المسألة (19): لا يجوز تقليد غير المجتهد وإن كان من أهل العلم، كما أنّه يجب على غير المجتهد التقليد وإن كان من أهل العلم.

هل يجوز تقليد غير المجتهد ؟

المسألة (19): لا يجوز تقليد غير المجتهد القادر على الاستنباط وإن كان من أهل العلم للاجماع المدّعى، ولعدم الدليل على حجّية فتواه، ولبناء العقلاء، ولعدم شمول العناوين المذكورة في الادلّة لمثله مثل: « أهل الذكر » و « الفقيه » و « العالم بالحلال والحرام » ونحوها.
كما أنّه يجب على غير المجتهد مع عدم الاحتياط أو عدم التمكّن منه التقليد وإن كان من أهل العلم لبناء العقلاء، والاجماع، وعدم الدليل على حجّية نظره حتّى لنفسه، ولصدق العناوين المذكورة للمقلّد لمثله، نحو: « لا تعلمون » من قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(1) و: « العوام » بقرينة مقابلته لـ: « الفقهاء » ونحوهما.
وما يرى أحياناً من مراجعة بعض الناس إلى ذوي الخبرات الناقصة، فهو إمّا في ما لا يهمّهم أمره ممّا لو أخطأ لم يكن به بأس عندهم، أو من اللاّمبالاة، ومثله لا يكون ملاكاً في مقام التنجيز والاعذار عند العقل والعقلاء.


فروع ثلاثة
الفرع الاوّل

وهنا فروع لا بأس بإيرادها:
الاوّل: لو كان شخص مجتهداً ولكنّه كان فاقداً لبقية شرائط المرجعية: كالعدالة، وطهارة المولد ونحوهما، فالظاهر أنّه يجوز له العمل برأيه لنفسه ـ وإن لم يجز لغيره تقليده ـ وذلك لصدق العناوين المأخوذة في الحجّية عليه، مثل: « الفقيه » و « أهل الذكر » وعدم صدق عناوين المقلّد عليه، مثل: « الجاهل » و « العوام ». والادلّة الدالّة على عدم جواز تقليده لا تشمل عمله لنفسه.
هذا مع بناء العقلاء في مقام الطاعة والعصيان.
ولعلّه لا إشكال ولا خلاف في أصل المسألة.


الفرع الثاني

الثاني: الفاقد للاجتهاد، الواجد لكل الشرائط الاُخرى الواجب توفّرها في مرجع التقليد يجب عليه التقليد، وإن كان من الافاضل، لعدم صدق عناوين: « الفقيه » و « أهل الذكر » عليه، وصدق عناوين « الجاهل » و « العوام » عليه بلا إشكال في ذلك ـ وهذا ما تقدّم في المتن ـ.

الفرع الثالث

الثالث: هل يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر ؟
للمسألة صور وباختلافها يختلف أحكامها:

صُوَر المسألة
الصورة الاُولى

1. إذا كان فتوياهما متوافقتين لا معنى لتقليد أحدهما من الاخر، بل لو قلّد أحدهما الاخر كان مجرّد لفظ لا معنى فيه، بل حتّى إذا جعل التقليد الالتزام كما لا يخفى.


الصورة الثانية

2. في صورة اختلافهما في الفتوى إن كان المجتهد واقفاً على أدلّة الاخر ومخطّئاً له، فلا يجوز له تقليده، لانّه من رجوع العالم إلى الجاهل، القبيح عقلاً ونقلاً.


الصورة الثالثة

3. إن احتمل المجتهد وقوف المجتهد الاخر على ما لم يقف هو عليه من الادلّة بحيث لو وقف هو أيضاً على تلك الادلّة احتمل تصحيح فتواه، ففيه احتمالات:


