المسألة (14): إذا لم يكن للاعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة
الاخذ من غير الاعلم مع اشتراط كون غير الاعلم، أعلم من الباقين وان أمكن الاحتياط
فإنّه لا يجب.
أمّا عدم وجوب الاحتياط: فلما مرّ من فتوى المشهور بعدم وجوب الاحتياط على العامي
وكفاية رجوعه إلى العالم، وقد تقدّمت أدلّته.
وأمّا جواز الرجوع إلى غيره: فلشمول الادلّة له من دون معارض، لانّ المعارض كان
منحصراً في فتوى الاعلم وحيث ليست له فتوى فلا أعلم في البين.
وأمّا اشتراط الاعلم فالاعلم، فلانسحاب أدلّة وجوب تقليد الاعلم في الاعلم من
الباقين.
هذا كلّه بناءً على وجوب تقليد الاعلم مطلقاً.
ويجب على من يوجب الاحتياط في تعارض الفتاوى ولا يرى التخيير: القول بالاحتياط بين
فتاوى العلماء الباقين ـ غير الاعلم ـ الّذين يرجع إلى أحدهم إذا لم يكن بينهم أعلم، وإلاّ فإلى الاعلم من الباقين، سواء تخالفت الفتاوى أم توافقت.
هذا مجمل البحث وينبغي قبل بيان المسألة من ذكر تمهيدات:
الاوّل: إنّ المصنّف (قدس سره) تعرّض في الباب لمسألتين، ذكر الاُولى هنا،
والاُخرى في المسألة الثالثة والستين.
الاُولى: ما إذا لم يكن للاعلم فتوى في مسألة موضوعاً كما إذا لم يجتهد فيها، أو
سكت في الجواب لملاحظات تقيّة أو غيرها، لنفسه، أو للمقلّد، أو للاخرين، أو لم
تكن له فتوى حكماً، بأن كان في حكم عدم الفتوى، كما إذا جهل المقلّد فتوى الاعلم
جهلاً قصورياً مع الالتفات أو عدمه، أو نسيها قصوراً ونحو ذلك، ومن هذا القبيل ما
إذا كان تحصيل الفتوى ـ بل أو العمل بها ـ ضررياً أو حرجياً على المقلّد.
فموضوع هذه المسألة تشمل كلّ هذه الصور لعدم خصوصية في عدم الفتوى، بل الملاك
المعذّرية للمقلّد، الشاملة لكلّ ما ذكر من الصور.
ولقد أجاد صاحب الجواهر والشيخ الانصاري والمجدّد الشيرازي (قدس سرهم) إذ جعلوا
عنوان المسألة في رسالة: « مجمع الرسائل » أعمّ، حيث قالوا: « إذا أمكن تقليد
الاعلم كان مقدّماً، وإلاّ فعليه تقليد غير الاعلم »(1) وقد جمع بينهما الشيخ
التستري (قدس سره) في رسالة: « منهج الرشاد » قال: « الصورة الخامسة: إذا عرف
الاعلم لكن لم يكن له في مسألة فتوى، أو كانت له فتوى ولكن لا يمكن المقلّد ـ
شرعاً ـ تحصيلها »(2).
الثانية: ما إذا احتاط الاعلم في مسألة ولم يفتى فيها، وقد ذكرها الماتن (قدس
سره)في المسألة الثالثة والستين قال: « في احتياطات الاعلم إذا لم يكن له فتوى
يتخيّر المقلّد... » والعديد من المعلّقين يظهر من بعض كلماتهم أنّهم اعتبروهما
مسألة واحدة، مع أنّ الظاهر أنّهما اثنتان موضوعاً وحكماً.
أمّا موضوعاً: فواضح، وأمّا حكماً: فلما سنذكره إن شاء الله تعالى هنا وهناك في
شرح المسألتين.
وإجماله: أنّ الاعلم إذا سكت فحيث لم يبد نظراً في المسألة فإنّه لا مفهوم للتقليد
هناك، لانّ التقليد أخذ قول الغير وحيث لا قول للغير فيكون الاخذ سالبة بانتفاء
الموضوع، أمّا إذا احتاط فإنّه قد يكون فتوى بالاحتياط كما في أطراف العلم
الاجمالي، وقد يكون جهلاً بالمسألة، أو تورّعاً، ولذا هناك عدد من المعلّقين
فصّلوا في تعليقاتهم في المسألة الثانية ولم يفصّلوا في الاُولى، وسيأتي ذكر
أقوالهم إن شاء الله تعالى.
