المسألة (20): يعرف اجتهاد المجتهد بأُمور:
الاوّل: بالعلم الوجداني كما إذا كان المقلّد من أهل الخبرة ومن الفضلاء وعلم
باجتهاد شخص على اثر المعاشرة للمجتهد نفسه والبحث والنقاش معه في الاستدلال
للاحكام الشرعية، أو نظر في كتبه الفقهية فحصل له العلم باجتهاده، ونحو ذلك، لانّ
ملكة الاجتهاد كسائر الملكات النفسية تكشف الاثار عنها.
الثاني: وكذا يعرف بشهادة عدلين من أهل الخبرة المسمّى ذلك شرعاً بالبيّنة، ولا
إشكال ولا خلاف في حجّيتها إجمالاً، إنّما الكلام فيها عن جهات أربع:
الاُولى: عن عموم حجّيتها في كل الابواب والاحكام والموضوعات.
الثانية: في إطلاقها حتى مع الظنّ على الخلاف.
الثالثة: عن لزوم التعدّد فيها وعدمه.
الرابعة: عن اشتراط كونها من أهل الخبرة.
أمّا الجهة الاُولى: وهي عموم حجّية البيّنة لكل الموضوعات إلاّ ما خرج بالدليل كالزنا الّذي يشترط فيه أربعة، وكالقسامة التي تكون خمسين، ونحوهما، فاستدلّ له بأدلّة:
الاوّل: الاجماع على عموم حجّيتها المحكي عن النراقي والسيّد الاصفهاني (قدس
سرهما)، والظاهر: عدم الخلاف من أحد في حجّيتها إلاّ فيما استثني من قبل الشارع
نفسه إلاّ ممّن ستعرف، وقد يدعى الاجماع العملي من الفقهاء في كل العصور على العمل
بها وعدم ردّها، وهو كاشف عن الاجماع القولي فيها.
وفيه إشكال صغرىً وكبرىً، وحيثاً وتفصيلاً.
1. أمّا صغرىً: فقد صرّح جمع من الاعيان كالشيخ والقاضي وغيرهما في موارد عديدة
في الفقه بعدم حجّية البيّنة، وهو بلا شكّ إشكال في صغرى الاجماع على عموم حجّية
البيّنة.
وتصريح المستمسك(1) بإشكال بعضهم في حجّيتها في خصوص الاجتهاد، إشكال آخر في
مسألتنا. فليس هذا الاجماع، إجماعاً إصطلاحياً ـ موضوعاً ـ لانّه ليس اتّفاق الكل.
نعم على القول بالحدس وكذا على القول الّذي ارتضيناه: من بناء العقلاء، لا يضرّ
أمثال ذلك فيه.
2. وأمّا كبرىً: فإنه محتمل الاستناد، فلا يكون دليلاً برأسه في مقابل الادلّة
الاُخرى.
ففي التنقيح: « إنّ هذا الاجماع ـ على تقدير ثبوته ـ ليس من الاجماعات التعبّدية،
لاحتمال استناده إلى أحد الوجوه المذكورة في المقام، فلا يستكشف به قول المعصوم
(عليه السلام) بوجه ».
أقول: وفيه نقضاً: بأنّ هذا الاشكال المعروف في كبرى الاجماعات، إن بني عليه لم
يبق لنا في جميع الفقه مورد واحد يمكن الاستناد فيه بالاجماع، فتكون أدلّة الاحكام
حينئذ ثلاثة: الكتاب والسنّة والعقل.
وحلاً: بما ذكرناه غير مرّة، وقد سبق في شرح المسألة الاُولى، وعليه بناء الفقه
والفقهاء ـ إلاّ النادر ـ: من حجّية الاجماع حتى مع احتمال الاستناد.
3. وأمّا حيثاً، فإنّ الاجماع من حيث أنّ المجمعين هم عقلاء، وبناء العقلاء على
حجّيتها لا من حيث إنّهم متشرّعون، وإن كان قد يخدش في الاخير بأنّ البيّنة
المدّعى حجّيتها هي الاعمّ من أن يورث الوثوق والاطمينان أم لا، فإجماع الفقهاء على
حجّيتها بهذا المعنى الاعمّ غير مستند إلى بناء العقلاء.
إلاّ أن يدعى حصول الوثوق النوعي من قول عدلين، وهو المعتبر، لا الوثوق الشخصي
الّذي قد لا يحصل، ومعه: فلا يخرج الاجماع عن كون المجمعين بما هم عقلاء، ولا
يحرز معه كونهم بما هم فقهاء الاسلام، فليس من الاجماع المصطلح في شيء.
إذن: فلم يثبت عموم الحجّية للبيّنة بالاجماع الاصطلاحي الّذي هو أحد الادلّة
الاربعة، فتأمّل.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه يشبه الوسوسة في الحجج والادلّة، التي معها قد لا يسلم
الكثير منها من أمثال ذلك ـ إنّ العقلاء لا يعرفون العدالة، وإنّما يعرفون الوثاقة، وبينهما عموم من وجه، قال في المستمسك: « وإن كان بناء العقلاء على حجّية خبر
الثقة، ففيه: إنّ بين خبر الثقة وبين البيّنة عموماً من وجه »(2).
وذلك: لافتراقهما في الثقة غير العادل: كالموثّقين من الرواة، والعادل غير الثقة
كالذي يحتمل قوياً تقيّته، أو كذبه لبعض مجوّزاته من الاصلاح ونحوه، واجتماعهما في
الثقة العدل والله الهادي.
وأمّا احتمال استناد هذا الاجماع ـ القائم على عموم حجّية البيّنة ـ إلى بعض الوجوه، فقد يقال: بأنّه قد سبق أنّ الاجماع المحقّق حجّة عندنا وإن احتمل استناده إلى
بعض الوجوه، بل قد يقال مثل ذلك حتّى في المقطوع الاستناد، فتأمّل.
وإن كان في هذا الاجماع احتمال استناد فإنّما هو إلى سائر الادلّة الشرعية، وقد
سبق منّا في شرح المسألة الاُولى: احتمال حجّية الاجماع المحتمل الاستناد، لاجل ذلك
ولغيره.
قال في الجواهر في كتاب الطهارة: « ينبغي القطع به، بل لا أجد فيه خلافاً، إلاّ
ما يحكى عن القاضي، وظاهر عبارة الكاتب والشيخ، ولا ريب في ضعفه »(3).
فمخالفتهم في بعض فروع المسألة لاُمور خاصّة، لا تضرّ بحجّيتها عموماً للاجماع،
بعد اعتماد هؤلاء الثلاثة على البيّنة نفسها في موارد أُخرى غير منصوصة بخصوصها،
وإذا ثبت ذلك فقد تمّ اللاّخلاف الذي لا يبعد كشف الاجماع منه وإحرازه خصوصاً في
مثل ما نحن فيه، والله العالم.
4. وأمّا تفصيلاً (أي: مناقشة التفصيل بين ما لو ذكرت البيّنة السبب، وعدمه):
فقد ذكره بعضهم في بعض موارد البيّنة، ففي الجواهر نقلاً عن العلاّمة (قدس سره) في
التذكرة في مسألة شهادة البيّنة بنجاسة شيء قائلاً: « تقييد القبول بذكر السبب »(4)
وعلّله في الجواهر بقوله: « لاحتمال استنادها إلى سبب لا ينجس ـ عند الشهود(5) ـ
عنده ».
لكنّه غير تامّ تبعاً للمشهور، ولمثل العلاّمة (قدس سره) نفسه في أكثر من مورد.
فإذا شهدت البيّنة باجتهاد شخص كفت، وإن احتمل استنادها إلى ما لا يرتضيه دليلاً
على الاجتهاد.
وفيه نقضاً: بما في الجواهر ـ بعد ما ذكر ـ قال: « وفيه نظر، لجريان مثله في
أغلب البيّنات ـ إن لم يكن جميعها ـ مع تعارف الاخذ بها في سائر الموارد »(6).
وحلاً: بأنّ الاطلاقات على حجّية البيّنة تنفي التقييد ـ كما لا يخفى ـ مثل:
موثّقة مسعدة بن صدقة: « حتّى تستبين أو تقوم به البيّنة »(7).
الثاني: الاستقراء، ادّعاه بعض، ولا بأس به إلاّ ما في استفادة الحكم الشرعي من
الاستقراء عموماً، لما فيه من أنّ التامّ منه غير حاصل، والناقص لا يكون دليلاً.
نعم، الناقص الفائض قد يكون موجباً للاطمينان وسكون النفس إلى أنّ الشرع جعل الحكم
هكذا، لكنّه لا يخرجه عن القياس للنهي عنه بكل صوره وأشكاله، وإذا قلنا بحجّيته
فذلك من باب الاطمينان الشخصي.
فالاستقراء ـ بما هو، مطلقاً ـ لا يصلح دليلاً لحجّية البيّنة، إنّما يصلح كونه
مؤيّداً.
لكن قد يقال في مثل البيّنة التي وردت بها روايات كثيرة في أكثر أبواب الفقه من
الطهارة إلى الديّات وكانت هي المحور في معظم أُمور الناس وقد أيّدها الشارع في
شتّى الابواب: بأنّه في مثل ذلك قد يكشف الاستقراء الفائض عن عموم حجّيتها كشفاً
نوعياً عقلائياً كافياً في مقام التنجيز والاعذار، من باب: لو كان خلافه لبان،
وليس ذلك في مثل البيّنة ببعيد، والله العالم.
الثالث: فهم عدم الخصوصية، أو عدم فهم الخصوصية في الموارد الكثيرة التي حكم فيها
بحجّية البيّنة شرعاً، كما استدلّ به البعض.
وفيه: إنّ الاوّل عهدته على مدّعيه، ولا يفيد لمن لم يحصل له هذا الفهم وإن كان
ليس بعيداً، والثاني لا يخرجه عن القياس.
الرابع: بناء العقلاء على الاخذ بقول البيّنة العادلة في أُمورهم الكبيرة والصغيرة
كلّها، ولم يحصل من الشارع ردع عن هذا البناء.
وأُورد عليه بالمناقشة في كلتا المقدّمتين:
أمّا المقدّمة الاُولى: فبان بناء العقلاء فيما يحصل العلم الشخصي من البيّنة
مسلّم، ولكنّه لا يفيد، لانّه مسلّم الحجّية من أجل العلم، وفيما لا يحصل منها
العلم، بل ولا الظنّ الّذي هو محل الكلام، فاستقرار بناء من العقلاء فيها على العمل
بالبيّنة غير مسلّم.
وجوابه: إنّ العقلاء قد يعملون بشيء أو لا يعملون، وقد يعتبرون شيئاً منجّزاً
ومعذّراً عقلائياً، بحيث يرون من الصحيح العمل به، والّذي نبحث عنه هو: الثاني،
وهو فيما نحن فيه مسلّم أيضاً، إذ العقلاء ـ نوعاً ـ يرون العمل بقول شخصين عادلين
موثّقين صحيحاً.
مثلاً: لو أخبر رجلان عادلان موثّقان زيداً بأنّ أباه الّذي في السفر مات، فأقام
زيد الفاتحة على أبيه ثم ظهر عدم موته، لم يكن زيد ملوماً لدى العقلاء، ولو لم يقم
الفاتحة على أبيه ثمّ ظهر صدق البيّنة ذمّه العقلاء على عدم الاعتماد على قولها.
وليس ـ حينئذ ـ عذر زيد: بأنّ البيّنة لم يحصل له من قولها العلم ولا الظنّ،
رافعاً لذمّ العقلاء إيّاه بعد اعترافه بعدالتهما ووثاقتهما لدى العقلاء، ولا
بمقبول.
والمناقشة: بأنّ العدالة أعمّ من الوثاقة: لاحتمال السهو والنسيان والاشتباه في
العادل وإن تحرّز عن الكذب، بل احتمال الكذب لبعض مجوّزاته من إصلاح، أو إنقاذ
مال مؤمن، أو عرضه، أو نحو ذلك. فلا تكفي مطلق العدالة في سيرة العقلاء، بل العدالة
مع الوثاقة.
غير تامّة، إذ الكلام ليس في الوثاقة الشخصية، المبتنية على أُمور عديدة غير
منضبطة تختلف باختلاف الامكنة والازمنة والاشخاص والاحوال وغيرها، بل في الوثاقة
النوعية الموجبة للتنجيز والاعذار لدى العقلاء، وهي ثابتة في العادل لتحرّزه عن
الكذب الحرام، واحتمال السهو ونحوه وإن كان قائماً في العادل لكنّه لا يضرّ،
لقيام مثله في أىّ ثقة نوعية، وهو منفي بالاصل العقلائي.
واحتمال الكذب الحلال موجود مثله أيضاً في الثقة النوعية، لانّ مجوّزات الكذب
الشرعية كلّها عقلائية أيضاً، ولكن حيث أنّ الاصل العقلائي عدمها، لا يرى العقلاء
لاحتماله خدشاً في حجّية قول الثقة إمّا موضوعاً أو حكماً.
وهذا هو دليل كون البيّنة العادلة حجّة عند العقلاء مطلقاً، ولو لم يحصل العلم ولا
الظنّ الشخصيان من قولها، ولا نريد بحجّية البيّنة مطلقاً أكثر من هذا.
نعم، العقلاء قد يحتاطون في أعمالهم الشخصية بما لا يكون لازماً عندهم في مقام
التنجيز والاعذار، وهذا لا يكون دليل عدم صحّة العمل بغيره.
ومراجعة أمثلة مختلفة من العرف والعقلاء كفيل بإثبات المطلب وحصول الاطمينان
للانسان به.
وأمّا المقدّمة الثانية: فبأنّ الايات والاخبار الناهية عن العمل بغير العلم،
تصلح رادعاً عن العمل بالبيّنة غير الموجبة للعلم ـ التي هي محل البحث ـ يخرج عنه
البيّنة في الموارد التي ورد النص بها في الشريعة، ويبقى باقي موارد البيّنة غير
جائز العمل.
وجوابه: ـ مضافاً إلى أنّ الايات والاخبار الناهية إنّما هي في مقام أُصول الدين،
من باب خصوصية الوارد، لا المورد فقط، وإلى أنّ الظاهر من بعضها العمل بالظنّ
الناشي عن الاستبداد بالرأي وعدم ملاحظة كلام غيره، وإلى أنّ ظاهر بعضها الاخر إنّ
المراد بالظنّ هو الشكّ الّذي هو من معاني الظنّ لغة، لا الظنّ المصطلح المقصود به
الاحتمال الراجح الشامل لمثل الظنّ الحاصل من البيّنة وهي قول رجلين متحرّزين عن
الكذب، ودونك الايات لاحظها تجد ما ذكرناه ـ أنّ البيّنة ممّا توجب العلم العادي
نوعاً المعبّر عنه بالاطمينان، ولا يسمّى مثل ذلك (عرفاً) عملاً بالظنّ، بل إنّما
هو عمل بالعلم ـ توسّعاً من العرف في العلم ـ.
نعم، إطلاق العلم عليه نوعي لا شخصي.
إذن: فبناء العقلاء على العمل بقول البيّنة مطلقاً، غير مردود.
الخامس: فحوى ما دلّ على حجّية البيّنة في الموضوعات التي هي بنظر الشارع أهمّ من
غيرها: كالفروج، والدماء، والاموال، والحقوق، والقضاء، والشهادات، والديّات، والحدود وغيرها،
فإنّها تدلّ بطريق أولى على حجّيتها فيما كان أهميّتها بنظر الشارع أقل، كثبوت
الاجتهاد ونحوه.
وقد يورد عليه: بأنّ الفحوى هذه ليست حجّة إلاّ عند من يقطع بهذه الاولوية، بحيث
يخرجها عن القياس ويدخلها في المفهوم عرفاً من الخطاب، وعهدة القطع بهذه الاولوية
على مدّعيها.
مضافاً: إلى أنّه يمكن الفرق بين البابين، بأنّ أبواب المرافعات، والحدود،
والشهادات ونحوها، هي ممّا يصعب غالباً تحصيل العلم بالواقع فيها بواسطة البحث
والفحص، فلا يقاس عليها ما يمكن تحصيل الواقع فيه بالبحث والفحص، كثبوت الاجتهاد
ونحوه، فتأمّل فإنّ الفحوى في محلّها عرفاً.
السادس: الاخبار العامّة الدالّة على عموم حجّية البيّنة مثل رواية مسعدة ابن صدقة: « كل شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل
الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعلّه حرُّ قد باع نفسه،
أو خدع فبيع، أو قهر، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضعيتك، والاشياء كلّها على
هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة »(8).
بتقريب: أنّ البيّنة جعلت غاية لحلّية كلّ شيء حتّى ولو كانت الحلّية مستندة إلى
أمارات أو أُصول شرعية، كأصل الصحّة، والاستصحاب، واليد ونحوها، كما يظهر ذلك من
الامثلة المذكورة في صدر الرواية.
وأُورد عليها بأُمور:
أوّلاً: بضعف السند فإنّ « مسعدة بن صدقة » عامي أو بتري لم يوثّق، كما في جامع
الرواة وغيره.
وفيه: أنّ تلقّي الفقهاء هذه الرواية بالقبول، والرواية، والعمل، واستنادهم
إليها في مختلف أبواب الفقه لا يقلّ اطميناناً ممّا يحدث من تزكية عدل لاخر، أو
ثقة لمثله، مضافاً إلى روايتها في الكافي والتهذيب من الكتب الاربعة، ورواية بعض
أجلاّء الاصحاب عن مسعدة مثل هارون بن مسلم وغير ذلك، كلّه يبعث على الاطمينان إلى
حديثه واعتباره.
مضافاً إلى أنّ الرجل هو من رجال كتاب كامل الزيارات، وكتاب التفسير لعلي بن
إبراهيم، الّذي ادّعى توثيق ابن قولويه وعلي بن إبراهيم لكلّ رجالهما في المقدّمة، وإن كان لنا في دلالة ذلك على توثيق غير شيوخ ابن قولويه، وعلي ابن إبراهيم بلا
واسطة تأمّل، بل إشكال، كما أشكل بذلك(9) وإلى أنّ الوحيد البهبهاني (قدس سره)
نقل في التعليقة(10) عن المجلسي الاوّل (قدس سره) أنّه قال: « الّذي يظهر لي من
أخباره الّتي في الكتب أنّه ثقة، لانّ جميع ما يرويه في غاية المتانة، موافقة لما
يرويه الثقات » ونقل في الجامع في الرجال عنه (قدس سره): « عمل طائفة برواياته »
والغريب من ابن داود (قدس سره) أنّه ذكر مسعدة بن صدقة في البابين: الثقات
والضعفاء ولعلّه لتردّده في أمره، أو غير ذلك، فتأمّل.
ثم إنّه لا يضرّ مع ذلك كلّه ما نقل عن العلاّمة والمجلسي الثاني (قدس سرهما) من
تضعيف مسعدة، لترجيح ما ذكرناه على ذلك، لا لانّ توثيقات وتضعيفات المتأخرين
كالعلاّمة ومن بعده لا اعتبار بهما، لكونهما مبنية على الحدس دون الحس، والمعتبر
من التزكية والتضعيف ما كان عن حس لا حدس ـ كما بنى عليه عدد من مراجع العصر
وأصرّوا عليه في الاُصول والفقه والرجال ـ قال في التنقيح: « لانّ العلاّمة
والمجلسي وغيرهما من المضعّفين على جلالتهم وتدقيقاتهم لا يعتنى بتضعيفاتهم ولا
بتوثيقاتهم المبتنيتان ـ من المتأخرين ـ على اجتهاداتهم، ولا يحتمل أن يكون توثيق
العلاّمة أو تضعيفه من باب الشهادة والاخبار، فضلاً عن المجلسي أو غيره، لبعد عصرهم
عن الرواة.
نعم، لو علمنا أنّ توثيقه أو تضعيفه مستند إلى الحس والاخبار، أو احتملنا ذلك في
حقّهم لم تكن توثيقاته أو تضعيفاته قاصرة عن توثيق أو تضعيف مثل الشيخ والنجاشي،
وغيرهما من المتقدّمين... ».
بل لا إشكال لنا في اعتبار توثيقات وتضعيفات أمثال العلاّمة، والمجلسي، والوحيد،
وبحر العلوم وغيرهم، من الخرّيتين في علم الرجال، وقد أوضحناه في مباحثنا في
الدراية بتفصيل واسع.
وحاصل الكلام: أنّ اعتبار توثيقاتهم وتضعيفاتهم إنّما هو لكونهم أهل خبرة هذا الفن، ولا يفرق في ذلك بين متقدّمهم ومتأخرهم لوحدة العلّة فيهما،
وكون المتقدّم أقرب والاقرب أبصر بأحوال الرواة لا يكون فارقاً بعد ثبوت الملاك
فيهما جميعاً.
مع أنّ المتقدّمين أيضاً بينهم قريب وأقرب، فهل نعتبر توثيقات وتضعيفات البرقي
وابن عقدة، دون الكشي والنجاشي والشيخ، لكونهما أقرب منهم ؟
أضف إلى ذلك أنّ الابعد ـ عادةً ـ أكثر إلماماً بأحوال الرواة لاجمعيّته لما لم
يجتمع عند الاقرب كما هو واضح.
وحديث كون الفارق، احتمال الحس في المتقدّمين، دون المتأخرين، بعيد عن بناء
العقلاء الّذي هو عمدة الدليل للحجّية فيما نحن فيه، لعدم الفرق عندهم بذلك في أهل
خبرات الفنون.
مضافاً إلى الاشكال عليه نقضاً وحلاً:
أمّا نقضاً: فللعلم إجمالاً بأنّ كل توثيقات الشيخ والنجاشي والكشي لم تكن عن حس،
بل بعضها مستند إلى الحدس، خصوصاً ما كان الفاصل بينهم وبين الرواة من أمثال أصحاب
السجّاد والباقرين (عليهم السلام) بالمئات من السنين.
وهل يمكن عادةً كون كلّها بلا استثناء مبتنياً على الحس كابراً عن كابر، دون جمع
قصص من أحوال الرواة يستنبط منها مثل الشيخ والنجاشي والكشي، الوثاقة أو الضعف ؟
وأمّا حلاً: فبأنّ الحدس والحس كلاهما طريقان عقلائيان عادةً في مقام التوثيق
والتضعيف، حتّى في المعاصر للمعاصر، إن لم نقل بأنّ معظمهما ـ عادةً ـ بالحدس لا
بالحس.
وما يقال: بأنّ الحدس القريب من الحس حكمه حكمه، لا مطلقاً.
ففيه: أنّه يشبه التحكيم على العقلاء والعرف بما لا يعرفونه، مضافاً إلى أنّه ما
هو ملاك القريب من الحس، وما هي حدوده، حتّى يفصّل بين أقسام الحدس ؟
وما قيل ـ في مثل مسعدة بن صدقة ممّا وثّقه المجلسي الاوّل، وضعّفه المجلسي الثاني
(قدس سرهما) ـ: حيث إنّ المتأخّر أبصر وأجمع للامارات يكون قوله مقدّماً مع
التعارض.
ففيه: أنّ ذلك مطلقاً لا يوجب الترجيح، ولا يخرجه عن التكافؤ، نظير الثقة
والاوثق، والضابط والاضبط، والصادق والاصدق، والعادل والاعدل، ونحو ذلك مما لا يوجب
ـ مع التعارض ـ الاخذ بالارجح وطرح الراجح مطلقاً.
وإلاّ لزم الاخذ بقول الشيخ وطرح أقوال ابن عقدة، والبرقي، والكشي عند تعارض قوله
مع أقوالهم، وليس بناؤهم ـ تبعاً لسيرة العقلاء ـ على ذلك كما هو واضح.
ثم إنّ العلاّمة والمجلسي (قدس سرهما) مع تضعيفهما لمسعدة بن صدقة في رجاليهما، قد
عملا بأحاديثه في الفقه، ممّا يوجب ضعف التضعيف هذا لعدم التزامهما أنفسهما به في
الفقه.
ولذلك كلّه عبّر العديد من المتأخرين عن هذه الرواية بالموثّقة، ومنهم: الشيخ
الانصاري (قدس سره).
وثانياً: بأنّ إطلاق البيّنة على شاهدين عدلين اصطلاح فقهائي محدث، وليس اصطلاحاً
من زمان المعصومين (عليهم السلام)، بل « البيّنة » كما يظهر من استعمالها في
القرآن الحكيم في عشرات الموارد هي: الدليل، والحجّة، والظاهر ونحوها، كقوله
تعالى: (كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة)(11) و (قَدْ جَاءَتْكُمْ
بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)(12) و (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي
الصُّحُفِ الاُْولَى)(13) و (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)(14)
إلى غيرها.
و « البيّنة » في اللغة معناها هو هذا أيضاً، فحمل « البيّنة » في الموثّقة على
المعنى الفقهائي المصطلح الحديث يحتاج إلى دليل مفقود.
وأُورد عليه: بأنّ هذا ينافي جعل « الاستبانة » في مقابل « البيّنة » فلو كانت
البيّنة بمعنى الحجّة والظهور، والاستبانة هي كذلك فلا معنى لـ: « أو » إلاّ أن
تكون بمعنى الواو، ويكون من العطف التفسيري، أو كما قيل: إنّ الاستبانة بمعنى
ظهور الشيء بنفسه، والبيّنة بمعنى الظهور بواسطة دليل.
لكن الاوّل غير ظاهر لا يصار إليه إلاّ بدليل، والثاني لا يساعد عليه الفهم العرفي،
مضافاً إلى عدم الدليل على هذا الفارق لا لغة ولا عرفاً.
مع أنّه لو قلنا بأنّ معنى الاستبانة هو: ظهور الشيء بنفسه، لزم خروج مورد
الرواية عن إمكان الاستبانة، إذ الامثلة المذكورة في الرواية هي غالباً أمارات على
الصحّة، فلا ترفع هذه الامارة بنفسها، بل إذا عارضتها حجّة أقوى منها، كما لا يخفى.
والحاصل: أنّ الامر في متن الرواية دائر بين محذورات ثلاثة:
أحدها: جعل الاستبانة بمعنى ظهور الشيء بنفسه، وهذا مع عدم مساعدة اللغة والعرف
عليه يلزمه خروج الامثلة المذكورة عن إمكان صدق الاستبانة فيها.
ثانيها: تقدير « أو » بمعنى واو الجمع، وهذا أيضاً لا يصار إليه إلاّ بدليل، لظهور
« أو » في التقسيم والتنويع.
ثالثها: جعل البيّنة بالمعنى المصطلح الفقهي، وهذا أيضاً لا دليل عليه، وليس أحد
المحذورات أولى بالارتكاب من غيره ـ كما قيل ـ.
لكن يمكن أن يقال: أنّ الظاهر من الاستبانة هو الظهور بالاطمينان الشخصي،
والبيّنة هي الظهور بالاطمينان النوعي بقيام حجّة ودليل، وذلك بمثابة أن يقال في
معنى الموثّقة: والاشياء كلّها على هذا حتّى تطمئن بخلافها اطميناناً شخصياً بأن
يظهر لك شخصاً خلافها، أو تطمئن بخلافها اطميناناً نوعياً بأن يقوم عندك ما يكون
منجّزاً لدى الاصابة ومعذّراً لدى الخطأ من حجّة ودليل.
وهذا المعنى يناسبه العرف واللغة أيضاً، فقد قال في أقرب الموارد: « البيّنة...
الدليل والحجّة ».
ولو وجد المتتبّع للاحاديث الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) معظم الموارد التي
استعمل فيها « البيّنة » بمعنى شاهدي عدل ـ كما ليس بالبعيد ـ صار إلى أنّ المعنى
في هذه الرواية أيضاً ذلك بلا تردّد، وتكون دليلاً متيناً على عموم حجّية البيّنة
في كل الابواب وجميع الحالات، بل قد ادّعى بعض الفقهاء إنّ البيّنة في لسان
الروايات ذلك، وقال آخر: بأنّ هذا هو الظاهر لمن راجع كتب الاخبار في كتاب القضاء
وغيره(15).
وثالثاً: بأنّ البيّنة إنّما جعلت غاية للحل، الّذي هو المراد من اسم الاشارة في قوله (عليه السلام): « والاشياء كلّها على هذا » وكون البيّنة حجّة على الحرمة لا يقتضي حجّيتها على الحكم الوضعي، فكيف بالموضوعات الخارجية ؟ وكيف بأن يثبت من هذه الرواية عموم الحجّية ؟
وأجاب عنه المستمسك بقوله: « المراد من قيام البيّنة بالحرمة أعمّ من كونها
مدلولاً مطابقياً، وتضمّنياً، والتزامياً، فإذا شهدت بكون الثوب سرقة فقد قامت
بحرمته، وكذا إذا شهدت بكون المرأة رضيعة فقد قامت بحرمتها، فليس المراد من قيام
البيّنة بالحرمة شهادتها بها فحسب، بل أعمّ من ذلك ومن شهادتها بموضوع خارجي تلزمه
الحرمة، أو لازم لها، أو ملازم، مثل كون المائع خمراً، أو بولاً، أو دماً أو نحوها.
وكذا أعمّ من شهادتها بعنوان اعتباري مثل أُخوّة امرأة، أو نجاسة مائع، أو حرّية
رجل ـ ممّا كان بينه وبين الحرمة ملازمة ـ فإنّ البيّنة في جميع ذلك قائمة بالحرمة، فلا يختصّ موردها بما إذا شهدت البيّنة بالحرمة لا غير »(16).
ويشهد للعموم تأكيد « الاشياء » بـ: « كلّها » فإنّ ظاهره الحكم والموضوع معاً،
لصدق الشيء والاشياء عليهما، مضافاً إلى قوله (عليه السلام) في صدر الحديث: « كلّ
شيء» الشامل بعمومه لهما.
وأمّا الجهة الثانية: وهي اطلاق حجّية البيّنة مع الظن الشخصي وجوداً وعدماً،
بالوفاق والخلاف، وعمومها لموردي: احتمال الكذب واحتمال الخطأ جميعاً، فكما يلي:
أمّا الاطلاق: فهو المتسالم عليه خصوصاً بين المتأخرين في شتّى أبواب الفقه،
وسبيل البيّنة سبيل غيرها من الامارات التي قد تقدّم في حجّية الخبر الواحد اطلاق
حجّيته من حيث الظن بمضمونه وجوداً وعدماً، بالوفاق والخلاف.
قال المحقّق الانصاري في رسالة العدالة: «وهل هي أي: البيّنة معتبة تعبّداً
حتّى لو كان الظنّ على خلافها ؟ أو يشترط عدم الظنّ على خلافها ؟ أو يشترط إفادتها
الظن ؟ وجوه مبنية على ملاحظة اطلاق أدلّة اعتبارها وانصرافها إلى صورة إفادة الظنّ، أو صورة عدم الظنّ على الخلاف»(17).