هنا احتمالات

الاوّل: عدم جواز تقليد المجتهد الاخر لانصراف أدلّة التقليد عن مثله.
الثاني: عدم جواز العمل بفتوى نفسه، لانّ احتمال عثور المجتهد الاخر على دليل لم يعثر هو عليه، لا يجامع اليأس المأخوذ في مقدار الفحص المعتبر في الاجتهاد.
الثالث: وجوب الاحتياط عليه حينئذ للعلم الاجمالي، وعدم إحراز شيء من الاوّلين لتساقط الدليلين بالتعارض.
الرابع: جواز كل من العمل برأيه وبرأي المجتهد الاخر، لصدق: « الفقيه » عليه حينئذ، وعدم انصراف أدلّة التقليد عن مثله، مع فرض احتماله صواب المجتهد الاخر.
وربما يؤيّد ذلك: بصحيح ابن أبي يعفور، قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): « إنّه ليس كل ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني، وليس عندي كل ما يسألني عنه ؟ فقال (عليه السلام): ما يمنعك عن محمّد بن مسلم الثقفي، فإنّه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً »(2).
ويتمّ فيما إذا سأل ابن ابي يعفور محمّد بن مسلم عن مسألة، فأجابه فتوى بدون مجرد نقل الرواية، ولعلّ اطلاقه لا يأبى الشمول لمثل ذلك، وعدم الانصراف عن مثله.
وإن كان قد يناقش فيه: بالفرق بين زماننا الّذي دوّنت فيه الاخبار كلّها وهي مجموعة بمرأى كل الفقهاء، وبين زمان ابن أبي يعفور الّذي لم يكن عند أحد إلاّ بعض الاخبار ممّا كان يحتمل ـ احتمالاً عقلائياً ـ وجود أخبار أُخرى عند غيره. بالاضافة إلى أنّ السائل كان جاهلاً حكم المسألة والمسؤول عالماً، فكان ذلك من رجوع الجاهل إلى العالم، فيكون هذا نظير إرجاع المجتهد مقلّده الّذي عنده رسالة مختصرة إلى رسالة مفصّلة، فتأمّل.


الصورة الرابعة

4. لو توقّف المجتهد في مسألة بأن حصل له التردّد في الحكم من أجل التردّد في مفاد الدليل، أو اعتبار السند، أو الزيادة والنقيصة في المتن، وما شابه ذلك، وكان مجتهد آخر جازماً بمفاد الدليل أو اعتبار السند ونحوهما ويفتي على جزمه، فهل للمجتهد الاوّل تقليد الثاني ؟
إحتمالان: الجواز لصدق كون الرجوع إليه رجوعاً إلى أهل الذكر.
وعدم الجواز لانصراف الادلّة عنه.
وربما يوجّه الجواز بأنّ الانصراف غير مسلّم، اللّهمّ إلاّ إذا كان مرجع التردّد إلى تخطئة الجازم في جزمه، لانّه يرى أنّ ما استند إليه في جزمه غير تامّ.
مثلاً: عرق الجنب من الحرام إذا شكّ في ظهور الرواية بترك الصلاة فيه، في مجرد المانعية، أو والنجاسة، وجزم الاخر بعدم النجاسة.


الصورة الخامسة

5. إذا لم يكن المجتهد فعلاً مستنبطاً مسألة عن الادلّة ـ وربما يدخل في ذلك بعض الصور المتقدّمة ـ فهل يجوز له تقليد مجتهد آخر، أم يجب عليه الاحتياط ـ مع التمكّن منه عقلاً، كغير الدوران بين المحذورين، ومعرفة وجه الاحتياط قبل فوات موضوع المسألة ونحو ذلك، وشرعاً لعدم حرج، أو ضرر أو نحوهما ـ.
فإن كان عدم تمكّنه لعذر عقلي، أو شرعي، ممّا يجوز معهما الحرام، ويسقط معهما الوجوب، فالظاهر عدم الاشكال في الجواز ـ وإن أفتى البعض بعدم الجواز ـ وذلك لبناء العقلاء على الجواز في هذه الحال، وعدم شمول أدلّة عدم الجواز لمثله، انصرافاً للّفظي منها، وأنّه غير المتيقّن للّبي منها وبه يخرج عن وجوب الاحتياط في أطراف المحصورة.
وإن كان عدم تمكّنه لعذر عقلائي ـ مع عدم العجز لا عقلاً ولا شرعاً ـ كما إذا أراد المجتهد الاتيان بالحجّ المستحب، ولم يستنبط مسائل الحجّ بعد، وليس له وقت كاف لذلك، فهل يجب عليه الاحتياط كلّما حصل الشكّ في الحكم أو ترك الحجّ المستحب، أم يجوز له الحجّ والتقليد في المشكوك من أحكامه ؟
ولعلّ ادّعاء بناء العقلاء على التقليد في مثله غير مجازف فيه، فتأمّل.
وإن كان بلا عذر، بأن كان متمكّناً من الاجتهاد عقلاً وشرعاً وعقلائياً، لكنّه يريد التقليد، ولا يريد الاجتهاد ـ كلاً، أو في مسألة، أو مسائل ـ فقد ذكر المسألة السيّد المجاهد في المفاتيح(3) مفصّلاً، ونقل عن جماعة من فقهائنا الابرار رضوان اللّه عليهم ـ ومنهم: الشيخ في العدّة، والمحقّق في المعارج، والعلاّمة في عدد من كتبه، والشهيدين، والمحقّق الثاني وغيرهم ـ عدم الجواز، وكذلك من بعض علماء العامّة.
ثمّ نقل من جمهرة من العامّة الجواز ونقل إختلافهم في الجواز ـ إطلاقاً وتقييداً ـ إلى سبعة أقوال، ثمّ قال: « فالاقوال في المسألة ثمانية » ونقل لعدم الجواز وجوهاً أنهاها إلى تسعة، وللجواز وجوهاً أنهاها إلى ثمانية، إلاّ أنّ المهم ملاحظة وجوه الطرفين.


