المسألة (18): الاحوط عدم تقليد المفضول حتّى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الافضل.

إذا توافق فتوى الفاضل والمفضول

المسألة (18): الاحوط عدم(1) تقليد المفضول حتّى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الافضل والوجه في ذلك ـ مضافاً إلى ما تقدّم في مسألة تقليد الاعلم المسألة الثانية عشرة، عند البحث عن القول الثالث وهو التفصيل بين تخالفهما في الفتوى وعدمه ـ أُمور:


استدلّ لعدم الجواز بوجوه
الوجه الاوّل

الاوّل: اطلاق معقد الاجماع على عدم جواز تقليده.
وفيه: ما تقدّم في مسألة وجوب تقليد الاعلم من عدم تمامية الاجماع صغرى لذهاب الكثير، بل المشهور من المتأخرين إلى الجواز، ودونك فهرست إجمالي لبعض الفتاوى.
1) مجمع الرسائل أجاز ذلك، وسكت عليه المعظم غير صاحب العروة من بقية المعلّقين، وهم الشيخ الانصاري، وتلميذاه المجدّد والرشتي، وتلاميذهما الشيخ محمد تقي الشيرازي والاخوند، وتلاميذهما النائيني والعراقي والحائري (قدس سرهم).
2) العروة ذات الخمس عشرة حاشية، حيث احتاط وجوباً بترك تقليد المفضول هنا، فعلّق عليه أحد عشر منهم بالجواز.
3) العروة ذات العشر حواش علّق بالجواز ثمانية منهم.
4) نفس السيّد صاحب العروة (قدس سره) لم يثبُت في فتاواه على عدم الجواز، بل سكت على اطلاق الجواز في حاشيته على منهج الرشاد للشيخ جعفر التستري(2) وفصل بين التقييد فأشكل في الجواز، وعدم التقييد فسكت على الجواز، في حاشيته على مجمع الرسائل للمجدّد الشيرازي (قدس سره).
5) وقد سبق الجميع شيخ الاساطين كاشف الغطاء (قدس سره) في كشفه في أكثر من مورد، فأفتى بالجواز قال (قدس سره): « لا يجوز تقليد المفضول مع العلم بمذهب الفاضل، ومع التساوي (أي: في المذهب، يعني الفتوى) لا حاجة إلى التقليد »(3).
وقال في مورد آخر: « ويجوز الرجوع إلى المفضول مع عدم العلم بخلاف الفاضل »(4) ونحوهما غيرهما أيضاً، ومع ذلك فأي إجماع هذا ؟ بل لو ادّعى الاجماع على الجواز ـ على علّته ـ كان أولى.
مضافاً إلى الاشكال في أصل معقده، فكيف بإطلاقه ؟
نعم لا يتمّ عندنا الاشكال الكبروي في الاجماع ـ وإن ذكره عدد من الاعلام هنا وفي غير هذا المورد أيضاً ـ لما تقدّم أكثر من مرّة من حجّيته عندنا ببناء العقلاء.


الوجه الثاني

الثاني: أصالة التعيين.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ أصل التعيين مسرحه مع احتمال الموضوعية، لا في مثل التقليد المتسالم على طريقيته ـ إنّ الاصل أصيل حيث لا دليل، وما سيذكر دليل اجتهادي على الجواز فلا مسرح للاصل.

الوجه الثالث

الثالث: النهي الوارد في باب الجماعة عن تقديم المفضول على الافضل.
وفيه: ـ مضافاً إلى اختصاصه بمورده فيكون التعدّي عن صلاة الجماعة قياساً، وإلى أنّ النهي في مورده محمول على التنزيه لا التحريم ـ إنّ القياس مع الفارق، لاستفادة أنّ الصلاة خلف الافضل أفضل، دون ما نحن فيه الّذي لم يستفد مثل ذلك فيه من الشريعة، مع أنّ الطريقية في باب التقليد فارق أيضاً كما أنّ في بعض أخباره تقديم الاقرأ، والاقدم هجرة، والاكبر سنّاً، على الاعلم، فهل يمكن التزامه في باب التقليد ؟
وكذلك في بعض تلك الاخبار التعبير بالافضل الظاهر في الاتقى، وفي بعضها خياركم النصّ في ذلك، وهكذا(5).


