المسألة (17): المراد من الاعلم: من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة، وأكثر اطّلاعاً لنظائرها، وللاخبار، وأجود فهماً للاخبار... .

المراد من الاعلم

المسألة (17): المراد من الاعلم الّذي ذهب المشهور إلى تعيّن تقليده من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة، وأكثر اطّلاعاً لنظائرها أي: لنظائر المسألة وهذا القيد يساعد على فهم اندراج الصغرى في أيّة واحدة من الكبريات.
فمثلاً: الحقوق على أقسام كحقّ التحجير، وحق الرهن، وحقّ الزوجة، وحقّ الدائن وغيرها، فمن يعرف نظائر مختلفة لهذه الحقوق يتمكّن بصورة أحسن من تمييز كون حق الخمس هو من قبيل أىّ واحد من الحقوق ـ مثلاً ـ.
و أكثر اطّلاعاً للاخبار الواردة في المسائل فربما تكون رواية في باب الديات يستفاد منها حكم في باب الصلاة، وبالعكس، والفقيه الاكثر اطّلاعاً للاخبار يلزمه أن يكون أعلم.
وأجود فهماً للاخبار الشريفة، والمراد به ليس الّذي يعرف أن ينوّع
... والحاصل: أن يكون أجود استنباطاً... .
الكلام الواحد، ويدخله في الفلسفات ونحو ذلك، إنّما المراد به الّذي يكون أعرف بأساليب وقرائن وإشارات ودلالات كلام العرب ليتسنّى له تمييز الحقيقة عن المجاز، والجدّ عن غيره ونحو ذلك، ويتمّ هذا بمزاولة العرف كثيراً، وممارسة مختلف كلمات العرب حتّى يصبح كأنّه أحد العرب المعاصرين للائمّة الطاهرين (عليهم السلام).
والحاصل: أن يكون أجود استنباطاً وملاكه: الاقربية إلى الواقع الاعمّ من الوظيفة ـ وأسباب هذه الاقربية ما ذكره الماتن على سبيل منع الخلو ـ.
بأن يكون أقدر على ردّ الصغريات إلى كبرياتها، فالاجود استنباطاً جامع للاُمور، أي: الاحسن استنباطاً المتوقّف على:
1. الاعلمية في فهم كبريات الاحكام.
2. والاعلمية في تطبيقها على الصغريات.


الاعلم: اصطلاحاً

أقول: إنّه لا دليل شرعي خاص معتبر للاعلمية، وإنّما دليله بناء العقلاء ومتعارف البشر، فمعنى الاعلم عرفي عقلائي لا غير، وما يذكر من التعبيرات يراد به كشف ذلك المعنى المرتكز في نفوس العقلاء.
إذن: فالذي قام عليه بناء العقلاء ـ على الفرض ـ في تقليد الاعلم هو أن يكون له قدرة فعلية في الاستنباط وافهم من غيره، لانّ صيغة: الاعلم، صيغة تفضيل يكون معناه: أكثرية أو أشدّية المادّة فيه، فالاقوى: الاشدّ قوّة، والاحفظ: الاقوى أو الاكثر حفظاً، والاتقى: الاشدّ والاكثر تقوىً، فالاعلم: الاكثر أو الاقوى علماً. وهذه الصفات المذكورة في المتن بمجموعها تشير إلى هذا المعنى، لا إلى معنى كلمة «الاعلم» لغة، التي تعطي كونه أكثر استحضاراً للمسائل. فربما يكون فقيه مستحضراً لعشرة آلاف مسألة، ويكون الافهم منه مستحضراً لالف مسألة، وبناء العقلاء في أولوية المراجعة، أو لزومها، هو الثاني دون الاوّل.
ولك أن تختبر العرف في ذلك، فلو كان في البلد طبيبان أحدهما مارس الطبابة خمسين سنة وداوى عشرات الاُلوف من المرضى، والثاني مارس الطب عشر سنوات فقط وداوى دون ذلك العدد من المرضى ولكن الثاني كان أفهم من الاوّل، سمّي الثاني أعلم دون الاوّل.


إشكال وجواب

وهنا إشكال معروف: وهو إنّ الاجتهاد والاستنباط من قبيل الملكة، والملكة أمرها دائر بين الوجود والعدم، فإمّا الملكة موجودة، أو لا، ولا معنى لكثرة وجود الملكة وقلّتها.
والجواب: أنّ الملكات كلّها قابلة للشدّة والضعف، نظير الشجاعة، والعقل، والكرم، والصبر ونحوها، كما لا يخفى.