هنا قولان
القول الاوّل وأدلّته

أمّا القول الاوّل: وهو القول بعدم الجواز فعمدة أدلّته ثلاثة:


الدليل الاوّل

1. أصل الاشتغال العقلي للدوران بين التعيين والتخيير، والشكّ في الحجّية مسرح أصالة عدم الحجّية بلا إشكال.


مناقشة الدليل الاوّل

ويرد عليه: كلّ ما دلّ على إطلاق حجّية قول الفقيه، مثل: « لا تعلمون » في آية السؤال، ونحوه ـ بناءً على الاطلاق الّذي هو المشهور والمنصور على ما تقدّم في شرح المسألة الاُولى ـ وليس: لا تعذرون أن تعلموا، فلا شكّ ـ تعبّداً ـ في الحجّية.
وما ذكره البعض من إنصراف أمثال هذه الاطلاقات إلى ما جرت عليه السيرة العقلائية من رجوع الجاهل الّذي لا يقدر على الاجتهاد إلى العالم، لا مطلق الجاهل.


إيرادان
الايراد الاوّل

يرد عليه أوّلاً: عهدة هذه الانصراف على مدّعيه.
ومجرد وجود سيرة عقلائية ـ على فرضه ـ في موارد الادلّة العامّة، إن كان موجباً لصرف العمومات إليها، لتبدّل أُسلوب الفقه، والمعظم لا يعبأون بذلك في معظم مسائل الفقه، والتتبّع كفيل بإثبات ذلك.
مثل أمارات يد المسلم، وسوقه، وأرضه ونحوها على الحل، والطهارة، والملكية ونحوها.
وأُصول الطهارة، والحل، والصحّة، والاستصحاب ونحوها على مجاريها مع أنّ العقلاء ربما لا يجرون شيئاً منها ـ وعندهم كلّ ذلك، ولذا نرى العديد من الفقهاء يستندون فيها إلى بناء العقلاء ـ مع الظنّ الشخصي بالخلاف.
وادّعاء الخصوصية في إطلاقات التقليد ـ لا جميع الاطلاقات ـ بانصرافها إلى السيرة العقلائية، لا أكثر، لا يظهر له شاهد واضح.