وفي الجواهر: « إذ هي أي: البيّنة من باب الاسباب، لا مدخلية للظنّ في اعتبارها
»(18).
وأمّا العموم لموردي احتمال الكذب واحتمال الخطأ: فهو المعروف بين الاصحاب قديماً
وحديثاً.
لكن الشيخ الانصاري (قدس سره) في بعض كتبه فصّل بين الامرين، فذهب إلى الحجّية مع
احتمال الكذب، وأشكل فيها مع احتمال الخطأ.
ففي رسالة العدالة قال: « ويمكن أن يفصّل بين ما إذا كان احتمال كذبه مستنداً إلى
تعمّد كذبه فلا اعتبار به ولو كان مظنوناً، لانّ الظاهر من أدلّة تصديق العادل بل
المؤمن، نفي تعمّد الكذب عنه مطلقاً حتّى مع الظنّ، كما يدلّ عليه قوله (عليه
السلام): « كذّب سمعك وبصرك عن أخيك » وبين ما إذا كان مستنداً إلى خطائه واشتباهه، فالظاهر اعتبار كونه موهوماً، لانّ ظاهر أدلّة حجّية الخبر
ـ خصوصاً آية النبأ
المفصل بين العادل والفاسق ـ عدم الاعتناء باحتمال تعمّد كذبه، وأمّا عدم الاعتناء
باحتمال خطائه واشتباهه، فهو ممّا ينفيه ظاهر حال المخبر المعتبر عند كافّة
العقلاء إذا كان المخبر به من المحسوسات، أو من غيرها، النازل في ندرة الخطأ
والاشتباه منزلة المحسوسات ولو عند المخبر، لكونه من أهل الخبرة والاطّلاع بالنسبة
إلى مضمون الخبر.
لكن مقتضى هذا التفصيل: وجوب قبول خبر الفاسق إذا علمنا عدم تعمّد كذبه، وكان
احتمال المخالفة للواقع من جهة احتمال خطائه في الحس سهواً أو اشتباهاً. ولعلّ
ظاهر كلماتهم يأباه إلاّ أنّ القول به متعيّن، بناءً على كون مستند اعتبار خبر
العادل وردّ الفاسق، آية النبأ مفهوماً ومنطوقاً، إلاّ أن يقوم الاجماع في بعض
المقامات، كما بيّنّاه في مسألة حجّية الاجماع المنقول »(19).
ويؤيّد تفصيل الشيخ المذكور: ما قاله في الرسائل: « والانصاف: أنّ الدالّ منها
(أي: من الادلّة الدالّة على حجّية خبر الواحد) لم يدلّ إلاّ على وجوب العمل بما
يفيد الوثوق والاطمئنان بمؤدّاه، وهو الّذي فسّر به الصحيح في مصطلح القدماء،
والمعيار فيه: أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيداً، بحيث لا يعتني به العقلاء
ولا يكون عندهم موجباً للتحيّر والتردّد الّذي لا ينافي حصول مسمّى الرجحان، كما
نشاهد في الظنون الحاصلة بعد التروّي في شكوك الصلاة، فافهم »(20).
أقول: لعلّ الشيخ جعل:
1. مدرك الخبر الواحد مفهوم آية النبأ، وإن كانت عبارته أعمّ: « لانّ ظاهر أدلّة
حجّية الخبر عدم الاعتناء ».
2. واعتبر المفهوم: « صدّق العادل ».
3. واعتبر التصديق مقابل التكذيب، ولذا خصّ الحجّيّة في مقابل الكذب.
لكنّها كلّها محل إشكال.
أمّا الاوّل: فإنّ مدرك الخبر ـ غير بناء العقلاء ـ « فما أدّيا إليك عنّي، فعنّي
يؤدّيان »(21) الّذي جعله في الكفاية أخصّ الادلّة، وهو أعمّ من الخطأ، يعني: لم
يكذبا، ولم يخطئا.
وأمّا الثاني: فإنّ المفهوم: اقبلوا، لانّه مقابل التبيّن.
وأمّا الثالث: فإنّ التصديق: مطابقة الواقع الاعمّ من عدم الكذب وعدم الخطأ.
ويناقش الشيخ ـ مضافاً إلى أنّ الظاهر عدم وضوح موافق له ممّن تقدّمه أو لحقه،
مؤيّداً بأنّه (قدس سره) مع كثرة تتبّعه وإصراره غالباً بالعثور على موافق له في
شتّى مباحثه لم يذكر موافقاً له في ذلك ـ.
نقضاً: باطلاق القول بحجّية البيّنة وقول العدل الواحد ـ في مواردهما ـ بل في
بعضها احتمال الكذب منفي، والمهم احتمال خلاف الواقع.
والشيخ نفسه التزم بذلك في مختلف أبواب الفقه، ومنها ما يلي كنماذج:
1. في المكاسب في مسألة المثبت لكون الارض مفتوحة عنوة، حتّى تكون لعامّة
المسلمين فلا يجوز بيعها وشراؤها قال: « وأمّا غير هذه الارض أي: أرض العراق ممّا
ذكر واشتهر فتحها عنوة فإن أخبر به عدلان... أخذ به... »(22).
مع إنّ المورد ممّا يكون احتمال الخطأ وخلاف الواقع فيه أكثر من احتمال تعمّد
الكذب.
2. في رسالة العدالة ـ في مسألة ثبوت العدالة بالشهادة الفعلية ـ قال: « هل تثبت
أي العدالة بالشهادة الفعلية ـ بمعنى أن يفعل العدلان فعلاً يدلّ ويشهد على عدالته
كأن يصلّيا وراءه مع انتفاء احتمال الضرورة ـ أم لا ؟.. فاحتمال تدليسه في فعله
كاحتمال خطائه في اعتقاده أو صدور الفعل منه لداع، مندفع بما يندفع به هذه
الاحتمالات المتطرّقة في خبره »(23).
وظهوره في عموم حجّية البيّنة الفعلية لموردي احتمال التدليس واحتمال الخطأ، واضح.
3. في كتاب الصلاة في البيّنة على القبلة قال: « ثمّ إنّ البيّنة القائمة على هذه
العلامات الظاهر إنّها مقدّمة على الظنّ المطلق »(24).
وظهوره في كون البيّنة على خلاف الظنّ مع إنّ المورد مورد احتمال الخطأ لا الكذب
واضح، ونحو هذه غيرها.
وكذا الشيخ (قدس سره) في رسائله العملية: صراط النجاة ومجمع الرسائل وتاج الحاج،
وغيرها لم أجد مورداً ـ من الموارد الكثيرة ـ التي ذكر فيها ثبوت الموضوعات
بالبيّنة، قيّدها باحتمال الكذب، مع أنّ احتمال الخطأ أكثر من احتمال الكذب في
العادل(25).
وحلاً: بأنّ دليل حجّية خبر العدل أو البيّنة إن كان بناء العقلاء، فالظاهر
بناؤهم على الحجّية في مقابل احتمال الكذب واحتمال الخطأ جميعاً، وإن كان اطلاق
وعموم الادلّة اللفظية فالظاهر عدم القصور في شموله لكليهما مثل: « حتّى يستبين لك
غير ذلك أو تقوم به البيّنة »(26) ونحوه.
وأمّا آية النبأ، فالمعروف بين القوم بل لعلّه المتسالم عليه بينهم من تبعية
المفهوم للمنطوق في الاطلاق وعدمه.
وعليه: فكما أنّ خبر الفاسق يجب التبيّن عنده مطلقاً في صورتي: احتمال كذبه، أو
احتمال خطأه، الّذي ذكر الشيخ (قدس سره) بأنّه « لعلّ ظاهر كلماتهم يأباه » أي:
يأبى الحجّية في احتمال الخطأ فقط.
فكذلك المفهوم أعمّ من الصورتين وهكذا آية النفر وغيرها.
مع أنّ الشيخ (قدس سره) نفسه في الفرائد فسّر مفهوم آية النبأ بـ: « ألغ احتمال
الخلاف » الشامل لاحتمال الخطأ، دون ألغ احتمال الكذب، فتأمّل.
ثم إنّه لا فرق بين البيّنة وقول العادل وبين بقية الامارات: كالظواهر، وقول ذي
اليد، وفتوى الخبير ـ كالمفتي مثلاً ـ والاقرار وأمثالها، حيث إنّ الشيخ (قدس سره)
لم يفصّل في حجّيتها.
مع أنّ بناء العقلاء، على أصالة عدم الخطأ في جميعها واحد، فتأمّل.
والحاصل: أنّ الظاهر تبعاً للمشهور اطلاق حجّية البيّنة لصورتي: احتمال الكذب
واحتمال الخطأ، ولعلّ التفصيل نشأ من خلط بناء العقلاء في أُمورهم الشخصية، التي
يريدون الوصول إلى الواقع فيها فيحاولون تحصيل الظنّ بالواقع، وبين مقام التنجيز
والاعذار، المبني على أصالة عدم الخطأ مطلقاً حتّى مع الظنّ بالخلاف، فتأمّل.
وأمّا الجهة الثالثة: وهي في البحث عن لزوم التعدّد في البيّنة وعدمه: فسيلزم البحث
عن أُمور:
الاوّل: هل البيّنة في اللغة والعرف والشرع تشمل العدل الواحد ؟
الثاني: هل مع العدم، خبر الواحد يكون حكماً كالبيّنة في الحجّية ؟
الثالث: هل يكفي الثقة ؟
أمّا الامر الاوّل: وهو هل البيّنة في اللغة والعرف والشرع تشمل العدل الواحد ؟
فإنّ البيّنة في اللغة بمعنى: الدليل والحجّة والوضوح، ولا إشكال في شمولها للعدل
الواحد، فإنّ المتحرّز عن الكذب ـ لايّ سبب كان، لتقوى أو غيرها ـ نقله حجّة،
ودليل، وواضح.
وأمّا في العرف: فهو كذلك أيضاً ودونكه.
وأمّا في الشرع: فقد ذُكرت « البيّنة » ومشتقّاتها في القرآن الكريم عشرات المرّات، وفي الاحاديث أكثر،
والظاهر منهما جميعاً المعنى اللغوي.
وإليك نماذج منها:
(قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي)(27).
(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَا مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَة)(28).
(أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَة مِنْهُ)(29).
(فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)(30).
(كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)(31).
وأمّا الروايات:
فكما في قوله (عليه السلام): « وآكل الربا بعد البيّنة »(32).
« والاشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة »(33).
« وعلّة تحريم الربا بعد البيّنة... »(34).
نعم، في باب القضاء والمخاصمات لا يكفي الواحد، للادلّة الخاصّة.
وأمّا الامر الثاني: وهو هل مع عدم شمول البيّنة للعدل الواحد، يكون الخبر الواحد
حكماً كالبيّنة في الحجّية ؟ وبعبارة أُخرى: هل العدل الواحد حجّة أم لا ؟
ففيه خلاف بين الاصحاب، وقد تقدّم الاضطراب حتّى من الفقيه الواحد في ذلك،
والمسألة فيها أقوال عديدة:
1. لزوم التعدّد مطلقاً.
2. عدم لزوم التعدّد مطلقاً.
3. التفصيل بين الحرج فالاوّل، وعدمه فالثاني(35).
4. التفصيل بين الموارد(36).
وقبل البدء ببيان هذه الاقوال نتعرّض للامر الثالث لقلّة بحثه.
وأمّا الامر الثالث: وهو هل يكفي الثقة ؟ فإنّ الظاهر من بناء العقلاء: التلازم
بين العدل والثقة، إذ العقلاء لا يهمّهم في الاعتماد على أحد، المعصية وعدمها،
ويهمّهم منه الوثاقة.
لنرجع إلى الامر الثاني من أجل بيان أقوال المسألة فيه:
أمّا القول الاوّل: فهو لزوم التعدّد في البيّنة مطلقاً، ونسب هذا القول إلى
المشهور، وعليه معظم المعاصرين ومن تقدّمهم ممّن يحضرني حواشيهم على العروة،
ومنهم الماتن (قدس سره) حيث أشكل في كفاية العدل الواحد في باب المياه، وباب
النجاسة، وغيرهما ولم يعلّق على إشكاله البروجردي، والميرزا عبدالهادي
والاصطهباناتي، والشريعتمداري، والكلبايكاني، وغيرهم.
وعمدة ما استدلّ لهم به أُمور:
الاوّل: الاصل، خرج عنه المتيقّن، وبقي الباقي.
وأُورد عليه: بأنّه مقطوع بما يذكر من أدلّة كفاية العدل الواحد.
الثاني: الاجماع المدّعى المنقول عن العناوين وغيره.
وأُورد عليه صغرىً: بوجود الخلاف في المسألة، والشهرة ـ على فرض تمامها موضوعاً ـ
لا تسمّى إجماعاً، ولا تكون حجّة ودليلاً.
وكبرىً: باحتمال استناده إلى غيره من الادلّة المذكورة.
الثالث: الاستقراء، ادّعاه صاحب الرياض (قدس سره).
وأُورد عليه: بأنّ الناقص منه غير حجّة، والتامّ غير موجود، ولذلك اعتبر بعض
الفقهاء استعمال الاستقراء في الفقه قياساً محضاً.
والقول: بأنّ الاستقراء وإن كان ناقصاً إلاّ أنّ القطع بوحدة المناط في سائر
الموارد يُتم المطلوب، قد أُجيب عنه: بأنّ عهدة القطع على مدّعيه.
نعم: ما أُورد على الاستقراء بأنّ الشارع جعل الحجّية لاربعة رجال أحياناً، ولرجل
ويمين، ولرجل وامرأتين، ونحو ذلك فلا يتم الاستقراء صغرىً.
ففيه: إنّ المقصود بالاستقراء ـ كما ادّعي ـ هو لزوم العدلين في مقابل القول
بكفاية العدل الواحد، لا في مقابل أربعة عدول، أو التوسّع في العدلين بجعل يمين
في مقابل عدل، أو امرأتين في مقابل عدل.
الرابع: بعض الاخبار العامّة كموثّقة مسعدة بن صدقة، وجاء فيها: « والاشياء
كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة »(37) بتقريب: أنّ
الرافع لحكم الاصل أحد شيئين:
الاوّل: العلم المعبّر عنه بالاستبانة.
الثاني: البيّنة.
وفيه: أنّه قد مرّ البحث والنقاش في هذا الخبر، فراجع.
وهناك بعض الاخبار الخاصّة، مثل ما ورد في الجبنّ عن الامام الصادق (عليه السلام): « كلّ شيء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة »(38) والمقصود بـ: «
كلّ شيء » ليس العموم كما توهّم، بل خصوص المشتبه كونه من ميتة أو مذكّى بقرينة ما
بعده: « يشهدان أنّ فيه ميتة ».
وفيه: أنّه إن ثبت في هذا المورد قلنا فيه بذلك للنصّ، ولا نتعدّى عنه، لحرمة
القياس، وعدم عموم في النصّ يشمل غير هذا المورد.
وبهذا ـ أيضاً ـ يجاب عن الاخبار الكثيرة في الموارد المتعدّدة من أبواب القضاء،
والشهادات، والحدود، والديات، والمعاملات وغيرها ممّا دلّت على لزوم التعدّد في
البيّنة، فإنّ هذه الموارد مهما كثرت لا تؤسّس حكماً كلّياً معتمداً ينسحب في
المشكوك فيه من الموارد كما لا يخفى، فتأمّل.
وأمّا القول الثاني: فهو عدم لزوم التعدّد في البيّنة مطلقاً، بل كفاية قول العدل الواحد في إثبات الموضوعات ـ إلاّ ما خرج بالدليل ـ نقله الشيخ زين العابدين المازندراني (قدس سره) في رسالة « ذخيرة العباد » عن جمع مصرّحين به(39).
وما استدلّ به لهم في ذلك أُمور:
الاوّل ممّا استدلّ به لعدم لزوم التعدّد وكفاية العدل الواحد في إثبات الموضوعات:
بناء العقلاء في أُمورهم المهمّة وغير المهمّة على الاعتماد على قول العدل الواحد
من غير نكير ولا ردع من الشرع، ردعاً كلّياً أو نكيراً عامّاً، وهذا عمدة ما في
الباب من الادلّة.
أمّا بناء العقلاء: فثابت بالنسبة للثقة الاعمّ من العدل.
وأمّا عدم الردع: فاحتمل الردع ـ بل قاله جمع ـ.
واستدلّ للردع بمثل موثّقة مسعدة بن صدقة حيث حصرت الحجّة في أمرين: « الاستبانة »
و « البيّنة » فلو كان خبر الواحد حجّة أيضاً لانتفى الحصر.
وأُشكل على الموثّقة سنداً ودلالةً:
أمّا سنداً فبضعف مسعدة بن صدقة، وبقية السند هكذا: علي بن إبراهيم، وهارون بن
مسلم، رواه الكافي.
لكنّه غير تامّ على الاصحّ إذ الرواية معتبرة من وجوه:
الاوّل: أنّها مقبولة، وقد استدلّ بها الاصحاب قديماً وحديثاً، نظير مقبولة عمر
بن حنظلة، والفتوى في الاحكام الشرعية من الاعاظم في العلم والتقوى طبقها، لا يقصر
ـ عند العقلاء في مقام التنجيز والاعذار ـ عن التوثيق.
الثاني: أنّه من رجال كامل الزيارات وتفسير علي بن إبراهيم، على القول باعتبار
كلّ رواتهما، وإن لم نلتزم به نحن.
الثالث: تصحيح العلاّمة طريق الشيخ والصدوق إليه كما في رجال العلاّمة(40). وقد
تقدّم في بعض المباحث المتقدّمة ما ينفع المقام.
وإنّ الشيخ الانصاري (قدس سره) على شدّة احتياطه أفتى فقهاً وأُصولاً على هذه
الرواية بل نسبها أحياناً إلى الامام الصادق (عليه السلام) وإليك نماذج من ذلك:
1. ففي الفرائد قال: « وقد قال الصادق (عليه السلام): كل شيء لك حلال حتّى تعلم
أنّه حرام وذلك مثل الثوب يكون عليك... »(41).
2. وفي كتاب النكاح في حكم سماع صوت الاجنبية قال: « لموثّقة مسعدة بن صدقة: لا
تبدأوا النساء بالسلام »(42).
3. وفي رسالة التقية قال: « ومنها قوله (عليه السلام) في موثقة مسعدة بن صدقة...
»(43).
4. وفي رسالة التقية أيضاً قال: « ففي موثّقة مسعدة بن صدقة »(44) إلى غير ذلك.
وغير الشيخ الانصاري (قدس سره) كالشيخ الانصاري في العمل بروايات مسعدة بن صدقة كما
يظهر ذلك للمتتبّع.
نعم، على مبنى من لا يرى حجّية الموثّق كالعلاّمة في رجاله، والشهيد الثاني وولده
الحسن (قدس سرهم) ـ حتى أنّ الشهيد (قدس سره) في المسالك عبّر عن ذلك بقوله في كتاب
الوصايا: « العمل بالموثّق خروج عن قيد الايمان »(45) أي: عن لزوم قيد الايمان في
الراوي ـ لا يكون خبر مسعدة هذا حجّة إن كان موثّقاً عامياً أو بترياً كما صرّح
بذلك، وإن كان محل تأمّل لنقله عن الامام الصادق (عليه السلام) روايات لا ينقلها
عادةً غير الامامي الشيعي، فلاحظ ترجمته في كتب الرجال خصوصاً: رجال المامقاني
وقاموس الرجال، لكنّهم (قدس سرهم) لم يلتزموا بهذا المبنى كما لا يخفى لمن تتبّع
كلماتهم(46).
وأمّا كون مسعدة بن صدقة عامياً كما صرّح به الشيخ، أو بترياً كما صرّح به الكشي،
فربما يشكّكنا في ذلك روايته روايات منافية للتقيّة شديداً ممّا لا يرويها عامي أو
بتري(47).
وقد أفتى العلاّمة في العشرات من المسائل الالزامية واستدلّ فيما استدلّ، برواية
مسعدة بن صدقة، بدون إشارة إلى ضعفه(48).
وقال في التنقيح: « وعلى الجملة إنّ الموثّقة غير رادعة عن السيرة العقلائية ».
وأمّا دلالة: فبأنّ المراد من « البيّنة » هنا وفي نظائره ـ بقرينة اللغة والعرف ـ
هو كلّ حجّة شرعية تأسيسية أو امضائية، مقابل الاستبانة الّتي هي عرفاً بمعنى:
الوضوح والظهور بالعلم الوجداني أو الاطمينانات الشخصية، وليس المراد بالبيّنة ـ
هنا ـ خصوص شهادة العدلين، فإنّ حصر معنى البيّنة في شهادة العدلين اصطلاح خاصّ
حادث متداول عند الفقهاء.
وأمّا اللغة والعرف العام ـ حتّى اليوم ـ فقد توافقا على اطلاق البيّنة على كلّ
حجّة ودليل وبرهان، وهكذا في آيات القرآن الحكيم والسنّة المطهّرة.
حتّى قالوا: إنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « إنّما أقضي بينكم بالبيّنات
والايمان »(49) ظاهر في أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يستفيد في مقام القضاء من
علم النبوّة، بل يحكم طبق المقاييس الشرعية الظاهرية: من مطالبة المدّعي بالدليل
والحجّة على ادّعائه، والمنكر باليمين، ولا تنحصر الحجّة ـ حتّى في مقام القضاء ـ
بشهادة العدلين، بل ربما يفصل الامر بغيرها كالاقرار، وترك المدّعي الدعوى ـ كما في
قصة اختصام امرئ القيس مع الرجل الحضرموتي في أرض متنازع عليها إلى رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم) وموعظته (صلى الله عليه وآله وسلم) للحضرموتي وردّ الرجل الارض
إلى امرىء القيس(50) وغير ذلك.
نعم، ثبت بالادلّة حجّية شهادة العدلين، فعلم من ذلك أنّها مصداق للبيّنة لا
أنّها منحصرة في شهادة العدلين. فظاهر الموثّقة ليس حاصراً للحجّة في البيّنة حتّى
تكون رادعة عن السيرة العقلائية على حجّية قول الثقة ـ ومنها العدل الواحد ـ.
الثاني ممّا استدلّ به لعدم لزوم التعدّد وكفاية العدل الواحد في إثبات الموضوعات:
عموم واطلاق الكثير ممّا دلّ على حجّية الخبر الواحد، فإنّ عمومها واطلاقها يشمل
الموضوع أيضاً كآية النبأ، فإنّ النبأ أعمّ من الحكم والموضوع، وآية الاُذن فإنّ
الايمان للمؤمنين أعمّ من الحكم والموضوع.
مثل: « ائت أبان بن تغلب فإنّه قد سمع منّي حديثاً كثيراً، فما رواه لك فاروه
عنّي »(51).
ومثل: «... قال (عليه السلام): من زكريا بن آدم القمّي المأمون على الدين
والدنيا »(52).
ومثل: « العمري، ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي
يقول »(53).
ومثل: « العمري وابنه ثقتان... »(54) ونحوها.
بل إن فصّل بين الموضوع والحكم، فحكمنا بعدم حجّية الخبر في الموضوع، كان إخراجاً
لمورد مفهوم آية النبأ، فإنّه إخبار الوليد عن ارتداد جماعة، وهو موضوع.
وما أجاب به الشيخ (قدس سره) من أنّه ليس إخراجاً للمورد، بل تقييد للمورد بالعدد
خلاف الظاهر، لانّه إسقاط لظاهر التصديق المطلق.
وربما يؤيّد ذلك: بأنّه إذا تمّت حجّية خبر العدل الواحد في الاحكام الشرعية
فثبوتها في الموضوعات مع كون الموضوعات أخفّ من الاحكام واضح بالمناط.
وفيه: أنّ هذا لا يخرجه عن القياس إلاّ العلم به، وعهدة العلم به على مدّعيه، نعم
غير بعيد ذلك إنصافاً.
وما ذكر في مقام دفع هذا المناط المستنبط: من أنّه لو كفى في الموضوعات قول العدل
الواحد بطريق أولى، فلماذا أوجب الشارع العدلين في كثير من الموارد، وعدم إيجابه
للعدلين في أحكام تلك الموارد كما هو واضح ؟ ليس وارداً على فرض تمامية المناط، إذ
لا ينافي القول بالمناط وجود مخصّصات، أو أدلّة خاصّة في موارد معيّنة.
وما قيل: من أنّ الاخبار عن الاجتهاد إخبار عن الحدس، لانّ الشخص يحدس اجتهاد
المجتهد ولا يحسّ به، والثابت حجّيته في باب الخبر الواحد هو الاخبار عن الحسّ.
ففيه أوّلاً: ربما يقال أنّه لا يبعد استفادة عموم لحجّية الخبر الواحد الشامل
للحدسيات أيضاً كما هو مذكور في الاُصول.
وثانياً: أنّه ثبت في الاُصول أنّ الحدس القريب من الحسّ بحكم الحسّ في حجّية
الاخبار عنه بالواحد، والاجتهاد هو كالشجاعة والجبن، والكرم والبخل ونحوها، من
الحدسيات القريبة من الحسّ، فحجّية الخبر الواحد فيه في محلّها.
الثالث ممّا استدلّ به لعدم لزوم التعدّد وكفاية العدل الواحد في إثبات الموضوعات:
المناط أو الاولوية، لاخفية الموضوع من الحكم، إذ الحكم ينتشر على أُلوف الموضوعات
بخلاف الموضوع فإنّه واحد.
وفيه: أنّه لا يخرجه عن القياس، إلاّ إذا أحرز هذا المناط، ولعلّه في محلّه.
وأشكل عليه أيضاً بإشكالات أُخرى:
1. كيف وجب في بعض الموضوعات العدد دون أحكامها، وهذا يكشف عن عدم المناط.
وفيه: المستثنى فقط أبواب الحدود والقضاء وكلاهما لهما وجه واضح.
أمّا الحدود: فالظاهر من الشريعة أنّه في حين شدّد في تشريع العقوبة، كثّر قيودها
حتّى يقلّ الثبوت.
وأمّا القضاء: فلاهمية مصاديق المخاصمات وتظهر الثمرة فيما حكم العادل بالكتاب
مثلاً لزيد، وقال ثقة لزيد: الحاكم اشتبه في شخص الكتاب.
هذا مضافاً إلى أنّ التخصيص لا يكشف عن الاشكال في العموم.
فإذا كان المناط بحدّ الظهور العقلائي لا يخدشه التخصيص.
2. الاخبار عن الاجتهاد، حدس.
وفيه نقضاً: بالبيّنة.
وحلاً: 1. بأنّ الحدس أيضاً حجّة، وقد ذكر الشيخ(55) أنّ القوم استدلّوا على
حجّية فتوى الفقيه بآية النفر والسؤال(56). ونفى الشيخ (قدس سره) استدلال أحد بآية
النبأ لحجّية فتوى الفقيه للمقلّد قال: «لم يستدلّ أحد من العلماء على حجّية فتوى
الفقيه على العامي بآية النبأ»(57).
هذا ـ مضافاً إلى عدم انحصار دليل حجّية الخبر في آية النبأ، وإلى أنّ عدم
الاستدلال أعمّ من عدم الشمول ـ فإنّ غير واحد قد استدلّ به، قال بعض المتأخّرين:
« وأمّا آية النبأ الدالّة على طرح خبر الفاسق وقبول خبر العادل... مضافاً إلى أنّ
اعتبار العدالة من حيث الخبر لا دخل له بالاعتبار من حيث الفتوى، فلا دليل على عدم
جواز العمل بفتوى الفاسق مع القطع بصدقه في خبره عن رأيه ».
2. وبأنّ الحدس القريب من الحسّ كالشجاعة والجبن، والكرم والبخل ونحوها، حجّة.
3. إن قلت: إنّه طبيعة ثالثة لا حسّ ولا حدس.
قلت: عند العقلاء، الخبير حدسه حجّة، فإن كان ثقة كان إخباره عن حدسه حجّة، وإلاّ
فإنّ نقل ثقة آخر حدسه كان الحدس حجّة.
والثقة نقله الحسّي حجّة، فإن كان خبيراً ثقة كان نقله وحدسه جميعاً حجّة.
إلاّ ما وسّع الشارع كقول ذي اليد وإن كان متّهماً على ما صرّح به البعض مثل آل
ياسين (قدس سره)(58).
أو ضيّق كثبوت ربع المال ونحوه بامرأة ونصفه بامرأتين، وهكذا.
وقد ورد في أبواب متفرّقة من الاكتفاء بالعدل الواحد في إثبات الموضوعات كخبر الثقة
بعزل الوكيل، وخبر الثقة باستبراء الامة، وثبوت الوصية بخبر الثقة، وثبوت زوجية
المرأة لشخص آخر بقوله إذا كان ثقة، وثبوت مواقيت الصلاة بأذان الثقة، وغير ذلك.
وأمّا الروايات الدالّة على كفاية العدل الواحد في الموضوعات فبعضها على ما يلي:
1. صحيح ذريح المحاربي عن الامام الصادق (عليه السلام): « صلّ الجمعة بأذان هؤلاء، فإنّهم أشدّ شيء مواظبة على الوقت »(59).
2. صحيح علي بن يقطين عن الامام الكاظم (عليه السلام) قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عمّن يلي صدقة العشر على من لا بأس به، فقال: « إن كان ثقة فمره يضعها في مواضعها، وإن لم يكن ثقة فخذها أنت وضعها في مواضعها »(60).
3. صحيح هشام بن سالم عن الامام الصادق (عليه السلام): « والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلّغه »(61).
4. موثّق سماعة المضمر، قال: « سألته عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار، من غير وصية، وله خدم، ومماليك، وعقد، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث ؟ قال: إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه، فلا بأس »(62).
5. موثّق سماعة المضمر أيضاً، قال: « سألته عن رجل تزوّج جارية أو تمتّع بها،
فحدّثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إنّ هذه إمرأتي، وليست لي بيّنة، فقال: إن كان
ثقة فلا يقربها، وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه »(63).
مع أنّ في مورده صحيح يونس المضمر، قال: « سألته عن رجل تزوج امرأة في بلد من
البلدان، فسألها: لك زوج ؟ فقالت: لا، فتزوّجها، ثم إنّ رجلاً أتاه، فقال:
هي امرأتي، فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم الزوج ؟ فقال (عليه السلام): هي امرأته
إلاّ أن يقيم البيّنة »(64).
