المسألة (16): عمل الجاهل المقصّر الملتفت، باطل وإن كان مطابقاً للواقع... مضى شطر من الكلام حول الموضوع في شرح المسألة السابعة وسيأتي بعض البحث عنه أيضاً إن شاء الله تعالى في مسائل تأتي هنا في باب التقليد(1)، وفي المسألة الثامنة عشرة في كتاب الصلاة من: « فصل في الشكوك التي لا اعتبار بها » وملاحظتها تنفع المقام.
تمهيد في بيان مفردات المسألة:
1. « عمل »: هذا موضوع المسألة، وليس المراد بالعمل مقابل الترك، إذ الترك
للجاهل المقصّر أيضاً لا يمكن البناء عليه والاكتفاء به، وكما أنّ العمل مورد
التقليد، كذلك الترك، فالعبادات والعقود، وغيرهما فيها أفعال، وفيها تروك،
ومثل الصوم والحجّ ونحوهما فيها تروك كثيرة كلّها موضع للتقليد، وقد تقدّم في شرح
المسألة الاُولى عند قول الماتن (قدس سره): « في عباداته ومعاملاته » تعليق جمع
كالوالد والسيّد الحكيم (قدس سرهما) وآخرين بـ: « بل كافّة أعماله وتروكه » وتقدّم
من الماتن (قدس سره) في المسألة الثالثة: إنّ الاحتياط قد يكون في الترك، وقد
يكون في الفعل والترك معاً، وعدم وصف الترك بالبطلان، لا يخصّص الاحكام المشتركة
بالفعل، فتأمّل.
ومقتضى تذييل الماتن (قدس سره) هذه المسألة بتمشّي قصد القربة وعدمه، إنّ صياغة
المسألة إنّما هي للعبادات، لكنّها مورد المسألة، وإن كان الحكم للاعمّ، فالعقود، والايقاعات أيضاً إذا صدرت عن الجاهل المقصّر كانت باطلة، أي:
لا يكتفى بها إلاّ بعد إحراز صحّتها بحجّة.
2. « الجاهل »: مقابل العالم، والمراد به: الجاهل بالوظيفة وعمومه للبسيط
والمركّب لا ينافي ما ذكرنا، من مقابلته للعالم ـ وإن كان الجاهل المركّب عالماً
عند نفسه ـ لانّه جاهل بجهلين كما لا يخفى، فيخرج الجاهل بالحكم العالم بالوظيفة،
وهو المجتهد، سواء كان بالنسبة للواقع جاهلاً بسيطاً أم مركّباً.
وتعبير أساتذة الماتن وأساتذتهم كصاحب الجواهر والشيخ الانصاري والمجدّد الشيرازي
(قدس سرهم) في بعض رسائلهم العملية بالعامي بدل الجاهل ـ كما سيأتي نقله ـ أدقّ،
لاختصاصه بالجاهل بالوظيفة، فلا حاجة للتقييد بها.
ولا إشكال في أنّ المراد بالجاهل، الجاهل بالحكم، دون الموضوع، لعدم أثر له كما
أنّ العالم بالوظيفة المخالف لها عمداً ـ بلا عذر ـ لا حاجة إلى ذكر بطلان عمله
عقلاً، وإلاّ فالتجرّي حتّى في العبادات مع حصول قصد القربة كما سيأتي.
3. « المقصّر »: وهذا هو ركن المسألة، ومقابله القاصر، الّذي يأتي ذكره في ذيل
المسألة، والتقصير يجعل الجاهل بمنزلة العالم حكماً، عقلاً وشرعاً، وقد صرّح بذلك
الاعاظم من المحقّقين في الاُصول والفقه.
قال المحقّق النائيني في أُصوله: « ومن هنا كان الجاهل المقصّر معاقباً إجماعاً »(2).
وقال في فقهه: « للاجماع على أنّ الجاهل المقصّر في حكم العامد خطاباً وعقاباً »(3).
ولا إشكال في أنّ المقصّر أعمّ، من المقصّر في معرفة نفس الحكم، والمقصّر في بعض
المقدّمات، حتّى البعيدة المؤدّية إلى الجهل بالحكم، فما بالاختيار لا ينافي
الاختيار، حتّى إذا كانت مائة مقدّمة للعلم بالحكم، فقصّر المكلّف في واحدة منها، وهو أدّى به إلى الجهل بالحكم، كان مقصّراً،
لانّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات كما هو واضح.
كما أنّ كلمة: « التقصير » كثيراً ما يذكرها الفقهاء والاُصوليون، وقلّما وردت ـ
بهذا المعنى المقابل للقصور ـ في الروايات ففي كلام سيّدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء
صلوات الله وسلامه عليها في جواب جمع بعد اعتذارهم منها: « اليكم عنّي فلا عذر بعد
تعذيركم، ولا أمر بعد تقصيركم »(4) ونحوه غيره.
نعم، ربما وردت بالمعنى الاعمّ من القصور، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ في
حديث ـ « تلك خيار أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) النمرقة الوسطى، يرجع
إليهم الغالي وينتهي إليهم المقصر »(5).
وعن الامام الصادق (عليه السلام) ـ في رواية يونس بن يعقوب ـ أنّه قال له بعض
القمّاطين: « تقع في أيدينا الاموال والارباح وتجارات نعلم أنّ حقّك فيها ثابت،
وإنّا عن ذلك مقصّرون، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): ما أنصفناكم إن كلّفناكم
ذلك اليوم »(6) ونحوهما غيرهما.
ثمّ إنّ التقصير هو تمام الملاك للبطلان الظاهري ـ بمعنى عدم صحّة الاكتفاء به ـ
سواء كان عن علم أو جهل، بسيط أو مركّب، عن التفات أو غفلة، فالمجتهد المقصّر في
الفحص، والجاهل المركّب العالم عند نفسه، والملتفت منهما، والغافل منهما، سواء
في ذلك، فلا خصوصية للجهل، ولا خصوصية للالتفات.
نعم، لا يختصّ ذلك بالمقصّر، بل يشترك القاصر معه أيضاً في ذلك لكن بشرط الجهل
البسيط، والالتفات. إذ مع الجهل المركّب، وكذا مع الغفلة لا يمكن خطابهما، فلا
وظيفة لهما، فتأمّل.
ثمّ إنّ القاصر والمقصّر يشتركان في أمر، ويفترقان في أُمور.
يشتركان في لزوم التبعة ـ من اعادة، وقضاء، وضمان، ونحوها ـ عند انكشاف الخلاف،
وذلك لعدم تطابق المأتي به للمأمور به، لا لخصوصية في التقصير، أو القصور.
ويفترقان في:
1. العصيان في التقصير ـ مع المخالفة الواقعية وإن لم تنكشف بل جهلاً مركّباً كما
لو كان المقصّر عالماً بالموافقة الواقعية ـ مطلقاً، عالماً كان أم جاهلاً،
ملتفتاً كان أم غافلاً، بخلاف القاصر فلا عصيان معه ـ مع المخالفة الواقعية ـ حتّى
لو انكشفت المخالفة، عالماً أم جاهلاً، ملتفتاً أم غافلاً.