الثاني: ربما يحتمل أنّ هذه المسألة أعمّ من المسألة الثالثة والستين، وأنّ
بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً لاطلاق عبارة: « لم يكن للاعلم فتوى في مسألة من
المسائل » لانّه أعمّ من أن يكون له احتياط أم لا، فتكون المسألة الاتية مستدركة
لا فائدة في ذكرها إلاّ التأكيد على صغرى من صغريات هذه المسألة.
ولذا قيّدوا اطلاق: « غير الاعلم » هنا، بالاعلم فالاعلم هناك، مع إنّهما مثبتان، ولا تقييد فيهما، إلاّ إذا علم وحدة الحكم فيهما.
لكن ـ كما تقدّم آنفاً ـ إنّ المسألتين اثنتان موضوعاً وحكماً وإن كانتا متقاربتين، ومن الفوارق بينهما: إنّ العدول مع الاحتياط يجوز حتّى بعد العمل بالاحتياط،
لكن لا مورد له مع سكوت المقلَّد ـ بالفتح ـ فلا عدول أصلاً، إلاّ على القول بأنّ
التقليد هو الالتزام دون العمل، فتأمّل.
الثالث: هاتان المسألتان خاصّتان بالقول بوجوب تقليد الاعلم وإلاّ فلا موضوع لهما، إذ مع القول بعدم الوجوب، فيجوز تقليد غير الاعلم حتّى مع فتوى الاعلم، فكيف
بسكوته أو احتياطه ؟
نعم، اطلاق المسألة الاتية ـ الثالثة والستين ـ أعمّ من القول بوجوب تقليد الاعلم، إذ العدول عن الحي لا يجوز ـ على المشهور ـ لكن إذا كان له فتوى، أمّا إذا كان
له احتياط، جاز العدول عنه.
الرابع: قيّد جمع من المعلّقين كالمحقّق العراقي والجواهري والبروجردي وابن العمّ
(قدس سرهم) على اطلاق قول الماتن: « الاخذ من غير الاعلم » بالاعلم فالاعلم، أي:
الاعلم من بين أُولئك، وسكت آخرون ـ كالمحقّقين النائيني والحائري والوالد (قدس
سرهم) ـ على اطلاق المتن، أمّا تقييد من قيّد فعلى الاصل عندهم: من وجوب تقليد
الاعلم.
وأمّا ترك التقييد ممّن ترك: فهل هو اعتماد على وضوح ذلك، وذكر الماتن (قدس سره)
التقييد في المسألة الاتية ـ الثالثة والستين ـ واعتبارهما مسألة واحدة، ولو حكماً
لا موضوعاً.
أم اطلاق منهم في مثل ذلك، لندرة المسائل الّتي لا يفتي المجتهد المطلق الاعلم
فيها، وفي النادر لا يجب التقيد بتقليد الاعلم، إمّا لانصراف أدلّة التقليد، أو
لتقييد بناء العقلاء ؟
أمّا التعيين والتخيير فلا فرق فيه في مسألة واحدة وألف مسألة. ولعلّ الاوّل أقرب،
ولذا نرى التقييد في مسألة عدم فتوى الاعلم بالرجوع إلى الاعلم فالاعلم من الباقين
في رسالة صاحب الجواهر والشيخ والمجدّد، مع عدم التعليق بالاطلاق ممّن أطلق هنا،
كصاحب العروة والنائيني والحائري (قدس سرهم)، فتأمّل.
إذا تمهّد ما قدّمناه فلنعد إلى شرح المسألة من المتن ونقول: هنا ملاحظات كالتالي:
الاُولى: قول الماتن (قدس سره) « في مسألة » ليس المراد بها الخصوصية للمسألة
الواحدة، بل حتّى إذا كان ذلك في المئات من المسائل، كما يشاهد في بعض الرسائل
العملية للفقهاء الماضين قدّس الله تعالى أسرارهم.