والجمع بينهما يحمل الحصر في الصحيح على الاضافي، لانّ منطوق الموثّق أظهر من
مفهوم المضمر، كسائر موارد الحصر في الفقه ـ من عدد النجاسات، وعدد المفطرات،
وعدد تروك الاحرام، ونحوها ـ.
6. موثّق حفص بن البختري: « عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الرجل يشتري الامة
من رجل، فيقول: إنّي لم اطأها، فقال (عليه السلام): إن وثق به فلا بأس أن
يأتيها »(65).
ونحوه صحيح عبدالله بن سنان عنه (عليه السلام): « إن كان عندك أميناً فمسها »(66).
ونحوه صحيح أبي بصير عنه (عليه السلام): « إن ائتمنته فمسها »(67).
7. صحيح حمّاد عن الامام الصادق (عليه السلام): « في رجل طلّق امرأته ثلاثاً
فبانت منه، فأراد مراجعتها، فقال لها: إنّي أُريد مراجعتك، فتزوّجي زوجاً غيري، فقالت له: قد تزوّجت زوجاً غيرك، وحلّلت لك نفسي، أيُصدّق قولها ويراجعها ؟
وكيف يصنع ؟ قال: إذا كانت المرأة ثقة صدّقت في قولها »(68).
قال في الجواهر: « بل ثبوت الاحكام الشرعية به ـ أي: خبر العدل ـ أكبر شاهد على
ذلك، ـ أي: على ثبوت الموضوعات به ـ »(69).
وقال النراقي في المستند في مسألة سقوط القضاء إذا أفطر بعد الفجر اعتماداً على
العدل الواحد بعدم طلوعه: « وزاد بعض متأخري المتأخرين فقال بالاكتفاء بالعدل
الواحد... ودلالة الاستقراء على الاعتماد على العدل الواحد »(70).
8. صحيح محمد بن قيس عن الامام الباقر (عليه السلام): « قال أمير المؤمنين (عليه
السلام): إذا رأيتم الهلال فافطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين »(71).
وفيه أوّلاً: أنّ في بعض النسخ « عدول من المسلمين ».
وثانياً: رواها في الوسائل في الحديث السادس في الباب الحادي عشر: « بيّنة عدل ».
وثالثاً: تقييده بالبيّنة في مستفيض الروايات.
ورابعاً: الاعراض عنه في خصوص المورد ظاهراً.
الاوّل: عدم العمل ببعض هذه الروايات كالخبر الخامس حيث قال في الجواهر: « لم أجد
عاملاً به ».
وفيه: أنّ في البعض الاخر كفاية لفهم عدم الخصوصية.
الثاني: أنّ في مورد بعضها أمارة اليد ونحوها، ولا حاجة إلى الوثاقة، كالخبر
السابع.
9. موثّق إسحاق بن عمّار في الوصية عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « سألته عن
رجل كانت له عندي دنانير وكان مريضاً، فقال لي: إن حدث بي حدث فأعط فلاناً عشرين
ديناراً، وأعط أخي بقية الدنانير، فمات ولم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق
فقال لي: إنّه أمرني أن أقول لك: انظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي،
فتصدّق منها بعشرة دنانير، أُقسمها في المسلمين ولم يعلم أخوه إنّ عندي شيئاً ؟
فقال (عليه السلام): أرى أن تصدّق منها بعشرة دنانير »(72).
وقد عنون الباب في الوسائل ـ باب ثبوت الوصية بخبر الثقة ـ.
وعلّق في الحدائق على هذا الموثّق بقوله: « لا يخفى على من تتبّع الاخبار حقّ
التتبّع: أنّ المستفاد منها إنّما هو قبول قول العدل الواحد في غير موضع من
الاحكام، ومن ذلك هذا الخبر »(73).
10. الحسن بصالح بن رزين عن شهاب بن عبد ربّه عن الامام الصادق (عليه السلام): «
إني إذا وجبت زكاتي أخرجتها، فأدفع منها إلى من أثق به يقسّمها ؟ قال (عليه
السلام): نعم، لا بأس بذلك »(74).
وجاء في بعض تعليقات العروة في مقام مثبتات الاجتهاد: « ولا يعتبر قول الثقة، أو
العدل الواحد هنا، لاهمية المقام، ومذاق الشرع في مهامّ الاُمور على التعدّد ».
وفيه: أنّه لم تحرز هذه الكلّية ـ كما تقدّم ـ بل هي مختصّة بباب القضاء لرفع
النزاع، ولم يحرز كون المقام من صغريات هذه الكلّية، مضافاً إلى النقض بما تقدّم
في الروايات من الموضوعات المهمّة أيضاً، فتأمّل.
11. صحيح حريز عن الامام الصادق (عليه السلام): « يابني إنّ الله عزّوجلّ يقول في كتابه: (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) يقول: يصدّق الله ويصدّق للمؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم »(75).
1. لا إشكال في أنّ مورد الاية ومورد الصحيحة موضوع لا حكم.
2. « يصدق للمؤمنين » و « شهد عندك المؤمنون » قطعاً ليس المراد بهما العام
المجموعي، بل الاستغراقي المنتشر المحمول فيه بعدد أفراد ومصاديق الموضوع، نظير:
(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ
وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ
لَكَاذِبُونَ)(76).
ونحو إذا جاءك الضيوف فاطعمهم، ونحو ذلك.
3. قال الشيخ (قدس سره) في الرسائل ما حاصله: إنّ التصديق له معنيان:
1. الحمل على الحسن بدون ترتيب الاثر.
2. ترتيب الاثر.
ثمّ قال: المراد بالاية: آية الاذن، والرواية: صحيح حريز الاوّل لا الثاني.
أقول: الظاهر من الاية (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) ترتيب الاثر، إذ مادّة
الايمان هي ظاهرة في اعتبار الشيء واقعاً لا مجرّد الحمل على الحسن كأصل عملي.
وكذلك الظاهر من صحيح حريز في ثقة إسماعيل بن الامام الصادق (عليه السلام): ترتيب
الاثر، إذ قد عتب الامام (عليه السلام)على ابنه: في أنّه لماذا لم يرتّب أثر
الواقع على قول الناس: « إنّه يشرب الخمر » ويمتنع عن اعطائه أمواله ؟
4. إنّ الشيخ (قدس سره) نقض على استفادة ترتيب الاثر من معنى الرواية بموارد
التعارض، ولا إشكال في الخروج عن المبحث، نظير خروج موارد التعارض عن أدلّة حجّية
الخبر الواحد.
ولا بأس هنا بنقل بعض الكلمات في حجّية قول العدل الواحد في الموضوعات:
قال في المسالك ـ في إنعزال الوكيل بخبر الثقة ـ: « والاقوى إنعزاله بما دلّ عليه
الخبر الصحيح من إخبار الثقة وإن كان واحداً »(77).
وقال المحقّق الاردبيلي (قدس سره) في مجمع الفائدة: « بل لابدّ ـ أي: في انعزال
الوكيل ـ من الاعلام، ولو بإخبار الثقة، فيبطل حينئذ... وعمدة أدلّته: الروايات
عن أهل البيت (عليه السلام) منها: رواية هشام بن سالم... والوكالة ثابتة حتّى
يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلّغه... »(78).
وقال في المختلف: « هذا ـ أي: رواية هشام بن سالم ـ أصحّ ما بلغنا في هذا الباب ».
ويفهم من التذكرة أنّه رواها ـ أي: رواية هشام بن سالم ـ الشيخ في الصحيح.
وقال في شرح القواعد: « إنّها ـ أي: رواية هشام بن سالم ـ صحيحة ».
وكذا في شرح الشرائع.
وقال في الحدائق ـ في كتاب الطهارة وثبوت النجاسة بقول العدل الواحد ـ: « الحقّ
عندي أنّ قبول قول العدل الواحد في هذا المقام لا يخلو من قوة... لدلالة جملة من
الاخبار على إفادة قوله: العلم... » إلى أن ذكر صحيح هشام بن سالم في إنعزال
الوكيل بخبر الثقة، ثمّ قال: « والاصحاب قد صرّحوا في هذه المسألة: بأنّه لا
ينعزل الوكيل إلاّ بالعلم، ومنه يعلم أنّ نظم أخبار الثقة في سلك المشافهة الموجبة
للعلم ظاهر في أنّه مثله في إفادة العلم المشترط في المسألة، ونحو ذلك من الاخبار
الدالّة... »(79).
وقال الفقيه الهمداني (قدس سره) في مصباحه: « وحكي عن بعض: بالثبوت ـ أي: ثبوت
النجاسة بخبر العدل الواحد ـ وهذا هو الاقوى... ويشهد لذلك أيضاً كثير من الاخبار
الواردة في الابواب المتفرّقة يقف عليها المتتبّع » ثم ذكر عدداً من الاخبار وقال:
« إلى غير ذلك من الاخبار التي يستفاد منها كون العمل بقول الثقات أمراً مغروساً في
الاذهان، ممضىً في الشريعة »(80).
وفيه: أنّه لا يخرجه عن الاستقراء الناقص، وليس بحجّة. نعم، يفيد نوعاً من
الاطمينان بعدم الفرق بين هذه الموضوعات وغيرها، كما ادّعى ذلك أيضاً الاخ الاكبر، والعلاّمة الروحاني، وبعض مراجع العصر،
ولكنّه يصلح مؤيّداً لا دليلاً.
فالاكتفاء بالعدل الواحد غير بعيد وإن كان الاحتياط مهما أمكن وسهل، أولى وأفضل.
وهنا حيث وصل بنا المقام إلى الاستقراء فلا بأس بالكلام حوله بشيء من الاسهاب
والتفصيل:
وفيه تمهيدات أربعة كما يلي:
الاوّل: قال المحقّق في المعارج: « الاستقراء: هو الحكم على جملة بحكم، لوجوده فيما اعتبر من جزئيات تلك الجملة، ومثاله: أن تستقرء الزنج، فتجد كلّ موجود منهم أسود، فتحكم بالسواد على من لم تره كما حكمت على من رأيته، وحاصله التسوية من غير جامع، ومثاله في الفقهيات إذا اختلف في الوتر، فتقول هو مندوب، لانّه لو كان واجباً لما جاز أن يصلّى على الراحلة، لكنّه يصلّى على الراحلة، والمقدّم مستفاد من الاستقراء، إذ لا شيء من الواجب يصلّى على الراحلة، والاستثناء معلوم بالاجماع »(82).
أقول: لا إشكال في أنّ الاستقراء خارجاً على أقسام(83):
فمنها: ما يحصل منه القطع، وهو حجّة لمن حصل له بلا ريب، لا لانّه استقراء، بل
لايجابه القطع، فالمعتمد: المسبّب دون السبب. ومن ذلك ما ذكره الشيخ الانصاري
(رحمه الله) في الاستدلال للاستصحاب بالاستقراء إلى أن قال: « والانصاف أنّ هذا
الاستقراء يكاد يفيد القطع »(84).
وإن أشكل على الشيخ في صغرى ذلك عدد من تلاميذه وتلاميذهم، منهم: المحقّق
الاشتياني في شرحه على الرسائل حيث قال: « مع أنّ مورد عدم حكم الشارع على طبق
الحالة السابقة مع كون الشكّ فيه من الشكّ في الرافع كثير »(85).
ومنها: ما يقطع فيه بخلاف الاستقراء من القرائن الداخلية والخارجية، ولا إشكال في
عدم حجّية الاستقراء فيها، لا لانّ الاستقراء ليس حجّة، بل لانّ الحجّية ظرفها
الشكّ، فإذا حصل القطع بالخلاف، فلا ظرف للحجّية، نظير أيّة حجّة قطع في مورد
بخلافها، ومن ذلك بعض الاستقراءات الناقصة، المدّعاة في بعض الموارد.
ومنها: ما لا قطع في مورده بالوفاق ولا بالخلاف، وهذا القسم هو محلّ البحث، فهل
الادلّة كافية لاثبات حجّية هذا القسم نظير سائر الحجج، أم لا ؟
الثاني: هناك العديد من الفروع الفقهية استند الفقهاء فيها إلى الاستقراء ـ سواء في مقام ردّ الادلّة الاُخرى، أم تأييداً لبعض الادلّة في المسألة الضعيفة لتقوى بالاستقراء، أو القوية لتزداد قوّة به، أم لاهذا ولا ذاك ـ وإليك نماذج منها:
1. ذكر في المستند في مسألة ما هو المراد من الدينار والدرهم في باب الزكاة ؟ قائلاً: المراد « وزنهما، ولا يشترط أن يكون ما يسمّى ديناراً أو درهماً ـ إلى أن قال: ـ ويدلّ عليه الاستقراء في موارد الاحكام أيضاً »(86).
2. وذكر في المستند أيضاً في مسألة سقوط القضاء إذا أفطر الصائم اعتماداً على قول العدل الواحد بعدم طلوع الفجر، ثمّ تبيّن أنّه كان طالعاً، قائلاً: « وزاد بعض متأخّر المتأخّرين فقال بالاكتفاء بالعدل الواحد... ودلالة الاستقراء على الاعتماد على القول الواحد »(86).
3. وفي قاعدة عدم تداخل الاسباب، استدلّ لها في الجواهر بالاستقراء، وقال: «... لما يقضي به الاستقراء في جميع أبواب الفقه: من الصلاة والزكاة والحجّ والصيام والايمان والنذور والديون والحدود وغيرها »(87).
4. وفي مسألة كون الكرّ كالجاري، قال في الجواهر: «... بدعوى استفادة تنزيل الكرّ منزلة الجاري في ما يتعلّق بالطهارة والنجاسة والتطهير وغيره: من الاستقراء والتتبّع »(88).
5. وفي مسألة عدم وجوب الاستمرار في الاعتكاف الواجب غير المعيّن بمجرّد الشروع فيه، قال في الجواهر أيضاً: « والنهي عن إبطال العمل... خاصّ في الصلاة، كما يشهد له الاستقراء وغيره »(89).
6. وفي مسألة كفاية البيّنة في القبلة حتّى مع التمكّن من العلم، قال الشيخ الانصاري (رحمه الله): « بل ربما يقوى جواز الاعتماد عليها مع التمكّن من العلم بتلك العلامات، لانّها حجّة شرعية كما يشهد به الاستقراء »(90).
7. وفي مسألة وجوب ستر العورة في الطواف، قال في كشف اللثام: « إلى غير ذلك ممّا يطلعك عليه الاستقراء »(91).
8. وفي قاعدة الملازمة بين الدرك والنماء، قال الشيخ الانصاري (رحمه الله) في
الخيارات: « بقاعدة الملازمة بين النماء والدرك، المستفادة من النصّ والاستقراء
»(92).
وقال السيّد اليزدي في حاشية المقام: « أمّا الاستقراء فواضح »(93).
9. وتأييد بعضهم بالاستقراء لتقوية التفصيل في ردّ الامة الموطوءة مع عشر قيمتها إن كانت بكراً، ونصف عشرها إن كانت ثيّباً، قال: « وربما يؤيّد هذا التفصيل بمعلومية تقدير المشهور في الموارد المتفرّقة لعقر الثيّب بنصف العشر، ولعقر البكر بالعشر ـ ثمّ ذكر عدّة روايات وبعدها قال: ـ وبالجملة العمدة إثبات جواز ردّ الحامل البكر، وإلاّ فبعد جواز ردّها يكون أداء العشر بملاحظة مجموع ما ذكر وجيهاً »(94) مع أنّ مراده بمجموع ما ذكر: مرسلة، وإجماعا الغنية والسرائر، والاستقراء، وقد ردّ الاوّلين، فلاحظ عبارته.
10. وفي مسألة حجّية الظنّ في الركعتين الاُوليين كحجّيته في الاخيرتين، وعدمها، ردّ السيّد الطباطبائي اليزدي (رحمه الله) في حاشية المكاسب الاستدلال للحجّية بالاستقراء، بعدمه صغرىً، وهذا يكشف عن حجّيته كبرىً، قال: « وقد يستدلّ على المشهور ـ وهو حجّية الظنّ حتّى في الاُوليين ـ بالاستقراء، حيث إنّ الشارع جعل الظنّ في الاعداد بالنسبة إلى الاخيرتين حجّة، فيكون كذلك في الاُوليين، وفيه ما لا يخفى، فإنّ الظنّ المتعلّق بالاخيرتين مورد واحد، ولا يتحقّق به الاستقراء »(95).
11. وفي مسألة تقوّم أُمّ الولد على المولى في وطي الامة الموقوفة وقفاً ذرّياً، قال الشهيد الثاني (رحمه الله): « ولا شيء من أُمّ الولد يقوّم كلّها على المولى بدليل الاستقراء »(96).
12. وفي مسألة جواز التوضّي بفضل ماء اغتسال الحائض في الكثير، مع أنّ النصوص والكثير من الفتاوى خاصّة بالجنب، قال في الرياض: « إلاّ أنّه مع ذلك في الجملة غير بعيد بشهادة الاستقراء، حيث إنّ المستفاد منه اشتراك الحائض ومن في حكمها معه في كثير من الاحكام »(97).
13. وفي مسألة سحب جميع أحكام الحائض في النفساء، مع اختصاص بعض نصوصها بالحائض، كالعديد من الفتاوى، قال في الرياض أيضاً: « مع شهادة الاستقراء باتّحاد حكمهما في الاغلب، إلاّ ما شذّ »(98).
14. وفي مسألة عموم حجّية البيّنة حيث لا عموم لفظي في البين، نقل الشيخ (رحمه الله) عن غير واحد، مثل: العلمين: الوحيد البهبهاني وتلميذه صاحب الرياض، الاستناد إلى الاستقراء للعموم، قال: «وهو ـ أي: استقراء الاستصحاب ـ أولى من الاستقراء الذي ذكره غير واحد، كالمحقّق البهبهاني وصاحب الرياض: أنّه المستند في حجّية شهادة العدلين على الاطلاق»(99).
الثالث: صرّح جمهرة من الاعاظم بحجّية الاستقراء في موضوعات الاحكام سواء كانت موضوعات خارجية صرفة، أم موضوعات مستنبطة، شرعية كانت أم غير شرعية، من لغوية ونحوية وصرفية وغيرها.
قال المحقّق الشيخ محمّد تقي في شرح المعالم: « ثمّ إنّ لمعرفة كلّ من الحقيقة
والمجاز طرقاً عديدة... ثالثها الاستقراء... ثمّ الاستقراء إن كان مفيداً للقطع
كما في الحكم برفع الفاعل ونصب المفعول فلا كلام، وإن كان مفيداً للظنّ فكذلك
أيضاً، لما دلّ على حجّية الظنّ في مباحث الالفاظ، وإطباق أهل الادب عليه من غير
نكير كما ينادي به ملاحظة كلماتهم »(100).
وقال في الحقيقة الشرعية: « ومنها ـ أي: ممّا يدلّ على الحقيقة الشرعية ـ:
الاستقراء، فإنّ من تتبّع موارد استعمالات كثير من الالفاظ المستعملة في المعاني
الجديدة كالصلاة، والزكاة والصوم، والحجّ، والوضوء، والغُسل ونحوها، وجد
استعمال الشارع لها في تلك المعاني على نحو استعمال الحقائق... وهناك طريق آخر
للاستقراء يستفاد منه شمول الحكم للكل... »(101).
وقال السيّد الحكيم (رحمه الله) في الحقائق في الاستدلال للاعمّ من الصحيح: «
ويمكن للقائل بالاعمّ دعوى الاستقراء الحاصل من ملاحظة المعاني الموضوع لها
والمستعمل فيها، أو خصوص الموضوع لها على نحو يكشف عن ضابط مطّرد... وليس هذا
ونحوه بأضعف من أدلّة القولين »(102).
والمتتبّع للفقه يجد ذلك في الكثير من المسائل التي تحقّقوا موضوعاتها ـ المستنبطة
الشرعية وغير الشرعية، وغير المستنبطة ـ بالاستقراء.
وإذا لاحظنا أنّ في مقام الاثبات يكون الحكم أسهل من الموضوع، للخلاف في ثبوت
الموضوع بالخبر الواحد، والاتّفاق على ثبوت الحكم به، فربما يستساغ ثبوت الحكم
بالاستقراء الذي يثبت به الموضوع، والاستقراء أقوى من القياس، وربما يقال بأنّ
القياس المنهي عنه إنّما هو في الحكم دون الموضوع، فإذا كان الموضوع يثبت بالقياس،
فثبوته بالاستقراء أولى وأجدر.
لا يقال لا كلّية لما ذكر ـ وهو عدم ثبوت الحكم بالقياس، وثبوت الموضوع به ـ نقضاً
وحلاً:
أمّا نقضاً: فلانّ موضوعات الاحكام قد تثبت بقول الكافر، والفاسق، والمرأة،
والصبي، ولا تثبت بها الاحكام كما في حجّية قول ذي اليد، وثبوت القبلة ونحوهما(103).
مع أنّه قد نسب إلى أبي حنيفة المعروف بالقياس في الاحكام، أنّه لم يجوّزه في
الموضوعات.
وأمّا حلاً: فلانّه ـ مضافاً إلى أنّ ثبوت الموضوع بالقياس مستلزم لثبوت الحكم به،
لعلّية الموضوع للحكم، وقد نهي عن القياس في الاحكام ـ:
ربما يستفاد من بعض روايات النهي عن القياس أعمّيته من الموضوع.
فإنّه يقال: أمّا ثبوت الموضوع بقول الكافر ـ مثلاً ـ فللعلّة المأخوذة في الادلّة، ففي القبلة المبنية على الظنّ، يكون كلّ محقّق للظنّ موجباً لثبوت القبلة به،
سواء كان هذا الظنّ حاصلاً من قول المؤمن أم غيره، وعموم حجّية قول ذي اليد شامل
للمؤمن وغيره، وهذا غير مثل القياس المنهي عنه بالعموم الشامل للموضوع أيضاً.
وأمّا أنّ ثبوت الموضوع بالقياس، إثبات للحكم به للعلّية، فهو غير تامّ، وإلاّ للزم
اشتراط جميع شروط ثبوت الحكم في الموضوع ولم يقل به أحد.
وأمّا استفادة العموم من بعض روايات النهي عن القياس فلم أجده، بل ربما يقال
باستفادة العكس، وهو اختصاص النهي بالاحكام، إذ مضافاً إلى مثل: « السنّة إذا
قيست محق الدين »(104) ونحوه الظاهر بل الصريح في الحكم، إذ السنّة هي الاحكام لا
موضوعاتها:
إنّ بعض الروايات خصّصت بـ: « الحكم » و « الاحكام » ونحوهما.
فعن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلاً: « إيّاكم والقياس في الاحكام
فإنّه أوّل من قاس إبليس »(105).
وفي صحيح زرارة عن الامام الباقر (عليه السلام): « يازرارة: إيّاك وأصحاب القياس
في الدين »(106).
ونحوهما غيرهما.
فإذا كان هذا حال القياس في الموضوعات، استفيد منه حال الاستقراء فيها بالاولوية
القطعية.
الرابع: الاستقراء تامّ وناقص، والتامّ هو تتبّع جميع الموارد، وفي حكمه تتبّع
موارد، بحيث يحصل العلم بأنّ بقية الموارد أيضاً هكذا، والناقص هو تتبّع بعض
الموارد بحيث يظنّ أنّ البقية مثل المتتبّع فيها.
وأمّا الفرق بين الاستقراء والغلبة، ففي حاشية الاشتياني على الرسائل: « ثمّ إنّ
الفرق بين الاستقراء الناقص والغلبة ـ حسبما ذكره الاُستاذ العلاّمة(107)ـ هو كون
الاوّل أتمّ من الثاني من جهتين:
إحداهما: أنّه يشترط في الغلبة وجدان مخالفة الفرد النادر للغالب في الحكم، وفي
الاستقراء لا يشترط ذلك.
ثانيتهما: أنّ الغلبة لا تتحقّق إلاّ مع موافقة أغلب الافراد في الحكم،
والاستقراء يتحقّق بوجدان موافقة جملة من الافراد في الحكم مع عدم وجدان المخالفة
عن الباقي، أمّا معها فلا »(108).
وبهذا يظهر التأمّل بل الاشكال في ما ذكره في المفاتيح من قوله: « الثالث: لا فرق
في ذلك أي: في الاستقراء بين صورتي: ظهور مخالفة بعض الافراد، وعدمه »(109).
إذا تمهّدت هذه التمهيدات فاعلم أنّهم اختلفوا في حجّية الاستقراء وعدمه على قولين:
قال في المفاتيح: «هل الاستقراء حجّة في نفس الاحكام الشرعية كما أنّه حجّة في
المسائل اللغوية أو لا ؟ اختلفوا في ذلك على قولين: الاوّل: أنّه ليس بحجّة وهو
للمعارج والنهاية، الثاني: أنّه حجّة وهو المحكي عن بعض وإليه ذهب بعض فضلاء
العصر... والمسألة في غاية الاشكال، ولكن القول الثاني في غاية القوّة»(110).
استدلّ القائلون بحجّية الاستقراء بأُمور:
أحدها: تعليل آية النبأ على ما ذكره بعضهم في حجّية الخبر مستدلاً به.
إذ الاعتماد على الاستقراء ليس جهالة وسفهاً، وكلّما لم يكن جهالة وسفهاً كان حجّة
عند الشارع.
أمّا الصغرى: فالعرف ببابك.
وأمّا الكبرى: فلظاهر آية النبأ وهو العلّية.
وما يرد على هذا الاستدلال: من الاشكال نقضاً وحلاً، يرد مثله على الاستدلال به
لخبر الثقة، والجواب الجواب، وسيأتي تفصيل ذلك في بحث حجّية الخبر الواحد إن شاء
الله تعالى.
ثانيها: بناء العقلاء، فإنّه قد استقرّ ـ ارتكازاً وعملاً ـ على العمل بالاستقراء
في أُمورهم، ورؤيتهم الاستقراء منجّزاً لدى الاصابة، ومعذّراً لدى الخطأ، وهذا
لا إشكال فيه ويظهر ذلك لمن لاحظ ممارسات العقلاء في شتّى شؤونهم الفردية
والاجتماعية، والسياسية والاقتصادية، والنفسية والبدنية، وغيرها.
فيكون ذلك صغرى لكبرى الطريقية الشرعية لكلّ ما كان مصداقاً ـ عند العقلاء ـ للطاعة
والعصيان، إلاّ ما خرج بدليل، ولم يدلّ دليل على خلافه: أمّا خاصّاً فهو واضح،
وأمّا عاماً فبما سيأتي نظيره ان شاء الله تعالى في بحث حجّية الخبر الواحد: من
عدم شمول العمومات المانعة عن العمل بغير العلم لذلك، ثبوتاً، أو إثباتاً، على
اختلاف أنواعها.
وما يقال: من أنّ السيرة العقلائية على العمل بالاستقراء لم يحرز إطلاقها حتّى في
حال عدم حصول الاطمئنان، بل لانّها لبّية فلا أقلّ من الشكّ، فيكون المتيقّن منها
عندهم ما يطمئنون منها إلى الواقع.
ففيه: أنّ مثل هذا الايراد ذكره بعضهم بالنسبة لبناء العقلاء في خبر الثقة،
والجواب هناك هو الجواب هنا، وحاصله: أنّ المتتبّع لعمل العقلاء ربما يشرف على
القطع بأنّ التنجّز والتعذّر عند العقلاء لاجل نفس الاستقراء، لا لحصول العلم أو
الاطمئنان، واستعراض معاملات العقلاء بعضهم مع بعض في مقام التنجّز والتعذّر،
وعملهم في مقام شؤونهم كفيل بإثبات ذلك.
ثالثها: ما ذكره عدد من تلاميذ شريف العلماء والمتأخّرين عنهم (قدس سرهم)(111): من
الظهور العرفي المستفاد من جمع الادلّة في الموارد الجزئية، وحجّيته لكونه ظهوراً
ومصداقاً للظهور العرفي، كحجّية ظهور الدليل الواحد.
فكما أنّ الخبر المعتبر إذا كان ظاهراً في حكم يكون حجّة في ذاك الحكم، كذلك إذا
وردت عدّة أخبار في جزئيات حكم كلّي، يستفاد فيه ـ ظهوراً عرفياً ـ ذلك الحكم
الكلّي.
واستدلّ صاحب الحاشية للمعالم بذلك لتنجّز العلم الاجمالي بالحكم الالزامي في
الشبهة المحصورة، المستفاد هذا التنجّز الكلّي من الروايات العديدة في موارد جزئية.
قال: « إنّ الظاهر من تتبّع الاخبار الواردة في خصوصيات الشبهة المحصورة مثل ما
ورد في الانائين المشتبهين، وما ورد في الامر بغسل الثوب كلّه عند اشتباه المحلّ
النجس منه، وما ورد من منع بيع اللحم إذا اشتبه الميتة منه بالمذكّاة إلاّ ممّن
يستحلّ الميتة الظاهر في حرمته كما في روايتين، وما دلّ على الصلاة في الثوبين
المشتبهين كما في حسنة صفوان وقد أفتوا بمضمونها إلى غير ذلك ممّا ورد أنّ المشتبه
بالحرام ممّا يجب الاجتناب عنه وأنّ المشتبه بالنجس في حكم النجس في عدم جواز
استعماله فيما يشترط بالطهارة: من رفع حدث، أو إزالة خبث، أو أكل وشرب ونحوها ـ
إلى أن قال: ـ إنّه مستفاد من ملاحظة جميع تلك الاخبار فهو مدلول عرفي لمجموع تلك
الروايات، وكما أنّ المستفاد من ظاهر خبر واحد حجّته شرعاً، فكذا المستفاد من
جميعها بعد ضمّ بعضها إلى بعض لاندراجه إذن تحت المداليل اللفظية، فيدلّ على جواز
الاتّكال عليه ما دلّ على حجّية ظواهر الالفاظ »(112).
وفي تبيان الاُصول جعل هذا أحد الاقسام الثلاثة للاستقراء، والقسمان الاخران ما إذا
لم يكن للمستقرأ ألفاظ.
وينبغي عدم الفرق في الحجّية بين هذا القسم وغيره، إذا كان المستقرأ حجّة في كلّ
جزئي جزئي، وكان استفادة الكلّي من الجزئيات عرفية.
وما ربما يقال: من أنّ المسلّم حجّية الظهور العرفي من اللفظ، دون كلّ دليل عرفي
ولو من غير اللفظ.
ففيه: أيّة خصوصية للّفظ ؟ وهل اللفظ إلاّ واسطة إثبات في الحجّية العقلائية،
التي هي مطلقاً ـ إلاّ ما خرج كالقياس مثلاً ـ ملاك الاطاعة والعصيان شرعاً ؟
رابعها: موثّقة مسعدة بن صدقة: « والاشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة »(113) والاستقراء استبانة عرفاً، إذ الاستبانة
ـ كما ذكر في
موضعها ـ هو الظهور العرفي الذي له مراتب بلا إشكال، وصدقها العرفي ببعض مراتبها
على الاستقراء لا ينكر.