وكذلك يفترقان في لوازم العصيان وعدمه من استحقاق العقاب، وعدمه، والتجرّي في
المقصّر، دونه في القاصر، فللمقصّر استحقاق العقاب لدى المخالفة واقعاً لانّه
عقلي للتقصير لا ينفكّ عنه، بخلاف القاصر، فاستحقاق العقاب مناقض للقصور، ووجوب
الاستغفار في المقصّر لو انكشف الخلاف، دونه في القاصر....
2. التبعات مقيّدة بكشف المخالفة في القاصر، أمّا المقصّر فهي الاصل فيه، إلاّ
مع علم العدم، أو دليل خاصّ.
3. في التقصير يحتمل فعلية العقاب، وفي القصور لا يحتمل، لعدم الاستحقاق.
الاُولى: التبعات من القضاء أو الاعادة، والضمان، والقصاص، والارش والكفّارة ونحوها هي الاصل في المقصّر ـ وليست لازمةً عقلاً بحيث لا تنفكّ عن التقصير نظير استحقاق العقاب ـ.
ولذا قد يستفاد من دليل عدم لزوم تبعة معيّنة في المقصّر حتّى إذا انكشف الخلاف،
فكيف بما إذا لم ينكشف.
وله في الفقه مسائل:
منها: التمام في مقام القصر جهلاً بالحكم، والصوم في السفر كذلك، والجهر
والاخفات كلّ في محل الاخر، وإن كانا عن تقصير.
ومنها: بعض مسائل الحجّ وكفّاراته.
ومنها: قاعدة لا تعاد على قول غير مشهور.
ومنها: في الوضوء بالماء المغصوب، والصلاة في اللباس والمكان المغصوبين، فإنّه
لا تبعة من إعادة أو قضاء إذا كان جاهلاً بالموضوع بل الحكم أيضاً، حتّى إذا كان
مقصّراً على قول(7).
ومنها: غير ذلك ممّا هو منتشر في الفقه.
وقد يستفاد العكس، فالمقصّر حتّى مع تطابق المأتي به للمأمور به، لا يجوز ترتيب
الاثر، كما في أخذ المال بفتوى من ليس مجتهداً، وسيأتي إن شاء الله تعالى في
المسائل الاتية لهذا الباب ـ باب التقليد ـ في المسألة الثالثة والاربعين: « من
ليس أهلاً للفتوى يحرم عليه الافتاء... والمال الّذي يؤخذ بحكمه حرام وإن كان
الاخذ محقّاً » وسيأتي تفصيل الكلام هناك إن شاء الله تعالى. وهو شامل لمن ليس
أهلاً للفتوى وهو عالم بذلك، كما إنّه شامل لمن كان جاهلاً مقصّراً، سواء كان جهله
بسيطاً أم مركّباً.
وفي ملحقات العروة قال: « لا يجوز إمضاء الحكم الصادر من الحاكم المقصّر في
الاجتهاد وإن علم كونه مطابقاً للقواعد من باب الاتّفاق »(8) وهذا هو الاعمّ من
الجهل التقصيري.
بل أحياناً يكون البطلان في الاعمّ من القاصر أيضاً، للدليل الخاصّ كمن صام يوم
الشكّ بنيّة شهر رمضان وكان واقعاً رمضاناً، بطل ووجب عليه القضاء، قال في العروة: « يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان، يبني على أنّه من شعبان... ولو صامه
بنيّة أنّه من رمضان لم يصحّ وإن صادف الواقع »(9).
ولذلك في الفقه موارد أُخرى.
الثانية: الملاك ـ كلّ الملاك ـ للبطلان الواقعي، هو عدم تطابق المأتي به للمأمور
به، سواء كان عن علم، أو جهل تقصيري أو قصوري، أو نسيان، أو التفات أو غفلة،
هذا هو الاصل فيه، إلاّ ما خرج بدليل.
والملاك ـ كلّ الملاك، للبطلان الظاهري ـ في مقام التنجيز والاعذار، بعد ملاحظة
الاُصول الترخيصية، مثل قواعد الفراغ والتجاوز والصحّة والبراءة ونحوها ـ هو
التقصير، سواء كان عن علم أو جهل، اجتهاد أو تقليد أو احتياط، التفات أو غفلة،
فبمجرّد أن كان الشخص مقصّراً ـ ولو في واحدة من المقدّمات السابقة ـ لا يمكنه
تصحيح عمله الصادر منه بشيء من الاُصول الترخيصية، لا العقلية لانتفاء العذر
العقلي بالتقصير، ولا الشرعية للانصراف عن المقصّر، إلاّ ما خرج بدليل كما قدّمنا
في التتمّة الاُولى، بل ذكرنا في الاُصول: إنّ احتمال التقصير مساوق لاحتمال
الضرر، فيدخل تحت قاعدة: « وجوب دفع الضرر المحتمل » العقلية، ومعه لا مؤمّن لا
عقلاً ولا شرعاً.
فينحصر الترخيصات العقلية والشرعية بالمحرز القاصرية دون المحرز المقصّرية، ودون
المشكوك، فتأمّل.
4. « الملتفت »: مقابل الغافل، الّذي سيذكره الماتن (قدس سره) في القسم الثاني
من هذه المسألة، وظاهر التعبير الالتفات حال العمل، بل يؤكّده ذكر المقصّر الغافل
في القسم الثاني من المسألة، إلاّ أنّه ينبغي أن يكون أعمّ من الالتفات السابق على
العمل، لكنّه كان مقصّراً في غفلته، لا لتعميم الالتفات للغفلة موضوعاً، بل
لاشتراكها معه حكماً، لقاعدة ما بالاختيار لا ينافي الاختيار.
والغالب في الرسائل العملية قبل العروة وبعدها، ذكر التقصير أو الالتفات، لا
جمعهما، ففي الرسالة المنسوبة لصاحب الجواهر، وللشيخ، وللمجدّد (قدس سرهم)،
لطبعها في زمان كلّ واحد منهم مطابقة لفتاواه، المحشّاة بحواشي جمهرة من الاعاظم
ومنهم الماتن (قدس سره) هكذا ترجمته: « عمل العامي الملتفت بلا احتياط ولا تقليد
باطل »(10).
وينبغي أن يكون المراد به المقصّر، لا الاعمّ من القاصر، إذ أي أثر للالتفات حال
العمل إذا كان عن قصور ؟
مثلاً: لو التفت المصلّي من غير تقصير حال الصلاة إلى بعض المسائل ـ غير الركنية ـ
كالقراءة وأذكار الركوع والسجود، ونحوها، وجهلها، ولم يتمكّن من تحصيل العلم بها، ولا الاحتياط لعدم معرفة وجهه، أو لضيق الوقت وأمثال ذلك، وخالف الواقع فهل
تكون صلاته باطلة لمجرد الالتفات حال الصلاة ؟ وهل لقاعدة: « لا تعاد » قصور عن
الشمول لمثله ـ بناءً على شمولها للجاهل ـ ؟
5. « باطل »: أي حكماً عقلاً، بمعنى عدم صحّة الاعتماد عليه، ولا إجراء أصل
الصحّة، وقواعد التجاوز والفراغ ونحو ذلك بالنسبة إليه، قبل احراز مطابقته للواقع
والحجّة ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.