الايراد الثاني

وثانياً: أنّ السيرة العقلائية ـ كما يبدو للنظر على العكس كما سيأتي الاستدلال بها إن شاء الله تعالى.
وأمّا مثل: « فللعوام » ونحوه، حيث إنّه لا يشمل المجتهد القادر على الاستنباط لانّه ليس عامياً.
ففيه ـ مضافاً إلى أنّ القادر على الاستنباط غير المجتهد فعلاً في مسألة عامي بالتحقيق بالنسبة إلى تلك المسألة وربما لا يراد بالعوام في الرواية من يطلق عليه العامي بالحمل الشائع، بل لهذه اللفظة طريقية كما لا يخفى ـ: أنّه لا ينفي شمول « لا تعلمون » ونحوه، إذ المثبتين لا يقيّد أحدهما الاخر، لعدم ظهور شيء منهما في نفي الاخر، حتّى يحمل أحدهما على الاخر، نظير تصدّق، وتصدّق بدينار، حيث إنّ الثاني لا يشمل الدرهم، ولكن الاوّل يشمله.
نعم، إذا وصلت النوبة إلى الشكّ، كان أصل الاشتغال محكماً، وليس هنا مورد حكومة أصالة عدم الشرطية على أصل الاشتغال، إذ ليس هنا مشروط مسلّم وله شروط مسلّمة، وشكّ في شرط زائد، حتّى تجري أصالة عدم شرطية المشكوك، فترفع موضوع أصل الاشتغال، فتأمّل.


الدليل الثاني

2. ما نقله السيّد المجاهد (قدس سره) في المفاتيح(4) عن العدّة، والمعارج، والتهذيب والمنية، وطوّره بعض المتأخرين في رسالته في الاجتهاد والتقليد ما حاصله:


الدليل بالصياغة المتأخّرة

إنّ دليل حجّية التقليد، إمّا الفطرة أو العقل أو الادلّة اللفظية، والكل بمعزل عن القادر على الاستنباط ـ وإن لم يستنبط فعلاً ـ.
أمّا الفطرة، فلا ريب في أنّها مختصّة بالعامي، إذ الفطرة تقتضي تحصيل العلم ـ حيث إنّه كمال للعاقلة ـ دون الانقياد للعالم.
وأمّا العقل، فلانّ الاستناد إلى من له الحجّة وظيفة من لا يمكنه الاستناد إلى الحجّة مباشرة حيث لا يقين ببراءة الذمّة بالاوّل، مع أنّ الثاني يوجب اليقين بالبراءة.
وأمّا الادلّة اللفظية، فحيث أنّ المكلّف يتمكّن من الاستنباط بنفسه.
وأمّا استصحاب الجواز والصحّة والموضوع لقبل الاجتهاد، فإنّه مع جريانه لا شكّ في تقدّمه على أصل الاشتغال من وجهين:
أحدهما: كون أصل الاشتغال عقلياً، والاصل العقلي لا موضوع له مع الاصل الشرعي ـ والاستصحاب شرعي ـ.
وثانيهما: إنّ الاشتغال غير محرز والاستصحاب محرز، فيكون أخصّ مطلقاً، فيقدّم على الاشتغال.
إلاّ أنّ الكلام في جريان الاستصحاب فيما نحن فيه، وهو غير جار من وجهين:
الاوّل: الاستصحاب تعليقي لمن لم يقلّد قبلاً، بل كان مجتهداً وأراد العمل في مسألة ـ لم يجتهد فيها فعلاً ـ بفتوى مجتهد آخر.
الثاني: الموضوع عرفاً متغيّر، إذ موضوع المتيقّن السابق كان هو العاجز عن الاجتهاد.
إلاّ أن يقال بأنّ الموضوع « الجاهل » ـ ووصفه بالقادر على الاجتهاد والعاجز عنه خارجان عن نفس الموضوع ـ وغير عزيز في الفقه نظائر لذلك، ممّا اعتبر العديد من الفقهاء الموضوع فيها واحداً، وأجروا الاستصحاب فيها، بلا ملاحظة للاوصاف المختلفة، ومنها استصحاب نجاسة الكرّ المتغيّر بالنجاسة، بعد زوال التغيّر بغير القاء كرّ عليه.
والمسألة بحاجة إلى تأمّل أكثر لذهاب المشهور ـ كما نسب اليهم مكرّراً ـ إلى عدم الجواز، وقصور الادلّة عن إثباته، وطريق الاحتياط واضح إلاّ في موارد التزاحم، كما لا يخفى.
فلا يصحّ له الاعتماد على مستنبط آخر. انتهى بتهذيب.


