المسألة (15): إذا قلّد مجتهداً كان يجوّز البقاء على تقليد الميّت، فمات ذلك المجتهد، لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة.
الاوّل: ظاهر العبارة أنّه إذا مات المقلَّد ـ بالفتح ـ وكان يجوّز البقاء على
تقليد الميّت، فلا يجوز اعتماداً على هذه الفتوى البقاء على فتاوى الميّت.
ولكن بعض الشرّاح احتمل في هذه العبارة أن يكون المقصود: موت المرجع، فقلّد
المقلّد مرجعاً ثانياً، فمات أيضاً، فقلّد ثالثاً، فأفتى الثالث بوجوب أو جواز
البقاء على تقليد الميّت، فهل يبقى على تقليد الاوّل أو الثاني ؟
لكنّه ـ مضافاً إلى أنّ الماتن (قدس سره) صرّح بهذا الفرع في المسألة الحادية
والستين إنّ ظاهر العبارة لا يساعد على هذا الاحتمال.
الثاني: قول الماتن « الحي الاعلم » ظاهر في الفتوى بالرجوع إلى الاعلم، مع أنّ
هذه المسألة من صغريات مسألة تقليد الاعلم، وقد احتاط الماتن فيها في المسألة
الثانية عشرة، ولم يفت، قال: « يجب تقليد الاعلم مع الامكان على الاحوط » فكيف
أرسل الحكم بما هو ظاهر في الفتوى ولم يحتط ؟
وكذلك المعلّقون من الاعاظم على المسألة الثانية عشرة، حيث فصّلوا في مسألة تقليد
الاعلم بتفصيلات مختلفة، كيف لم يشيروا إلى تلك التفصيلات هنا ؟
مثلاً: من يفصّل في وجوب تقليد الاعلم بين تخالفه مع المفضول وعدمه وعلّق بذلك على
المسألة الثانية عشرة، كيف لم يعلّق هنا على اطلاق المتن ؟
أو من يفصّل بين موافقة فتوى المفضول للاحتياط، أو للمشهور، وبين عدمها، وعلّق
هناك، كيف لم يعلّق هنا ؟ وهكذا.
وربما يقال في الجواب على ذلك: بأنّ مراد الماتن وهؤلاء، عطف المسألة هنا على
المسألة هناك ـ وينبغي أن يكون هكذا، لا عدولاً، أو تهافتاً ـ لكنّه خلاف المألوف
في الرسائل العملية، فإذا كرّروا ذكر مسألة واحدة في موارد، كرّروا قيودها عادةً،
فتأمّل.
الثالث: ذكر الخوانساري (السيد أحمد) في تعليقته على جملة: « لا يجوز البقاء على
تقليده في هذه المسألة » ما يلي:
« إذا كان متّكلاً في البقاء إلى الميّت من دون الاتّكال إلى الحي، ومع الاتّكال
يجوز حتّى في هذه المسألة » ولم يتّضح المراد منه، إذ لا أثر ـ ظاهراً ـ لفتوى
الميّت بجواز البقاء، أو وجوبه، أو حرمته، ولذا صرّح في العروة ـ بدون تعليق
المعظم غير الخوانساري (قدس سره) ـ في المسألة السادسة والعشرين بجواز البقاء على
الميّت استناداً إلى فتوى الحي، وإن كان الميّت يحرّم البقاء.
مضافاً إلى أنّ تقليد الميّت في جواز البقاء، تقليد ابتدائي ـ على قول المشهور
ومنهم: الخوانساري في أنّ التقليد عمل، سواء وحده أم مع الالتزام ـ إذ لم يسبق
للمقلّد تقليد الميّت حتّى يكون بقاءً، فتأمّل.
نعم، إذا كان مقلّداً لزيد، فمات، وقلّد عمراً ـ الحي ـ في جواز البقاء، فبقي
على تقليد زيد، وعمل في المسائل الجديدة، أو بعضها ـ على الخلاف في الوجوب وعدمه
ـ بفتوى عمرو، ثمّ مات عمرو (الثاني) فيكون بقاؤه على فتوى المجتهد الاوّل الميّت، والمجتهد الثاني الميّت بقاءً على تقليد الميّت،
لا تقليداً ابتدائياً.
لانّه قلّد عمراً (المجتهد الثاني الحي) في كبرى مسألة جواز البقاء على تقليد
الميّت، فإذا جاز له البقاء على تقليد الميّت، فيكون بقاؤه على تقليد الاوّل صغرى
لهذه الكبرى، وبقاؤه على تقليد الثاني صغرى أُخرى لهذه الكبرى.
هذا إذا كان قد عمل ببعض فتاوى الثاني حال حياته، أمّا إذا لم يعمل أصلاً ـ سواء
لعدم المجال، أو بناءً على جواز العمل في المسائل الجديدة أيضاً بفتوى الميّت
الباقي على تقليده ـ فلا يجوز له البقاء على تقليد الثاني لانّه ابتدائي محض، بل
يبقى على تقليد الاوّل فقط.