الوجه الرابع

الرابع: روايات تقديم الاعلم، والافقه في باب القضاء، وقد تقدّم في شرح المسألة الثانية عشرة، عند البحث عن تقليد الاعلم، وتقدّم الجواب عنها.
وأمّا بناء العقلاء وإن كان ربما يدعى، لكنّه على الجواز أولى كما سيأتي إن شاء الله تعالى.


الاستدلال للجواز بأُمور
الامر الاوّل

والّذي يستدلّ به للجواز وفاقاً لكثير من مراجع العصر ومن تقدّمهم بل المعظم من عهد كاشف الغطاء (قدس سره) إلى اليوم ـ كما أسلفنا إجمال ذلك ـ أُمور:
أحدها: على القول بعدم تمامية أدلّة وجوب تقليد الاعلم تكون هذه المسألة فرعاً لها وتمامية أدلّة جواز تقليد المفضول مطلقاً، التي تدلّ بالاولوية على ما نحن فيه ممّا سبق مفصّلاً في شرح المسألة الثانية عشرة.


الامر الثاني

ثانيها: حتّى بناءً على وجوب تقليد الاعلم إنّما اللازم عدم مخالفة الاعلم، لا عدم موافقة من هو موافق للاعلم.
وبعبارة أُخرى: مقتضى طريقية التقليد وجوب الالتزام بفتوى الاعلم والعمل عليها، ومع موافقة المفضول للافضل يكون عمل المقلّد للمفضول التزاماً بفتوى الاعلم أيضاً قال المحقّق النائيني (قدس سره) في تعليقه على هذه المسألة: « بل الظاهر أنّه بعينه تقليد الافضل، ولا يخرج بقصد الغير عن كونه تقليداً له ».
نعم، إذا قلنا بأنّ معنى تقليد الاعلم هو الالتزام بفتواه بشرط الاستناد اليه وأن لا يكون التزامه التزاماً بفتوى المفضول ـ الّذي لم يقم عليه دليل اطلاقاً، ولا يكون مستفاداً من اطلاق، أو اشارة، أو غيرهما ـ كان وجه للقول بعدم كفاية التزام تقليد المفضول مع القصد إلى عدم الاستناد إلى الافضل.
ولكنّه كما ترى ويزيد ذلك وضوحاً: أنّ الواقع المنجّز ـ الّذي لا يعذر عن خلافه أحد ـ واحد حسب فتويي: المفضول والافضل جميعاً، ولا منجّز غيره على مبنى الطريقية، فيكون المقلّد للمفضول معذوراً على فرض خطئه كما إذا أخطأ الافضل، بل خطأ كل واحد من المفضول والافضل واحد.
وكون مقام الافضلية منصباً، وليس للمفضول هذا المقام لا يعيّن الافضل للتقليد، في فرض وحدة الفتوى، والطريقية، فلا موضوعية للافضل حينئذ.