مناقشة الدليل الثاني

وربما يناقش بما يلي ـ مضافاً إلى عدم ذكره بناء العقلاء، وقد ذكروه في عداد أدلّة الجواز وسيأتي إن شاء الله تعالى ـ.
أمّا الفطرة، فلا إشكال إنّ العلم كمال للقوّة العاقلة، لكنّه:
أوّلاً: هل كلّ كمال للقوّة العاقلة واجب فطرة ؟ هو أوّل الكلام.
وثانياً: إن كان المراد بالعلم هو العلم بالواقع، فلا يدّعيه المجتهد، وإن كان الاعمّ من الوظيفة، فهو مشترك بينهما ـ المجتهد والمقلّد ـ.
وأمّا قوله: « الفطرة تقتضي تحصيل العلم » فمضافاً إلى ورود المناقشة الثانية الانفة ـ فربما يقال: الفطرة تقتضي تحصيل الحجّة، وهي أعمّ من التقليد.
وأدلّة عرضية الحجج: العلم، والعلمي الاجتهادي، والعلمي التقليدي، لا طوليتها تنفي ذلك.
وأمّا العقل، فقوله: « الاستناد إلى من له الحجّة وظيفة من لا يمكنه الاستناد إلى الحجّة » ربما يناقش أيضاً:
نقضاً: بما تقدّم في شرح المسألة الاُولى من الرجوع إلى الرواة في عصور المعصومين (عليهم السلام) حتّى مع التمكّن من الرجوع إلى المعصوم (عليه السلام) نفسه.
ونقضاً أيضاً: لو كان المتمكّن من الاجتهاد يحرم عليه التقليد كان مقتضاه وجوب تحصيل الاجتهاد لمن يتمكّن ـ بالقدرة العقلية والشرعية جميعاً ـ من تهيئة مقدّماته، لانّ مقدّمة الوجود للواجب المطلق، واجبة عقلاً، ولا يلتزم به الاُصوليون من الفقهاء قولاً وعملاً، والاخباريون منهم أيضاً، عملاً.
وحلاً ـ مضافاً إلى ما تقدّم في الجواب الثاني عن الفطرة ـ:
بأنّ الّذي دلّ عليه العقل هو أنّ الاستناد إلى من له الحجّة، وظيفة من لا حجّة ـ فعلاً ـ له، لا من لا يمكنه تحصيل الحجّة.
وأمّا الادلّة اللفظية، فإن أراد الانصراف فغير معلوم، ومع الشكّ يجري أصل الاطلاق، إذ مرجع الشكّ إلى الشكّ في تطابق الارادة الجدّية والاستعمالية.
وإن أراد عدم الشمول كان مصادرة، فتأمّل.
والحاصل: تطابق الفطرة والعقل والدليل اللفظي، على جواز التقليد لمن لم يستنبط فعلاً وإن كان قادراً عليه لكونه مجتهداً، ولا أقل من جريان الاصل بذلك.


الدليل الثالث

3. ما نقله في المفاتيح(5) أيضاً: من أنّ التقليد بدل الاجتهاد ولا يجوز الاخذ بالبدل مع التمكّن من الاصل، كالتيمّم والوضوء والتقليد في القبلة مع إمكان الاجتهاد فيها.


مناقشة الدليل الثالث

وربما يناقش أوّلاً: بأنّ البدلية الاضطرارية أوّل الكلام، فهو مصادرة، وأقوائية الاجتهاد ـ مضافاً إلى أنّها بالنسبة للواقع غير معلومة، وبالنسبة لمقام التنجيز والاعذار محرز التساوي ـ ليست ملاكاً للبدلية والمبدلية.
وثانياً: على البدلية هذه يلزم حصر جواز التقليد بالاضطرار، وعليه يجب على من تمكّن من تحصيل الاجتهاد، الاجتهاد وحرم عليه التقليد بمجرد التمكّن من تحصيل الملكة، ولو بعد مدّة.
وثالثاً: في القبلة المشهور قديماً وحديثاً أنّ الامارات المعتبرة كالبيّنة في عرض العلم، لا طوله. وبعبارة أُخرى العلم والعلمي بدلان اختياريان لا مرتّبان.
اللّهم إلاّ إذا استفيد من أدلّة خاصّة في خصوص القبلة البدلية الاضطرارية، ولا يعمّ غير القبلة.