وهل يحتاج إلى تجويز ثالث حي ؟
ربما يقال: لا ـ حتّى إذا كان الحي يحرّم البقاء ـ لانّه باق مستنداً إلى حجّة
معتبرة.
لكن المعروف الحاجة، فتأمّل.
الرابع: ليست هذه المسألة تخصيصاً للمسألة التاسعة: « الاقوى جواز البقاء على
تقليد الميّت » لاختلاف موضوعيهما، إذ موضوع تلك نفس البقاء، وموضوع هذه وظيفة
المقلّد، حيث إنّه يجب عليه سلوك مقطوع الحجّية.
وذلك كما إذا كانت فتوى مجتهد جواز تقليد المفضول ـ إمّا مطلقاً أو في بعض الصور ـ
ومع ذلك يقول للعامي الّذي يريد أن يقلّد: وظيفتك تقليد الافضل، إلاّ إذا علم
وجداناً أو تعبّداً بجواز تقليد المفضول، والعلم خارج عن مورد البحث كما لا يخفى.
وبعبارة أُخرى: البحث هناك عن مقتضى الدليل الشرعي في المسألة، وهنا عن تكليف
العامي بنظر نفسه حيث إنّه عامي.
الخامس: هنا شبهة أو إشكال، وهي: أنّه كيف يقول مثل صاحب العروة ـ القائل بأنّ
التقليد التزام ـ لا يجوز البقاء على تقليد الميّت اعتماداً على فتوى الميّت نفسه
بجواز البقاء، مع أنّه ـ على الالتزام ـ ليس هذا تقليداً للميّت في البقاء على
تقليد الميّت، بل هو تقليد للحي في جواز البقاء على تقليد الميّت، لانّه حين كان
الميّت حيّاً، وقلّده ـ أي التزم بالعمل بأقواله ـ صار المقلّد مقلّداً للحي
وملتزماً بالعمل بفتواه بجواز تقليد الميّت بقاءً، فإذا مات المجتهد بقى على هذا
الالتزام الّذي بدأه حال حياته، وهو تقليد للحي.
والحاصل: أنّ المقلّد يبقى على الالتزام بفتاوى الميّت بعد وفاته، اعتماداً على
الالتزام بفتاواه حال حياته، ومن تلك الفتاوى جواز تقليد الميّت بقاءً.
فليس دوراً، إذ الموقوف عليه غير الموقوف عليه كما لا يخفى، بل ـ عليه ـ ينبغي أن
يصحّ البقاء اعتماداً على فتوى الميّت، حتّى إذا كانت فتوى الحي الاعلم: حرمة
البقاء.
وربما يجاب: بأنّ هذا دور عرفاً.
وفيه: أنّ المستحيل عقلاً ـ الّذي لا يصحّ معه أي اعتبار، شرعي أو غيره ـ هو
الدور العقلي الحقيقي دون العرفي، وهذا ليس دوراً حقيقة.
بل إذا شرح ذلك للعرف، عرف أنّه ليس دوراً.
نعم، بناءً على كون التقليد هو العمل، لا يأتي هذا الاشكال، ويكون الاعتماد على قول
الميّت بجواز البقاء دوراً حقيقة.
أمّا على المبنى الّذي اخترناه في معنى التقليد ـ وقد تقدّم وفاقاً لعدد من
الاجلاّء، وبه صحّحنا البقاء حتّى في المسائل الّتي لم يعمل بها حال حياة المجتهد
ـ من أنّ العمل في جملة معتدّ بها من المسائل، يجعله مقلّداً في الجميع، حتّى الّتي
لم يعمل بها بعد.
فلا يأتي الاشكال فيه ـ وإن تخيّل ـ وذلك: لانّ المقلّد بالعمل حال حياة المجتهد
بجملة من فتاواه يجعله مقلّداً له حتى في المسائل الّتي لم يعمل بها بعد، لكن ليس
منها جواز البقاء على تقليد الميّت لانّه بموت المجتهد يتحقّق موضوع هذه المسألة
فلا يكون المقلّد مقلّداً له في المسألة الّتي يتحقّق موضوعها بموت المجتهد، فهذه
المسألة خارجة عن مفهوم التقليد إلاّ على القول بالالتزام. ومعه يأتي الاشكال.
ثمّ إنّ عمدة الاشكال في عدم جواز البقاء على تقليد المجتهد الميّت اعتماداً على
قوله بالجواز: هو لزوم الدور الحقيقي.
... بل يجب الرجوع إلى الحي الاعلم في جواز البقاء وعدمه.
مثلاً: إذا قلّد العامي زيداً وكان يقول بجواز البقاء على تقليد الميّت، ثمّ مات
زيد، فبقاء المقلّد على تقليد زيد اعتماداً على فتواه بجواز البقاء، من توقّف
الشيء على نفسه، لرجوعه إلى حجّية قوله مستنداً إلى حجّية قوله، سواء كان المقصود
بالبقاء هو البقاء على تقليده في مسألة جواز البقاء بالخصوص، أم كان المراد البقاء
على تقليده في عامّة المسائل.