والتعبير بالبطلان هنا لا يخلو من مسامحة. لانّه إمّا يراد به البطلان الواقعي،
أو الظاهري، أو الاعمّ منهما، وكلّ واحد منها مثار نقاش.
فإنّ كان المراد بالباطل: الواقعي، فملاكه عدم التطابق بين المأمور به والمأتي به
ولا دخل للعلم والجهل، البسيط والمركّب، ولا للقصور والتقصير، ولا للغفلة
والالتفات فيه، مع ظهور عدم إرادته، إذ معنى ذلك يكون: « العمل المخالف للواقع باطل
».
وإن كان المراد بالباطل: الظاهري ـ في مقام التنجيز والتعذير ـ بمعنى: « الوظيفة
» ـ فمضافاً إلى أنّه خلاف ظاهر لفظة: « باطل » إذ الالفاظ ظاهرة في المعاني:
النفس الامرية، إلاّ بقرينة خاصّة ـ لا دخل للجهل ولا للالتفات فيه، بل ملاكه كما
تقدّم: مجرّد التقصير، فالعالم المقصّر في الاجتهاد، والجاهل المقصّر في التقليد، أو كلاهما مع الاحتياط إذا قصّرا في الاحتياط سواء في مقدّماته، أو كيفه، أو
كمّه، لا يكونون معذورين، بل الواقعيات المحتملة منجّزة عليهم.
وإن كان المراد بالباطل: هو الاعمّ من الواقعي والظاهري ليشمل الطرفين، فيرد عليه: ـ مضافاً إلى أنّه ربما يقال بكونه استعمالاً للفظ في معنيين من غير جامع ـ أنّه
خلاف المتعارف في كتب بيان الاحكام، المبنية على بيان ما يتعلّق بالوظائف الفعلية
للمكلّفين، دون الواقعيات الّتي لا وظيفة فعلية معها.
ولعلّ الاولى في التعبير عن هذه المسألة أن يقال: « عمل العامي أو تركه بلا تقليد
ولا احتياط لا يصحّ الاكتفاء به، سواء كان قاصراً أم مقصّراً، ملتفتاً أم غافلاً،
ومع التقصير أو احتماله كان عاصياً أو متجرياً ».
6. « وإن كان مطابقاً للواقع »: لعلّ المراد به قضية خارجية ـ لا حقيقية ـ لعدم
حصول قصد القربة منه وقصد القربة ركن في العبادات، إذ مع الالتفات كيف يقصد القربة
؟
ويؤيّده: قول الماتن نفسه (قدس سره) في آخر المسألة: « وحصل منه قصد القربة ».
فإن كان هذا فبها، وإلاّ كان مخالفاً لاطلاق عبارة: « مجمع الرسائل » بدون تعليق
أحد من الاعاظم ومنهم الماتن (قدس سره)، ففي المسألة الواحدة والاربعين من أحكام
التقليد ما ترجمته: « غير المقلّد الذي لم يعرف التقليد، وقد عمل بقصد القربة، فإن
كان عمله مطابقاً للواقع كان صحيحاً ».
وكان أيضاً مخالفاً لصريح تعليقة الماتن على: « منهج الرشاد » وترجمة عبارة منهج
الرشاد هكذا: « إذا ترك التقليد شخص مع علمه بلزومه، ولم يحتط ومع هذا التشكيك
والمسامحة صلّى أو أتى بعبادة أُخرى، فكلّ أعماله وعباداته فاسدة، وإن كانت كلّها
مطابقة للواقع » وتعليق الماتن كما يلي:
« مع الاتيان باحتمال الصحّة، وفرض تمشّي قصد القربة، الصحّة غير بعيدة »(11).
والمعظم من الاعاظم كالنائيني والعراقي والوالد وابن العم (قدس سرهم) وغيرهم علّقوا
هنا وفي المسألة السابعة المماثلة.
وهذا هو مقتضى الطريقية، إذ التقليد ليس أكثر من طريق تعبدي ـ عقلائي ممضى شرعاً ـ
إلى الواقع، فإن وصل الواقع كان منجّزاً له على المكلّف وإن أخطأ، كان معذّراً له
في الخطأ، فكيف يكون العمل المطابق للواقع باطلاً ؟
إذ المقصود بالذات هو الواقع بما هو، والطرق ـ ومنها: التقليد ـ وكذا الامارات
والاُصول العملية إنّما جعلت طريقاً إلى الوصول للواقع، أو معذّراً عنه.
ولذا في التوصّليات لا إشكال في الصحّة مع مطابقة الواقع، وقد تقدّم سابقاً الكلام
في الانشائيات ونحوها عند شرح المسألة السابعة.
وأمّا التعبّديات فهي هي كالتوصّليات بزيادة لزوم إضافتها إلى الله سبحانه وتعالى
بنحو إضافة، ولذا ترى تسالم الفقهاء على أنّ العمل العبادي يكفي فيه الاتيان به
بقصد الرجاء. ويذكرون ذلك في موارد شتّى في مختلف العبادات.
ومنها: ما في العروة نفسها قال: « إذا اتّفق في أثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها، يجوز له أن يبني على أحد الطرفين بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة، وإنّه إذا
كان ما أتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته، فلو فعل ذلك وكان ما فعله مطابقاً
للواقع لا يجب عليه الاعادة »(12).
ومنها: فيها أيضاً: « يجب على المستحاضة اختبار حالها وإنّها من أي قسم من
الاقسام الثلاثة... وإذا صلّت من غير اختبار بطلت إلاّ مع مطابقة الواقع وحصول قصد
القربة... »(13).
ومنها: في العروة أيضاً: « يجب تعلّم ما يعمّ به البلوى من أحكام الشكّ والسهو،
بل قد يقال ببطلان صلاة من لا يعرفها، لكن الظاهر عدم الوجوب... وأمّا لو بنى على
أحد المحتملين أو المحتملات من حكمه وطابق الواقع مع فرض حصول قصد القربة منه، صحّ
»(14).
وعمدة ما استدلّ به لذلك أُمور:
الاوّل: الاجماع على بطلان عمل الجاهل المقصّر الملتفت، ونقل عن رسائل الشيخ
المرتضى (قدس سره) نفي الاشكال والخلاف فيه ظاهراً(15).
والّذي وجدته في رسائله النسبة إلى المشهور، قال: « وأمّا الجاهل بها فإن كان
مقصّراً في تحصيل المعرفة فهو عامد... ولهذا حكم المشهور ببطلان عبادة الجاهل وإن
طابقت الواقع »(16).