القول الثاني وأدلّته

وأمّا القول الثاني: وهو القول بجواز التقليد للمجتهد في المسألة الّتي لم يجتهد بعد فيها، فعمدة أدلّته أيضاً ثلاثة: الاطلاقات، وبناء العقلاء، والاستصحاب.
وقد ظهر من خلال الحديث الانف مجمل الكلام حول هذه الثلاثة.
فإن تم شيء منها ـ ولو بنحو الموجبة الجزئية ـ فهو، وإلاّ فأصل الاشتغال العقلي هو المحكم، ومقتضاه الاحتياط في المسألة الاُصولية بأن يجتهد، وإلاّ فالاحتياط في المسألة الفرعية إن أمكن الاحتياط، وإلاّ فينحصر الطريق في الاجتهاد.
وذلك لانّ إجراء أصل البراءة في الشبهة الحكمية بحاجة إلى فحص، وفحص القادر على الاجتهاد ينحصر ـ بناءً على ما ذكر ـ في الاستنباط.


فرعان فقهيان
الفرع الاوّل

الاوّل: بناءً على وجوب تقليد الاعلم ـ مطلقاً أو في بعض الانواع، على ما تقدّم في شرح المسألة الثانية عشرة ـ يجب على القادر على الاجتهاد إذا جاز له التقليد في مسألة الرجوع إلى الاعلم من بقية الفقهاء لنفس الملاك هناك، وكونه بنفسه أعلم من ذاك المجتهد في معظم المسائل لا ينافي كون ذاك أعلم منه في هذه المسألة الّتي هو يجهلها.
واختصاص أدلّة وجوب تقليد الاعلم، بالتقليد للعامي، بلا مخصّص، وعلى القول بصحّة تقليد المتجزّي يجوز لهذا المجتهد تقليد المجتهد المتجزّي في هذه المسألة، فالدليل الدليل، والكلام الكلام. فإن لم يجز تقليد المتجزّي، لم يجز للجميع للعامي وللمجتهد. وإن جاز، جاز للجميع للعامي وللمجتهد.


الفرع الثاني

الفرع الثاني: في مورد جواز التقليد للمجتهد هل يجوز له أيضاً الافتاء بما قلّد فيه لغيره ـ مقلّده أو غيره ـ فيه احتمالان، بل قولان:
الاوّل: الجواز، لانّه إذا جاز له جاز لغيره، لعدم الخصوصية لنفسه، فإذا جاز تقليد زيد ـ مثلاً ـ لعمرو المجتهد، فليس لعمرو خصوصية في جواز هذا التقليد، بل الجائز تقليد زيد، سواء كان المقلد عمرو المجتهد، أو مقلّدوا عمرو، أو غيرهما.
الثاني: عدم الجواز، لانّه تدليس وإغراء بالجهل، ولا أقل من الشكّ، والاصل عدم الجواز.
وفيه: إنّه ليس لنا عنوان: التدليس، بنحو مطلق موضوعاً للحرمة، وكذا: الاغراء بالجهل، ووجود جزئيات من التدليس المحرّم كما في النكاح والبيع وسائر العقود، لانّه خلاف تبعية العقود للقصود، وللادلّة الخاصّة في بعضها، وكذا الرواية، للاهمية المسلّمة في مصدر الاحكام الشرعية تجنّباً عن الضلال والاضلال، لاجل التسالم على حرمة التدليس فيها أيضاً، لا يوجب التعدّي إلى كل تدليس وإغراء بالجهل، والحكم بحرمته.
فمن دلّس أو أغرى بالجهل شخصاً ليتصوّر فقيراً أنّه غني، أو العكس هل يكون حراماً ؟
نعم، كل تدليس أوجب إضلالاً، أو إتواء مال أو حقّ، فهو حرام، بفهم عدم الخصوصية لبعض جزئياته كالنكاح والبيع.
إن قلت: لعلّ المقلّد لعمرو، لا يعتقد بجامعية زيد للتقليد، فإذا ذكره لم يقلّده.
قلت: هذا يرجع إلى مسألة ـ ستأتي إن شاء الله تعالى في آخر مسائل العروة للتقليد ـ وهي أنّه هل يجوز لشخص ـ مرجعاً كان أو غيره ـ ذكر فتوى مرجع لاخر بدون ذكر: أنّها فتوى من ؟
والحاصل: أنّ ما ذكرناه مقتضى الادلّة، أمّا طريق الاحتياط فهو واضح لا يحتاج إلى بيان.


