخامس

وخامساً: بأنّ هذا الخبر على فرض دلالته على العدالة فلا يحصر جواز التقليد في ذلك، فتكون الادلّة الدالّة على كفاية الوثوق حاكماً عليه عرفاً.
اللّهم، إلاّ أن يقال بأنّ السياق في الرواية يدلّ على الحصر لا على مجرد إثبات شيء لا ينفي ما عداه، كما لا يخفى ذلك على من تأمّل الرواية بطولها.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ السياق يدلّ على الحصر ـ أنّ قوله (عليه السلام): « وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم » بعد ذكر الاوصاف لا يخلو من ظهور على الحصر، فيكون له عقد سلب أيضاً.


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ الرواية سنداً ومتناً غير قاصرة ـ عرفاً ـ عن إفادة لزوم العدالة فى مرجع التقليد.
فالتفصيل بين المرجع الّذي يؤخذ منه الاحكام فقط باعتباره أهل خبرة الفقه، وبين المرجع العام في كلّ أُمور المسلمين ـ إن لم يكن خلاف إجماع أو دليل قطعي آخر باعتبار الايمان حدوثاً وبقاءً في الثاني وعدم اعتباره كذلك مطلقاً في الاوّل ـ ليس بذلك البعيد.
ويؤيّد هذا التفصيل: أنّ العديد من الفقهاء عندما يذكرون شروط مرجع التقليد يريدون به المرجع العامّ، لا مطلق من يؤخذ منه الاحكام الشرعية كخبير في الفقه.
قال في التنقيح: « إلاّ أنّ مقتضى دقيق النظر اعتبار العقل والايمان والعدالة في المقلَّد ـ بالفتح ـ بحسب الحدوث والبقاء، والوجه في ذلك: أنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة الواصل ذلك إليهم يداً بيد عدم رضى الشارع بزعامة من لا عقل له، أو لا إيمان، أو لا عدالة له، بل لا يرضى بزعامة كلّ من له منقصة مسقطة له عن المكانة والوقار، لانّ المر