لكن الاجماع نوقش فيه صغرى وكبرى:
أمّا الصغرى: فلعدم إحراز إجماع، بل المحرز عدمه، بل عدم الشهرة، قديماً
وحديثاً، أمّا حديثاً فظاهر، فدونك الرسائل العملية، وحواشي العروة، حتّى أنّ
الشيخ (قدس سره) نفسه في رسالته العملية المبنية على الاحتياط ـ وما أكثر الاحتياط
فيها ـ أفتى بالصحّة مع مطابقة الواقع وتمشّي قصد القربة منه، قال: « الجاهل
المقصّر إن طابقت عباداته الواقع، وحصل منه قصد القربة صحّ، وإلاّ كان باطلاً »(17)
ولم يعلّق عليه المجدّد الشيرازي المعروف بأكثرية احتياطاته من شيخه الانصاري (قدس
سرهما).
فخصّ الشيخ (قدس سره) البطلان بصورة مخالفة الواقع، أو صورة عدم تمشّي قصد القربة
منه.
وأمّا الكبرى: فللقطع باستناد هذا الاجماع ـ ولا أقل من احتماله ـ إلى بعض الوجوه
المذكورة، فلا يكون إجماعاً تعبّدياً وحجّة، بل المستند لا يكون أقوى من المستند
إليه، والمستند إليه ليس حجّة على الفرض.
الثاني: عدم تمشّي قصد القربة من الجاهل المقصّر الملتفت، لانّه شاكّ في المقرّب، فكيف تحصل منه نيّة القربة فيما لا يعلم مقرّبيته ؟
ذكر ذلك الشيخ في أكثر من مورد في الفرائد، ومنها قال: « فلا إشكال في الفساد وإن
إنكشف الصحّة بعد ذلك، بلا خلاف في ذلك ظاهراً لعدم تحقّق نيّة القربة، لانّ
الشاكّ في كون المأتي به موافقاً للمأمور به كيف يتقرّب به ؟ »(18).
وفيه ـ مضافاً إلى ما تقدّم نقله من الشيخ الانصاري (قدس سره) نفسه في رسالته
العملية وتاج الحاج: من تصحيح عمل الجاهل المقصّر إذا طابق الواقع وحصل منه قصد
القربة الظاهر في إمكان حصول قصد القربة منه، مؤيّداً بأنّه المشهور قديماً وحديثاً
كما أسلفنا ـ:
أوّلاً: إنّ الشاكّ لا يقدر على الاتيان بالفعل بداعي الجزم بمقرّبيته، ولكنّه
يتمكّن من الاتيان به بداعي احتمال المقرّبية، وهو كاف في صدق الطاعة وتحقّق
الامتثال عرفاً مع عدم الدليل على الجزم بالنيّة، وقد سبق هذا البحث مفصّلاً في
جواز العمل بالاحتياط مع التمكّن من الاجتهاد والتقليد في شرح المسألة الاُولى،
وكان المشهور ـ ومنهم الشيخ الانصاري (قدس سره) ـ قائلين به.
وثانياً: بأنّه فرق بين قصد التقرّب، وبين العلم بالتقرّب، فالّذي لا يقدر عليه
الجاهل الملتفت هو العلم بالتقرّب، وأمّا قصد التقرّب فهو باختياره.
وبعبارة أُخرى: الجاهل الملتفت: يقصد التقرّب بعمله على فرض كونه مقرّباً، وهذا
ممكن وجداناً، وأمّا العلم بالمقرّبية فهو ليس باختياره إيجاده حال الجهل،
لتناقضهما أو تضادّهما ـ على الخلاف ـ.
وثالثاً: بأنّ الاشكال مشترك الورود مع الانشائيات، في حين أنّهم لا يقولون
بتوقّف الانشائيات ـ من العقود والايقاعات ـ على الجزم بالانشاء (أي: الايجاد
الاعتباري ).
قال الشيخ (قدس سره) في الفرائد: « أمّا المعاملات: فالمشهور أنّ العبرة فيها
بمطابقة الواقع ومخالفته... ولا إشكال فيما ذكرنا... ولا خلاف ظاهراً في ذلك
أيضاً، إلاّ من بعض مشايخنا المعاصرين(19) »(20).
إلى أن قال في ردّه: « إنّ قصد الانشاء إنّما يحصل بقصد تحقّق مضمون الصيغة ـ وهو
الانتقال في البيع والزوجية في النكاح ـ وهذا يحصل مع القطع بالفساد شرعاً، فضلاً
عن الشكّ فيه... »(21).
فالاشكال في العبادة إن كان من جهة القصد ـ قصد القربة ـ لا القربة الواقعية، فكيف
لم يستشكل في المعاملة لاجل هذا القصد ـ قصد الانشاء ـ وإذا كان قصد الانشاء ممكناً
وإن لم يتحقّق إنشاء في الخارج، ومع العلم بعد التحقّق، فكيف لا يمكن قصد التقرّب
مع الشكّ في حصول المقرّبية خارجاً.
ورابعاً: أنّ الشيخ نفسه ـ وآخرين أيضاً ـ صرّحوا بعدم توقّف الطاعة على قصد الوجه
حتّى في العبادات، قال في الفرائد: « وأمّا فيما يحتاج إلى قصد الطاعة، فالظاهر
أيضاً تحقّق الاطاعة إذا قصد الاتيان بشيئين يقطع بكون أحدهما المأمور به. ودعوى
أنّ العلم بكون المأتي به مقرّباً، معتبر حين الاتيان به، ولا يكفي العلم به بعده، ممنوعة: إذ لا شاهد لها بعد تحقّق الاطاعة بغير ذلك أيضاً »(22).
وقال أيضاً في بحث الاشتغال: « لكن الانصاف: أنّ الشكّ في تحقّق الاطاعة بدون
نيّة الوجه غير متحقّق، لقطع العرف بتحقّقها وعدم الاتي بالمأمور به بنيّة الوجه
الثابت عليه في الواقع مطيعاً وإن لم يعرفه تفصيلاً »(23).
وقد فصّل ذلك (قدس سره) في بحث نيّة الوضوء من كتاب الطهارة(24).
الثالث: أنّ من تيقّن بتحقّق الطاعة باتيان فعلين، ولكنّه مع ذلك عمداً لا يأتي
إلاّ بأحد الفعلين، ففي الحقيقة ليس هذا الشخص قاصداً للامتثال على كلّ حال، بل هو
قاصد للامتثال في صورة كون المأتي به هو الواقع المطلوب منه. ومثل هذا لا يكفي في
صدق الامتثال، وهذا هو ما ذكره الشيخ الانصاري (قدس سره) في فرائده:
قال: « لابدّ أن يكون حين فعل أحدهما عازماً على فعل الاخر، إذ النيّة المذكورة ـ
وهي نيّة اتيان الواقع بفعل أمرين ـ لا تتحقّق بدون ذلك، فإنّ من قصد الاقتصار على
أحد الفعلين، ليس قاصداً للامتثال الواجب الواقعي على كلّ تقدير، نعم هو قاصد
لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل له، لا مطلقاً، وهذا غير كاف في العبادات
المعلوم وقوع التعبّد بها »(25).