والحاصل: أنّه يمكن نظم القياس المنطقي كالتالي:
كلّما كان استبانة ـ بأيّة مرتبة من مراتب الاستبانة للاطلاق ـ عند العرف، كان حجّة
شرعاً لهذه الموثّقة.
والاستقراء استبانة عند العرف، لاعتماد العرف في أُمورهم عليه فهو حجّة شرعاً.
وأمّا الاشكال في الموثّقة سنداً تارةً، ودلالة أُخرى، وغير ذلك ثالثة، فقد سبق
عرضها والجواب عنها فلا نعيد.
خامسها: الشهرة العملية والفتوائية، فإنّ مشهور الفقهاء قديماً وحديثاً، يعملون
بالاستقراء في الكتب الاستدلالية، ويفتون بها في الرسائل العملية، وهذا ربما يكشف
عن الحجّية ـ بما هو استقراء ـ عندهم، وإلاّ لما استدلّوا به، ولما أفتوا عليه.
وقد تقدّم بحث حجّية الشهرة وحدودها إجمالاً، فتأمّل.
سادسها: ما يؤيّد ذلك: من أنّ الفقهاء عند بحث الاستقراء في عشرات الموارد الفقهية تراهم غالباً ـ اللهمّ إلاّ بعض المتأخّرين ممّن عاصرناهم أو تقدّموا على عصرنا ـ إذا أشكلوا على الاستقراء يشكلون في الصغرى: بأنّه لا استقراء، أو بالمقدار اللازم بجانب الاشكال الكبروي، أو يسكتون على الكبرى وهي حجّية أصل الاستقراء.
وإليك نماذج من رسائل الشيخ الانصاري (رحمه الله) وغيره:
1. ففي الاستدلال لوجوب ترجيح جانب الحرمة في الدوران بين المحذورين نقل الشيخ
الانصاري (رحمه الله)الاستدلال له بأدلّة، أخيرها: الاستقراء.
قال: « وبالاستقراء بناءً على أنّ الغالب في موارد اشتباه مصاديق الواجب والحرام
تغليب الشارع لجانب الحرمة، ومثّل له بأيّام الاستظهار، وتحريم استعمال الماء
المشتبه بالنجس »(114).
ثمّ أشكل فيه بقوله: « ويضعف الاخير بمنع الغلبة... »(115).
2. في الاستدلال لتنجّز العلم الاجمالي ووجوب الاحتياط في أطراف الشبهة المحصورة
قال: « بل استدلّ صاحب الحدائق على أصل القاعدة باستقراء مواردها في الشريعة ».
ثمّ أشكل عليه بقوله: « لكن الانصاف: عدم بلوغ ذلك حدّاً يمكن الاعتماد عليه
مستقلاً، وإن كان ما يُستشم منها قولاً وتقريراً ـ من الروايات ـ كثيرة »(116).
3. في مستند النراقي (رحمه الله) في مسألة سقوط القضاء إذا أكل أو شرب بعد دخول
الفجر إن كان تفحّص، قال: المراد مراعاته وتفحّصه بنفسه، لا الاعتماد على الغير، ثمّ نقل الاستدلال على إطلاق حجّية قول العدل الواحد لهذا المورد عن بعض متأخّر
المتأخّرين، للاستقراء، وردّ الاستقراء صغرىً بقوله: « وممّا ذكرنا يظهر فساد
إطلاق الاعتماد على العدل أيضاً، والاعتماد عليه أو عليهما في بعض الموارد لا يوجب
التعدّي ولا يثبت استقراء »(117).
إلى غير ذلك ممّا يجده المتتبّع لمختلف كتب الفقه والاُصول.
ولعلّ فيما ذكر من أدلّة حجّية الاستقراء ـ بما هو ـ كفاية في بعث الاطمئنان
العقلائي للفقيه، وإن كان التأمّل الاكثر أجدر وأحوط، والله العالم.
استدلّ القائلون بعدم حجّية الاستقراء ـ بما هو ـ في الشريعة بأُمور:
الاوّل: الاصل، وقد تمسّك به المعظم قديماً وحديثاً.
قال المحقّق (قدس سره) في المعارج: « لانّ ثبوت الحكم فيما وجد، قد يكون مع وجوده
في الباقي، وقد يكون مع فقده، ومع الاحتمال لا يجوز الحكم بأحدهما دون الاخر »(118)
وهو ظاهر في الاصل.
وقال في الكفاية: « لا دليل على اعتبار الاستقراء ما لم يفد القطع »(119).
وأوضحه في النهاية بقوله: « ولا يفيد القطع إلاّ بإحراز جميع الموارد، حتّى يقطع
بواسطة مشاهدة جميع الجزئيات أنّ الحكم مرتّب على الكلّي بما هو كلّي، وحينئذ فلا
ثمرة عملية، إذ لا مشكوك حينئذ حتّى يُجديه الاستقراء القطعي ».
الثاني: ما دلّ على المنع عن العمل بالقياس، فإنّه يدلّ على المنع عن العمل بالاستقراء: إمّا بالفحوى، وإمّا لكونه من مصاديق القياس، لانّه قياس جزئي على جزئيات ـ كما في المفاتيح ـ(120).
الثالث: أنّ الاستقراء لا يفيد أكثر من الظنّ، فيكون مشمولاً لما دلّ على عدم
حجّيته، مثل قوله تعالى: (إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(121).
أقول: قد يجاب على ذلك كلّه بما علم ممّا تقدّم في الوجوه التي ذكرت لحجّية
الاستقراء، فتأمّل.
كان هذا تمام الكلام في القول الثاني: من عدم لزوم التعدّد لاثبات الموضوعات إلاّ
ما خرج بالدليل.
وأمّا القول الثالث: فهو التفصيل بين الحرج فيكفي العدل الواحد في ثبوت الاجتهاد،
وبين عدمه فلا.
اختاره الشيخ زين العابدين المازندراني، والسيّد إسماعيل الصدر (قدس سرهما) في «ذ
خيرة العباد » وحاشيته(122) ووجهه واضح، إلاّ أنّ الكلام في جواز التقليد حينئذ
مطلقاً أو بعد عدم إمكان التبعيض، الّذي صرّح به الماتن (قدس سره) في حاشيته على «
ذخيرة العباد » ومقتضى الصناعة: التقييد، كما فعله الماتن، إلاّ أنّ الغالب
للعوام العسر والحرج في التبعيض أيضاً بتقليد هذا في بعض الاحكام وتقليد غيره في
غيرها: إمّا تعلّماً، أو عملاً، أو كليهما.
وأمّا القول الرابع: فهو التفصيل بين الموارد، ففي مورد يكفي العدل الواحد في ثبوته فيثبت به وفي مورد لا يكفي فلا يثبت به، ووجهه واضح، لكنّه أمر غير منضبط ويعسر على العامي تشخيص موارده، إمّا تعلّماً، أو عملاً، أو كليهما معاً.
ثمّ إنّه هل يكفي كون المخبر ثقة غير عدل، بمعنى إيجاب قوله الوثوق والاطمينان وإن
لم يكن عادلاً بالمعنى المصطلح.
قيل بكفايته، حتّى ذهب إليه من المراجع المعاصرين جمع ممّن لا يقول بكفاية قول
العدل الواحد لانّ النسبة بينهما عموم من وجه وذلك:
لكونه علماً عرفاً.
ولبناء العقلاء على الاعتماد في كلّ أُمورهم على أخبار الثقات.
ولدلالة بعض أدلّة الخبر الواحد عليه، مثل تعليل: (أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً
بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(123) وغيره.
وللنصوص الكثيرة على كفايته في أبواب متفرقة مثل ما ذكر في باب الوصية، وباب عزل
الوكيل، وباب استبراء الامة، وغيرها ممّا نصّ في الاخبار الشريفة على كفاية الوثاقة
في المخبر.
ولاستفادة مفروغية حجّية قول الثقة من مثل قول الراوي للامام (عليه السلام): «
أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟ »(124).
وتقرير الامام لذلك بقوله: « نعم » مع ابتناء ذلك على حجّية قول الثقة، واستفادته
منه عرفاً يكفي دليلاً.
وقيل: بعدم كفاية ذلك:
لعدم كونه من مراتب: العلم، مطلقاً، وإذا أوجب العلم فالحجّة: العلم الحاصل، لا
الخبر الموجب له.
ولانّ البناء مطلقاً ممنوع، والردع بأدلّة وجوب الشاهدين، والبيّنة، ونحوهما
ممكن، ومع احتمال قرينية الموجود، لا يتمّ: بناء غير مردوع، الّذي هو الحجّة على
سبيل التركيب.
والنصوص الكثيرة على فرض حجّيتها تختص بأبوابها بعد عدم عموم فيها يشمل الموارد
المشكوكة.
ولانّ خبر: « أفيونس بن عبدالرحمن ثقة »: في الاحكام لا في الموضوعات، والفرق
بينهما مشهور بين الاصحاب، فلا تلازم بين حجّية قول الثقة في الاحكام وبين حجّيته
في الموضوعات، ومعلوم: أنّه لا يتمّ مثل هذا تقريراً عرفاً.
وفيها: أنّ هذه الاشكالات غير واردة غالباً، مضافاً إلى أنّ هذه الادلّة ولو نوقش
فيها واحداً واحداً ولكنّها بمجموعها تكون دليلاً شرعاً، وموجباً للاطمينان
بالحجّية كما لا يخفى.
وأمّا الجهة الرابعة: فهي اشتراط كون الشاهدين من أهل الخبرة، وأنّه هل يعتبر
فيهما ذلك أو يكفي عدالتهما فقط، أو وثاقتهما دون أن يكونا من أهل الخبرة ؟
لا إشكال في أنّ طريق ثبوت الاجتهاد ليس طريقاً خاصاً، لعدم الدليل عليه، وإنّما
هو طريق إلى موضوع ثبت له حكم شرعي، فهو كسائر الطرق إلى الاُمور الشرعية، ويثبت
بما تثبت به.
والموضوعات والاحكام الشرعية على قسمين:
القسم الاوّل: ما لا يحتاج معرفتها إلى إعمال الفكر والنظر، كالطهارة، والنجاسة، ولا شبهة في عدم لزوم كون المخبرين بها من أهل الخبرة،
بل لا معنى لاهل الخبرة في مثلها إلاّ العلم بما يحقّق به الموضوع.
القسم الثاني: ما يحتاج معرفتها إلى خبرة وفكر ونظر، كالشهادة بالاجتهاد،
والعدالة، والاعلمية، ونحوها، وهذا القسم هو مورد البحث في كفاية قيام البيّنة
عليها مطلقاً، أو اشتراط كونها من أهل الخبرة.
ربما يقال بكفاية العدالة أو الوثاقة فيهما، وعدم اشتراط كونهما من أهل الخبرة،
فلو أخبر عدلان عاميان باجتهاد شخص ثبت بقولهما شرعاً اجتهاده وذلك لاُمور:
الاوّل: اطلاق الادلّة المذكور فيها ذلك، كقوله (عليه السلام): « حتّى يشهد
شاهدان... »(125) وقوله (عليه السلام): « حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به
البيّنة »(126) وغيرهما.
الثاني: بناء العقلاء على حجّية قول الموثوق بصدقه من دون تقييد بكونه أهل خبرة.
الثالث: عدالتهما أو وثاقتهما مانعتان عن القول بتخرّص وجزاف.
والفرق بين هذا وسابقه: أنّ السابق تعبّد ببناء العقلاء، وهذا تعليل لبناء العقلاء.
وأُورد عليها: بأنّ الاطلاق غير تامّ، لكون الروايات في مقام بيان أصل حجّية
البيّنة، لا في مقام بيان خصوصياتها.
والقول بأنّ أصالة الاطلاق محكمة.
فيه: أنّ ذلك فيما كان القيد ممّا يخفى على عامّة الناس، فعدم ذكره، دليل عدم
لزومه، لا في مثل ما نحن فيه ممّا يكون خبروية الشاهد فيما يخبر به يكاد يكون شبه
المسلّم. فيمكن اعتماد المتكلّم الحكيم في ترك ذكر القيد على فهم العامّة للقيد من
دون ذكر، فتأمّل.
وبأنّ بناء العقلاء على العمل بقول العادل غير أهل الخبرة حتّى فيما يحتاج فهمه إلى
خبرة خاصّة، ممنوع.
أترى العقلاء يعتمدون في شراء الدار على استعلام قيمتها من عدلين لا خبرة لهما بقيم
العقارات والبنايات ؟
أو ترى العقلاء يعتمدون على قول عدلين بأنّ المريض الّذي كان خطراً جاز حدّ الخطر
دون أن يكونا طبيبين ؟
وبأنّ العدالة والوثاقة مانعتان عن التخرّص والجزاف كون هذا كافياً في العمل
بقولهما، غير معلوم، وربما يقال بأنّه معلوم العدم.
مضافاً: إلى أنّ اطلاق الادلّة يمكن القول ـ قريباً ـ بأنّه منصرف إلى الطريقة
العقلائية المتّبعة من الاعتماد على أهل الخبرة.
ولذا اختار هذا القول صاحب العروة (قدس سره) وكلّ من يحضرني حواشيهم من المراجع
المعاصرين ومن تقدّمهم حيث لم يعلّقوا على فقرة: « من أهل الخبرة » من المتن.
ثمّ إنّه نقل القول أو الميل عن بعض، باشتراط شرط آخر، وهو: عدم كون الثقة المخبر
سريع القبول حسن الظن.
والظاهر إرادته: عدم كونه مخالفاً للمتعارف مطلقاً، سواء بسرعة القبول وحسن الظنّ، أم بالسهو والنسيان، أم بالحبّ والبغض الغالبين، أم بنحو ذلك، لعدم خصوصية
لحسن الظنّ وسرعة القبول إلاّ دخولهما في كونه غير متعارف، واستدلّ له في ذلك بأنّ
مثله منصرف عنه الادلّة اللفظية.
والظاهر: أنّ كون المخبر غير متعارف يختلف بحسب المراتب، فقد يكون خلاف المتعارف
بحيث ينصرف عنه الادلّة قطعاً، ولا نمانع في مثلها عن ذلك.
وقد يكون خلاف المتعارف يسيراً، بحيث لو أخرج مثله عن العمومات والاطلاقات لكان
خروجه محتاجاً إلى دليل ـ عرفاً ـ ومثل هذا يشمله الاطلاقات والعمومات، وإن كان
التشخيص الموضوعي لبعض مراتب حسن الظنّ وسرعة القبول ونحوهما في أنّه من هذا القبيل
أو ذاك في غاية الاشكال.
نعم، لو شكّ في ذلك موضوعاً كان الاصل عدم كونه غير متعارف كما هو مبنى القوم،
إلاّ أنّ الكلام في احتياجه إلى الفحص أم لا هو الكلام الانف، وقد مضى بناء العديد
من المعاصرين ومن تقدّمهم على العدم، وبناؤنا على الفحص.
وأمّا الشكّ المفهومي، بأن كان يعرف حدود خروجه عن المتعارف ولكن شكّ في أنّ مثله
منصرف عنه الادلّة أم لا ؟ فهو مشكل، بل لعلّه يدخل في عموم أنّ الشكّ في الظهور
موضوع لعدم الظهور حكماً، والله العالم.
وقد يقال: بأنّ المدرك لحجّية قول الثقة إن كان بناء العقلاء من غير ردع، كان
الوجه خروج قول غير المتعارف عن الحجّية، لعدم إحراز استقرار بناء منهم على مثل
ذلك.
وإن كان المدرك هو الادلّة اللفظية فشمول اللفظ يمنع خروج غير المتعارف عن الاطلاق
والعموم، إلاّ أنّ الظاهر أنّ المدرك لحجّية قول الثقة وإن كان الدليل اللفظي
فانصراف اللفظ عن بعض مراتب خلاف المتعارف، لا ينكر.
ثمّ إنّه نقل في المقام عن بعض، عدم كفاية البيّنة في ثبوت مثل: الاجتهاد، من
الاُمور غير المحسوسة، بشبهة أنّ أدلّة الشهادة إمّا صريحة في الشهادة بالمحسوسات
كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « وقد سئل عن الشهادة قال: هل ترى الشمس ؟ على
مثلها فاشهد أو دع »(127).
وخبر علي بن غياث عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « لا تشهدنّ بشهادة حتّى
تعرفها كما تعرف كفّك »(128) ونحوهما غيرهما.
أو منصرفة إليها، ولا تشمل الشهادة على غير المحسوسات كالاجتهاد، والاعلمية
ونحوهما، فينحصر طريق استعلامهما بالعلم الوجداني الناتج عن المعاشرة، أو التواتر، أو الشياع،
أو نحوها.
وفيه أوّلاً: هذا أشبه شيء بالشبهة لا بالدليل لشمول اطلاقات وعمومات حجّية البيّنة للاجتهاد.
وثانياً: ورد بعض أدلّة الشهادة فيما تكون غير محسوسة.
مثلاً: كالشهادة على العدالة التي هي أمر غير حسّي، لانّها إخبار عن باطن الشخص
بما يظهر عليه من الاثار، خصوصاً على المبنى المنسوب إلى المشهور: من اعتبارهم
العدالة ملكة راسخة في النفس ممّا لا يسهل استظهارها بسرعة ونظرة ونحوهما.
والقول بأنّ العدالة من الحدس القريب من الحسّ، ليس على ما ينبغي، لاشتراطها بعدم
الرياء والعجب ونحوهما ممّا يصعب جدّاً كشفه بسرعة، كيف وقد ورد في الرياء أنّه: «
أخفى من دبيب الذرّ على الصفا في الليلة الظلماء ؟ »(129) أعاننا الله تعالى على
النجاة منها ومن غيرها من الاثام والمعاصي بحقّ محمّد وآله الطاهرين (عليهم
السلام)وسيأتي بعض الكلام عن ذلك في شرح المسألة الثالثة والعشرين فيما تثبت به
العدالة إن شاء الله تعالى.
وكالزندقة التي هي من الصفات الكامنة في النفس، ومظاهرها من العمل والقول لا يهتدى
بسرعة إلى استكشاف بواطنها منها، خصوصاً مع الامر بحسن الظنّ بالمؤمنين في أقوالهم
وأفعالهم، وحملها على أحسنها، أو على سبعين محمل، ونحو ذلك وقد وردت بذلك أخبار.
منها: خبر مسمع بن عبدالملك ـ لوجود سهل بن زياد في الطريق، وإن قيل أنّ الامر
فيه سهل، وليس بالبعيد ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام): « إن أمير المؤمنين (عليه
السلام) كان يحكم في زنديق إذا شهد عليه رجلان عدلان مرضيان، وشهد له ألف بالبراءة
يجيز شهادة الرجلين ويبطل شهادة الالف لانّه دين مكتوم »(130).
ونحوه رواية الجعفريات، ومرسل الدعائم(131) وقد حمل العلاّمة المجلسي (قدس سره) في
مرآة العقول ردّ شهادة الالف بصورة عدم المعارضة، كما لو كان تاريخ شهادة الالف
قبلاً، ممّا يمكن حصول الزندقة بعد ذلك.
أقول: ولعلّه لكون الشهادة على النفي شهادة على الاصل، والتفصيل في ذلك محلّه كتاب
الشهادات.
وكالسحر الذي دقّ، حتّى اختلف فيه موضوعاً ومصداقاً أساطين المحقّقين، ولا يمكن
معرفته إلاّ بالحدس، ومع ذلك تجوز الشهادة وتقبل على الساحر إنّه ساحر، ففي صحيح
زيد بن علي بن الحسين عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه سئل عن
الساحر فقال: « إذا جاء رجلان عدلان فيشهدان عليه، فقد حلّ دمه »(132) ونحو ذلك
غيره.
فاطلاق اشتراط قبول الشهادة بكونها في الاُمور الحسّية المدركة بالحواس الخمس فقط،
دون غيرها، حتّى يتمّ في غيرها دليل آخر مسلّم: من ضرورة أو إجماع أو نحوهما،
محلّ إشكال بل منع، والله العالم.
وثالثاً: بأنّ الاُمور غير الحسّية القريبة من الحسّ يعتبرها الفقهاء امتداداً للاُمور الحسّية كما ينقل ذلك عنهم في كتب الاُصول عند البحث عن الخبر الواحد فراجع، وهو كذلك.
ورابعاً: إنّ الظاهر من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « على مثلها فاشهد »(133)
يعني على مثل العلم الّذي يتعلّق بالشمس حين رؤيتها اشهد، لا على مثل هذه الشمس في
كونها محسوسة ومرئية.
ويؤيّده: أقربية الشمس إلى الضمير.
مضافاً إلى أنّ الرواية المذكورة مرسلة لا حجّية لها، خصوصاً مع معارضتها بالصحاح
الصراح المعمول بها: من جواز الشهادة بالعلم، وبالاستصحاب، وبالاصل، ونحو ذلك
ممّا حقّق في كتاب الشهادات، ولا أقل من عدم مقاومة مثل هذه المرسلة ـ على فرض
تمامية سندها ودلالتها ـ لتلك، فتأمّل.
... إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد....
وخامساً: على فرض حصر هذا الحديث، الشهادة في الاُمور الحسّية، فلا مانع من التمسّك في غير الحسّية بأدلّة أُخرى هي أخصّ منه، أو بينهما العموم من وجه، فيترجّح غيره عليه بالعمل، وغيره من سائر المرجّحات، أو لا أقل من تساقطهما في مورد التعارض، فيرجع إلى عمومات الشهادة واطلاقاتها، فتدبّر.
ثمّ إنّ الماتن قد اشترط قبول شهادة البيّنة باجتهاد شخص بما إذا لم تكن معارضة
بشهادة إثنين آخرين (134) عادلين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد.
وذلك للتعارض الموجب لسقوط البيّنتين عن الحجّية، والترجيح ثمّ التخيير، مختصّ
بباب الخبر، فلا ينسحب إلى باب الموضوعات.
هذا إذا كانت البيّنتان متساويتين في العدد والاوصاف شبه مسلّم بين القوم، ولذا لم
يعلّق على هذا المورد من الاعلام الذين يحضرني حواشيهم على العروة أحد، وإن كان قد
سبق وسيأتي منّا: احتمال بل ترجيح عدم تساقط الدليلين المتعارضين كأصل عام، وفاقاً
للاخ الاكبر والعلاّمة الروحاني وغيرهما.
وأمّا إذا كانت البيّنتان متفاوتتين بالعدد أو الاوصاف كالاورعية والاوثقية فهل
يتساقطان أيضاً ـ كما عليه جمع كبير من مراجع العصر تبعاً لجمع من السابقين عليهم ـ
أم يحكم للاقوى عدداً أو أوصافاً كما ذهب اليه بعض آخر من المراجع المعاصرين ـ
تبعاً لاسلاف لهم عديدين ـ ؟
لا يبعد الثاني، وفاقاً لجمع من الاعيان.
قال في باب التقليد من الوسيلة: « ويثبت كلّ من الاجتهاد والاعلمية... وبشهادة
عدلين من أهل الخبرة، ولو تعارضت البيّنات يؤخذ بما يترجّح إصابته، ويجب الفحص
عنها ما لم يؤدّ إلى الحرج » أي: يجب الفحص عن المعارضة وجوداً وعدماً، حتّى تثبت
المعارضة، فتتساقطان، أو يؤخذ بما يترجّح، أو يثبت عدم المعارضة فيؤخذ بالبيّنة
ويعمل عليها.
وقد صرّح العلاّمة (قدس سره) في القواعد بذلك، قال في كتاب القضاء: « أسباب
الترجيح ثلاثة: الاوّل قوّة الحجّة ـ إلى أن قال ـ ولو كان شهود أحدهما أكثر أو
أعدل فهي أرجح »(135).
وقال المحقّق (قدس سره) في الشرائع في كتاب القضاء: « ولو كانت أي: العين
المتنازع عليها في يد ثالث، قضي بأرجح البيّنتين عدالة، فإن تساويا قضي لاكثرهما
شهوداً، ومع التساوى عدداً وعدالة، يقرع بينهما... »(136).
وقال في الجواهر بعد هذه العبارة:
« بل في المسالك وغيرها نسبته إلى الشهرة، بل في الغنية الاجماع عليه، بل في
الرياض نسبته إلى الاشهر، بل عامّة متأخري أصحابنا... »(137).
ولعلّ الوجه في ذلك بناء العقلاء على الترجيح من غير ظهور ردع، وورد الترجيح
بالعدد وبالاوصاف في مطلقات من الاخبار لا داعي لحصرها في مواردها، بل مقتضى
الصناعة والفهم العرفي معاً: ابقاؤها على اطلاقها وعدم فهم الخصوصية منها.
ففي صحيح أبي بصير الّذي رواه المحمّدون الثلاثة في الكتب الاربعة بأسانيد عديدة عن
أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « إن علياً (عليه السلام) أتاه قوم يختصمون في
بغلة، فقامت البيّنة لهؤلاء أنّهم أنتجوها على مذودهم(138) ولم يبيعوا ولم يهبوا،
وقامت البيّنة لهؤلاء بمثل ذلك، فقضى (عليه السلام) بها لاكثرهم بيّنة واستحلفهم
»(139).
وفي خبر عبدالرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: « كان علي
(عليه السلام) إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم، أقرع بينهم... »(140).
وفي موثّق سماعة، قال: إنّ رجلين اختصما إلى علي (عليه السلام) في دابة (إلى أن
قال) وأقام كلّ واحد منهما بيّنة سواء في العدد، فأقرع بينهما... »(141).
وفي خبر عبدالله بن سنان، قال سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إنّ رجلين
اختصما في دابة إلى علي (عليه السلام) فزعم كلّ واحد منهما أنّها نتجت عنده على
مذوده، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة سواء في العدد، فأقرع بينهما... »(142).
قال في الجواهر: « وأصرح من ذلك المرسل: عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أيضاً:
في البيّنتين يختلفان في الشيء الواحد يدّعيه الرجلان: أنّه يقرع بينهما فيه إذا
اعتدلت بيّنة كلّ واحد منهما وليس في أيديهما... »(143).
نعم هناك روايات أُخر في الباب معارضة.
ثمّ إنّه لو عارض البيّنة خبر عدل واحد، فهل تسقط البيّنة عن الحجّية مطلقاً، أم يسقط أحد عدليها، ويبقى عدل واحد غير ساقط، فإذا انضمّ اليه عدل ثالث عادت البيّنة حجّة شرعاً، أم لا تسقط مطلقاً بل تبقى على حجّيتها ؟ احتمالات ووجوه:
أمّا القول الاوّل: وهو سقوط البيّنة بمعارضته عدل واحد مطلقاً، فهو ظاهر كلام
الماتن وكلّ من لم يعلّق عليه من الاعيان (قدس سرهم) في مثبتات العدالة من باب صلاة
الجماعة قال فيها: « إذا شهد عدلان بعدالة شخص كفى في ثبوتها إذا لم يكن معارضاً
بشهادة عدلين آخرين، بل وشهادة عدل واحد بعدمها »(144).
وممّن سكت على المتن من الاعيان المحقّق النائيني، والسادة: الوالد وابن العمّ
والبروجردي والميلاني، والاخ الاكبر وآخرون.
واستدلّ له الاخ الاكبر في (موسوعة الفقه) بقوله: « حيث إنّ شهادته تسقط شهادة أحد
العدلين فتبقى شهادة الاثبات غير كافية لانّها مستندة إلى واحد فقط »(145).
وظاهر كلام بعض من عاصرناهم في الحاشية: أنّه يرى حجّية قول العدل الواحد في
الموضوعات، فيكون من تعارض الحجّتين، ولا يرى الترجيح للعدد، فيتساقطان.
وقد صرّح في الشرح على العروة: بحجّية قول العدل الواحد مطلقاً، قال في كتاب
الصوم: « فإنّ عمدة الدليل على حجّية خبر الواحد إنّما هي السيرة العقلائية، التي
لا يفرّق فيها بين الشبهات الحكمية والموضوعية، ولاجله يلتزم بالتعميم إلاّ فيما
قام الدليل على الخلاف... ».
أقول: العادل ـ شرعاً على المشهور بين المتأخرين ـ هو صاحب الملكة المتحرّز عن
المعصية الفاعلية، وعليه فقد يقال: بأنّ هذا لايوجب الوثاقة مطلقاً لا النوعية
ولا الشخصية، وذلك لوجهين.
أحدهما: أنّ الشرع أجاز الكذب في موارد عديدة، كالاصلاح، والضرر على النفس أو
العرض أو المال له أو لاخيه المؤمن، والحرج، ونحو ذلك، لكون الشريعة الاسلامية
سهلة سمحة روعي فيها مصلحة التسهيل واليسر على العباد، فلذلك العادل قد يكذب في
الموارد التي أجاز فيها الشرع الكذب.
ثانيهما: قد يكون الشخص مع كونه عادلاً لكنه سريع الاقتناع والتصديق ـ لا بالحدّ
المفرط الكثير الّذي يوجب انصراف الادلّة عن مثله كالقطاع ونحوه ـ فهو عادل ومع ذلك
يكون المطّلع على حاله في معرض التحقيق والفحص عمّا يخبر به هذا العدل، إذا أراد
أن يرتّب على قوله أثراً، خصوصاً الاثار المهمّة، وذلك لا يخدش في عدالته.
فالعادل ـ مع ملاحظة هذين الوجهين فيه ـ هل استقرّت سيرة العقلاء على العمل بقوله
مطلقاً ؟
نعم، لو كان شخص عادلاً متحرّزاً عن المعصية الفاعلية، ولكنّه مع ذلك ثبت ـ
عقلائياً أو شرعاً ـ أنّه موثوق بكلامه، يعتمد عليه العقلاء، لكن لا لمجرد أنّه
عادل، بل لاتّصافه مضافاً إلى عدالته بالوثاقة، وإن كان للعدالة الاثر المهمّ في
حصول الوثاقة من كلامه.
إذن: فقوله: العقلاء لا يفرّقون في الحجّية بين الموضوعات والاحكام، صحيح، ولكن
حجّية قول العدل الواحد مطلقاً عندهم، غير واضحة.
إن قلت: فالبيّنة كذلك، لانّها ليست سوى اثنين من العادل المتحرّز عن المعصية
الفاعلية، ولا تلازم بين التحرّز عن المعصية مطلقاً ـ وبالاخصّ الفاعلية منها ـ
وبين التحرّز عن الكذب، فيقتضي التفصيل في حجّية البيّنة مع عدم معهوديته من أحد.