الاجتهاد في المأثور وموضوعيته

نعم، التقليد ـ بقيد كون الاجتهاد في دائرة ما أُثر عن المعصومين (عليهم السلام) ـ له موضوعية، فلا يجوز تقليد ـ أي الاستناد ـ من يستدلّ بما هو خارج عن دائرة المعصومين (عليهم السلام)، كالقياس، والاستحسان، والمصلحة المرسلة، والرأي ونحوها. حتّى إذا كان موافقاً لفتوى من يستند إلى المعصومين (عليهم السلام).
فالمنجّز والمعذّر خصوص الواصل عن المعصومين (عليهم السلام)، دون ذاك، طابق الواقع أم خالفه ـ واقعاً ـ.
نظير الموضوعية في الاخذ عن المعصومين (عليهم السلام) في مقابل غيرهم، ونظير الاتّباع للنبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقابل غيره.
فكما أنّه لو فرض موافقة غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسألة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يجوز الاستناد إلى ذلك الغير، وكذا لو فرض موافقة غير المعصوم ـ ممّن لا يستند إلى المعصوم (عليه السلام) ـ مع المعصوم (عليه السلام) لا يجوز الاستناد إلى غير المعصوم (عليه السلام).
كذلك الفقهاء فإن استند أحدهم إلى المعصوم، والاخر إلى غير المعصوم لا يجوز الاستناد إلى ذلك الاخر وإن وافق فتواه فتوى التابع للمعصوم.
وذلك للادلّة المتواترة الدالّة بالخصوص على ذلك، وفيها صحيح الفضيل ابن يسار عن أبي عبدالله (عليه السلام): « كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل »(6).
لكن ليس الفقيهان التابعان ـ كلاهما ـ للمعصوم (عليه السلام) المتوافقان في الفتوى هكذا، ففتوى كل عين فتوى الاخر، والمعذّر عند كلّ منهما عين المعذّر عند الاخر.
فكل منهما ـ الاعلم والمفضول ـ يرى معذّرية هذه الفتوى للعامل بها، لا بقيد الاستناد اليه.


الامر الثالث

ثالثها: بناءً على عدم وجوب الاعلم، لا يجب فيما نحن فيه بطريق أولى، وبناءً على الوجوب: فدليله إمّا اللفظ، أو غيره من إجماع، أو بناء عقلاء ونحوهما، فالمتيقّن منه لزومه في الاختلاف ـ مع إدخال الشكّ أم لا ـ لا التوافق.
نعم، إن قلنا بأنّ وجوب تقليد الاعلم، أي: الاستناد إليه حتّى مع الموافقة، كان له وجه، ولكن لا دليل على ذلك.


الامر الرابع

رابعها: شمول اطلاقات حجّية فتوى الفقيه لكلتيهما، وعدم وجود المانع المفروض وهو التخالف الموجب لعدم تمامية الاطلاق بالنسبة اليهما.
والقول بتخصيصها بأدلّة تقليد الاعلم، غير تامّ.
أمّا غير الاطلاقات من الادلّة اللبّية: كالاجماع المدّعى ونحوه فلا إشكال في تقدّم الاطلاق عليها لعدم اطلاق لها.
وأمّا بناء العقلاء، فمضافاً إلى ما تقدّم: من أنّه ـ على فرضه ـ إنّما هو مختصّ بصورة تخالفهما لا حتّى صورة التوافق.
وأمّا الاطلاقات الدالّة على وجوب تقليد الاعلم، مثل ما ورد في القضاء من روايتي: موسى بن أكيل، وداود بن الحصين(7): « ينظر إلى أفقههما وأعلمهما... » ونحوها.
فمضافاً إلى ما تقدّم ـ في مسألة تقليد الاعلم المسألة الثانية عشرة ـ من الاشكال في أصل اطلاق معتبر، إنّ الانصراف إلى صورة المخالفة ظاهر عرفاً، فتأمّل.
والحاصل: أنّه لا إشكال في تقليد المفضول في الفتوى الموافقة لفتوى الافضل، حتّى على القول بوجوب تقليد الافضل.


(1) العدم لا يكون محمولاً ولا محمولاً عليه، والمراد به (الترك) الّذي هو أمر اختياري وجودي وهذه مسامحة عرفية مستساغة، لملازمة كلّ عدم ضدّ نقيضه: فعدم الليل ملازم للنهار الّذي هو ضدّ الليل.
(2) منهج الرشاد: ص40، طبعة حجرية.
(3) كشف الغطاء: ص43، طبعة حجرية.
(4) كشف الغطاء: ص133، طبعة حجرية.
(5) لاحظ الوسائل: صلاة الجماعة، الباب26 و28.
(6) جامع احاديث الشيعة: الباب7 من المقدّمات، ح115.
(7) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح45 و20.