والجاهل الملتفت مشترك مع ما ذكره في العلّة، وهي: « ليس قاصداً للامتثال الواجب
الواقعي على كل تقدير ».
وفيه: ما سبق مكرّراً من صدق الطاعة والامتثال على من أرادها ولو على تقدير،
وطابق عمله معه، وعدم كونه قاصداً للامتثال على كل حال، لا ينافي صدق الامتثال
على من قصد الامتثال ولو على احتمال مع مصادفة عمله للواقع، وقد اعترف الشيخ (قدس
سره) باكتفاء قصد الامتثال على تقدير تحقق الامر به فيما لم يكن علم في البين، بل
كان احتمال بدوي فقط، كاحتمال الجنابة ـ بدون علم ـ فإنّه يصحّ الغسل على تقدير
كونه واقعاً جنباً، مع أنّه لا فرق بينهما في مقام النيّة، والامكان وعدمه لا
يغيّران الاحتمال عن كونه احتمالاً، مع أنّ صدق الطاعة والعبادة في الاحتمال
المجرّد ـ الّذي لا إحراز بطلب عبادي أصلاً ـ يوجب أولوية هذا الصدق مع العلم
بالطلب العبادي، فتأمّل.
مضافاً إلى أنّ الجاهل المقصر الملتفت غالباً يكون من قبيل الاحتمال المجرد، الّذي
لم يستشكلوا في عباديته على تقدير مصادفة الواقع.
الرابع: ما بنى عليه المحقّق النائيني (قدس سره) في الاُصول تبعاً لما نسبه الشيخ
في الفرائد إلى ظاهر الاكثر(26) من: أنّ الطاعة الاحتمالية في طول الطاعة الجزمية،
ومع إمكان الطاعة الجزمية ليست الطاعة الاحتمالية في الحقيقة طاعة أصلاً.
بل فرّع على ذلك الشيخ (قدس سره) بترتّب الامتثال الاجمالي على عدم التمكّن من
التفصيلي حتى من بعض الجهات.
فإن تمكّن من الجزم التفصيلي بطهارة الثوب في الصلاة، وجب حتى إذا كانت الصلاة
فاقدة للجزم التفصيلي بالصحّة من جهة أُخرى وهي القبلة مثلاً(27).
وفيه تأمّل واضح: إذ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، إلاّ أن يكون إجماع مطلق، أو
بناء عقلائي مطلق.
وممّا ينبغي الالتفات إليه أنّ الشيخ (قدس سره) ذكر هذا الامر في باب القطع من
الرسائل، وفي باب الاشتغال، وفي شروط البراءة، واختلف بعض كلماته في الموارد
الثلاثة فلاحظ.
وفيه ـ مضافاً إلى أنّ المحقّق المذكور لم يلتزم بذلك في الفقه، فدونك حواشيه على
العروة، فإنّه لم يقيّد اطلاقات الاحتياط الّتي منها المسألة الاُولى من باب
التقليد بعدم التمكّن من الجزم بالنيّة، وكذلك الشيخ الانصاري (قدس سره) كما تقدّم
ـ: أنّه يرد عليه ما سبق أيضاً: من كونهما في عرض واحد بالنسبة لصدق الامتثال،
ولا دليل على لزوم أكثر من هذا، إلاّ في العبادات التي يضاف فيها قصد المقرّبية.
فالجاهل بتكليفه من القصر أو التمام، المقصّر في تعلّم حكمه، الملتفت إلى لزوم
تعلّمه، لو قصّر في الصلاة ثم تبيّن كون حكمه القصر، صحّ عمله.
نعم، هذا نوع من التجرّي وقسم من أقسامه، والتجرّي لا يلزمه بطلان العمل،
بالاضافة إلى أنّ التجرّي في ترك التقليد وترك الاحتمال الثاني لا في فعل هذا
المحتمل، ولذا ـ حتّى على القول بحرمة التجرّي ـ لا يضرّ بالعبادة، لانّ التجرّي
ليس في فعل العبادة بل في ترك المحتمل الاخر، بل لو أبطل أحد العملين برياء أو
غيره، ثم انكشف أنّ الواقع كان الاخر، صحّ.
هذا مع عدم التزام المحقّقين الجليلين ـ الشيخ والنائيني (قدس سرهما) ـ بذلك في
الفقه كالمشهور قديماً وحديثاً، فإنّهما أجازا الاحتياط بنحو مطلق، غير مقيّدين له
بعدم التمكّن من التفصيلي.
ففي رسالة مجمع الرسائل قبل المسألة الاُولى ما ترجمته: « يجب على كلّ مسلم في فروع
الاحكام أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً » ولم يعلّق عليه بالتقييد أحد من
الاعاظم ومنهم هذان المحقّقان (قدس سرهما).
وكذلك المحقّق النائيني (قدس سره) لم يعلّق على المسألة الاُولى لتقليد العروة من
تثليث أقسام التكليف بين التقليد والاجتهاد والاحتياط، فلم يقيّده بعدم التمكّن
منهما.
هذا هو الكلام في العبادات، أمّا في التوصيلات: سواء غير الانشائية منها كغسل
اليد من النجاسة، أم التوصّليات الانشائية كالعقود، فالظاهر: عدم وجوب معرفة كون
المأتي به موافقاً للمأمور به في الحكم بالصحّة.
نعم، العقل يحكم بوجوب العلم بذلك، لقاعدة دفع الضرر المحتمل، إذ مع عدم العلم
بالصحّة، يحتمل البطلان التقصيري وفي مثله يستحقّ العقاب،
... وأما الجاهل القاصر، أو المقصّر الّذي كان غافلاً حين العمل....
فيوجب العقل دفع هذا الاحتمال، كما أنّ الظاهر عدم الخلاف فيه ـ على ما تقدّم نقله
عن الشيخ الانصاري ما عدا النراقي (قدس سرهما) في المناهج ـ إذا تمشّى قصد الانشاء
في الانشائيات، حتّى على القول بحرمة التجرّي.
نعم، ترتيب بعض الاثار يكون من التجرّي كما لا يخفى.
ويظهر من المتن أنّ الحكم بالبطلان إنّما هو لعدم تمشّي قصد القربة منه، لذكره بعد
ذلك: « المقصّر الّذي حصل منه قصد القربة » ولما أسلفناه: من أنّ الماتن (قدس
سره) أفتى في عديد من الموارد بصحّة عمل الجاهل مطلقاً الشامل للمقصّر، وفي خصوص
المقصّر أيضاً.
ولكن عرفت أنّ « القربة » إن أُريد بها الجزم بالمقرّبية، فمع عدم اليقين بها
غالباً، لا دليل عليها بهذا المعنى، وإن أُريد بها صدق الطاعة على العمل، فصدقها
على العمل المأتي به لاحتمال المقرّبية غير خفي عرفاً، وقد قدّمنا أمثلة من الفقه
على ذلك.