قلت: ذلك لانّ مبنى حجّية البيّنة، الادلّة الشرعية المطلقة لفظية وغيرها،
كالاجماع المطلق المعقد، والسيرة المطلقة لاحراز الاطلاق منها، وليس مبنى حجّيتها
بناء العقلاء، وإلاّ لزم التفصيل المذكور فيها أيضاً.
إن قلت: كلّ متحرّز عن الكذب قد يكذب لمصالح مهمّة يجوّز العقل، والعقلاء الكذب
لها، لرؤية العقل وبناء العقلاء على أهميّتها على مفسدة الكذب، كالكذب الّذي لا
يترتّب عليه مفسدة، لانقاذ نفس محترمة عن الهلاك، ونحو ذلك، وهذا يقتضي سدّ باب
الاعتماد على الغير مطلقاً، وهو خلاف الوجدان من سيرة العقلاء.
قلت: النادر الّذي كالمعدوم عرفاً لا يضرّ بالبناء المذكور، خصوصاً وأنّ مثله قد
لا يتّفق لشخص مدّة عمره، وقد يتّفق في العمر مرّة أو مرّات قليلة، وهذا بخلاف
جواز الكذب لكلّ إصلاح، أو إنقاذ كلّ مال، أو عرض، أو نفس، له ولقرابته ولسائر
المؤمنين، الّذي قد يتّفق لبعض الناس كلّ يوم عدّة مرّات، خصوصاً مثل المبتلين
بالحكومات الظالمة، المتحمّلين لاموال المؤمنين.
ففي مكاسب الشيخ قال: « وصحيحة إسماعيل بن سعد الاشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه
السلام): « سألته عن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف له لينجو به منه ؟ قال
(عليه السلام): لا بأس، وسألته: هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على مال نفسه
؟ قال (عليه السلام): نعم.
وعن الفقيه قال: قال الصادق (عليه السلام): اليمين على وجهين ـ إلى أن قال ـ:
فأمّا اليمين التي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذباً ولم تلزمه الكفّارة، فهو أن
يحلف الرجل في خلاص امرئ مسلم، أو خلاص ماله من متعدٍّ يتعدّى عليه من لصّ أو غيره.
وفي موثّقة زرارة ـ بابن بكير ـ: إنّا نمرّ على هؤلاء القوم فيستحلفونا على أموالنا
وقد أدّينا زكاتها ؟ فقال (عليه السلام): يازرارة إذا خفت فاحلف لهم بما شاءوا.
وفي رواية سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام): « إذا حلف الرجل تقية لم يضرّه إذا
هو أُكره أو اضطر اليه وقال (عليه السلام): ليس شيء ممّا حرّم الله إلاّ وقد أحلّه
لمن اضطرّ إليه »(146).
إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة في الابواب المختلفة، خصوصاً وقد أفتى بعضهم بجواز
الكذب النافع أيضاً لما ورد في بعض الاخبار من لفظ « الصلاح » من الثلاثي المجرّد،
دون « الاصلاح » فقط، من الثلاثي المزيد من باب الافعال، كالماتن والشيخ زين
العابدين المازندراني، والسيد إسماعيل الصدر (قدس سرهم) قال الاوسط في رسالته
مستدلاً بخبر ـ أو صحيح كما لا يبعد ـ علي ابن جعفر عن النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم): « إن الله أحبّ الكذب في الصلاح، وأبغض الصدق في الفساد » ما ترجمته: «
والكذب النافع لا إشكال فيه »(147) وسكت عليه الاوّل والاخير.
فهل مثل هؤلاء المبتلين بالكذب كثيراً مع التجويز العقلائي والعقلي النادر جدّاً
سيّان في بناء العقلاء، والوثاقة والاعتماد ؟
إذن: فقول العدل الواحد ـ بما هو عدل ـ مطلقاً لا حجّية عقلائية له، إلاّ إذا
أوجب الوثاقة النوعية، أو الشخصية. نعم لو كان حجّية الخبر الواحد مبنية على
الادلّة اللفظية من الايات والروايات كان القول باطلاقها في محلّه، فتأمّل.
ولعلّه لذلك وأمثاله أصرّ المحقّقان: النائيني والشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس
سرهما) في حواشيهما على نجاة العباد وصراط النجاة ومجمع المسائل والعروة الوثقى
وغيرها، بتقييد حجّية قول العدل الواحد في الموضوعات بالاحتياط، أو بما إذا أوجب
الوثوق والاطمينان النوعيين، أو الشخصيين، أو انسدّ عليه الطرق المعتبرة أو نحو
ذلك.
لكن قد يقال: بأنّ بناء العقلاء في أُمورهم مبني دائماً على الظنون الغالبة،
ومطابقة قول العدل للواقع يعتبر من الظنون الغالبة ـ وإن كان من نازل أفرادها
أحياناً، لكون الظنون الغالبة على درجات ومراتب كثيرة جامعها بعثها على الاطمينان
والوثوق النوعي الّذي له مراتب أيضاً ـ إذ نسبة ما يكذب فيه العدل لمجوّز شرعي إلى
ما يصدق فيه، خصوصاً على القول المنسوب إلى مشهور المتأخرين: من عدم جواز الكذب
النافع، بل ولا في مطلق الصلاح، وإنّما الجائز في موارد الضرر فقط، الّذي يؤدّي
الصدق اليه، نسبة قليلة جدّاً، ربما لا تبلغ العشر، بل هو كذلك عند غالب العدول.
فيكون قول العدل مساوقاً لايجاب الوثوق والاطمينان غالباً، وكفى به ملاكاً للحجّية
العقلائية.
ولعلّه لذلك بنى جمع من الاساطين على حجّيته في موارد مختلفة من الفقه، لاثبات
الموضوعات به، كصاحب الجواهر والشيخ الانصاري ومعظم تلاميذهما ومعظم تلاميذهم (قدس
سرهم) قال صاحب الجواهر (قدس سره) في نجاة العباد: « ثم إنّه لا يحكم بنجاسة الشيء
إلاّ باليقين أو بإخبار ذي اليد، أو شهادة العدلين أو العدل الواحد على الاقوى »(148)وسكت أعاظم من المعلّقين كالشيخ (قدس سره) والكاظمين، والحاج آقا رضا الهمداني،
وشيخ الشريعة، والشيخ محمّد طه نجف، والسيّد إسماعيل الصدر، والشيخ عبدالله
المازندراني، والميرزا حسين الخليلي وآخرين (قدس سرهم) وقال الشيخ (قدس سره)في «
صراط النجاة » ما ترجمته: « لا يتعيّن على المكلّف التقليد، بل يجوز له العمل
بالاحتياط، وإذا لم يعرف طريق الاحتياط يسأل عن عدلين أو عدل واحد يكون عارفاً
بطريق الاحتياط »(149).
وقال فيه أيضاً: « طريقة أخذ المسائل ثلاثة أقسام:
الاوّل: السماع من نفس المجتهد.
الثاني: السماع من عدلين أو عدل واحد نقلاً عن المجتهد... »(150).
ومثلهما تماماً عبارة المجدّد الشيرازي (قدس سره) في رسالته العملية(151).
ولم يعلّق عليه الكاظمان: اليزدي والخراساني، والخليلي، والصدر، والشيخ محمّد تقي
المعروف بـ: آقا نجفي الاصفهاني.
ولقد احتاط المجدّد الشيرازي (قدس سره) في العدل الواحد وسكت عليه كلّ المعلّقين في
ثبوت النجاسة، قال: « النجاسة تثبت بالعلم، أو خبر عدلين، بل العدل الواحد على
الاحوط، أو إخبار ذي اليد »(152).
ولكن مع ذلك لم يذكر المجدّد الشيرازي (قدس سره) في مسألة تالية لهذه المسألة
مباشرةً ـ ثبوت الطهارة للمتنجّسات بقول العدل الواحد ـ مع كونه في مقام ذكر طرقها، قال: « مسألة: الشيء المتنجّس لا يطهر إلاّ بالعلم بتطهيره، أو خبر العدلين،
أو قول ذي اليد »(153).
ولم يعلّق عليه أحد من المعلّقين الستّة في الحاشية، وعلى التردّد والتأمّل
والاشكال، جرى جمع ممّن بعدهم كالشيخ عبدالكريم الحائري، والسيّد حسين القمّي
(قدس سرهم) فلم يعلّقا على الرسالة الرضاعية للحاج ملاّ هاشم الخراساني (قدس سره)
عند قوله ـ بترجمة منّا ـ: « والرضاع الكامل يثبت بأحد أمرين: العلم، وشهادة
العدلين، وفي ثبوته بشهادة العدل الواحد تأمّل »(154).
والحاصل: أنّ مسألة حجّية قول العدل الواحد في الموضوعات وعدمها مسألة مشكلة، قلّما يوجد فقيه لا تختلف فتاواه من أوّل الفقه إلى آخره فيها ـ كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى ـ ولكن مع ذلك فحجّية قول العدل مطلقاً شيء، ومعارضته بالبيّنة شيء آخر، ولا تلازم بينهما. كما أنّه لا تلازم بين ظاهر كلام المجتهد في التعبير عن فتواه، وبين نقل العدل الواحد منه، بل ونقل البيّنة عنه، فلا يسقط ظهور لفظه بنقل العدل أو العدلين عنه خلافه، وكذا في موارد أُخرى من التعارض فتأمّل.
وأمّا القول الثاني: وهو سقوط أحد العدلين مقابل المعارضة للعدل الواحد، فيبقى
عدل واحد بلا معارض، فإن قلنا بحجّية قول العدل الواحد، كان قوله حجّة وبلا معارض،
وإن قلنا بعدم حجّيته إفتقر إلى انضمام عدل ثالث إليه ليتمّ بيّنة شرعية وتكون
حينئذ حجّةً.
ولعلّ القائلين بعدم سقوط البيّنة بمعارضة عدل واحد، بين فرقاء ثلاثة:
الفريق الاوّل: قائل بعدم حجّية قول العدل الواحد، فلا معارضة بين الحجّة وبين
اللاّحجّة.
الفريق الثاني: قائل بحجّية العدل الواحد، ويرى تساقط عدل مقابل عدل، فيبقى عدل
واحد من البيّنة قوله حجّة.
الفريق الثالث: قائل بحجّية قول العدل الواحد ومعارضته للبيّنة، ولكنّه يقول
بالترجيح بالعدد، والاوصاف، فكما يرى في تعارض بيّنتين: إحداهما مركّبة من عدلين، والاُخرى من عدول ثلاثة، تقديم الاُخرى ووجوب العمل بها، وطرح الاُولى وترك
العمل بها، كذلك في تعارض العدلين مع عدل واحد لا يرى أثراً لهذه المعارضة لهذا
السبب.
وممّن علّق على العروة الوثقى هنا، وقال بعدم سقوط البيّنة عن الحجّية لمعارضتها
بقول عدل واحد، هم الاعلام: الشيخ عبدالكريم الحائري والحجّة الكوه كمره اي،
والخوانساريان: السيّد محمّد تقي والسيّد أحمد، والسيد الحكيم (قدس سرهم)، وبعض
المعاصرين.
أمّا لو تعارض العدد والوصف، كما لو كان في طرف عدول ثلاثة، وفي طرف عدلان هما
أشدّ عدالة، أو أورع من الثلاثة، كما لو كان في طرف عدول ثلاثة متعارفون في حسن
الظاهر، وفي طرف أمثال الشيخ الانصاري، والشيخ جعفر التستري (قدس سرهم) فهل الحكم
التساقط مطلقاً ؟ أم ملاحظة التراجيح العرفية، بترجيح نحو المثال الانف الّذي ربما
لا يمتنع العرف عن فهم أرجحية قول مثل الشيخ الانصاري والتستري على قول عدول ثلاثة
عاديين ؟ أم التخيير ؟
احتمالات، والتفصيل في مباحث القضاء والشهادات.
ومن ذلك يظهر وجه القول الثالث إن شاء الله تعالى.
الاوّل: إنّ هنا كلاماً أشار إليه المحقّق الاصفهاني (قدس سره) في عبارته
المتقدّمة وهي قوله: « ويجب الفحص عنها ما لم يؤدّ الى الحرج » وظاهرها أنّ مرجع
الضمير إلى: « ما يترجّح إصابته » وإن كان يحتمل رجوعه الى أصل الاعلمية، لكن حيث
إنّه ذكر سابقاً الاجتهاد والاعلمية معاً كان يقتضي إرجاع ضمير مثنّى إليهما
جميعاً.
و على كل حال: فإن كان مراده ما استظهرناه من كلامه فينقسم الكلام عنه إلى بحثين:
أحدهما: وجوب الفحص.
والثاني: سقوط الوجوب التكليفي، أو الوضعي، أو كليهما بالحرج فيه.
أمّا البحث الاوّل: وهو وجوب الفحص، فالمحتملات فيه ثلاثة:
1. لزومه مطلقاً.
2. وعدمه مطلقاً.
3. والتفصيل بين معرّضية وجود المعارضة عادة فاللزوم، وبين عدمها فعدم اللزوم.
أمّا اللزوم مطلقاً: فلكون الحجّية الواقعية للبيّنة مشروطة شرطاً واقعياً بعدم
المعارض لها، وما لم يحرز وجود الشرط لم يحرز المشروط وهو الحجّية.
وأمّا عدم اللزوم مطلقاً: فلاطلاقات أدلّة حجّية البيّنة من غير إشارة إلى الفحص
عن المعارض، ولو كان الفحص واجباً لبان، ولجريان أدلّة البراءة ـ عقليّها وشرعيّها
ـ مع الشكّ في الاطلاق اللفظي موضوعاً أو حكماً.
وأمّا التفصيل بين معرّضية وجود المعارضة وعدمها بلزوم الفحص في الاوّل دون الثاني: فلانصراف، أو عدم شمول الاطلاقات لموارد المعرّضية، وعدم كونها ممّا لو كان
لبان، ولجريان البراءة في مثلها بعد الفحص.
والمسألة محتاجة إلى تأمّل، وتفصيلها في محلّها، إلاّ أنّ التفصيل أولى.
وأمّا البحث الثاني: وهو سقوط وجوب الفحص بكونه حرجيّاً، فإنّه للاشكال ـ إجمالاً ـ في أنّ الوجوب التكليفي مقيّد بعدم الحرج لقوله تعالى: (مَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(155) ولغيره.
إنّما الكلام في تحقّق الحكم الوضعي به وعدمه، فالبيّنة غير المعارضة إذا كانت
موضوع الحجّية، فالحرج في كشف كونها غير معارضة أم لا، كيف يجعل ما لم يحرز
حجّيته حجّة ؟
نعم لو بنينا على رفع « لا حرج » للحكم التكليفي والوضعي جميعاً، كما هو مقتضى
اطلاقه، وصريح موارد بعض أدلّته، والمصرّح به من قبل بعض الفحول قديماً وحديثاً ـ
إلاّ ما خرج بدليل خاص كالطهارة والنجاسة، والجنابة ونحوها ـ خلافاً للمشهور بين
المتأخرين على ما نُسب اليهم ومنهم المحقّق الاصفهاني (قدس سره) على ما هو صريح
كلامه في الاُصول والفقه في غير مورد، انحلّ الاشكال من أصله.
لكن قد ينتصر لقول المحقّق المذكور بأنّ اطلاقات أدلّة حجّية البيّنة منصرفة عن
مورد احتمال وجود المعارض ـ احتمالاً عقلائياً ـ من غير حرج في الفحص عنه، وبقية
الموارد داخلة تحت الاطلاق، فتأمّل.
الثاني: هل اختلاف مراتب خبرويّة البيّنتين بالشدّة والضعف من المرجّحات، بأن
كانت أفراد إحدى البيّنتين أو بعضهم أشدّ خبرة للاجتهاد أو للاعلمية من أفراد
البيّنة الاُخرى، بحيث يوجب ذلك سقوط البيّنة الاُخرى عن الحجّية لدى المعارضة أم
لا ؟
والكلام طويل، ومحلّه كتاب القضاء والشهادات.
هذا كلّه إذا كانت البيّنة في الطرفين لم تذكر مستندها وشُكّ فيه، أو كان مستندها العلم الوجداني ـ سواءٌ حصل العلم بذلك، أم ذكرت البيّنة ذلك ـ لا لمجرد حجّية قولها في أنّ مستندها العلم، لعدم معلومية عموم حجّية قول كلّ شخص فيما لا يعرف إلاّ من قبله ـ مضافاً إلى كونه إخباراً من الحدس بالنسبة للاخر، فليس إخباراً عن نفسه وغيره بالحسّ، فتأمّل ـ وعدم كونه إقراراً، لكونه له لا عليه، بل لاولويته من عدم ذكر المستند، وكذا إذا كان مستند البيّنة أمارة معتبرة أُخرى من بيّنة أو غيرها.
ثمّ إنّ المحقق النائيني له إشكال بل منع في اطلاق حجّية البيّنة المستندة إلى
العلم، لاشتراطه ذلك بأن تكون البيّنة تشهد بالاثبات لا النفي، وأفتى بعدم حجّية
البيّنة إذا شهدت بالعلم على النفي، حتّى أنّه قدّم قول ذي اليد عليها حينئذ(156).
وتبعه على ذلك عدد من تلاميذه كالسادة: الاصطهباناتي، والجمال الكلبايكاني،
والمحمود الشاهرودي (قدس سرهم)، وإن أعرض عنه معظم تلاميذه، وهذا التقيّد لاطلاق
حجّية البيّنة مأخوذ من بعض السابقين، كما في شرح اللمعة، والجواهر، ومكاسب
الشيخ الانصاري، ومصادر أُخرى أيضاً.
ووجهه ـ بإجمال كما يظهر من عدد من شروح العروة ـ:
إنّه لا دليل معتبر على عموم حجّية البيّنة، وما دلّ عليها إنّما هو في باب
المخاصمات، وما فيها هي بيّنة الاثبات لانّ المدّعى يثبت بالبيّنة ولا ينفى، وإذا
تعدّينا بحجّيتها إلى غير المخاصمات، فلا إحراز لعمومها لغير الاثبات.
أقول: ـ مضافاً إلى أنّ التعدّية من باب المخاصمات إن صحّت، فلماذا لم تصحّ إلى
النفي من الاثبات ـ إنّ في أدلّة البيّنة اطلاقات تشمل النفي والاثبات سواءً بسواء، كموثّق مسعدة بن صدقة: « والاشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو
تقوم به البيّنة »(157).
واعتبار سنده، كظهور دلالته واضحان، وإن أشكل فيها جمع لكنّه في غير محله، وقد
أسهبنا بحثها في الاُصول في بحث البراءة.
ثمّ إنّ الغريب أنّ المحقّق النائيني الّذي يذهب إلى عدم حجّية بيّنة النفي، قد
ذكر ذلك في موارد عديدة من العروة، لماذا أغفل التعليق في باب التقليد هنا ـ في
المسألة العشرين ـ حيث قيّد الماتن (قدس سره) حجّية بيّنة الاجتهاد بأن لا تكون
معارضة ببيّنة تنفي الاجتهاد، مع أنّ الثانية بيّنة نفي، فإذا لم تكن بيّنة النفي
حجّة عند المحقق النائيني وأُولئك العدد القليل من تلاميذه، كان ذلك يقتضي تعليقهم
هنا.
ولا خصوصية لباب الاجتهاد والتقليد، ولا دليل خاص فيه حتى يحتمل ترك التعليق لاجله،
فتأمّل.
أمّا إذا كان مستند إحداهما الاصل العملي سواء كان محرزاً كالاستصحاب أم غير محرز،
ومستند الاخر العلم أو ما تقدّم آنفاً قدّمت الثانية بلا إشكال ولعلّه بلا خلاف
أيضاً.
طرق معرفة المجتهد: الشياع
قال في الجواهر: « نعم، لو كانت شهادة القديم بالاستصحاب، فالمتّجه تقديم
الثانية عليها لا التساوي، ضرورة ثبوت الانقطاع (أي: انقطاع اليقيني السابق)
ببيّنة لم يعلم معارضها... فإنّ ملكية زيد فعلاً تقطع ملكية عمرو
... و كذا يعرف بالشياع المفيد للعلم... .
المستصحبة »(158).
ثمّ إنّ للمحقّق العراقي (قدس سره) هنا كلاماً أشار إليه في تعليقته على العروة في
المسألة السابعة من (فصل في ماء البئر) عند قول المصنّف بتقدّم بيّنة النجاسة على
بيّنة الطهارة إذا كانت الثانية مستندة إلى الاصل، قال (قدس سره): « فيه تأمّل،
لصدق البيّنة عليه فيشمله دليله فيتساقطان ».
لكن لا يخفى عدم وضوح صحّة ذلك لانصراف أدلّة حجّية البيّنة إلى غير صورة استنادها
إلى الاصل، لانّها ليست شهادة أصلاً، بل بيان لواقع خارجي ثابت قاله البيّنة أو
غيرها، أم لا، فتأمّل.
هذا كلّه إذا عارض البيّنة بيّنة أُخرى، أمّا إذا عارضها قول عدل واحد، فهل تسقط
البيّنة مطلقاً، أم لا مطلقاً، أم يفصل ؟ فيه وجوه وأقوال.
وليس هنا محلّ تفصيله، بل محلّه كتابا القضاء والشهادات.
الثالث: و كذا يعرف اجتهاد المجتهد بالشياع المفيد للعلم.
ذكر هذا مع كونه من أفراد « العلم » لانّه ممّا يحصل منه العلم غالباً لا لانّه
قسيم للعلم، ولذا ترك ذكره بعض المراجع المعاصرين في الرسالة العملية.
وقد تبع المصنّف وكثير من مراجع العصر في ذلك جمهرة من متقدّميهم ومعاصريهم من
الفقهاء كصاحب الجواهر، والشيخ الانصاري، والمجدّد الشيرازي، والشيخ محمّد تقي
الشيرازي، والاخوند، والحاج آقا رضا الهمداني، والشيخ محمد طه نجف، والشيخ زين
العابدين المازندراني، والمحقّقين: العراقي، والنائيني وشيخ الشريعة، وغيرهم
(قدس سرهم) في الرسائل العملية(159) لكن بناء الرسالة العملية على الاحتياط قد يوجب
الفتوى بالاحتياط، أو السكوت على الفتوى الموافقة للاحتياط ـ كما صرّح بعضهم بذلك
ـ.
والمراد بالعلم هنا ليس العلم الدقي بل العلم العرفي الّذي يعبّر عنه بالاطمينان
والوثوق أيضاً، ولذا عبّر المصنّف (قدس سره) بالاطمينان دون العلم في كشف عدالة
إمام الجماعة.
قال (قدس سره): « إذا أخبر جماعة غير معلومين بالعدالة، بعدالته وحصل الاطمينان،
كفى. بل يكفي الاطمينان إذا حصل من شهادة عدل واحد، وكذا إذا حصل من اقتداء عدلين
به، أو من اقتداء جماعة مجهولين به، والحاصل: أنّه يكفي الوثوق والاطمينان للشخص
من أي وجه حصل... »(160).
وواضح أنّه لا دليل خاص لا في الجماعة ولا في غيرها، والادلّة العامّة بالنسبة
اليها جميعاً سواء، وحكم الامثال فيما يجوز، وفيما لا يجوز، واحد.
والشياع معناه: أن يصبح أمر معروفاً عند مختلف أفراد الناس من أهل الخبرة أو غيرهم.
وبعبارة أُخرى: هو شيوع أمر بين الناس.
وقد عبّر عنه جمع من الفقهاء: بالاستفاضة، وآخرون بالتسامع.
قال المحقّق كاشف الغطاء (قدس سره) في كشفه، في مسألة ثبوت الهلال بالشياع: «
ومداره على أن تلهج ألسن الناس برؤية الهلال، أو بمضي ثلاثين من الشهر الاوّل من
غير ضبط لعددهم، من غير فرق بين أن يكونوا صغاراً أو كباراً، عبيداً أو أحراراً،
نساءً أو رجالاً، عدولاً أو فسّاقاً، مسلمين أو كفّاراً، مؤمنين أو مخالفين »(161).
وسيأتي في التتمّات مزيد بحث عنه إن شاء الله تعالى.
والاقوال في المسألة على ما يلي:
1. الحجّية مطلقاً.
2. عدم الحجّية مطلقاً.
3. التفصيل بين الشياع الاطمئناني، وبين المفيد للعلم العادي.
4. تقييده بالظنّ المتاخم للعلم.
5. تقييده بالظنّ القوي.
6. تقييده بمطلق الظنّ.
أمّا القول الاوّل: وهو حجّية الشياع مطلقاً، فلجمهرة من الفقهاء الذين أطلقوا حجّية الشياع، أو صرّحوا بعدم اعتبار حتّى مطلق الظنّ فيه.
ومن هؤلاء الفقهاء: الشيخ في الخلاف والمبسوط، فإنّه قال ـ في المبسوط بعد أن نقل
الخلاف في ثبوت الولاية بالاستفاضة المفيدة للعلم أو مطلقاً ـ: « ويقوى في نفسي في
هذه المسائل أنّها تثبت بالاستفاضة »(162).
ومنهم العلاّمة وابنه في العديد من كتبهما: ففي القواعد في دعوى العبد إذن السيّد
في المعاملة بأمواله، قال: « ولا يجوز معاملته بمجرّد دعواه الاذن ما لم يسمع من
السيّد، أو تقوم به بيّنة عادلة، والاقرب قبول الشياع »(163).
وقال ابنه الفخر في الايضاح بعد هذه العبارة: « والاقوى عندي ما استقربه المصنّف
»(164).
وكذا الشهيدان وابن فهد والمحقّق الكركي، وأصحاب: الحدائق وكشف الغطاء والجواهر
وغيرهم (قدس سرهم)، ودونك بعض عباراتهم:
ففي الدروس: « درس: يصام شهر رمضان برؤية هلاله... أو رؤي شائعاً، أو شهد به
عدلان ـ ثمّ قال بعد ما نفى حجّية شهادة النساء في الهلال ـ ولو حصل بهنّ الشياع،
أو بالفسّاق ثبت »(165).
وقال ابن فهد الحلّي (قدس سره) في الرسائل العشر: « وتنعقد (أي: الجماعة) باثنين
فصاعداً، ببلوغ الامام... وعدالته بالشياع... »(166).
وقال في موضع آخر: « ولابدّ من معرفة الامام بالخبرة الباطنة، أو البيّنة، أو
الشياع »(167).
وفي مسألة اشتباه موت الزوج وإرادة الزوجة الزواج، قال: « لا يجوز العقد مع
الاشتباه وعدم حصول أحد الاُمور الثلاثة: شهادة العدلين وإن أطلقا، أو التواتر،
أو الشياع »(168).
وقال الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك، في المسألة الانفة: « توقّف جواز
تزويجها على ثبوت موته بالبيّنة، أو الشياع »(169).
قال الشهيد الثاني (قدس سره) في شرح اللمعة: « ويعلم السنّ بالبيّنة والشياع »(170).
وقال أيضاً فيه: « ولابدّ من ثبوت البيع عنده بشهادة عدلين، أو الشياع »(171).
وقال في ثبوت الهلال من المسالك: « قوله ـ أي: المحقّق الحلّي ـ: ولا بشهادة
النساء أي: لا يثبت بها الهلال من حيث هي شهادة، وذلك لا ينافي ثبوته بهنّ من جهة
أُخرى، كما لو حصل بهنّ الشياع، فإنّ شياعهنّ معتبر في ذلك كغيرهنّ »(172).
وقال المحقّق الكركي (قدس سره) في جامع المقاصد في مسألة حكم السامرة وأنّهم
كاليهود، أم لا، وكذا الصائبة وأنّهم كالنصارى، أم لا: « لا ريب أنّ التواتر
وشهادة العدلين طريق إلى ذلك، وكذا الشياع »(173).
وقال (قدس سره) في رسائله: « ويثبت الاجتهاد بالممارسة... أو بشهادة عدلين، أو
الشياع »(174).
وقال في كشف الغطاء: « ويكفي في ثبوت حكم المسجدية الشياع »(175).
وقال أيضاً: « ولا عبرة بقول المنجّمين، ولو كانوا عدولاً حيث لا يفيد خبرهم
علماً في ثبوت الكسوفين، بل لابدّ من العلم، أو الشياع، أو شهادة العدلين »(176).
وقال أيضاً: « ويكفي في معرفة المسافة والفراسخ والاميال الشياع وشهادة العدلين
والعدل الواحد على الاقوى »(177).
وقال في الجواهر في كتاب الزكاة: « ويثبت الانتساب إلى بني هاشم بالشياع وبالبيّنة
»(178).
وقال أيضاً في كتاب الصوم في ثبوت الهلال: « ضرورة ثبوته أي: الهلال بالشياع
وبالحكم بالبيّنة وبغير ذلك »(179).
ونفى جمع من الاعيان البعد عن كون الشياع بنفسه ـ مع غضّ النظر عن إيجابه العلم أو
الظن أم لا ـ دليلاً برأسه مطلقاً.
ولذا أسقط المحقّق الاصفهاني (قدس سره) التقييد بالعلم، أو الاطمينان، عن الشياع.
قال في رسالته العلمية: « ويثبت كل من الاجتهاد والاعلمية بالعلم الوجداني
وبالشياع بين أهل الخبرة دون العوام... »(180) وإن كان (قدس سره) أغرب إذ قيّده
بالعلم فى ثبوت الهلال من كتاب الصوم(181)، مع أنّ الاجتهاد والاعلمية والهلال كلّها
موضوعات خارجية لا دليل خاص في ثبوتها بشيء خاص، والامثال حكمها في ما يجوز وفي ما
لا يجوز واحد، فتأمّل.
وبالاطلاق أيضاً صرّح الاخ الاكبر في « موسوعة الفقه » في موارد عديدة، تبعاً
لجمهرة من الاعيان كالشيخ حسن نجل كاشف الغطاء، وصاحب الجواهر وغيرهما.
فقد صرّح الاوّل في موارد عديدة من فقهه المطوّل « أنوار الفقاهة » بحجّية الشياع
وأطلق.
قال في باب العدالة من صلاة الجماعة: « وطريقها ـ أي: طريق ثبوت العدالة ـ إخبار
العدلين، أو العدل، أو الشياع، أو التواتر...»(182) فجعله رديفاً لاخبار العدلين
الّذي لا يشترط فيه إفادته العلم قطعاً، وكذا رديفاً للتواتر المبنيّ على العلم
موضوعاً، وظاهره أنّ حجّية الشياع كحجّية البيّنة والتواتر.