قال: بل يجب الرجوع إلى الحي الاعلم في جواز البقاء وعدمه والعمل بفتوى الحي الاعلم
في هذه المسألة فإن أفتى بوجوب البقاء أو جوازه وجب، أو جاز له البقاء، وإن أفتى
بحرمة البقاء عدل إلى الحي، وإن توقّف في المسألة، فله صورتان:
1. فقد يتوقّف في بعض أطراف المسألة مثلاً يتوقّف في جواز البقاء، ولكن يفتي
بصحّة العدول إلى الحي أو العكس، مطلقاً أو في بعض الصور ـ على ما تقدّم ـ.
2. وقد يتوقّف مطلقاً في كل أطراف المسألة، ففي كلّ مورد كان للحي الاعلم توقّف،
جاز للمقلّد الرجوع حينئذ إلى الحي الاعلم فالاعلم، على التفصيل الّذي ذكرناه وإن
احتاط الحي الاعلم في كلّ أطراف المسألة، أو في بعضها ـ على ما تقدّم آنفاً ـ فعلى
ما ذكرناه من التفصيل: في أنّ الاحتياط الّذي هو مجرد تورّع لا فتوى، يصحّ معه
العدول إلى فالاعلم، والاحتياط الّذي هو فتوى بالاحتياط، لا يصحّ معه العدول إلى
فالاعلم.
هذا كلّه إذا لم يحصل من فتوى الميّت بجواز البقاء اطمينان شخصي متاخم للعلم، أو
ما يشمله اطلاق العلم، فاعتماداً على علمه ـ وإن كان حاصلاً من فتوى نفس ذاك
المجتهد ـ يبقى على تقليده، فيكون الموقوف هو: فتاوى الميّت، والموقوف عليه هو:
علم المقلّد بجواز الاعتماد على فتاواه، وإن كان هذا العلم نفسه حاصلاً من فتوى نفس
هذا المجتهد بجواز البقاء.
وهذا نظير ما لو سأل العامي من المرجع: مَن أُقلّد ؟ فقال له المرجع: قلّدني
فإنّي جامع للشرائط، وحصل للعامي من قول المرجع هذا في تزكية نفسه، العلم بذلك،
فإنّه يجوز له تقليده، لانّه اعتماد على العلم، ومعه فلا دور في البين. وعلى ذلك
جرت سيرة كثير من العلماء الاعلام المراجع في أنّهم كانوا إذا سئلوا عن مرجع تقليد
عيّنوا أنفسهم.
إن كان في الاحياء أعلم، كان قوله متّبعاً ـ على القول بوجوب تقليد الاعلم مطلقاً، أو في بعض الصور، على المباني ـ ولا إشكال، سواء أوجب البقاء، أو حرّمه،
أو جوّزه.
أمّا إذا لم يكن أعلم في المجتهدين الاحياء ـ ولو حكماً ـ سواء بعد الميّت مطلقاً،
أو بعد توقّف، أو احتياط الاعلم الحي، فله صورتان:
1. فان إتّفق الاحياء في فتواهم بالنسبة للبقاء على الميّت، والعدول إلى الحي ـ وهو
نادر جدّاً ـ مضى المقلّد على فتواهم الموحّدة.
2. وإن اختلفوا ـ وهو الغالب ـ فعلى المشهور من التخيير بين المجتهدين المتساويين، تخيّر المقلّد، حتّى إذا كان خلافهم بالوجوب والحرمة، فيختار البقاء، تقليداً
للقائل به، أو يختار العدول إلى الحي تقليداً للقائل به.
وعلى قول الاحتياط بين المجتهدين المتساويين ـ كبقية موارد التعارض أصلاً، وأمارة
ـ وجب الاحتياط مع إمكانه، علماً، وعملاً، عقلاً وشرعاً، فإن أفتى أحدهما بوجوب
البقاء والاخر بجوازه اختار البقاء، أو قال أحدهما بوجوب العدول والاخر بجوازه
اختار العدول.
ومع عدم إمكان الاحتياط ـ بأي واحد من الاربعة الانفة ـ كالمحذورين، كان عقلاً
لابدّ له من اختيار واحد من العدول، أو البقاء، وهو المصطلح عليه بالتخيير العقلي
(مسامحة) فإذا قال أحدهما بوجوب البقاء والاخر بحرمته، اختار أحوطهما في كلّ مسألة
مسألة ما أمكنه عقلاً وشرعاً، علماً وعملاً، وما لم يمكنه تخيّر بينهما.
والتخيير على قول المشهور ابتدائي أو استمراري أو التفصيل على ما تقدّم سابقاً.
وأمّا على القول الاخر الذي حصر التخيير في المحذورين، فكذلك أيضاً ما لم يمكن
الاحتياط. والله العالم.