وأمّا الجاهل القاصر بأقسامه المختلفة التي يجمعها عدم القدرة عرفاً على
تعلّم الاحكام، إمّا لعدم التمكّن من التعلّم أو من الاحتياط، أو لعدم الالتفات
إلى وجود مثل هذا الحكم، أو ليقينه بأنّ تكليفه هكذا جهلاً مركّباً منه، أو غير
ذلك، سواء كان عامياً، أم مجتهداً.
أو الجاهل المقصّر الملتفت إلى وجوب التعلّم عليه ولكنّه أهمل ذلك الّذي كان غافلاً
حين العمل عن أنّ عمله هذا ربما يخالف الواقع فلا
... وحصل منه قصد القربة، فإن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الّذي قلّده بعد ذلك،
كان صحيحاً، والاحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الّذي كان يجب عليه تقليده حين
العمل.
يكون مسقطاً للتكليف وحصل منه قصد القربة وذلك كما لو كان قبل الصلاة مثلاً ملتفتاً
إلى احتمال وجوب جلسة الاستراحة وبطلان الصلاة بتركها عمداً، ولكنّه شرع في الصلاة، وذهل عن ذلك وصلّى بدون جلسة الاستراحة قربة إلى الله تعالى فإن كان عمله مطابقاً
لفتوى المجتهد الّذي قلّده بعد ذلك سواء كان ذلك المجتهد هو نفسه إذا كان عنده قدرة
الاستنباط فاستنبط المسألة وظهر له عدم وجوب جلسة الاستراحة، أو كان ذلك المجتهد
مرجع تقليده كان عمله صحيحاً ولا يحتاج إلى قضاء أو نحوه والاحوط مع ذلك ـ وهذا
الاحتياط استحبابي لسبقه بالفتوى ـ مطابقته لفتوى المجتهد الّذي كان يجب عليه
تقليده حين العمل.
أقول: القاصر الملتفت كيف يقصد القربة وهو لا يعلم أنّ العمل مقرّب ؟
وهل كون الشخص ـ الجاهل ـ قاصراً أو مقصّراً يختلف:
1. في أنّه لا يعلم المقرّبية.
2. مع أنّه في مقام الامتثال الاحتمالي ؟
والفرق بينهما: في أنّ القاصر لا يقدر على أكثر من هذا والمقصّر يقدر، غير تام
لاستوائهما في ذلك، إذ كلاهما فعلاً لا يقدر، إلاّ المقصر الّذي يقدر فعلاً على
التعلّم، والبحث في الاعمّ من المقصر السابق الّذي فعلاً لا يقدر على التعلّم.
نعم، يفترقان في العذر وعدمه، واستحقاق العقاب لدى المخالفة وعدمه، والتجرّي
وعدمه... وهذه كلّها لا يجعل مشكوك المقرّبية مقرّباً، ولا يجعل الشخص قادراً على
قصد القربة الجزمية.
إذن: فالتفريق بين تقييد المقصر بالغافل دون القاصر محلّ نقاش.
ثمّ إنّ البحث عن المقصر له جانبان:
الاوّل: ما إذا كان عالماً بكيفية عمله.
الثاني: ما إذا كان جاهلاً بها، كما لو شكّ في أنّه حال الصلاة هل كان يأتي بجلسة
الاستراحة أم لا ؟
أمّا الجانب الاوّل: وهو ما إذا كان الجاهل المقصر يعلم كيفية عمله السابق حال
التقصير، فإنّ محور البحث في كلمات الاعلام، هو: المحرز التقصير. ولكن قد تقدّم
ويأتي إن شاء الله تعالى: أنّ كل أحكام التقصير المعلوم، يجري بالنسبة للتقصير
المحتمل، لدفع الضرر المحتمل، ولا مؤمّن له.
ولا إشكال في وجوب الاستغفار عليه مطلقاً بناءً على حرمة التجري.
وافق عمله فتوى بعض الفقهاء، أم كلّهم، والواقع أيضاً، بل وعلى عدم حرمة التجرّي،
مع احتمال مخالفة الواقع المنجّز.
وعليه: فإنّ الوجوه والاقوال في المسألة أربعة:
1. وجوب موافقتهما، لانّه حال العمل كان يجب عليه موافقة المجتهد الاوّل، وحال إرادته تصحيح ذلك العمل يجب عليه تقليد المجتهد الثاني، فيجب عليه في الحكم بالبراءة لزوم مطابقة العمل لفتوييهما، إذ لو طابق فتوى المجتهد الاوّل وخالف فتوى الثاني، كان بحكم وجوب تقليده الان: عدم ترتيب الصحّة على عمله السابق الصادر عن غير استناد أو حجّة، ولو طابق فتوى الثاني وخالف فتوى الاوّل كان عمله حين صدوره عملاً عن غير حجّة، فلو كان مخالفاً للواقع لم يكن معذوراً، فمع قيام احتمال مخالفته للواقع لا يحكم له بالبراءة، وبما أنّ التكليف اليقيني يستدعي البراءة اليقينية يجب تحصيل المؤمّن اليقيني ولا يتمّ إلاّ بالاحتياط. واحتاطه العروة استحباباً لانّه بعد الفتوى بالصحّة ولم أجد به قولاً.
2. وجوب موافقة المجتهد الّذي كان يجب عليه تقليده حال العمل، وهو الّذي ذهب إليه
السيد البروجردي والسيد أحمد الخونساري (قدس سرهما) في ظاهر الحاشية على العروة،
ومستندهم في ذلك هو أنّ ذاك المجتهد هو الّذي كان فتواه حجّة على هذا المقلّد في
ذاك الزمان، فما دام فتواه له حجّة لا دخل لعلم المقلّد بالفتوى وجهله، فالعلم
والجهل لا يتصرّفان في الحجّية.
نعم، العلم يكون معذّراً، والجهل لا يكون كذلك، فإذا ظهر بعد ذلك وجود المعذّر تمّ
الاعذار.
فلو كان يصلّي بتسبيحة واحدة، ومرجعه ذاك الوقت يفتي بكفاية التسبيحة الواحدة،
ولكنّه جاهل بهذه الفتوى، فمضى عليه زمان، ومات ذلك المجتهد وقلّد مجتهداً آخر
كان يفتي بعدم كفاية التسبيحة الواحدة كان مقتضى القاعدة صحّة صلواته، لانّه أتى
بها في وقتها كما يجب عليه أن يأتي بها، ومجرد جهله بذلك لا يغيّر الحكم.
وقد يؤخذ على هذا القول: كونه من التقليد الابتدائي للميّت الّذي ادّعي الاجماع على
بطلانه.
3. وجوب موافقة المجتهد الّذي يجب عليه تقليده حال إرادته تصحيح عمله، ووجهه:
أنّ حجّية فتوى المجتهد ليست واقعية، وإنّما هي استنادية، بمعنى: أنّ المقلّد
إذا استند إلى فتوى المجتهد كانت حجّة عليه، لا أنّ الفتوى حجّة سواء استند اليها
أم لا ؟ والّذي يستند اليه هو المجتهد الثاني، فتكون فتاواه هي الحجّة، لا فتوى
المجتهد السابق، فيجب عليه تطبيق عمله على فتوى المجتهد الثاني.