وقال في صلاة المسافر في بحث المسافة: « وتثبت المسافة بالشياع، لانّها من ظنون
الموضوعات الّتي يكتفى فيها بذلك، وبشهادة العدلين لعموم حجّيتها... »(183) وتعليله
صريح في الاطلاق، وهكذا موارد أُخرى صرّح فيها بذلك.
وقال صاحب الجواهر (قدس سره) في كتاب القضاء، بعد نقل صحيح حريز عن الصادق (عليه
السلام) في قصّة ابنه اسماعيل وائتمانه من كان يقول الناس عنه إنّه شارب الخمر:
« ومنه يعلم أنّه لا مدخلية لمفاده (أي: لمفاد الشياع) الّذي تارةً يكون علماً،
وأُخرى متاخماً له، وثالثة ظنّاً غالباً، في حجّيته، وإنّما المدار على تحقّقه.
بل ظاهر الصحيح المزبور عموم اعتباره لغير المذكورات في المتن، بل صريحه ثبوت
الفسق به، ولعلّه كذلك، وإن إقتصر الجماعة (أي الفقهاء) على الاُمور المخصوصة (أي: النسب، والملك المطلق، والموت، والنكاح، والوقف، والعتق، وولاية القاضي)
لكن المراد غلبة تحقّق الشياع فيها، لا أنّ المراد عدم اعتباره وإن فرض تحقّقه في
غيرها، إذ لا دليل على ذلك، بل لعلّ ظاهر الادلّة خلافه، بل صريح بعضهم ثبوت
الهلال وغيره به، وحينئذ فالتحقيق ما عرفت »(184).
وقال المقدّس التستري (قدس سره) في « منهج الرشاد » مفصّلاً: بين الاجتهاد المطلق والاعلمية والاورعية وبين العدالة، بثبوت الثلاثة الاُول بالشياع بين أهل الخبرة، وثبوت العدالة بمطلق الشياع، ولم يقيّد في شيء منها كونه موجباً للعلم، لكن الماتن (الطباطبائي اليزدي (قدس سره)) علّق على الموارد كلّها بلزوم حصول الاطمينان كالمتن.
وأمّا أدلّة القول الاوّل: وهو حجّية الشياع مطلقاً وإن لم يفد الظنّ، فهي كالتالي:
الاوّل: بناء العقلاء على العمل بالشياع غير المتّهم في جميع أُمورهم من غير نكير
عن سدنة الشرع. ويمكن استعراض أمثلة توضّح ذلك.
مثلاً: إذا أمر المولى العبد بأخذ ولده المريض إلى الطبيب، فسأل العبد الناس عن
الطبيب فشاع إنّ فلاناً طبيب جيّد، فأخذ الولد اليه، وأخطأ الطبيب ومات الولد ألا
يكون عند العقلاء معذوراً في اعتماده على الشياع لانتخاب الطبيب ؟
وبالعكس، إذا ترك العمل بالشياع ولم يأخذه إلى هذا الطبيب بحجّة أنّه لم يطمئن
شخصياً إلى هذا الشياع، فمات الولد، ألا يستحقّ العقاب واللوم ؟
وهكذا يودعون أموالهم عند من شاع أنّه أمين، ويراجعون في معاملاتهم من شاع أنّه
منصف لمجرد الشياع والمعروفية.
وأُورد عليه أوّلاً: عدم تسليم البناء مطلقاً، وإنكار أصل بناء العقلاء على
الاعتماد على الشياع، وإنّما الاعتماد عليه: إمّا في الاُمور الّتي لا يهمّ الشخص
كشف الخلاف، أو ممّن لا يلتزمون بالميزان العقلائي، أو احتياطاً لاحراز الواقع
فيما لا يجب، أو حصول العلم لهم.
وفيه: أنّ أصل بناء العقلاء على العمل بالشياع مطلقاً، ممّا لا ينكره كلّ من
يراجع الاسواق والتجّار والصنّاع والمستوردين والمصدّرين، والعرف ببابك.
مضافاً إلى أنّ نفس هذين الاشكالين، أُوردا على حجّية خبر الثقة في الحسّيّات، أهل
الخبرة في الحدسيات ونحوهما.
وثانياً: عدم كونها ممضاة من قِبل الشارع، مع لزومه في مثله.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية ولا يستطرق باب الشارع فيها ـ أنّ الامر المتعارف للناس يطمأنّ إلى كونه هكذا منذ القديم، وذلك لا لاستصحاب
عدم النقل لاختصاصه بالالفاظ، ولا للاستصحاب القهقري لعدم حجّيته، بل للاطمئنان به
الحاصل ن تعارفه.
وعليه: فإذا لم يظهر الخلاف ولم يعارض، استكشف منه رضى الشارع به، وإلاّ لنهى
عنه لكثرة الابتلاء به، ولو نهى بالخصوص لوصل إلينا، كما نهى عن القياس، وخبر
الفاسق، والاعتماد فى الدين على الاباء ونحو ذلك ووصل إلينا.
وقد تقدّم في حجّية خبر الواحد مثل هذا الايراد والجواب.
ويمكن أن يدّعى كونها ممضاة لتعارف أخذ الناس أُمورهم والعمل بها من طريق الشياع
والشهرة، ومن أُمورهم: أحكام الشرع، وليس بعيداً أن يدعى أنّ الشيعة كانوا يعملون
بما يرون سائر أفراد الشيعة يعملونها ويكتشفون ـ عادياً لا علمياً ـ أنّ العمل
الشايع من الشيعة دليل صحّة ذلك الامر.
ومع هذا لم يردع عنه الشارع فيكون تقريراً.
والقول بأنّ العمل في مثل ذلك كلّه كان لانّه يوجب العلم، خال عن الدليل، بل الذوق
السليم يؤيّد عدمه.
وثالثاً: صلاحية الادلّة الناهية عن العمل بغير العلم مطلقاً، لشمول الشياع والردع
عنه.
وفيها: ـ مضافاً إلى ما سنذكره من كون الشياع نوع استبانة أجازها الشرع ـ أنّه بعد
كون بناء العقلاء عليه، وعدم الردع عنه بالخصوص، لا مجال لشمول الادلّة الناهية
عن العمل بغير العلم له، والردع عنه، وذلك لكونه خارجاً بالتخصيص أو التخصّص حينئذ.
الثاني: السنّة الشريفة، وهي روايات عديدة:
منها: قصّة إسماعيل بن الامام الصادق (عليه السلام) وقوله (عليه السلام) له: «
إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم » مع أنّ المورد كان من الشياع(185).
ولا شكّ في أنّ الرواية ظاهرة في عدم لزوم العلم، إذ مع العلم لا يقدم أحد على
خلافه، واحتمال أن يكون في تلك القصّة قد تمّ شروط الشهادة من العدد والعدالة
فكانت من البيّنة الحجّة شرعاً، ينفيه سياق الرواية، وصدرها، وذيلها.
وأشكل في دلالة الصحيحة على حجّية الشياع جمع، منهم: الشيخ الانصاري (قدس
سره)(186) وشيخه النراقي في العوائد والمستند، بإشكالات:
الاوّل: أنّ الرواية تدلّ على حجّية شهادة جنس المؤمن واحداً كان أو أكثر، ولا ربط
لها بالشياع.
أقول: ـ مضافاً إلى أنّ « الناس » له ظهور في الشياع، والمثبتان لا تقييد بينهما ـ
إنّ مثل كلمة المؤمنون الجمع المحلّى بأل يحتمل فيه ثلاثة احتمالات:
1. العام المجموعي، وهو ليس مراداً قطعاً من أمثال هذه التعابير، لاستحالته عادةً.
2. العام الافرادي، أي كلّ فرد فرد، وهو الّذي استظهره الشيخ (قدس سره) هنا.
3. العام لكلّ مصاديق الجمع، من ثلاثة وأربعة وخمسة و....
لكن ما استظهره الشيخ (قدس سره) مناف لسياق الصحيحة وصدرها، الدالّين على أنّ
المورد إخبار جماعة من تكرار كلمة « الناس » مرتين في الصحيحة. فيبقى المعنى
الثالث، وهو المناسب لمعنى الشياع.
وأورد (قدس سره) على كلّ مصاديق الجمع الّذي أسماه « جنس الجمع »:
أوّلاً: بأنّه مخالف لظاهر الجمع المحلّى إذا تعذّر حمله على العموم.
وفيه: أنّه أنسب بالعموم، من كلّ فرد فرد.
وثانياً: بأنّه مخالف لاستشهاد الامام (عليه السلام) بالاية الكريمة (يُؤْمِنُ
بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) فإنّها ظاهرة في كلّ واحد واحد.
وفيه: أنّه (عليه السلام) لعلّه استشهد بالاولوية، إذ مع الايمان لكلّ مؤمن، يكون
الايمان لعدد من المؤمنين أولى.
وثالثاً: أنّه مخالف للاجماع، على عدم ثبوت الفسق بالشياع الظنّي.
وفيه: أنّ القرائن الداخلية والخارجية دلّت على أنّ المراد بالتصديق هنا ليس معناه
ترتيب الاثار، بل مفاده أصل الصحّة في عمل المؤمنين كما صرّح به الشيخ نفسه (قدس
سره) في الفرائد(187).
الثاني: أنّ صحيحة حريز معارضة بالخبر: « كذّب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك
خمسون قسّامة وقال لك قولاً فصدّقه وكذّبهم »(188).
قال الشيخ (قدس سره): « فإنّ تكذيب السمع كالصريح في مخالفة ما دلّت عليه الصحيحة
».
أقول: ـ مضافاً إلى أنّ الخبر فيه مجموعة من المجهول والمشترك المختلف فيه، ففيه
سهل بن زياد، ويحيى المبارك، ومحمّد بن فضيل، ولا يصطلح على مثله المعارضة
للرواية الصحيحة، وإلى أنّه أخصّ مطلقاً من الصحيحة، لتقيّده بإنكار المؤمن الاخ، وإنّه ضد الاخ المؤمن
ـ:
إنّ الرواية المجهولة بحاجة إلى تأويل، إذ خمسون قسامة على أقلّ تقدير أن يكون
خمسون شخصاً يقسمون، لا خمسون قسامة على التمييز، وإلاّ صاروا ألفين وخمسمائة وهو
غالباً تواتر يوجب العلم، ويثبت به كل موضوع وحكم ـ إلاّ ما خرج مثل الزنا ونحوه
ممّا يحتاج إلى العدالة ـ ولعلّ خير ما يصحّ به تأويل الخبر المجهول: حمل « صدّقه
» و « كذّبهم » كليهما على المجاملة المأمور بها أخلاقياً في غير الاقتضائيات،
فتأمّل.
ولذا قال الشيخ (قدس سره) في الفرائد: « فإنّ تكذيب القسامة مع كونهم أيضاً مؤمنين
لا يراد منه إلاّ عدم ترتيب آثار الواقع على كلامهم، لا ما يقابل تصديق المشهود
عليه، فإنّه ترجيح بلا مرجّح بل ترجيح المرجوح »(189).
الثالث: قول الشيخ (قدس سره): « وحاصله الاخذ في أفعاله بمجامع الاحتياط ليسلم
على كلّ من تقديري: صدق القول وكذبه، وعليه يحمل لوم الامام (عليه
السلام)لاسماعيل... »(190).
أقول: إن كان مراده « بمجامع الاحتياط » الاحتياط الواجب شرعاً، فهو معنى الحجّية.
وإن كان مراده الاحتياط الاستحبابي ـ خصوصاً الاستحباب العقلي ـ فهو مناف لهذا
اللوم الشديد من الامام (عليه السلام)، ونفي استحقاقه الاجر والجبر من الكريم
الوهّاب، فتأمّل.
والحاصل: أنّ الصحيحة ظاهرة، في حجّية الشياع.
إن قلت: الصحيحة معرض عنها عندالمشهور سنداً ودلالة.
قلت: أمّا بناءً على عدم ثأثير الشهرة مطلقاً، أو كاسرة، فلا إشكال. وأمّا
بناءً على كاسريتها ـ سواء قلنا بجبرها أيضاً أم لا ـ فهي مخدوشة صغرى، لعدم
إحرازها، إذ الكثير من الفقهاء خصوصاً المتقدّمين على المحقّق الاردبيلي لم ينقل
عنهم في المقام شيء، والكثير من المحقّقين منهم أطلقوا حجّية الشياع مطلقاً، أو
في الموارد الخاصّة بدون دليل خاصّ، أو حتّى الشهرة فيها.
كما تقدّم نقله عن الشيخ الانصاري في المسافة في السفر، حيث أطلق حجّية الشياع مع
أنّ حجّيته في المسافة لم يذكر في عداد الموضوعات التي ذكروا ثبوتها بالشياع حتّى
صاحب الجواهر في كتاب القضاء، حيث نقل ما وصله من الاقوال في ذلك، ولم يذكر المسافة
فيها.
نعم، إذا تمّت الصغرى، فنحن نبني كالمشهور على كاسرية الشهرة للسند والدلالة
كليهما، وقد بحثناه في الاُصول.
لكن هذا التأييد بهذه الصحيحة لحجّية الشياع على فرض وجود دليل آخر كبناء العقلاء،
والسيرة.
أو كون الصحيحة جزء علّة لحصول الاطمينان بالحجّية منها ومن غيرها، فتأمّل.
ومنها: موثّقة مسعدة بن صدقة عن الصادق (عليه السلام) وذيلها « والاشياء كلّها على
هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة »(191) ظاهر في أنّ الاستنابة
والبيّنة أمارتان فلا تدعان مجالاً للاصل.
بتقريب: أنّ الاستبانة فسّرت في كتب اللغة بمعنى الظهور والوضوح، وكذا عرفاً
وكلاهما أعمّ من العلم، إذ العلم أظهر مصاديق الظهور والوضوح، ولا ملزم للتقييد
بالعلم وتفسير الاستبانة بالعلم كما عمله جمع من الفقهاء.
والشياع نوع من الظهور عرفاً، إن لم يكن من أفراده الظاهرة.
والاشكال في الموثّقة سنداً في غير محلّه كما تقدّم في بعض المباحث السابقة.
واحتمال أن يكون المراد بالاستبانة « العلم » غير الشامل لمثل الشياع خال عن الدليل، بعد عدم كونه مرادفاً له، وظهور معنى أعمّ من العلم من كلمة « يستبين » عرفاً
كاحتمال أن يكون المراد الاستبانة الشخصية بقرينة « لك » في الموثّقة إذ لا ظهور «
لك » على شخصية الظهور، لانّ المعنى حتّى يظهر عندك، والظهور حيث إنّه قسمان:
شخصي ونوعي، كلاهما ظهور معتمد عند العقلاء، فيكون « لك » أعمّ منهما أيضاً،
فتأمّل.
نعم، إن قلنا بأنّ الاستبانة مرادفة للعلم أو شككنا كان المتيقّن منها العلم.
قال في جامع المدارك: « فإنّ الاستبانة الظهور عند العقلاء، لا خصوص القطع »(192).
ومنها: مرسلة يونس ـ الّتي في مواردها استدلّ بها المعظم، ورويت في جميع الكتب
الاربعة بأسانيد عديدة إلاّ أنّها تجتمع في يونس عن بعض رجاله، مرفوعة أبي جعفر
المقري، وهو محمّد بن علي بن إبراهيم الصيرفي أبو سمينة وهو ضعيف عند المشهور،
لكنّه لا يضرّ إذا صحّ إرسال يونس بن عبدالرحمن ـ عن بعض رجاله، عن أبي عبدالله
(عليه السلام) قال: « سألته عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ أيحلّ للقاضي أن يقضي
بقول البيّنة إذا لم يعرفهم من غير مسألة ؟
فقال (عليه السلام): خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم(193):
الولايات، والتناكح، والمواريث، والذبائح، والشهادات... »(194).
إلاّ أنّ كونه من أصحاب الاجماع لا يكفي عندنا تبعاً للمشهور في تصحيح مراسيله على
ما حقّقناه في الدراية وإن كان هناك جماعة قالوا بتصحيح مراسيلهم للاجماع المخدوش
دلالة عندنا، وقرينته كثرة الضعفاء في شيوخهم.
وفي يونس بالخصوص نقل الشيخ (قدس سره) في الفهرس عن الصدوق عن ابن الوليد أنّه كان
يقول: « كتب يونس بن عبدالرحمن التي هي بالروايات كلّها صحيحة يعتمد عليها إلاّ ما
ينفرد به محمّد بن عيسى بن عبيد عن يونس ولم يروه غيره »(195).
لكن الظاهر أنّ المراد به الصحّة القدمائيّة الحدسية، لا الحسيّة، ولا أقل من عدم
الظهور فى الحسيّة، وقرينة كثرة الضعفاء في شيوخه يضعف إرادة ذلك.
لكن الشيخ الشهيد (قدس سره) في حاشيته على رسالة العدالة ذيل مكاسب الشيخ الانصاري
(قدس سره) نقل عن شيخه شيخ الشريعة الاصفهاني (قدس سره) أنّه قال: « اِنّ مراسيل
يونس معتبرة لانّه يروي عن ستين شيخاً كلّهم ثقات ».
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّهم واحد وسبعون بعد حذف المكرّرات مثل عبدالله ابن سنان،
وابن سنان، وعبدالله بن مسكان، وابن مسكان ونحوهما، وعدم ذكر المعصومين (عليهم
السلام) في هذا العدّ ـ أوّلاً: لم تحرز وثاقة كلّهم كعجلان أبي صالح، وحبيب
الخزاعي، وحمزة بن محمّد الطيّار، وسنان بن طريف، وصالح بن سهل، وغيرهم.
ثانياً: لم يحرز انتهاء مراسليه كلّها إلى من ذكر من شيوخه.
نعم، الرواية معمول بها مفتى عليها، مستند اليها في كلمات المشهور، وهو كاف ـ عند
المشهور والمنصور ـ في حجّية السند.
وأمّا دلالة الرواية، فهي أيضاً على فرض إجمالها حجّة عند المشهور، للجبر الدلالي
ايضاً، فالرواية سنداً ودلالة معتبرة على الظاهر، إلاّ أنّها خاصّة بالموارد
الخمسة.
اللّهمّ إلاّ بناءً على فهم عدم الخصوصية، وهو في محلّه، وهو ظاهر كلّ من ذكر
فيهما يثبت بالشياع غير هذه الخمسة واستدلّ بهذه الرواية كالعلاّمة وصاحب الجواهر،
والحسن كاشف الغطاء، وآخرين ممّن تقدّم نقل بعض عباراتهم، غيرهم أيضاً.
الثالث: الاستقراء لها صغرى وكبرى:
أمّا الاستقراء كبرى: فالحجّية العقلائية، ولذا يستدلّ الفقهاء بها من الشيخ
الطوسي إلى هذا اليوم في شتّى أبواب الفقه. حتّى إنّهم استدلّوا لحجّية البيّنة
بالاستقراء، وممّا يستدلّ به الشيخ الانصاري (قدس سره) لحجّية الاستصحاب الاستقراء،
إلى غير ذلك.
والاشكال في الكبرى: بأنّ الاستقراء مشمول لاطلاقات تحريم القياس، اذ لا يشترط في
المقيس عليه أن لا يكون متعدّداً.
غير وارد، لتعدّدهما عنواناً ومعنوناً إذ مثل اثنين وثلاثة لا يسمّى غالباً
استقراءً، ومثل عشرة وعشرين لا يسمّى قياساً، ولذا ترى العامّة الذين يبنون على
القياس يستدلّون أحياناً بالقياس وأحياناً بالاستقراء.
مضافاً إلى أنّ أخبار المنع عن القياس، منصرفة عن الاستقراء.
قال في المفاتيح: « سلّمنا ولكن اطلاقات الاخبار الدالّة على حرمة القياس منصرفة
إلى المصطلح عليه ».
وأمّا الصغرى فإنّا نرى الاخبار ذكرت موارد متعدّدة لحجّية الشياع لا جامع بينها في
الاستظهار العرفي، وأضاف الفقهاء أُموراً أُخرى كذلك.
وما يحتمل فيه ـ أو قيل: ـ للجامع أمران لا يخلو كلّ منهما من مناقشة:
أحدهما: عموم الابتلاء بها مع عسر العلم أو إقامة البيّنة.
وفيه: ـ مضافاً إلى عدم الدليل على هذه العلّة وهي لا تنفع من لم يطمئن بها ـ
أنّها منقوضة طرداً بمعظم موارد النكاح فإنّه يستشهد لها ونحوه، وعكساً بمعظم
موارد الطهارة والنجاسة، ونحو ذلك.
ولذا ردّ العديد من الاعاظم هذا التعليل بعدم الدليل، قال في الجواهر: « لا لبعض
ما ذكره غير واحد من الاعتبارات: كعسر إقامة البيّنة عليها ونحوه ممّا لا يصلح أن
يكون مدركاً لحكم شرعي »(196).
إذ العسر النوعي لا يوجب ارتفاع غير موارده، والعسر الشخصي مخصوص بموارده، ولا
يمكن الاستدلال بأدلّة نفي العسر والحرج والضرر ونحوها، ممّا بينها وبينه عموم من
وجه.
وأمّا الاستقراء صغرى: فكما يلي:
1. قد يوجب الاطمينان الشخصي، فهو حجّة لانّه علم عادي، مضافاً إلى انصراف
الادلّة عنه، مثل قوله تعالى: (إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ
شَيْئاً)(197) ونحوه.
2. وقد يوجب الاطمينان النوعي ـ كما في المذكور ممّا هو مشهور مثل الوقف والنسب
والنكاح ونحوها ـ وهو حجّة لبناء العقلاء.
3. وقد لا يوجب شيئاً منهما، فلا.
والان وحيث لم يتمّ ما ذكره بعضهم: من تقييد موارد الشياع بما يعسر إقامة البيّنة
عليها، يبقى أحد أمرين:
اِمّا حصول الاطمينان الشخصي من الاستقراء، وإمّا الاطمينان النوعي.
يظهر من العديد من الفقهاء الذين أضافوا على الموارد التي ذكرها السابقون لحجّية
الشياع، أنّهم اعتمدوا إمّا على الاطمينان الشخصي، وهذا إذا تكرّر من جماعة من
الاعيان أمثال المحقّق، والعلاّمة، والشهيدين، والكركي، أصحاب الرياض والجواهر، والحدائق، والمستند، والشيخ الانصاري (قدس سرهم)، ربما يوجب الاطمينان النوعي
بالعموم، أو أنّهم أيضاً اعتمدوا على الاطمينان النوعي، فهو أوضح.
ففي المنهاج: « إذا كان كتاب أو إناء قد كتب عليه أنّه وقف، فالظاهر الحكم بوقفيته
».
ففرّقوا بين النسب فيثبت بالشياع الاطميناني وتجوز الشهادة عليه، بخلاف الوقف
والنكاح وغير ذلك فاِنّها تثبت بالشياع المفيد للعلم العادي، ولا تجوز الشهادة
عليه، قال في المباني: « لبناء العقلاء وجريان سيرتهم عليه فيهما ».
والحاصل: أنّه يمكن من استقراء موارد ذكرت الروايات كفاية الشياع فيها، وكذا
الفقهاء، يستفاد أنّه لا خصوصية لهذه الموارد، بل هي صغريات لكبرى حجّية الشياع،
نظير قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) حيث إنّ الظاهر مسلّمية الكبرى
وهي حجّية قول أهل الذكر، ببناء العقلاء غيرالمردوع(198).
وفي صحيح معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام): « يجزيك إذا لم تعرف العقيق أن
تسأل الناس والاعراب عن ذلك »(199).
ألا يستفيد العرف أنّه لا خصوصية للعقيق فبقيّة المواقيت هكذا، وكذا المشاعر،
وحجر إسماعيل والمقام وغيرها. وكذا غير موضوعات أحكام الحجّ من بقية الموضوعات ؟
وأمّا القول الثاني: وهو عدم حجّية الشياع إلاّ إذا أوجب العلم، فقد ذهب اليه
المعظم من المتأخرين من العلاّمة (قدس سره) إلى يومنا هذا.
قال صاحب العروة في ثبوت اجتهاد القاضي: « ويثبت ذلك بالعلم... الحاصل بالشياع
والاستفاضة... وهل يثبت بالشياع الظنّي ؟ الاقوى عدمه وإن كان الظنّ الحاصل منه
متاخماً للعلم وفاقاً للاكثر »(200).
1. عمدة دليلهم الاصل المستدلّ له كتاباً وسنّةً، وإجماعاً وعقلاً، بعدم حجّية
غير العلم، إذ الاصل في الشكّ في الحجّية عدم الحجّية، لانّ الحجّة بحاجة إلى
إثبات، لا عدمها.
وفيه أوّلاً: سيأتي إقامة أدلّة على حجّية الشياع مطلقاً فإن تمّ واحد منها، أو
أوجب الاطمينان مجموعهابما هو، كفى، ولعلّه هكذا، فيتوقّف التمسّك بالاصل، على ردّ
كلّ تلك الادلّة.
وثانياً: مقتضى الاصل عدم الفرق بين موارد الشياع، فكيف قالوا بالحجّية في الوقف، والملك، والنسب ونحوها، فإمّا يقام في كلّ واحد واحد منها إجماع، أو سيرة
قطعيّة، وإلاّ فيقال بعدم الحجّية.
ولذا أشكل المحقّق الاردبيلي في كلّ هذه الاُمور، قال عند قول العلاّمة في القواعد: « وتثبت الولاية بالاستفاضة » قال: « لا تعرف له دليلاً إلاّ قولهم على الاجمال
فإن كان إجماعاً، وإلاّ ففيه، تأمّل »(201).
وثالثاً: تعليلهم ما خرج عن أصل عدم حجّية الشياع، بالانسداد والتوقّف على الشياع،
محل إشكال كبرى وصغرى.
أمّا الكبرى: فلا دليل على هذه الكبرى مطلقاً إذا لم تصل إلى حدّ الهرج المرج، أو
اختلال النظام، وهو غالباً لا تصل اليها، وما وصل اليها قليل. وإلاّ فهل يلتزم
بقبول ما ليس بحجّة مثل خبر الواحد في مقام الشهادة، وخبر مجهول العدالة في
الموضوعات، وخبر المرأة في غير المال إذا انسدّ الطريق وتوقّف إثبات الحقوق على
القول بحجّيتها حينئذ ؟
وأمّا الصغرى: فإنّ معظم هذه الاُمور الخمسة، أو السبعة، أو التسعة، أو...، يمكن
إقامة البيّنة عليها ـ بل الامر في الملك المطلق والخاص بالعكس ـ.
مثلاً: يمكن إقامة البيّنة على العتق وكذا الوقف الجديد ـ دون القديم ـ وكذا
الولاية، والنكاح.
نعم، معظم الانساب غالباً لا يمكن إقامة البيّنة عليها.
2. وربما يضاف إلى ذلك ـ دليلاً أو تأييداً ـ عدم انضباط الشياع فإنّه ـ مضافاً
إلى عدم ورود كتاب أو سنّة به حتّى يبحث عن معناه اللغوي أو العرفي ـ بأي عدد ينعقد، من الرجال أو النساء، من المؤمنين أو غيرهم،
ولذلك اختلفت الكلمات في ذلك.
وفيه: إنّ الشياع سبيله سبيل غيره من الحجج له مصاديق معلومة، ومصاديق معلومة
العدم، ومصاديق مشكوكة، نظير الثقة، والظهور.
وأمّا القول الثالث: وهو تفصيل السيد الخوئي (قدس سره) بين الشياع الاطميناني وبين
الشياع المفيد للعلم العادي، وأنّ النسب يثبت بالاوّل، والوقف والنكاح وغيرهما
بالثاني.
فوجهه كما صرّح به: بناء العقلاء على الثبوت والشهادة اعتماداً على الشياع
الاطميناني في النسب خاصّة. واختصاص البناء في غير النسب بالثبوت دون الشهادة.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّي لم أجده لغيره ـ أوّلاً: الظاهر أنّ العقلاء لا يفرّقون في
الثبوت والشهادة مطلقاً فكلّما يكون مثبتاً لشيء عندهم يشهدون به والتفريق والتشديد
في الشهادة إنّما هو من الشارع.
وثانياً: أنّهم في باب الشهادات استندوا في عدم جواز الشهادة إلاّ بالعلم، أو
بالعلم المستند إلى خصوص الحسّ ـ من المشاهدة أو السماع أو نحو ذلك ـ إلى الايات
والروايات.
وثالثاً: في الملك الّذي يثبت بالشياع ـ كما صرّحوا به أيضاً ـ دلّ الدليل الخاص
على ثبوت الملك باليد، وعلى كلّي جواز الشهادة بكلّ ما يثبت باليد.
والدليل الخاصّ: هو معتبرة حفص بن غياث عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « قال
له رجل: إذا رأيت شيئاً في يدي رجل، يجوز لي أن اشهد أنّه له؟ قال: نعم. قال
الرجل: أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره ؟ فقال أبو عبدالله
(عليه السلام): أفيحلّ الشراء منه ؟ قال: نعم. فقال أبو عبدالله (عليه السلام):
فلعلّه لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك، ثمّ تقول بعد الملك هو
لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك ؟ ثم قال أبو
عبدالله (عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق »(202 ).
وظاهر الرواية هو قياس المساواة، وأنّ كلّ مورد صحّت النسبة شرعاً جازت الشهادة
إلاّ ما خرج بدليل أخصّ من هذا العام.
ثمّ إنّه (قدس سره) أشكل في الرواية بأمرين:
الاوّل: بضعف السند.
أمّا السند فهو: 1. محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي ابن
محمّد القاساني جميعاً، عن القاسم بن يحيى، عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث،
عن الامام الصادق (عليه السلام)، ورواه الشيخ باسناده إلى علي بن إبراهيم.
2. الصدوق (قدس سره) باسناده إلى سليمان بن داود وطريقه اليه: أبوه ـ سعد ـ
القاسم بن محمد الاصفهاني، سليمان.
والطريقان لا إشكال فيهما إلاّ في التالين:
أ ـ أمّا سليمان بن داود المنقري ـ كمنبر ـ: فقد وثّقه النجاشي وتبعه العلاّمة
والكاظمي، وضعّفه ابن الغضائري وتبعه المجلسي، ولا اعتبار به في أصله، خصوصاً مع
معارضته بتوثيق النجاشي، والفرعان تابعان للاصلين.
ب ـ وأمّا حفص بن غياث، القاضي، فقد وقالوا عنه: عامي. وفيه تأمّل.
قال الشيخ (قدس سره) في الفهرس: « له كتاب معتمد » وشهد الشيخ في العدّة بعمل
الاصحاب بخبره، فهو موثّق على الاصح.
وقال العلاّمة في الخلاصة: « له كتاب معتمد ».