الثانية: إذا لم يكن أعلم في الباقين ـ موضوعاً أو حكماً على الخلاف والمباني ـ فالحكم هو نفس الحكم إذا لم يكن أعلم من الاصل، كما لا يخفى.
الثالثة: في صورة عدم التمكّن من الاحتياط ـ عقلاً أو شرعاً ـ يتعيّن تقليد غير الاعلم وذلك أيضاً واضح، لانحصار التخيير العقلي فيه، وقول الماتن (قدس سره): « يجوز » هو بالمعنى الاعمّ المقابل لعدم الجواز.
الرابعة: إذا أفتى الاعلم ـ بعد أخذ المقلّد من غير الاعلم ـ فإن وافقه فلا إشكال، وإن خالفه وأفتى بالاحتياط، أو بالمباين، فالظاهر: ـ كما تقدّم ـ أنّ أعماله
السابقة مجزية، وأمّا الحال والمستقبل فهل يجوز البقاء على فتوى غير الاعلم أم يجب
البقاء، أم يجب عليه العدول إلى الاعلم ؟
هذا هو بحث مسألة العدول إلى الاعلم بعد إجزاء التقليد، فإن قلنا بوجوب العدول إلى
الاعلم مطلقاً وجب، وإن قلنا بوجوب البقاء وحرمة العدول حتّى إلى الاعلم وجب
البقاء، وإن قلنا بالتخيير ـ كما لم نستبعده ـ كان مخيّراً، وقد تقدّم بحثه
مفصّلاً.
الخامسة: إذا بنى على تقليد الاعلم ـ زيد مثلاً ـ وأوّل مسألة أراد العمل فيها
بفتواه لم تكن له فتوى، بل احتياط وجوبي، فقلّد غير الاعلم ـ عمرو مثلاً ـ وهكذا
في المسألة الثانية، والثالثة، والعاشرة، أو العشرين مثلاً.
فإذا أراد أن يقلّد غير عمرو، فهل هذا عدول عنه، حتّى يشمله دليل حرمة العدول ؟
أو مات، فهل يكون بقاءً، أم تقليداً ابتدائياً ؟
فإن قلنا بأنّ التقليد عمل، فقد عمل فيبني عليه كلا الفرعين، وإن قلنا بأنّه
التزام، فإنّه التزم لا مطلقاً، بل في خصوص موارد لا فتوى للاعلم، فإن اكتفى
بمثله في صدق التقليد فبها، وإلاّ فلا.
وربما يفصّل بين مسألة ومسألتين، وبين مسائل كثيرة، كما تقدّم في مسألة البقاء
على تقليد الميّت.
السادسة: أنّ هذه المسألة بعينها مذكورة في رسالة: « مجمع الرسائل » لصاحب الجواهر (قدس سره) في المسألة العاشرة، وفي رسالته: « تاج الحاج » للشيخ الانصاري (قدس سره) في المسألة العاشرة، وغيرهما من الرسائل العملية الاُخر.
ثمّ إنّ صور سكوت المفتي وما في حكم السكوت عديدة كما تقدّم آنفاً، وذلك:
1. عدم استنباطه للمسألة.
2. ترك الفتوى تقية ـ لنفسه، أو للمقلّد، أو لغيرهما ـ.
3. جهل المقلّد للفتوى قصوراً مع الالتفات وعدمه، أو نسيانه قصوراً، كما إذا
قلّد غير الاعلم ثمّ انكشف عدم الفتوى لمرجع تقليده الاعلم.
4. إذا كان تحصيل المقلّد لفتوى الاعلم حرجياً أو ضررياً، أو كان العمل بها كذلك.
أمّا الصورة الاُولى: فالظاهر عدم الاشكال في جواز تقليد غيره، لانّه لا فتوى
للاعلم فيها، وعدم وجوب الاحتياط للاجماع المدّعى ـ أو لا أقلّ من الشهرة المحقّقة
ـ على عدم وجوب الاحتياط بالنسبة إلى العامي وكفاية رجوعه إلى العالم.
وكذلك يكون الحكم في الصور الاُخرى للمسألة، والدليل عليها هو نفس الدليل ـ
المذكور في الصورة الاُولى بشقّيه ـ وأدلّة أُخرى نعرض عن ذكرها مخافة التطويل.