فإن كان العمل المأتي به موافقاً لفتوى المجتهد الثاني صحّ ولم يحتجّ إلى الاعادة
والقضاء لانّه استند اليها، سواء وافق فتوى المجتهد الاوّل أم خالفه.
وإن كان العمل مخالفاً لفتوى المجتهد الثاني، وجب عليه تصحيح عمله الان بالاعادة
أو القضاء أو نحوهما، سواء وافق فتوى المجتهد الاوّل أم خالفه، وذلك: لانّ
تكليفه الفعلي تطبيق عمله على فتوى المجتهد الثاني ولم يكن عمله صحيحاً ـ حال
الاتيان به ـ لعدم الاستناد حاله إلى حجّة شرعية، حتّى لا يكون تخطئة المجتهد
الثاني موجباً لبطلان ما أتى به صحيحاً في وقته.
وفيه: أوّلاً: هذا للقاصر، أمّا المقصّر فلاحتمال الضرر.
ويلاحظ هذا البحث في فرائد الاُصول للشيخ الانصاري (قدس سره)(28) واختياره القول
بمنجّزية الواقع حتّى إذا كان الطريق على خلافه.
وكذلك المحقّق النائيني، وتبعه عدد من تلاميذه (قدس سرهم) أيضاً.
وثانياً: اطلاقه مشكل فيما إذا كان الاوّل أعلم ـ وفي مورد القول بوجوب تقليد
الاعلم ـ فكيف يكتفي بالثاني مع أنّه كان الواجب عليه حين العمل تقليده ؟
4. كفاية موافقة العمل لفتوى أحد المجتهدين، ووجهه: أنّ كليهما حجّة شرعاً فإن
طابق العمل إحداهما، كفى: أمّا الثاني فللعذر الفعلي، وأمّا الاوّل فالاستناد هو
المعذّر، ولكن مع عدم الاستناد، لا احتمال للضرر لعدم جعل المولى طريقاً واصلاً
إليه، فلا استحقاق للعقاب على تقدير مصادفة خلاف الواقع للقصور.
واشتراط الحجّية بالاستناد كما ذهب اليه صاحب القول الثالث، أو اشتراط الحجّية
بكونها حال العمل كما ذهب اليه صاحب القول الثاني، لا دليل على شيء منهما بحيث
تحصر الحجّية فيهما، لانّ اطلاقات الادلّة، والسيرة، ونحوها تشمل كلا الفتويين.
وقد يؤخذ على هذا القول: أنّ لازمه صحّة عمل من علم فتوى مرجع تقليده ثم عمداً
خالفها وبعد العمل عثر على فتوى أُخرى ـ يجوز الاستناد اليها في نفسها ـ تقول بصحّة
مثل هذا العمل، فإنّه بناءً على هذا القول يكون صحيحاً وكافياً.
ويجاب: بعدم المانع من ذلك بعد شمول الادلّة، إلاّ احتمال حرمة مثل ذلك من باب
التجري.
المجتهد الّذي قصّر في الفحص ـ أصله أو مقداره ـ ثم فحص ولم يجد دليلاً، وصار نظره
إلى الرخصة لا الاحتياط، هل يجوز له الفتوى والعمل بالرخصة ؟
يأتي فيه التفصيل الانف بين القاصر والمقصّر، فإن كان قاصراً في الفحص السابق فنعم،
وإن كان مقصّراً ـ ويلحقه احتمال التقصير ـ وجب عليه الاحتياط قولاً وعملاً مطلقاً
حتى مع العلم بعدم التقصير آنذاك.
هذا كلّه إذا لم يظهر مطابقة العمل للواقع، وإلاّ فلو كان العمل مطابقاً للحكم
الواقعي كفى حتّى ولو خالف كلا المجتهدين معاً، قضاءً لطريقية الفتوى، دون أن
يكون لها أثر غير التنجيز والاعذار، وذاك في ظرف الجهل بالواقع.
ومن هنا كانت حاشية المرحوم ابن العم الميرزا عبدالهادي (قدس سره) وغيره على المتن
بزيادة: « أو مطابقة العمل للواقع » ناظرة إلى ما قلناه.
يعني: وإن لم يطابق العمل شيئاً من المجتهدين لا حال العمل، ولا حال التصحيح،
فمقتضى القاعدة معاملة البطلان مع العمل بالاعادة أو القضاء، أو نحوهما وذلك:
أوّلاً: لاحتمال الضرر وإن كان قاصراً.
وثانياً: لانّ قاعدة الفراغ ـ عند المشهور ـ قاعدة موضوعية لا حكمية.
وثالثاً: لانّ قاعدة الفراغ ركنها الشكّ في كيفية العمل، فمع العلم بها لا موضوع
للقاعدة.
اللّهم إلاّ على الاحتمال النادر في قاعدة الفراغ من كفاية احتمال مطابقة الواقع ـ
وإن خالف الحجّة قصوراً ـ لانّ قاعدة الفراغ تسهيلية، خرج عنها فقط ما علم بمخالفته
للواقع.
وربما يعمّه ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره): « وليس مدرك الحكم منحصراً في
الادلّة اللفظية حتّى يدّعى الانصراف أو يؤخذ بمفهوم العلّة على تقدير تسليم
استفادة العلّية وانحصارها منها، بل العمدة في حمل الاعمال الماضية الصادرة من
المكلّف أو من غيره على الصحيح، إنّما هي السيرة القطعية، ولولاه لاختلّ نظام
المعاش والمعاد، ولم يقم للمسلمين سوق، فضلاً عن لزوم العسر والحرج المنفيين في
الشريعة، إذ ما من أحد إلاّ إذا التفت إلى أعماله الماضية من عباداته ومعاملاته،
إلاّ ويشكّ في أكثرها لاجل الجهل بأحكامها أو اقترانها بأُمور لو كان ملتفتاً اليها
لكان شاكّاً، كما أنّه لو التفت إلى أعمال غيره يشكّ في صحّتها غالباً، فلو بنى
على الاعتناء بشكه لضاق عليه العيش ـ إلى قوله ـ في غاية البعد »(29).
أمّا المجتهد الّذي تبدّل نظره فسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى عند تعرّض الماتن
(قدس سره) له، وحاصله: أنّه إذا تبدّل من الاحتياط إلى الرخصة فلا إشكال.
وإن تبدّل من الرخصة إلى الاحتياط أو في المتباينين، فان كان النظر الثاني إحراز
بطلان الاوّل فمقتضى عدم الاجزاء: عدم الاجزاء وترتيب جميع الاثار كالمقلّد
للمجتهدين، إلاّ على قول المشهور باستثناء التقليد، وإنّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل
اجتهادين.
وإن كان النظر الثاني عدم إحراز صحّة الاوّل فلا، حتّى في الاثار الباقية، لبناء
العقلاء على الاجزاء بهذا المقدار.