وقال المجلسي في الوجيزة: ضعيف أو موثّق لشهادة الشيخ بعمل الاصحاب بخبره، ولعلّ
الاصحّ ما لخّصه المامقاني في فهرست رجاله بقوله: « موثّق إن لم يكن ثقة ».
ج ـ وأمّا القاسم بن يحيى، فقد ضعّفه العلاّمة تبعاً لابن الغضائري وسكت عنه الباقون، إلاّ أنّ الصدوق وثّقه حيث قال في زيارة للامام الحسين (عليه السلام) في سندها القاسم بن يحيى هذا: « إنّها أصحّ زياراته رواية »، وشهادة الصدوق أرجح بالاتّباع، لاقدميته وأتقنيته من العلاّمة الّذي يتّبع في تضعيفاته غالباً علي ابن الغضائري، وكثيراً ما يخالف في الفقه ما قاله هو في رجاله.
د ـ وأمّا القاسم بن محمّد الاصفهاني ـ كاسولا ـ ابن محمّد القمّي، فقد ضعّفوه، وإن
قال المامقاني: « لا يخلو من غمز » وقال الزنجاني: « حديثه معتمد ».
والعلاّمة يحكم بصحّة الطريق الّذي للصدوق (قدس سره) إلى سليمان بن داود، القاسم
هذا فيه، وأفتى في المختلف طبق هذه الرواية بعد نقله لها عن الصدوق (قدس سره)فقال: « ولا بأس بهذا القول عندي »(203).
لكن قد يقال في وجه تصحيح الرجل: إنّ الاردبيلي ـ صاحب جامع الرواة وهو خريت الفنّ
ـ ادّعى وحدة الاصفهاني مع الجوهري، والجوهري قد دلّت القرائن على اعتباره:
منها: رواية صفوان وابن أبي عمير عنه.
ومنها: تصريح ابن داود بوثاقته.
ومنها: إنّه من شيوخ كامل الزيارات لابن قولويه.
ومنها: غير ذلك.
فكلّ رواية عن القاسم بن محمّد بدون قيد، أو مقيّداً بالاصفهاني، أو بالقمّي، أو
كاسولا، فهو الجوهري، والجوهري معتبر بهذه القرائن، فالرواية معتبرة.
أقول: يعارض ادّعاء جامع الرواة، ما ذكره في معجم رجال الحديث من قيام الشواهد
على تعدّدهما وعدم اتّحادهما ـ بعد جزمه باتّحاد الاصفهاني مع القمّي ـ فهما
شهادتان من خبيرين متعارضين فيتساقطان، والاصل عدم الاعتبار، مضافاً إلى أقربية
شواهد المعجم إلى النظر، والله العالم.
والحاصل: أن طريق الكليني موثّق، وطريق الصدوق يتوقّف اعتباره على كون القاسم بن
محمّد الاصفهاني والجوهري واحداً، فتأمّل.
الثاني: بإبهام المتن.
وأمّا المتن فهو: « عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال له الرجل: إذا رأيت
شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له ؟ قال (عليه السلام): نعم. قال الرجل:
أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره ؟ فقال أبو عبدالله (عليه
السلام): أفيحلّ الشراء منه ؟ قال: نعم. فقال أبو عبدالله (عليه السلام):
فلعلّه لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك، ثمّ تقول بعد الملك هو
لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك ؟ ثم قال أبو
عبدالله (عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق »(204).
ففي المباني: الظاهر أنّ المراد بالشهادة هو جواز الاخبار لقرينتين:
1. لم يبق مورد تكون لصاحب اليد بيّنة، مع إنّهم ذكروا تقدّم بيّنته على بيّنة
الخارج.
2. « لم يقم للمسلمين سوق » ظاهر في أنّ ذا اليد يعامل معاملة المالك قولاً
وفعلاً.
وفيهما: أمّا الاوّل فإنّ ظاهر مادّة « الشهادة » الشهادة عند الترافع لا مجرّد
الاخبار بالملك.
والثاني ـ مضافاً إلى أنّ ترك الشهادة اعتماداً على اليد أيضاً يوجب اختلال السوق،
ولكن الاختلال فيه أقلّ من الاختلال اللازم من ترك دلالة اليد على الملك ـ ليس
ظهوره أقوى من ظهور الشهادة ليصرفها إلى الاخبار.
والحاصل: أن ظاهر الموثّقة أنّها صغرى لكبرى مطويّة إنّ كلّما يثبت به شيء ـ
بإلغاء خصوصية الملك، إذ المطمأن إليه أنّه لا خصوصية فيه مقابل النسب والنكاح
والوقف وغيرها ـ تصحّ الشهادة عليه.
فإذن: في غير النسب أيضاً من الموضوعات (الخاصّة أو عموماً) ما ثبت بالشياع ـ سواء
مطلقاً أم مع إفادة العلم العادي أم من الظنّ... ـ يصحّ الشهادة عليه أيضاً، فهذا
التفصيل ترد عليه هذه المناقشات.
وأمّا الاقوال الثلاثة الاُخرى، والتي هي عبارة عن التفصيلات التالية:
1. تقييده بإفادة الظنّ المتاخم للعلم.
2. تقييده بإفادة الظنّ القوي.
3. تقييده بإفادة الظنّ بنحو مطلق.
فعمدة دليلهم: تقييد بناء العقلاء به، وقد أعرضنا عنها اختصاراً.
إذن: فالاعتماد على الشياع مطلقاً إلاّ فيما يثبت خلافه بالعلم أو بالادلّة
الشرعية نظير غيره من الحجج كالبيّنة حتّى مع الشكّ الشخصي في مطابقته للواقع بل
ومع الظنّ الشخصي بالخلاف، ليس من جزاف القول، ولولا ما ينقل من عدم اعتماد كثير
من المتأخرين عليه ما لم يوجب الظنّ، أو خصوص الاطميناني منه، لكان القول بالاعتماد
عليه مطلقاً في محلّه.
ثمّ إنّ هنا أُموراً ينبغي التنبيه عليها:
الاوّل: هل يشترط في حجّية الشياع ـ هنا أو مطلقاً ـ أن يكون بين أهل الخبرة أم لا
؟
صرّح بالاوّل المحقّق الاصفهاني في تقليد رسالته العلمية (الوسيلة)، وأطلق أكثر من
وقفت على عباراتهم ولعلّه الاصحّ، إذ الشياع إن كان معتبراً لايجابه العلم
والاطمينان فالحجّة هو المسبّب، سواء حصل من شياع أهل الخبرة أم غيرهم، إن كان
بنفسه حجّة لبقاء العقلاء فلعلّهم يرون شياع خبر ـ بما هو هو ـ كاشفاً عقلائياً عن
واقعيته فلا يشترط فيه كونه بين أهل الخبرة، والله العالم.
الثاني: هل يشترط في حجّية الشياع أيضاً أن يكون من تمّ الشياع عنده من أهل
المعرفة والبصيرة، أم لا يشترط بل هو حجّة مطلقاً ؟
فيه قولان، ذهب إلى الاوّل الماتن (قدس سره) وصرّح به في صلاة الجماعة، في إثبات
العدالة، قال: « إذا أخبر جماعة غير معلومين بالعدالة، بعدالته وحصل الاطمينان
كفى ـ إلى أن قال: ـ بشرط كونه من أهل الفهم والخبرة والبصيرة والمعرفة بالمسائل،
لا من الجهّال... »(205).
وسكت على المتن جمع من الاعيان كالسادة: البروجردي والحكيم الوالد وابن العم وغيرهم
(قدس سرهم).
وصرّح بعضهم بعدم اشتراط ذلك كالسادة: الخوئي والفاني في الحاشية، والاخ الاكبر
في الشرح والحاشية جميعاً، وآخرين في حواشيهم.
ولعلّه الاصحّ، إذ الوثاقة والاطمينان لا دليل خاصّ على حجّيتها، وإنّما هما من
حيث كونهما علماً عند العرف بالحمل الشائع، أو لا أقل من كونهما من مراتب العلم
كانا حجّة لغوية ذاتية، لا حجّة اصطلاحية، لعدم إمكان صيرورة العلم ـ بكلّ مراتبه ـ
وسطاً في القياس المنطقي.
والعلم حجّيته اللغوية ثابتة مطلقاً لايّ شخص ومن أيّ سبب، فالعالم علمه حجّة
لنفسه، والجاهل علمه حجّة لنفسه، وكذا البصير وضدّه، وأهل الفهم وخلافه، والعارف
بالمسائل وغيره.
إذن: فاشتراط ذلك ـ بهذا المعنى الّذي هو ظاهره ـ ليس على ماينبغي ظاهراً.
نعم، قد يفسّر كلام الماتن (قدس سره) بتفسيرين يزيل الغرابة عنه.
أحدهما: أنّ ذلك بالنسبة لمن لا يعرفون ما هي العدالة من الجهّال ونحوهم، فيصلّون
خلف كلّ شخص بمجرد أن رأوا جماعة يصلّون خلفه، بلا إحراز عدالته، ولا فهم معناها.
لكنّ فيه: أنّ ظاهر المتن أنّه في مقام طرق إثبات العدالة لا معناها، ولذا أشكل
عليه بعض الشرّاح بأنّه لماذا لم يذكر بعضاً آخر من طرق إثبات العدالة.
ثانيهما: أنّ ذلك بحث أخلاقي للتريّث الاكثر والبحث والفحص عن عدالة الامام، نظير
ما ورد عن الامام زين العابدين (عليه السلام): « إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته
وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته فرويداً لا يغرنّكم...»(206).
لكنّ فيه ـ مضافاً إلى ضعف سند الحديث، وأنّه ورد مورد التشكيك المنع من حصول
الوثوق، لا المنع من العمل به في ظرف حصوله، كما ذهب اليه سيد المستمسك (قدس
سره)(207)ـ: أنّه لا يناسب كلام الماتن « بشرط » بجعله في مقام بيان شرائط إمام
الجماعة: من شروط إثبات العدالة بالوثوق والاطمينان، فتأمّل.
ثمّ إنّ بعض الشرّاح أيّد كلام الماتن مطلقاً على كلمة « الجهّال » بقوله: «
لانّهم كالانعام بل هم أضل كما في الكتاب الكريم »(208).
مع أنّ الاية الكريمة نزلت بشأن الكفّار والمشركين الذين ينكرون ما يرون ويسمعون
ويعقلون من آيات الله وتوحيده وجميل صفاته ورسله وما أُرسلوا به، كما في التفاسير(209).
الثالث: أنّ من يحصل له الوثوق والاطمينان بسرعة لا يحصل لمتعارف الناس بمثلها،
هل وثوقه هذا حجّة لنفسه أم لا ؟
صريح الماتن (قدس سره) والاعاظم المعلّقون والشرّاح الساكتون عليه: عدم الحجّية،
قال الماتن في آخر المسألة الانفة الذكر: « ولا أي: بشرط أن لا يكون الشخص ممّن
يحصل له الاطمينان والوثوق بأدنى شيء كغالب الناس »(210).
أقول: هذا مناف لما بنى عليه المشهور في الاُصول من حجّية قطع القطاع لنفسه، وأي
فرق في ذلك بين قطع القطاع وبين سريع الاطمينان والوثوق ؟
نعم، إن قلنا مثل مقالة كاشف الغطاء (قدس سره) بعدم حجّية قطع القطاع أو خصوص
الملتفت إلى كونه على خلاف المتعارف لا مطلقاً، أو لترتيب الاثار الوضعية فقط لا
مطلقا، كان الالتزام بمثله في ما نحن فيه ـ من الاطمينان والوثوق ـ في محلّه،
فتأمّل.
الرابع: هل يشترط في حجّية الشياع ـ سواء قلنا بحجّيته مطلقاً، أم خصوص ما أورث
الظنّ منه، أم الاطميناني منه فقط، أم خصوص ما رجع إلى إثبات حسن الظاهر في الشخص ـ إحراز كونه من شاع عندهم موافقين في النظر مع من قام الشياع عنده في المسائل التي
فيها خلاف موضوعاً، كالاجتهاد، والاعلمية، والعدالة، والفسق، ونحوها ؟
أم يكفي عدم إحراز المخالفة ؟
أم الشياع حجّة حتّى مع إحراز المخالفة ؟
احتمالات، بل أقوال، مقتضى الاطلاقات في الاخبار وكلمات الفقهاء الاخير، ومقتضى
طريقية الشياع بل والانصراف: الاوّل، ومقتضى أصل الصحّة في أقوال وأفعال المسلمين:
الثاني.
اختار المحقّق القمّي (قدس سره) في جامع الشتات الاوّل، قال في كتاب القضاء، في
جواب سؤال ما ترجمته: « لكن في شهادة العدلين والشياع يجب أن يكون الشهود على
العدالة موافقين معك في الرأي، للخلاف في معنى العدالة، فيجب أن تكون شهادتهم على
العدالة بالمعنى الّذي أنت تراه، وبناؤك عليه »(211).
وصاحب الجواهر (قدس سره) بنى في جواهره ـ تبعاً للعديد من سابقيه من الاساطين ـ
وتبعهم في ذلك الكثير من المتأخرين عنه في غير مورد عن الثاني، قال في كتاب الصيد
والذباحة: « إنّ المراد من أصل الصحّة المحمول عليه فعل المسلم ـ في أمثال ذلك ـ
الصحّة في الواقع لا عنده، كما نبّه عليه أخذ الجلد ممّن يستحل الميتة بالدبغ، بل
السيرة في أخذ المجتهد ومقلّديه من مجتهد آخر ومقلّديه، ما هو محلّ الخلاف بينهم
فى الطهارة والنجاسة، والحلّ والحرمة وغيره مع عدم العلم بكون المأخوذ حصل فيه
الاختلاف، بل يمكن دعوى القطع بذلك في جميع أفعال المسلمين »(212).
وفي صلاة الجماعة من رسالة المجدّد الشيرازي (قدس سره) جاء ما ترجمته:
« إذا اقتدى جمع ظاهروا الصلاح بشخص، ولكنّك لا تعرفهم، فإذا علمت بأنّك لو
سألتهم عن عدالة إمام الجماعة لاخبروا بعدالته ـ بشرط أن لا تعلم أنّهم لا يعرفون
معنى العدالة ـ فيجوز لك الاقتداء به »(213).
وسكت عليه جملة من الاساطين المعلّقين على الرسالة، منهم: الميرزا حسين الخليلي،
والكاظمان: اليزدي والخراساني (قدس سرهم). وظهوره في كفاية الشياع في صورة عدم
إحراز الخلاف، واضح.
أقول: لعلّ الاوسط أوسط، إذ لو كان يجب الاحراز لكان ممّا يبان للابتلاء الكثير
الكثير في إثبات الموضوعات يومياً إلى الشهود والشياع ونحو ذلك في القضاء،
والشهادات، وترتيب الاثار المختلفة، في الملك، والوقف، والنسب، المعاملات،
وغيرها....
واطلاق الحجّية حتّى مع العلم بالخلاف في المبنى مساوق لاثبات الحجّية لما ليس
بحجّة، قضاءً للطريقية، وهو خلف.
فيبقى الحجّية مع عدم إحراز الخلاف، وهو الاصحّ.
الخامس: على القول بحجّية الشياع حتّى مع العلم بالتخالف في الرأي ـ اجتهاداً أو
تقليداً، أو ملفّقاً ـ واضح أنّه لا يجب الفحص عن التخالف، لعدم الاثر لظهوره
وعدمه.
وأمّا على القول بحجّيته ما لم يظهر له الخلاف اعتماداً على أصل الصحّة أيضاً، فلا
يجب الفحص والبحث عن وجود تخالف وعدمه.
وأمّا على القول بلزوم إحراز الموافقة، فهل يعتمد فيه على الاصل الموضوعي أم لا،
بل يحتاج إلى إحراز وجداني، أو قيام أمارة على الوفاق ؟
ظاهر بعضهم، بل صريح العبارة الانفة للمحقّق القمّي (قدس سره) لزوم الاحراز، لكن
قد يقال: بكفاية الاعتماد على الاُصول الموضوعية في المقام، نظير غير المورد من
موارد لزوم الاحراز.
نعم، ينبغي عدم الاشكال منهم في الاُصول المحرزة كالاستصحاب الذي به تجوز الشهادة
المبنية على مثل رؤية الشمس والكفّ في الروايات، والله العالم.
هذا هو حال الشياع في إثبات الاجتهاد، والاعلمية، ونحوها من الموضوعات.
أمّا إثبات الشياع لموارد خاصّة كالنسب، والملك، والوقف، ونحوها فممّا لا ينكر،
والكلام حوله فيها موكول إلى أبوابها، وسيأتي في شرح المسألة الثالثة والعشرين قطعة
أُخرى من البحث عن الشياع ومدى إثباته للعدالة إن شاء الله تعالى.
الاُولى: هل الحجّة على الشياع حجّة شرعاً أم لا ؟
الظاهر ذلك، لعمومات وإطلاقات أدلّة الحجج، وعدم تفريق العقلاء في بنائهم في
متعلّقات الحجج العقلائية.
قال السيّد صاحب العروة في أجوبة مسائله: « مقتضى طريقية العلم حلول الامارات
محلّه »(214).
وقال كاشف الغطاء: « لو قامت البيّنة بالشياع أو حكم المجتهد به أو شاع حكمه به
أجزء »(215).
وفي الجواهر: « وحينئذ فإذا ثبت الشياع فيما يثبت به ولو ببيّنة عادلة أنفذ الحاكم
الحكم على مقتضاه »(216).
الثانية: الشياع العملي السكوتي حجّة. كما في المسالك(217).
وقال في كشف الغطاء: « رابعها الشياع العملي بوجدان أهل البلد صائمين على أنّه شهر
رمضان، أو مفطرين على أنّه شوال، أو مقيمين العزاء على أنّه عاشوراء، أو حاجّين
على أنّه الاضحى... »(218).
ويدلّ عليه صحيحة هشام عن الامام الصادق (عليه السلام) فيمن صام تسعة وعشرين يوماً
قال (عليه السلام): « إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنّهم صاموا ثلاثين على
رؤيته، قضى يوماً »(219).
الثالثة: موضوع الشياع، قال في المسالك: « وصفة التسامع في ذلك (أي: في النسب)
أن يسمع الشاهد الناس ينسبون المشهود بنسبه إلى ذلك الرجل أو القبيلة. ولا يعتبر
التكرّر ولا امتداد مدّة السماع ـ وإن كان الحكم به آكد ـ بل لو حضر جماعة لا يرتاب
صدقهم فأخبروه بنسبه دفعة واحدة على وجه إفادة الغرض (أي: العلم) جاز له الشهادة
»(220).
وقال في كشف الغطاء: « الشياع المفيد للعلم أو الظنّ المواخي له، ومداره على أن
تلهج ألسن الناس برؤية الهلال، أو مضي ثلاثين من الشهر الاوّل من غير ضبط لعددهم
من غير فرق بين أن يكونوا صغاراً أو كباراً، عبيداً أو أحراراً، نساءً أو رجالاً، عدولاً أو فسّاقاً، مسلمين أو كفّاراً، مؤمنين أو مخالفين »(221).
أقول: بناءً على حصول العلم فلا خصوصية للشياع، لحجّية العلم مطلقاً سبباً
ومورداً، فلا وجه لجمعها.
وأمّا بناءً على عدم لزوم حصول العلم من الشياع ـ على كلّ الاقوال الباقية ـ فيبقى
مجال التقييد مفتوحاً، فلقائل أن يقيّده بالمؤمنين، أو بالرجال، أو البالغين،
لانّه المتّقين من بناء العقلاء، أو المنصرف من رواية يونس في « ظاهر الحكم » أي:
حكم الناس وأخبارهم، أو ظاهر الاستبانة في موثّقة مسعدة بن صدقة أو نحوها.
الرابعة: ذكر جمع أنّه يشترط في حجّية الشياع عدم التهمة، قال في المسالك: «
ويعتبر مع انتساب الشخص ونسبة الناس أن لا يعارضهم ما يورث التهمة والريبة، فلو
كان المنسوب اليه حيّاً وأنكر لم تجز الشهادة، ولو كان مجنوناً جازت (أي:
الشهادة) »(222).
أقول: أيضاً لا مجال لهذا الشرط مع اشتراط حصول العلم، لتنافيهما. وأمّا على بقية
الاقوال: فيلزم في هذا التقييد إمّا ادّعاء انصراف اطلاق « ظاهر الحكم » في مرسلة
يونس إلى غير المتّهم أو المتيقّن من بناء العقلاء.
وإلاّ فلو استفيد من الادلّة أنّ الشياع ـ مطلقاً أو في موارد خاصة ـ أمارة، فلا
يضرّها التّهمة ما لم تبلغ حدّ العلم، لما هو المحقّق المشهور: من عدم تقيّد
الامارات حتّى بعد الظنّ بالخلاف.
فيكون الشياع سبيله سبيل خبر الثقة، والظواهر، والاقارير ونحوها، فتأمّل.
نعم، إذا كانت التّهمة بحدّ يسقطه عن الحجّية عند العقلاء، فلا.
كما أنّه إذا كان منشأ الشياع فرداً أو أفراداً معدودين فهو كذلك.
نظير عدم حجّية خبر الثقة المنكر بمخالفة المشهور، وعدم حجّية الظهور إذا كان
الامر عقيب الحضر، ونحو ذلك. هذا فيما لم يكن الشياع مفيداً للعلم.
الخامسة: الشياع عند المؤمنين حكمه حكم السيرة بما لها من الاحكام، فهو حجّة في الموضوعات والاحكام، وعلى الاوجه لا حاجة له إلى إحراز اتّصال عصر المعصومين (عليهم السلام) ونيل موافقتهم للطريقية العقلائية، بل هو السيرة القولية، كما أنّ السيرة شياع عملي، وينقسم الشياع بين المؤمنين بإنقسام السيرة، وقد فصّلنا بحث السيرة في بيان الاُصول في باب الحجج والامارات فليراجع من أراد التفصيل.
السادسة: الفرق بين الشياع والتواتر والشهرة، أنّ الشهرة خاصّ بالحدسيات ومن
الفقهاء العدول، بخلاف الشياع والتواتر فانه لا يشترط فيهما لا الفقه ولا العدالة،
ولا اختصاص لهما بالحدسيات إن جريا فيها.
وأمّا الشياع فهو هو التواتر على القول بلزوم إفادته العلم، فيكونان واحداً لغة
واصطلاحاً.
وأمّا على القول بعدم لزوم إفادة الشياع العلم ـ بل الظن، أو مطلقاً ـ فيفترقان
اصطلاحاً لا لغةً كما لا يخفى.
السابعة: في تعارض شياعين ما الحكم ؟
أمّا على القول باشتراط الحجّية بالعلم، أو الظن المتاخم له، أو القوي، أو مطلق
الظن الشخصي، فلا معنى للتعارض، للتناقض.
وأمّا على القول بالظن النوعي، أو مطلقاً نظير بقية الامارات، فيمكن تعارض
الشياعين، وعليه: فهل يتساقطان كما هو المشهور في كل تعارض، من أمارتين، أو
اصلين، للسبر والتقسيم الرباعي المعروف، أم يقدّم الارجح ـ كمّاً فقط أو حتى
كيفاً ـ لملاك ترجيح البيّنة الاقوى، للاقربية العقلائية للواقع، فتأمّل.
الثامنة: هل الشياع الحجّة خاص بالحسّيات أم مطلقاً ؟
مقتضى اشتراط العلم فيه، لا مجال للتخصيص بالحسّيات إذ مع فعلية العلم بالنسبة إلى
أي شخص وأي مورد يكون العلم حجّة مطلقاً.
وأمّا على بقية الاقوال فكلّما شكّ في حجّية الشياع فيه، فالاصل العدم.
إلاّ أنّه قد يقال: بتخصيص حجّيته في الحسّيات فقط، لانّ الشياع خبر، لا يشترط
فيه العدالة والوثاقة في أفراده، والخبر حيث إنّه ليس حجّة في الحدسيات، فكذا
الشياع.
وقد يقال: القائل بحجّية الشياع فيما هو حجّة فيه، قائل بكونه أمارة نظير البيّنة، فكما أنّه لا فرق في حجّية البيّنة بين كون موردها خبراً حسّياً أو حدسياً،
كذلك الشياع.
ولذا استدلّ في الجواهر بالسيرة على الشياع في الاجتهاد وهو حدسي ـ إن قيل إنّه
قريب من الحس الّذي يعامل معاملة الحس، فتأمّل ـ قال: « فالسيرة والطريقة
المعلومة على أزيد ممّا ذكره الاصحاب فيه، فإنّ الناس لا زالت تأخذ الفتوى بشياع
الاجتهاد... »(223).
وقال أيضاً: إنّ ظاهر الاصحاب الاتّفاق على أنّه (أي: الشياع) فيما يثبت به،
طريق للحاكم ايضاً، كالبيّنة وغيرها من الموازين الشرعية »(224).
التاسعة: هل الشياع الحجّة ـ فيما هو حجّة فيه مطلقاً، أو بشرط إفادته العلم، أو
الظنّ المتاخم له، أو القوي، أو المطلق، أو مطلقاً ـ حجّة في الاثبات فقط، أو
يعمّ النفي ؟
مثلاً: إذا كان شايعاً أنّ زيداً ليس ابناً لعمرو، فهل ينفيه عنه في الارث،
والمحرّمية في النساء، وغير ذلك، ولا يحتاج نفيه من قبل الاب إلى لعان، ينفي
الفراش، أم لا ؟
لا إشكال فيما أفاد العلم، وأمّا غيره: فمقتضى اطلاق النصّ والفتوى: الاطلاق، ففي
صحيح حريز في قصة إسماعيل كان الشياع متعلّقاً بشرب خمر الرجل قال (عليه السلام): «
إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم ».
وفي مرسل يونس: « خمسة أشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات
والمناكح والذبائح والشهادات والانساب »(225).
وفي عبارة الجواهرالانفة: « فإنّ الناس لا زالت تأخذ الفتوى بشياع الاجتهاد وتصلّي
بشياع العدالة، وتجتنب بشياع الفسق »(226).
ويؤيّده عدم الفرق ـ في الحجّية عقلاً، وعقلائياً ـ بين الاثبات والنفي.
العاشرة: إذا تعارض الشياع ـ الحجّة ـ مع الاُصول تنزيليّها وغيره، لا إشكال في
تقدّمه عليها، لكون الشياع أمارة، وأمّا إذا تعارض مع الامارات، فلا إشكال أيضاً
في الشياع المفيد للعلم فعلاً، لعدم صحّة الجعل مع العلم، لا وفاقاً، ولا خلافاً.
وأمّا الشياع الحجّة غير المفيد للعلم فسبيله سبيل بقية الامارات في حال المعارضة
مع أمارة أُخرى.
وحاصل الكلام: أنّ المتسالم عليه عند المتأخرين: تقدّم البيّنة على جميع الامارات
الاُخر عند المعارضة.
وفي غير البيّنة كاليد، وسوق المسلمين، وقول الشخص فيما هو حجّة فيه، وخبر
الواحد فيما إذا قلنا بحجّيته في الموضوعات، وغيرها إذا تعارضت مع الشياع الحجّة ـ
في موردها وبشرطها ـ أنّه إذا كان لاحد المتعارضين عموم واطلاق دون الاخر، تقدّم
عليه، سواء كان الاخر لبّياً أم لفظياً ولكنّه كان مجملاً، وإذا تكافئا من هذه
الجهة تعارضا وتساقطا على المشهور من سقوط المتعارضين.
هذا تمام الكلام في مدى ثبوت الموضوعات بالشياع.
ثم إنّه ربما يذكر طرق أُخرى لاثبات الموضوعات، مثل الاجتهاد والاعلمية:
الطريق الاوّل: حكم الحاكم الشرعي، فقد صرّح جمع به في موارد، ففي باب العدالة
ذكر جمع ثبوتها بحكم الحاكم، وفي ثبوت الاجتهاد به صرّح المازندراني في ذخيرة
المعاد(227).
وأشكل عليه المعلّقون الثلاثة: اليزدي والشيرازي والصدر.
وكذا الشيخ جعفر التستري في رسالته العملية(228) أفتى بثبوت الاجتهاد والاعلمية
بحكم الحاكم.
وذكر البعض، ثبوت غيرهما من الموضوعات بحكم الحاكم.
أقول هناك مسائل خمس في بحث حكم الحاكم:
الاُولى: المخاصمة، ولا إشكال ولا خلاف في حجّيته فيها، كما إذا ادّعى الملكية.
الثانية: غير المخاصمة من الاُمور العامّة المرتبطة بالحسبة، والمشهور قديماً
وحديثاً ذلك أي: حجّية حكم الحاكم فيه.
الثالثة: الاُمور العامّة التي لا ترتبط بالحسبة وفيها خلاف كالسلم والحرب.
الرابعة: الاُمور الخاصّة المرتبطة بالحسبة كالصغير الواحد.
الخامسة: الاُمور الخاصّة التي لا ترتبط بالحسبة كاعتكاف شخص واحد في مسجد واحد.
ظاهر الولاية العامّة الكل، وأشكل في الخامس أيضاً كالثالث.
طرق معرفة المجتهد: شهرة أهل الخبرة
وفي العروة أفتى بثبوت مسجدية المسجد وجامعيته بحكم الحاكم الشرعي(229).
والسؤال: أنّه أيّ فرق بين هذا وبين سائر الموضوعات كالاجتهاد والاعلمية والعدالة
وغير ذلك ؟ فكيف أفتى بثبوت المسجدية والجامعية بحكم الحاكم، وأشكل على
المازندراني في حكمه بثبوت الاجتهاد بحكم الحاكم ؟
ومقتضى الولاية العامّة خصوصاً التقابل بين حكّام الجور، وحكّام العدل في الروايات
والنهي عن مراجعة أُولئك والرجوع إلى هؤلاء، وهو ظاهر عرفاً في أنّ كل شيء كان
يحكم به حكّام الجور، يصحّ فيه حكم حكّام العدل، كما صرّح بذلك جمع، منهم: المحقّق
العراقي ـ احتمالاً ـ في حاشية العروة(230)، وإن أشكل هو فيه في مقام الفتوى.
والموافقون مع صاحب العروة من أعاظم المعلّقين عليها ـ في ثبوت المسجدية والجامعية
بحكم الحاكم الشرعي ـ جمهرة الساكتين على المتن هنا، منهم: المحقّقون: النائيني، والحائري، والبروجردي، وابن العم الشيرازي، السيّد محمد تقي الخونساري،
والحجّة الكوه كمري، والاصطهباناتي، والوالد، والشاهرودي، والشريعتمداري، والاخ
الاكبر وآخرون.