الصورة السادسة

6. إذا لم يكن للمجتهد وقت كاف لاستنباط المسألة فهل يجوز له تقليد مجتهد آخر ؟
الظاهر: الجواز لعموم حجّية فتواه، وبناء العقلاء على رجوع كل أهل خبرة ـ فيما لم يجتهد فيه ـ إلى غيره من أهل الخبرة، وعدم التزامهم في مثل ذلك بالاحتياط حتى إذا لم يكن حرجاً عليه ولا ضيقاً.
والظاهر أنّ الّذي خرج عن ذاك العموم وهذه السيرة العقلائية فقط من كان تقليده من رجوع العالم إلى الجاهل الخارج بالتخصّص لا التخصيص وبقي الباقي تحت العموم، وهو الّذي استظهره الحاج الكلباسي (قدس سره) في رسائله ناقلاً له أيضاً عن بعض الفحول وسيّدنا، ولعلّ مراده به السيّد بحر العلوم (قدس سره) كما أسلفنا.
وسبقهم إلى ذلك المحقّق الكركي (قدس سره) في جامع المقاصد، قال: « هل يستحب التيمّم في كل موضع يستحب فيه الوضوء والغسل ؟ لا إشكال في استحبابه إذا كان المبدّل رافعاً أو مبيحاً، إنّما الاشكال فيما سوى ذلك، والحقّ أنّ ما ورد النصّ به، أو ذكره من يوثق به من الاصحاب ـ كالتيمّم بدلاً من وضوء الحائض، للذِّكر ـ يصار اليه، وما عداه فعلى المنع إلاّ أن يثبت بدليل »(6) وظهوره في جواز فتوى فقيه اعتماداً على فتوى فقيه آخر ثقة، وتقدّمه على الاصل العملي واضح.
وربما يقال بالعدم، لانصراف أدلّة التقليد عن مثله:


كلام الشيخ الانصاري

قال الشيخ الانصاري (قدس سره) في محكي تقريرات بحثه، في جوامع الشتات:
« وأمّا ما ذكر من الاستدلال بالسيرة، وإنّ العلماء لا يزالون يتركون الاجتهاد فيما يحتاجون اليه من المسائل، ولذا يختارون الاسفار المباحة والراجحة مع العلم بعدم اجتهادهم فعلاً فيما يحتاجون اليه، فالجواب عن ذلك: منع ذلك إلاّ مع سلوك طريق الاحتياط.
وأمّا لزوم الحرج عليهم بالتزامهم بالاجتهاد أو الاحتياط فهو ممنوع، لانّ الواجب الاجتهاد في المسائل المحتاج اليها غالباً تدريجاً الاهمّ فالاهمّ، نظير ما يجب على المقلّد التقليد فيه.
ثمّ إنّ المجتهد فعلاً لا يجوز له التقليد ـ إجماعاً ـ ولا فرق ظاهراً بين من استنبط الحكم الواقعي بالعلم، أو الظنّ، وبين من توقّف في المسألة لتعارض الادلّة أو عدمها، فإنّ وظيفته الرجوع إلى الاُصول لا التقليد، لعدم جريان أدلّة التقليد في حقّه، لانّ ظاهرها الجاهل غير المتمكّن من الرجوع إلى الادلّة، لا من يراجع ولم يجد دليلاً »، انتهى كلامه (قدس سره).