أُمور لا دخل لها في الاعلمية

ثمّ إنّه لا مدخلية لشدّة مراتب العلم في موضوع الاعلمية، حتّى يكون الفقيه القاطع بحكم مسألة من دليلها مقدّماً على الفقيه الظانّ بها، لعدم الدوران مدار شدّة الانكشاف وضعفها، بل المدار على قيام الحجّة وعدم قيامها.
وكذلك لا مدخلية كلّية لقوّة المبنى وعدمها، بمعنى كون المتصلّب لمبناه الّذي لا يزول عنه بتشكيك المشكّك أعلم من الّذي يزول عن مبناه بالتشكيك، إذ مجرد ذلك لا يكفي في تحصيل الحجّة على التكليف الفعلي، وإن كان قد تكون قوّة المبنى من أمارات الافهمية والاعلمية.
قال الاخ الاكبر (قدس سره) في « موسوعة الفقه»: «ثمّ إنّ بين القوّة والملكة عموماً مطلقاً، إذ الملكة ـ كما قرّر في محلّها ـ هي القوّة القريبة المشرفة على الفعل بحيث ليس لها حالة انتظارية إلاّ الالتفات، ويشكل زوالها بسهولة. بخلاف القوة فإنّها أعمّ منها ومن مجرد الاستعداد البعيد عن الفعل»(1).


تعريف الاعلم والاشكال عليه

أشكل السيّد الشاهرودي في الحاشية على قول الماتن: « أن يكون أجود استنباطاً » بقوله: « تصويره بهذا المعنى مشكل، وتمييزه أشكل، فلا يقاس بالصناعات، نعم على التفاسير الاُخرى لا إشكال في تصويره وتمييزه ».
والظاهر: عدم الاشكال في تمييزه لاهله، فضلاً عن الاشكال في تصويره، وقياس الاعلمية بالصناعات في محلّها، وإن كانت غيرها من بعض الجهات، كما أنّ الصناعات بعضها يختلف من جهات عن بعضها الاخر.
نعم، التفاسير الاُخرى أوضح، ولعلّها لانّها معدّات، أو علامات، أو نتائج لاجودية الاستنباط، وهي جامعها.
لكن لا يخفى: أنّه كثيراً ما يخفى التمييز لقرب بعضهم من بعض في جودة الاستنباط، كما أنّ كلّ المفاهيم أفرادها المتقاربة قد يخفى التفاضل بينها، لا لانّ أصل التمييز مشكل أو أشكل.
... والمرجع في تعيينه: أهل الخبرة والاستنباط.


المرجع في تعيين الاعلم

والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط أي: الذين لهم قدرة تمييز ذلك وإن لم يكونوا مجتهدين بالفعل.
نعم، يجب كونهم مجتهدين قوّة قادرين على الاستنباط، عارفين بأُصوله ومناهجه حتى يستطيعوا فهم أقدرية هذا على الاستنباط أم ذاك.
وهنا كلام وهو أنّ المراد بأهل الخبرة إن كان المجتهد، ليكون أهل الاستنباط عطفاً تفسيرياً، فكيف يصحّ للمجتهد التقليد كما في المسألة العشرين حيث قال: « كما إذا كان المقلّد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص » ؟
وإن كان المراد بأهل الخبرة الاعمّ من المجتهد ليكون الواو لعطف المغاير على المغاير، فكيف من ليس مجتهداً يشخّص الاعلم ؟
والجواب: الثاني، ويمكن التمييز لمقارب الاجتهاد، ولا ينحصر بالمجتهد، فتأمّل.


هل موضوع الاعلمية كسائر الموضوعات

الظاهر: أنّ تشخيص الاعلمية حكمه حكم سائر المضوعات التي لا ينحصر ظهورها شرعاً في أهل الخبرة ـ وإن كان أهل الخبرة من طرق ظهورها ـ بل يصحّ الاعتماد فيه على البيّنة العادلة لعموم حجّيتها واختبار الشخص نفسه لكونه محقّقاً للموضوع.
وكذلك يصحّ الاعتماد في كشف الاعلمية على قول جماعة من أهل العلم بحيث يوجب قولهم العلم العادي المعبّر عنه بالاطمينان وإن لم يكن تلك الجماعة من أهل الخبرة، لصدق الموضوع معه، بل يكفي إخبار شخص واحد يوجب سكون النفس واعتمادها على قوله على خلاف فيه قديماً وحديثاً، وذلك لصدق الاستبانة على مثله المأمور به في الحديث الشريف: « والاشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة»(2).
بل وربما قيل بجواز الاعتماد فيها على الشياع المفيد للعلم ـ كما هو المتّفق عليه ظاهراً ـ من أجل المسبّب لا السبب، بل الشياع وإن لم يفد العلم، كما ذهب إليه علماء العصر تبعاً لجمهرة من الماضين (قدس سرهم)، وللبحث في بيان حكم اكتشاف الموضوعات شرعاً محل آخر. والغرض هنا بيان أنّه لا اختصاص لتعيين الاعلم بأهل الخبرة والاستنباط، الّذي ذكره المصنّف بل هو كسائر الموضوعات وحكمه حكمها بلا خصوصية، وكلّما قيل في تعيين وتشخيص سائر الموضوعات يقال به في تعيين الاعلم.


(1) موسوعة الفقه: ج1، ص170.
(2) الوسائل: الباب4، من أبواب ما يكتسب به، ح4.