وقد سبق الجميع صاحب الجواهر فأفتى في رسالته العملية « نجاة العباد » بثبوت
المسجدية والجامعية بحكم الحاكم(231).
الطريق الثاني: الاشتهار عند أهل الخبرة، كما في العديد من الفتاوى ـ مثل ذخيرة
المعاد للمازندراني مع سكوت السيد محمّد كاظم اليزدي عليه ـ(232).
أو الشياع ما بين أهل العلم وإن لم يكونوا عدولاً كما في منهج الرشاد للتستري (قدس
سره)(233).
أو جمع من أهل الخبرة، كما في رسالة المجدّد الشيرازي(234) وصراط النجاة للشيخ
الانصاري مع سكوت جمهرة من المعلّقين كالكاظمين والاخوند واليزدي والشيخ محمّد تقي
الشيرازي الصدر والخليلي والحائري والنائيني والعراقي وآخرين (قدس سرهم).
أقول: هنا أمور كالتالي:
الاوّل: الشياع والاشتهار لعلّهما متقاربان، أمّا « جمع من أهل الخبرة » فهو أعمّ
منهما كما لا يخفى، ومن سكت على واحد من الاوّلين والاخير كان مقتضى الصناعة كفاية
الاقل عنده وهو « جمع من أهل الخبرة » ولعلّه يصدق على الثلاثة بل الاثنين، فتأمّل.
الثاني: لعلّ الوجه فيه بناء العقلاء وليس بالبعيد.
طرق معرفة المجتهد: شهادة الخبير الثقة
وعليه: فلا خصوصية للاجتهاد والاعلمية، لعدم دليل خاص، بل كلّ موضوع حدسي يحتاج
إلى كشف الخبير، يكون شهادة الخبراء فيه حجّة.
الثالث: قول التستري (قدس سره): « وإن لم يكونوا عدولاً » هو على الاصل من عدم اشتراط العدالة في أهل الخبرة وإلاّ كان لغواً جعله قسيماً للبيّنة، بل أحد أمرين على سبيل منع الخلو: إمّا الشياع الّذي تقدّم الحديث عنه، وإمّا كونه ثقة وإن لم يصدق عليه الشياع، لكفايته في الحدسيات كما ذكروا ذلك في أكثر من مورد، وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.
الرابع: أنّ جمعاً من المحقّقين: كالسيّد اليزدي والشيخ محمّد تقي الشيرازي
وآخرين (قدس سرهم)، قيّدوا في بعض هذه المتون « بإفادة العلم » وسكتوا في بعضها
الاخر.
كما صنعوا التقييد في حاشية « ذخيرة المعاد » أو « منهج الرشاد ».
وسكتوا على متن صراط النجاة، ورسالة المجدّد الشيرازي (قدس سره).
والوجه غير ظاهر، بعد كون عبارة الشيخ والمجدّد « جمع من أهل الخبرة » أعمّ من
عبارة المازندراني.
نعم، ربما يكون الاوّل احتياطاً والثاني فتوى، وإن كانت العبارات لا تساعد على هذا
الجمع.
الطريق الثالث: شهادة واحد ثقة من أهل الخبرة بالاجتهاد أو الاعلمية.
لم أتذكّر الان أحد تعرّض لذكره في باب الاجتهاد والتقليد، ولكن مقتضى بناء
العقلاء ظاهراً عليه، وقد ذكروا في الاُصول كفايته.
وقد تقدّم منّا: أنّ الملاك للثبوت ـ في مقام التنجيز والاعذار ـ عند العقلاء
الوثاقة في الحسيات، والخبرة في الحدسيات، فإذا كان خبيراً اعتبر قوله في الحدس،
وإذا كان ثقة اعتبر قوله في مطابقته مع علمه.
وقد صرّح جمع بهذه الكلّية وإليك نماذج:
1. في مسألة حكم الطبيب بضرر الصوم على المكلّف، أو عدم ضرره عليه.
قال في مستند العروة: « فلو أخبر الطبيب بالضرر وهو حاذق ثقة وجب اتّباعه لقيام
السيرة العقلائية على الرجوع إلى أهل الخبرة من كل فنّ، فقول الطبيب حجّة وإن لم
يحصل الخوف ».
2. في مسألة أخذ فتوى المجتهد من عدل واحد، قال الاخوند في حاشية منهج الرشاد(235)
ما ترجمته: « يكفي الاخذ من عدل واحد » وإن ذكر الشيخ التستري (قدس سره) ذلك
احتمالاً.
3. وفي مسألة ثبوت الاجتهاد قال في كشف الغطاء: « فإن أمكنه معرفة المجتهد بنفسه... وإلاّ رجع في معرفته إلى مسلّم الاجتهاد ولو كان واحداً »(236).
وفيه أيضاً: « ويجب على من لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق، الرجوع إلى من بلغها مع
عدالته وضبطه، مشافهة أو بواسطة العدل الضابط، متّحداً أو متعدّداً »(237).
وفيه أيضاً: « ودلّ الدليل على الاكتفاء بخبر العدل الواحد ـ فضلاً عن العدلين
والعدول ـ في ثبوت الموضوعات والاحكام الشرعية »(238).
إن قلت: يحتمل خطأ الخبير في اعتقاده لا في حدسه والمعتبر عند العقلاء حدس الخبير، لا اعتقاده. وقد نقل هذا الاشكال عن العلاّمة والصيمري: في إخبار الثقة
بالنجاسة إذا لم يذكر سببها، لاحتمال اعتقاده نجاسة سؤر المسوخ مثلاً.
قلت: ردّه المستمسك: « بأنّ احتمال الخطأ في المستند ملغى بأصالة عدم الخطأ
المعوّل عليها عند العقلاء... والمتشرّعة على عدم الفحص والسؤال عن مستند الخبر،
بيّنة كانت أو خبر واحد، وموضوعاً كان المخبر به أو حكماً »(239).
مضافاً إلى أنّ الكلام في ثبوت الحدس بثقة واحد، فلنفرض ما إذا علمنا اتّحاد
الاعتقاد بين المخبر والسامع.
فإنّ هناك:
1. حسّ: جاء زيد من السفر.
2. حدس: زيد مجتهد.
3. اعتقاد: كأن يعتقد بأنّ الاجتهاد يكفي فيه: شرح اللمعة.
وعند العلاّمة: أصالة عدم الخطأ في الاعتقاد، ليس عليه بناء العقلاء.
ثمّ قد يتوافق الاعتقادان، ولا إشكال فيه.
وقد لا يُعلم وقد يختلفان، فيأتي فيهما إشكال العلاّمة.
وفي أصل الصحّة يقولون بالجريان حتّى مع العلم باعتقاد الخلاف كما في الجماعة،
والاخبار بالنجاسة كما في المسألة الرابعة، فصل: في طريق ثبوت النجاسة من العروة
فإنّه في العشرات من المعلّقين، علّق البعض فقط بلزوم ذكر المستند ووافق العلاّمة
والصيمري واستند فيه إلى عدم بناء من العقلاء عند اختلاف النظر.
ثم إنّ المشهور ذهبوا إلى حجّية البيّنة وغيرها من الامارات والاُصول مطلقاً حتّى
مع اختلاف الاعتقاد بين الطرفين اجتهاداً أو تقليداً، إذا لم تُعلم المخالفة
الخارجية.
وأشكل في ذلك بعض في بعض الموارد وبعضهم اختلفت كلماتهم وإليك نماذج من ذلك:
1. قال السيّد صاحب العروة: « لا يعتبر في البيّنة ذكر مستند الشهادة. نعم، لو
ذكرا مستندها وعلم عدم صحّته لم يحكم بالنجاسة »(240).
ولم يعلّقه معظم من المحقّقين: كالنائيني والحائري والعراقي والشيرازيين الثلاثة: «
الوالد والاخ وابن العم ».
وعلّق عليه السيّد الخوئي بالتفصيل بين العلم باختلاف الاعتقاد فلا، وبين عدمه،
فنعم.
والسيّد نفسه في ملحقات العروة بعد أن نقل الخلاف في مسألة التعديل والتجريح، قال: « والاقوى
ـ وفاقاً لبعضهم ـ كفاية الاطلاق فيهما مع العلم بالاسباب وموافقة
مذهبهما (أي: البيّنة) لمذهب الحاكم تقليداً أو اجتهاداً، ووجوب ذكر السبب في غيره.
ودعوى أنّ السيرة جارية في جميع المقامات على عدم ذكر السبب وأنّ المعلوم من طريقة
الشرع حمل عبارة الشاهد على الواقع ولو مع الاختلاف، ولذا لا يجب السؤال عن سبب
الملك أو الطهارة أو النجاسة عند الشهادة بها، وما العدالة والفسق إلاّ من قبليهما.
مدفوعة: بمنع السيرة إلاّ فيما لا اختلاف في أسبابه أو علم بالقرائن اتّفاق
المذهبين، أو نحو ذلك »(241).
2. وقال في الجواهر: « ولعلّ الاقوى الاكتفاء بالاطلاق فيهما (أي: في التزكية
والجرح)... لما هو المعلوم من طريقة الشرع من حمل عبارة الشاهد على الواقع وإن
اختلف الاجتهاد في تشخيصه... ومن ذلك يعلم ضعف القول بالتفصيل فيهما (أي: في
التزكية والجرح، بذكر السبب في الجرح دون التعديل) فضلاً عن العكس بمعنى وجوب
التفصيل في العدالة... »(242).
ونحوه في المستمسك ـ كما تقدّم آنفاً ـ.
3. وقال الشيخ: « إنّ المحمول عليه فعل المسلم هل الصحّة باعتقاد الفاعل أو
الصحّة الواقعية ؟
فلو علم أنّ معتقد الفاعل ـ اعتقاداً يعذر فيه ـ صحّة البيع أو النكاح بالفارسية في
العقد، فشكّ فيما صدر عنه، مع اعتقاد الشاكّ اعتبار العربية، فهل يحمل على كونه
واقعاً بالعربية... أم لا ؟ وجهان بل قولان:
ظاهر المشهور الحمل على الصحّة الواقعية، فإذا شكّ المأموم في أنّ الامام المعتقد
بعدم وجوب السورة، قرأها أم لا ؟ جاز له الايتمام به وإن لم يكن له ذلك إذا علم
بتركها.
ويظهر من بعض المتأخرين خلافه »(243).
ثمّ ذكر عبارة عن المدارك في الاشكال على أصل الصحّة في المورد.
أمثلة للمقام:
1. الاقرار من الميت بالخمس مع اعتقاده الخمس في الهدية واعتقاد الورثة العدم،
فهل عليهم الخمس ؟
2. المفيد والشيخ وابن الجنيد وغيرهم نقل عنهم أصل العدالة، للصحيح: « فمن لم
تره بعينك يرتكب ذنباً... فهو من أهل العدالة »(244) فهل يعتبر توثيقاتهم ؟
3. مَن عنده العصير الزبيبي المغلي نجس، فهل يجري أصل الصحّة في عصير زبيبي أخذه
ممّن يعتبر غليانه غير منجّس ؟
وهنا نقاط تأمّل:
النقطة الاُولى: في موارد المسألة وهي: كلّما كان يرتبط بعمل شخص آخر، أو بعمل
سابق من نفس الشخص، وكان يحتمل خلاف الواقع فيه ـ لا للكذب ولا للخطأ في مقام
العمل، بل للخطأ في الاعتقاد ـ.
فالاوّل: كأصل الصحّة في عمل الغير، والتزكية والجرح، والبيّنة، وخبر الواحد،
والاقرار، وقول ذي اليد، ونحو ذلك.
والثاني: كقاعدتي الفراغ والتجاوز وأصل الصحّة في عمل نفسه، مثلاً حجّ وهو يعتقد
كفاية درك أحد الاضطراريين والان يعتقد عدم الكفاية، لكنّه شكّ في أنّه حين الحجّ
هل اكتفى بأحد الاضطراريين أم لا ؟
أو استناب شخصاً يعتقد بالكفاية ـ ويعتقد بأنّ النائب يعمل حسب اعتقاد نفسه لا
المنوب عنه ـ وهو لا يعتقد بكفاية اضطراري واحد ولا بكفاية عمل النائب حسب تكليف
نفسه.
الثانية: مقتضى القاعدة عدم الفرق في الامارات والاُصول في جريانها وعدم جريانها
مع العلم باختلاف المذهب واحتمال الموافقة، عملاً.
عدم الفرق على بناء العقلاء وسيرة المتشرّعة، فإن كان بناء أو سيرة ففي الكل وإلاّ
ففي الكل لعدم خصوصية أمارة عن أُخرى، أو أمارة عن أصل في ذلك.
فالتبعيض بين مسائل الفقه أو بين الامارات بالاطلاق والتقييد ـ كما صنعه صاحب
العروة في كتاب الطهارة، مع ما في كتاب القضاء(245) على ما تقدّم ـ غير واضح الوجه.
الثالثة: هل هناك بناء عقلائي على إجراء الامارات العقلائية والاُصول العقلائية في
المقام ؟
وهل هناك سيرة متشرّعة معتبرة كما صرّح به صاحب الجواهر والشيخ الانصاري والسيد
الحكيم وآخرون ونسب إلى المشهور أم لا، كما صرّح به السيد صاحب العروة في كتاب
القضاء ـ الانف ـ وتبعه السيد الخوئي، على ما تقدّم كلامهما ؟
لا إشكال في لزوم إحراز البناء والسيرة فلو شكّ كان شكّاً في الحجّية والاصل عدمها. فإن كانت الطريقية للامارات عند العقلاء على نحو قيد المجعول، كان مقتضى ذلك عدم
حجّيتها مع تخالف الاعتقاد، إذ لا طريقية بل شكّ في الطريقية.
وإن كانت الطريقية:
1. إمّا على نحو داعي الجعل وكان المجعول العقلائي والمتشرّعي عاماً.
2. أو للتسهيل العقلائي في الوصول إلى الموضوعات اقتضى ذلك عموم الحجّية حتى إذا
علم تخالف المذهبين.
وصريح عبارات صاحب الجواهر والحكيم (قدس سره) وغيرهما الثاني، وهو غير بعيد، خصوصاً
أوّلهما.
الرابعة: الاطلاقات المعتبرة في الادلّة الشرعية:
أوّلاً: لا اطلاق لنا معتبر ـ سنداً ودلالة ـ في بعض الامارات كقول ذي اليد (وإن
كانت بعض روايات في العارية وغيرها من الجزئيات) إلاّ أنّ المعتمد بناء العقلاء
وسيرة المتشرّعة.
وثانياً: هناك خلاف واسع في الامارات في أنّ الاطلاقات إرشاد إلى بناء العقلاء، أم
لا.
فعليه وإن كان لنا اطلاق معتبر سنداً ودلالةً، يكون محجوجاً ببناء العقلاء لا أكثر،
فلا اطلاق.
وثالثاً: على فرض الاطلاق المعتبر في مورد، فهل هو منصرف إلى نفي الخطأ والسهو
ونحوها بقرائن في بعضها كقاعدة الفراغ و « هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ »(246)
وقوله (عليه السلام) في الصحيح: « قلت: شكّ في القراءة وقد ركع، قال: يمضي،
قلت: شكّ في الركوع وقد سجد، قال: يمضي على صلاته... »(247) ونحو ذلك.
أم إنّها قواعد تسهيلية جعلت للتسهيل على العباد، فيؤخذ باطلاقها ؟
الخامسة: التبعيض في الامارات والاُصول، بالتعميم في موارد وجود اطلاق معتبر،
والتخصيص في موارد عدم وجود اطلاق معتبر، مشكل، لوحدة الملاك فيها ظاهراً، وإن
اختلفت فتاوى الفقهاء، فترى فقيهاً واحداً يستشكل في عموم قاعدة الفراغ لمورد عدم
الالتفات ويجري أصل الصحّة بنحو مطلق، أو العكس.
أو ترى فقيهاً آخر: يشكل على اطلاقات أدلّة التقليد بأنّها ليست في مقام بيان سوى
أصل الجواز، ولكنّه يقول باطلاق قاعدة الفراغ لمورد عدم الالتفات كالمحقّق النائيني
(قدس سره).
السادسة: في السيرة ـ سيرة العقلاء، أو سيرة المتشرّعة ـ ترى العديد من الفقهاء
في مورد يلتزمون بعمومها، وفي مورد يقيدونها بالمتيقّن.
مثلاً: في التنقيح في بناء العقلاء في البيّنة قيّده بما إذا لم يعلم الاختلاف في
الفتوى، قال: « لانّه لم يثبت عندنا سيرة على ذلك ـ إلى أن قال: ـ إنّ البيّنة
إذا أخبرت عن النجاسة ولم تذكر مستندها، فلا يعتمد على شهادتها عند اختلافهما في
الاسباب ».
وفي مسألة الغيبة من المطهّرات عند ذكر صاحب العروة شروط الحكم بالطهارة لاجل
الغيبة: « الرابع: علمه باشتراط الطهارة في الاستعمال المفروض » قال في التعليقة: «
لا يبعد كفاية احتمال العلم أيضاً ».
وقال في الشرح: « فالانصاف إنّ السيرة غير مختصّة بمورد دون مورد ».
وعكس في المستمسك: ففي البيّنة عمّم الحجّية لمورد اختلاف الفتوى ـ كما تقدّمت
عبارته ـ وفي الغيبة خصّص الحكم بالطهارة بما إذا كان يعلم باشتراط الطهارة فيه،
قال: « كما إنّ الاولى الاكتفاء... باشتراط استعمال أحد المذكورات ـ أي بدنه
ولباسه وفرشه وظرفه ـ فيما يعلم باشتراط الطهارة فيه »(248).
السابعة: استبعادات، والاستبعاد بما هو لا يثبت حكماً، ولا ينفي، لكنّه قد يكثر
موارده فيكون طريقاً عرفياً إلى الانصراف أو الاطلاق. وفيما نحن فيه إذا التزمنا
بأنّ اختلاف المبنى يوجب عدم جريان الامارات، للشكّ في عموم البناء العقلائي وسيرة
المتشرّعة، وانصراف الاطلاق يكون لازمه التزام ما لا يمكن في العشرات من المسائل
الفقهية، وإليك نماذج عليها:
1. فإذا شهد بأنّها زوجته وكان بينهما خلاف في صلاحية الزوجية بعشر رضعات أو خمس
عشرة رضعة، يلزم عدم القبول.
2. إذا شهد العدلان بالملك، وكان بينهما خلاف في حصول الملك بالحيازة بدون نيّتها
وعدمه، يلزم عدم القبول.
3. إذا شهد بالبيع وبينهما خلاف في صحّة البيع بغير العربية، يلزم عدم القبول
وهكذا.
الثامنة: لازم هذا القول أنّه مع عدم العلم باختلاف المباني، واحتماله أيضاً لا
يكون معتبراً، لعموم ما استدلّوا به لهذا المورد، قال في التنقيح: « إنّ الالفاظ
وضعت للدلالة على ما أراد المتكلّم تفهيمه، ولا دلالة في كلام الشاهد على أنّه قصد
تفهيم حصول الملاقاة المؤثّرة بنظر المشهود عنده أو غيرها، فنحن بعد في شكّ في
ملاقاة الماء للبول أو غيره من المنجّسات، فأي مانع معه من الرجوع إلى استصحاب عدم
حصول الملاقاة المؤثّرة ؟ ».
وهذا الاحتمال جار في صورة احتمال الخلاف في المبنى.
ثمّ نقل عبارة عن تذكرة العلاّمة: قال: « فما ذهب إليه العلاّمة (قدس سره) من أنّ
الشاهد لا يعتنى بشهادته إذا شهد بالنجاسة ولم يذكر السبب، لجواز اعتماده على ما
لا يعتمد عليه المشهود عنده، هو الصحيح » فتأمّل.
الاُولى: بين العدالة والوثاقة النوعيّتين عموم مطلق، فكلّ عدل، ثقة نوعاً، ولا
عكس.
وأمّا بينهما شخصاً فعموم من وجه، لاجتماعهما في العدل الّذي يثق الشخص ـ وثوقاً
شخصياً ـ بصدقه، وافتراقهما فيمن لا يثق شخصاً به.
وشبهة أنّ العدل يكذب في المسوغات، فلا يضرّ الاصل ـ مضافاً إلى أنّ الثقة كذلك
أيضاً ـ لسيرة العقلاء وحكم العقل.
الثانية: بناءً على عدم أمارية العدل الواحد أو الثقة الواحد، فهل يكتفى بهما مع
العسر والحرج في تحصيل الامارات المسلّمة، كالبيّنة، والشياع المفيد للعلم
ونحوهما ؟ قولان:
الاوّل: الجواز لجمع، منهم: الشيخ المازندراني.
الثاني: عدم الجواز للاكثر، منهم: صاحب العروة والشيخ محمّد تقي الشيرازي.
دليل القول الاوّل: أمران:
أحدهما: بناء العقلاء على الاكتفاء بقول الثقة الواحد والعدل الواحد، عند تعذّر
العلم والبيّنة ونحوهما.
ثانيهما: اطلاقات نفي العسر والحرج في الشريعة، الشاملة لنفس الاحكام وطرقها، إذ
ذو الطريق يكون عسراً وحرجاً بسبب عسر وحرجية طريقه، فكيف بطريق الطريق ؟
ودليل القول الثاني: أنّ ما لم يثبت حجّيته لا يصير حجّة بفقد الحجّة، وأدلّة نفي
الحرج والعسر تنفي ولا تثبت.
أقول: أوّلاً: ربما يقال: إنّ الحجّية عند العقلاء لها درجات فما دام العدلان
ممكناً مراجعتهما واستفسارهما فهو حجّة، ومع عدم ذلك يكون العدل الواحد أيضاً
معذّراً ومنجّزاً.
وثانياً: يمكن أن يكون غير الحجّة حجّة عند الانسداد، كالظنّ، فالكبرى المذكورة
غير مطلقة وللسيد الطباطبائي في حاشية رسالة المازندراني (قدس سره)تفصيل، قال ما
ترجمته: « مع عدم العلم والبيّنة يجب أوّلاً الاحتياط في مقام العمل إذا لم يكن
عسراً، وإلاّ جمع بين فتوى ذاك الشخص ومجتهد ميت، وعند اختلافهما أخذ بأحوط
القولين ـ ثم قال: ـ وهكذا في الشهرة غير المفيدة للعلم، ومطلق الظن ».
وقريب منه عبارة معاصره الشيخ عبدالله المازندراني.
أقول: هنا ملاحظات:
الملاحظة الاُولى: اللجوء إلى الاحتياط وترك التقليد لا يلتزم به المعظم، منهم
السيد اليزدي نفسه.
ولذا في المجتهدين المتساويين المختلفين قالوا بالتخيير في التقليد(249)، لم يلجأوا
إلى الاحتياط، لما ذكروه من الاجماع إلى عدم وجوب الاحتياط المطلق.
الثانية: أنّ مع عدم وجوب الاحتياط إمّا مطلقاً أو مع عسره، جمع أمرين ليسا حجّة، كيف يكون حجة ؟
إلاّ أن يدّعى بناء عقلائي، فليدّع في نفس الحي ذي الشاهد الواحد.
الثالثة: قد يكون جمع فتوى هذا الحي والميت أيضاً عسراً، والاخذ بأحوط القولين
أيضاً عسراً ـ إمّا تحصيلاً أو عملاً ـ فما الحل ؟
الحل: هو التنزّل إلى الامتثال الاحتمالي، وهو فتوى هذا الحي.
الرابعة: ومنها: ـ بعد أن تقدّم: 1: حكم الحاكم، 2: الاشتهار عند أهل الخبرة، 3:
الثقة الواحد ـ مطلق الظنّ.
ذكره جمع منهم الفقيهان الشيخ جعفر التستري والشيخ زين العابدين المازندراني في
رسالتيهما العمليتين قال الاوّل في منهج الرشاد: « وهل يثبت ـ أي الاجتهاد المطلق ـ بالظنّ الحاصل من غير هذه الطرق، الاظهر العدم خصوصاً مع التمكّن منها، وأمّا
مع عدم التمكّن إلاّ من الظنّ، يعني: كلّما لم تصل يده إلى غير الظنّ بالاجتهاد
من الطرق الاُخرى فهل يكون تقليد ذاك المجتهد الحي الّذي يظنّ باجتهاده مقدّماً،
أم تقليد الاموات الذين هم يقيني الاجتهاد ؟ القول بالاول وإن لم يكن بعيداً، إلاّ
أنّ الاحوط الجمع بين التقليدين مع الامكان إن احتاط في نفس المسائل، فهو أحسن »(250).
وأشكل عليه الاخوند والسيد اليزدي بوجوب الاحتياط.
أقول: مقتضى عدم حجّية الظن كونه كالشكّ حكماً، إلاّ أنّه:
أوّلاً: ربما يفصّل بين الاحكام والموضوعات بعدم الحجّية في الاحكام، والحجّية ـ
مطلقاً أو الانسدادية ـ فى الموضوعات لبناء العقلاء عليه.
وثانياً: أو بين القوي وغيره بالحجّية في الاوّل مطلقاً، أو في خصوص الموضوعات دون
الثاني.
الخامسة: ادّعاء الشخص نفسه الاجتهاد أو الاعلمية، هل يكون كافياً، أم لا ؟
وجه عدم الكفاية:
أوّلاً: الاصل.
ثانياً: أنّه دور، لتوقّف صحّة قوله على اجتهاده واقعاً، فإذا توقّف اجتهاده على
صحّة قوله، دار.
والجواب: بأنّ الدور المحال هو التكويني الّذي لا يصحّحه اختلاف الحيث، أمّا
الاُمور الاعتبارية فتختلف بالحيث، غير تامّ، صغرى لانّه لا اختلاف حيثي هنا.
وإن صحّت الكبرى: لانّ الحيث يجعل المتوقّف عليه غير المتوقّف عليه، كما إذا أوجب
الاطمينان.
ووجه الكفاية: أنّه مع عدالته يكون قوله معتبراً لاطلاق حجّية قول العدل سواء كان
متعلّق قوله ما يرتبط بنفسه، أم بغيره.
والحيث المختلف موجود هنا، إذ يتوقّف ثبوت اجتهاده على حجّية قوله، ويتوقّف حجّية
قوله على عدالته، لا على اجتهاده، نظير ما إذا أخبر العدل عن أمر آخر يرتبط بنفسه، كنسبه،
وفقره ونحوهما.
نعم، إذا لزم في الشهادة بالاجتهاد أو الاعلمية البيّنة، يكفي شهادة عدل آخر معه.
هذا إذا لم يفد قوله الاطمينان الشخصي وإلاّ كان حجّة، لانّه علم عرفي، حجّة من أي
سبب حصل.
وعليها يحمل عمل جمع من الفقهاء الاتقياء حيث إنّهم يأمرون أهاليهم بتقليدهم، مع
اشتراطهم في المقلّد: الاجتهاد المطلق، والاعلمية، وإلاّ كان اغراءً بالجهل، لقصور
كثير منهم في جهلهم.
إن قلت: قول الشخص: أنا مجتهد أو أنا أعلم، شهادة في حقّ نفسه، وهي لا تقبل مع
الغبطة لنفسه، كالشريك، والوصي فيما هو وصي فيه، ونحو ذلك.
وعليه يحمل إشكال جمع، منهم: الكاظمان اليزدي والخراساني في حاشية منهج الرشاد(251).
قلت أوّلاً: هذه ليست شهادة بل موضوع كسائر الموضوعات، والفرق بينهما التحاكم فى
الشهادة، دون الموضوعات، ولذا ذهب جمهرة بحجّية قول العدل الواحد الموضوعات، مع
الاجماع على عدم حجّية الواحد في المحاكمات.
وثانياً: الغبطة الموجبة لردّ الشهادة هي المالية لا مطلقاً، إذ بناء العقلاء لا
فرق فيه ـ ظاهراً ـ بين موارد خبر الثقة، وإنّما الدليل الخاص الشرعي قيّد بعدم
كون المخبر ذا نفع وذلك مقيّد من جهتين:
1. المحاكمات.
2. الماليات.
وليس فيها عموم يشمل غيرهما، فتأمّل.
ثمّ إنّه هل يشترط الذكورة، أم يكفي العدل، أو الثقة ولو أُنثى ؟ مقتضى بناء
العقلاء، واطلاق روايات الثقة، الاعمّ.
قال في كشف الغطاء: « ويثبت النسب فيهما ـ القرشية وغيرها ـ بالقرائن المفيدة
للعلم وبالشياع وشهادة العدلين وفي الاكتفاء بشهادة العدل الواحد ولو أُنثى وجه قوي
»(252).
وقال ايضاً في مسألة الطلاق في حال الحيض استصحاباً ثم ظهر الطهر أو العكس: « وفي
قبول العدل الواحد ولو كان امرأة وجه قوي »(253).
وقال أيضاً: « وفي الاكتفاء بالواحدة العدل كما في سائر العبادات وجه قوي »(254).
وقال أيضاً: « ويثبت التطهير بشهادة العدلين أو العدل الواحد ولو كان أُنثى »(255).
وقال أيضاً: « يكفي في إثباته ـ أي: الكرّ ـ خبر العدلين بل العدل الواحد
... وكذا الاعلمية تعرف بالعلم، أو البينة غير المعارضة، أو الشياع المفيد
للعلم.
ذكراً أو اُنثى »(256).
وقال أيضاً: « ويقبل فيها ـ أي: إصابة النجاسة للماء ـ خبر العدلين... وفي قبول
قول العدل الواحد وإن كان أُنثى قوة »(257). وقال أيضاً، في ثبوت الكسوفين: « لابدّ
من العلم، أو الشياع، أو شهادة العدلين، والاحوط العمل بخبر العدل ذكراً كان أو
أُنثى »(258). وقال أيضاً: « ويجب على من لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق الرجوع إلى
من بلغها من عدالته وضبطه مشافهته، أو بواسطة العدل الضابط متحداً أو متعدّداً »(259). وقال أيضاً: « ودلّ الدليل على الاكتفاء بخبر العدل الواحد
ـ فضلاً عن العدلين
والعدول ـ في ثبوت الموضوعات والاحكام الشرعية »(260).
وكذا الاعلمية تثبت و تعرف بالعلم الوجداني الناتج عن الاختيار الشخصي لمن يكون أهلاً لخبرة الاعلمية، أو عن غير ذلك أو البيّنة غير المعارضة ببيّنة أُخرى أو الشياع المفيد للعلم وقد مرّ البحث عن ثبوت الاجتهاد بقول العدل الواحد، والثقة، وبالشياع مطلقاً، فيقال في الاعلمية مثل ذلك بلا فارق، لعدم خصوصية للاجتهاد ولا الاعلمية في ذلك.