مناقشة كلام الشيخ

لكن في ذلك مواضع للتأمّل نشير إلى بعضها.
منها: أنّ العلماء، لا يلتزمون بالاحتياط في كل ما يبتلون به من الحوادث بمجرد بلوغهم درجة الاجتهاد، وقدرتهم على الاستنباط، ومن يحتاط فإنّما هو لحسنه لا للزومه، كما يحتاط المقدّسون من الفقهاء العظام مع فعلية اجتهادهم، والمنع عن ذلك غير واضح.
ومنها: أنّ الحرج لازم في الالتزام بالاحتياط في مسائل معدودة خصوصاً في الاسفار، وخصوصاً في سابق الزمان الّذي كانت وسائل الراحة فيه قليلة، والامر لا يحتاج إلى التطويل بذكر الامثلة لوضوحه ظاهراً والتنظير بالتقليد مع فارق كبير، إذ التقليد سهل المؤونة، فبإمكان المقلّد تحصيل مسائل عديدة في دقائق أحياناً، بينما الاجتهاد وكذلك الاحتياط قد يحتاج كل مسألة بهما إلى أيّام وأسابيع.
ومنها: كون أدلّة التقليد ظاهرة في الجاهل غير المتمكّن من الرجوع إلى الادلّة، غير واضح لنا كما أسلفناه قريباً، مضافاً إلى إمكان تحقّق سيرة أصحاب المعصومين (عليهم السلام) على خلافه، فتأمّل.
ومن هنا قال جماعة بعدم جواز التقليد لمن كانت له ملكة الاستنباط ولكنّه لم يستنبط فعلاً، والاشكال على القول نفس الاشكال المذكور.
وما قيل في مقام الاستدلال لجواز تقليد صاحب الملكة غير المستنبط فعلاً من المجتهد المستنبط فعلاً: باستصحاب الجواز الثابت قبل حصول الملكة.
ففيه: أنّه غير تامّ لعدم إحراز بقاء الموضوع، لاحتمال كون موضوع الاستصحاب غير البالغ رتبة الاجتهاد، لا غير العالم بالحكم فعلاً.


الصورة السابعة

7. إذا شكّ في أنّه هل بلغ درجة الاجتهاد أم لا ؟
أ ـ فهل يجب عليه الفحص ؟
ب ـ وهل يكتفي بشهادة مجتهد واحد ؟
أمّا الاوّل: فلا يجب الفحص بلا إشكال إن احتاط في أعماله، كما أنّه إن قلّد أيضاً لا يجب عليه الفحص ـ بناءً على جواز التقليد لمن بلغ درجة الاجتهاد ولم يجتهد فعلاً ـ وأمّا في غير الموردين إذا لم يحتط ولم نقل بالمبنى المذكور، فالظاهر: وجوب الفحص حتّى على القول بعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية، وإن كانت هذه شبهة موضوعية، وذلك لبناء مسائل كثيرة عليها، نظير الفحص عن المجتهد أو الاعلم وهكذا.
نعم، له أن يستصحب العدم لكنّه بعد الفحص.
وأمّا الثاني: فالظاهر ذلك بناءً على عدم لزوم العدد في شهادة أهل الخبرة بموضوع مستنبط.
نعم، على القول بعدم الكفاية، فاللازم ضم مجتهد آخر، والله العالم.


الصورة الثامنة

8. هل يجوز تقليد من استنبط مسألة أو مسألتين فقط ـ بناءً على جواز تقليد المتجزّي ـ ؟
قيل: بعدم الجواز إلاّ لمن استنبط عدداً معتداً به من المسائل، لعدم صدق عناوين: « الفقيه » و « أهل الذكر » و « العارف بالاحكام » و « الناظر في الحلال والحرام » عليه.
وربما يقال: بالجواز، لوجود ملاك التقليد فيه وهو الاستنباط، ويصدق عليه قوله (عليه السلام): « يعلم شيئاً من قضايانا »(7).
إلاّ أنّه قيل: بأنّ وصف « شيئاً » بكونه « من قضايانا » يعطي قدراً معتداً به لكثرة قضاياهم، ومثّلوا لذلك بأنّه لا يقال ـ بالحمل الشايع ـ على من أكل حبّة من الارز في سفرة: أنّه أكل شيئاً من السفرة. ولا يبعد القول بالجواز وفاقاً لبعض المراجع المعاصرين: للملاك أوّلاً، ولصدق العناوين عليه بالنسبة للمسائل التي استنبطها، والانصراف عن مثله بدوي لقلّة الوجود، أو قلة الافراد.


(1) النحل: 43.
(2) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح23.
(3) المفاتيح: ص603 إلى 610.
(4) المفاتيح: ص604.
(5) المفاتيح: ص605.
(6) جامع المقاصد: ج1، ص79.
(7) الوسائل: الباب1 من أبواب صفات القاضي، ح5.