وأمّا الجانب الثاني: وهو ما إذا كان الجاهل المقصر يجهل كيفية عمله، كما لو جهل
أنّه هل كان يأتي في صلواته بالسورة أم لا ؟ أم أنّه هل كان يأتي بجلسة الاستراحة
أم لا ؟ في حين أنّ المجتهد الّذي يجب عليه الان متابعته يقول بوجوبهما ـ مثلاً ـ.
فوجهان، أو قولان: مبنيان على جريان قاعدة الفراغ بالنسبة لمن كان حين العمل
غافلاً، أو عدم جريانه بناءً على أنّ عدم المبالاة في الجاهل المقصر، أو الغفلة في
القاصر من مصاديق الغفلة حال العمل ـ كما ليس بالبعيد ـ.
ولا يبعد القول بالصحّة لاطلاق مثل: « كلّما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً
فامضه ولا إعادة عليك فيه »(30) ونحوه لنحو المقام.
وهناك أدلّة أُخرى خاصّة وعامّة:
فالعامّة: أوّلاً: أصل الصحّة في أعمال الانسان نفسه.
ثانياً: ما ذكره المحقّق الاصفهاني من قوله: « بل السيرة قائمة على عدم الاعتناء
بالشكّ إذا تعلّق بعباداته ومعاملاته الصادرة منه قبلاً وقلّما يتّفق لاحد عدم
الشكّ في أعماله الماضية ».
والخاصّة: أوّلاً: لا تعاد في الصلاة.
ثانياً القضاء بأمر جديد. وسيأتي تفصيل البحث في المسألة: الاربعين، إن شاء الله
تعالى.
في وجوب الفحص في الموضوعات ثلاثة مباني:
1. الوجوب مطلقاً إلاّ ما خرج.
2. عدم الوجوب مطلقاً إلاّ ما خرج، ومنه: وقوع الكثير في مخالفة الواقع، فعليه: يجب
هنا الفحص.
3. عدم الوجوب حتى في مثل هذا.
وعلى الخلاف في قاعدة الفراغ هنا.
ولكن في المقصر الملتفت حين العمل، الّذي ترك التقليد لكونه غير مبال بالاحكام
الشرعية، ربما يحتاط وجوباً بإعادة وقضاء أعماله السابقة، التي لا يعلم كيف أتى
بها من أجل أصل الاشتغال الّذي إن وردت عليه قاعدة الفراغ فإنّما ورودها المسلّم هو
في غير مثل المقصر الملتفت، خصوصاً وإنّ ورود قاعدة الفراغ على الاشتغال إنّما يكون
لقرينتين لبيّتين لا اطلاق لهما.
إحداهما: أنّ القاعدة لو لم تكن حاكمة على الاشتغال لم يبق مورد واحد لها بحيث لا
يجري فيه أصل الاشتغال، إذ جميع موارد ورود القاعدة مسبوقة بالعدم الّذي يجري أصل
الاشتغال فيها.
وثانيتهما: أنّ لسان القاعدة لسان الحاكم على الاشتغال، لانّ الاشتغال أصل أوّلي
والقاعدة أصل ثانوي، ففي المقصر الملتفت يكون المورد مسرحاً للاشتغال بلا إحراز
يقيني لورود القاعدة عليه، وإن كان اطلاق قاعدة الفراغ، واطلاق ورودها على
الاشتغال، غير بعيد عن الصناعة، والاحتياط حسن بلا إشكال، بل في المقصر الملتفت
ينبغي أن لا يترك.
هذا في التكليف الفعلي، وأمّا مسألة استحقاق العقاب فالحقّ فيها أن يقال:
1. في صورة موافقة العمل مع الواقع لا استحقاق للعقاب مطلقاً في القاصر والمقصر، الملتفت حين العمل وغير الملتفت، إلاّ على القول باستحقاق العقاب في التجرّي، فيستثنى صورة المقصر الملتفت حين العمل، بل وغير الملتفت حين العمل أيضاً. سواء وافق احد المجتهدين، أم كليهما، أم خالفهما، وذلك لطريقية فتوى المجتهد التي ليس المطلوب فيها إلاّ الوصول إلى الواقع، فلو وصل بأي نحو كان، كان صحيحاً.
2. في صورة كون الجاهل قاصراً فلا استحقاق للعقاب أيضاً مطلقاً، سواء وافق الواقع أم خالفه، وافق فتوى أحد المجتهدين أم خالفهما، وذلك لمعذورية الجاهل، والمتيقّن منه: القاصر لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « رفع ما لا يعلمون »(31) ونحوه، والمسلّم المجمع عليه من الرفع هو: رفع العقاب.
3. في صورة مخالفة العمل للواقع وكون الجاهل مقصراً ملتفتاً حين العمل، فالظاهر
استحقاق العقاب لانّه المتيقّن من استحقاق العقاب للجاهل في قوله (عليه السلام): «
يقال له: هلاّ تعلّمت ؟ » الوارد في تفسير قوله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ
الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)(32) كما أنّ الظاهر عدم الخلاف فيه أيضاً.
وهذا مسلّم إذا خالف عمله لفتاوى المجتهدين، وأمّا إذا وافق عمله لفتوى المرجع،
فهل يستحق أيضاً العقاب وتتحقّق المعصية أم لا ؟
الظاهر: نعم للمخالفة، وعذر المخالف إنّما يكون إذا كان له معذّر، ولم يكن له ـ
على الفرض ـ معذّر، فلا يكون معذوراً، ووجود المعذّر خارجاً لا يوجب المعذّرية
بعد لزوم الاستناد اليه، فالمعذّر بنفسه وبوجوده الواقعي لا يكون معذّراً، وإنّما
يكون معذّراً بوجوده المقيد بالاستناد اليه، وهذا القيد يستفاد من مناسبة الحكم
والموضوع وصدق العصيان معه.
وما قيل: من أنّ مثل هذا المقلّد لم يقم عليه حكم الله الواقعي لجهله به، ولقيام
الحجّة على غير الحكم الواقعي، فالحكم الواقعي غير واصل اليه، ومن شرائط المعصية
وصول الحكم إلى المكلّف.
ففيه: أنّ الوصول أعمّ من التفصيلي والاجمالي، والثاني موجود في المقام.
والحاصل: أنّ المعذرية منوطة بما لو استند اليه، وما دام الشرط لم يتحقّق فالمشروط
مثله.
وما يقال: من أنّ العقاب على الواقع غير الواصل، هو بلا بيان، لانّه مع عدم الوصول
غير منجّز كي يصحّ عقاب من خالفه.
ففيه: أنّ العقاب إنّما يكون غير صحيح إذا كان للمكلّف عذر في ترك الواقع، وأمّا
مع عدم العذر في تركه فالعقاب لا يكون بلا بيان، اللّهم إلاّ أن يرجع هذا إلى البحث
عن «التجرّي» واستحقاق العقاب عليه أو عدمه.
4. في نفس هذه الصورة وكون الجاهل مقصراً غير ملتفت حين العمل، فالظاهر أيضاً الحاقه بالملتفت، لانّ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، ولصدق المفرّط والعاصي عليه حينئذ.