المسألة (13): اذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخيّر بينهما... .

التخيير عند تساوي المجتهدين

المسألة (13): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما في تقليد أيّهما شاء.


مقدّمة البحث

مقدّمة: اختلفوا في إمكان التساوي على قولين:
الاوّل: الامكان، ونقله في المفاتيح(1) عن جمهرة من الاعيان كالمحقّق في المعارج، والعلاّمة في النهاية، والشهيد في الذكرى والقواعد، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد، والمحقّق الثاني في الجعفرية، وصاحب المعالم في المعالم، والشيخ البهائي في الزبدة وآخرين، وأضاف: لكنّه بعيد كما صرّح به في الذكرى والمقاصد العلية.
الثاني: إنّه غير ممكن قال: « وهو المحكي في النهاية والمنية والذكرى والتمهيد والمقاصد العلية عن بعض... ».
أقول: لا إشكال في إمكانه ثبوتاً، واثباتاً أحياناً، ولكن الاثر الكبير يظهر في موارد عدم احراز الاعلمية ـ لا تفصيلاً ولا إجمالاً ـ مع الحاق عدم الاحراز، بعدمه ثبوتاً في الحكم، وقد تقدّم بحثه إجمالاً.


أقوال المسألة

وأمّا الاقوال في المسألة فإثنان:
الاوّل: التخيير وهو للمعظم ونقله في المفاتيح(2) عن المحقّق والعلاّمة والشهيدين وصاحبي المعالم والزبدة وآخرين، بل ادّعي عليه الاجماع مكرّراً وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وفي تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره) « لا إشكال في التخيير »(3).
الثاني: الاحتياط فتوى، أو احتياطاً وجوبياً، ذهب اليه بعض من عاصرناهم تبعاً لما نقله في المفاتيح(4)عن قوم من وجوب الاخذ: « بالاشدّ » وعن قوم: « بالاثقل عليه ».


صور المسألة

ثمّ إنّ للمسألة صوراً:


الصورة الاُولى

أمّا الصورة الاُولى: فهي ما إذا أحرز اتّفاق فتاواهما، أو في ذاك المورد ولا إشكال كما لا خلاف في التخيير بين تقليد أيّهما شاء، ومعنى التخيير في صورة الاتّفاق هو جواز الاستناد في مقام العمل إلى هذا أو إلى هذا، لانّه لا معنى للتخيير في العمل لوحدة الفتويين إلاّ هذا.
ولذا حمل بعض على المسامحة: التعبير بالتخيير، في صورة الاتّفاق على القول المعروف بين المعاصرين: من أنّ التقليد هو العمل، إذ حقيقة ليس تخييراً في العمل، وإنّما هو تخيير في الاستناد.
نعم، على القول بأنّ التقليد هو الالتزام يصحّ التعبير حقيقة، فيكون مخيّراً بين الالتزام بفتوى هذا وبين الالتزام بفتوى ذاك، وتظهر الثمرة في البقاء والعدول ونحوهما، فإذا التزم بتقليد زيد ومات جاز البقاء عليه والعدول، وإذا كان ملتزماً بتقليد عمرو، فمات زيد لم يجز العدول لانّه عدول عن الحي، وأمثال ذلك.


الصورة الثانية

وأمّا الصورة الثانية: فهي ما إذا لم تحرز الموافقة والمخالفة ـ على ما تقدّم تفصيله في المسألة المتقدّمة ـ فبين من ألحقه بالصورة الاُولى وبين من ألحقه بالصورة الثالثة، وقد تقدّم ما ينفع المقام فلا نطيل، فهي حكماً إحدى الصورتين.


الصورة الثالثة

وأمّا الصورة الثالثة: فهي ما إذا كانت فتاواهما مختلفة، فبين قائل بالتخيير مطلقاً وهو المشهور المدّعى عليه التسالم، وبين قائل بوجوب الاحتياط وهو قول بعض المعاصرين، وبين محتاط في المسألة.


هنا خمسة مطالب

أقول: ينبغي هنا بحث خمسة مطالب لتنقيح الحكم في المسألة:
أحدها: هل تعارض الفتويين من تعارض الحجّتين، أم من اشتباه الحجّة باللاّحجّة ؟
ثانيها: هل هناك إجماع معتبر على التخيير بين الفقيهين المختلفين ـ الّذي ادّعاه جمع، منهم: الشيخ الانصاري (قدس سره) ـ ؟
ثالثها: هل الاصل في المتعارضين التخيير، أم التساقط ؟
رابعها: هل مقتضى خصوص أدلّة التقليد اللفظية التخيير، حتّى مع تعارض فتاوى مراجع التقليد الّذي صرّح به مثل الشيخ عبدالكريم الحائري وغيره ؟
خامسها: هل بناء العقلاء على التخيير في المتساويين من أهل الخبرة ؟


المطلب الاوّل
هل تعارض الفتويين من تعارض الحجّتين ؟

أمّا المطلب الاوّل: وهو أنّ تعارض الفتويين هل هو من تعارض الحجّتين أم من اشتباه الحجّة باللاّحجّة ؟
فقد يقال: بأنّ تعارض الفتويين من الثاني بناءً على التخطئة، لانّ الحكم الواقعي واحد، فإذا صار حكمين كان أحدهما لا محالة غير حجّة.
لكنّه يقال: بأنّ الحجّة غير الحكم الواقعي، والّذي ينفيه مذهب المخطّئة هو تعارض حكمين كلاهما واقعيان، والّذي هو معرض البحث هو تعارض حكمين قامت الحجّة على كل واحد منهما، أو بتعبير آخر: هو تعارض حكمين ظاهريين، أو تعارض التنجيز والاعذار.
إذن: فلا تنافي التخطئة مع القول بكون تعارض الفتويين من تعارض الحجّتين.
فإن كان تعارض الفتويين من تعارض الحجّتين، أي: تزاحمهما في مقام الاثبات ـ مقابل باب التزاحم الّذي هو تزاحم في مقام الثبوت ـ فينبغي عدم الاشكال في أنّ الاصل فيه ليس التساقط ولا الاحتياط، لانّ المفروض حجّية كل واحدة منهما، ومعه لا تتساقطان لقضاء الحجّية، ولا يجب الاحتياط لجواز الاكتفاء بكلّ واحدة من الفتويين، نظير الاخبار.
وإن كان تعارض الفتويين من اشتباه الحجّة باللاّحجّة ـ كما هو مذهب جمع من المعاصرين وغيرهم ـ كان مقتضى الاصل العقلي الاوّلي هو الاحتياط مع اجتماع شروطه العقلية والنقلية، لانّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية.
وهذا الاشتغال أعمّ من استصحابه، ومن قاعدته، وإشكال المحقّق النائيني (قدس سره) في مطلق استصحاب الاشتغال بكونه مثبتاً، وإشكال بعض آخر في مطلق الاشتغال: بأنّ في جميع الموارد يقين سابق، فكلّه هو استصحاب الاشتغال لا أصل الاشتغال.
ففيهما: ما ذكرناه في محلّه من اختلاف الموارد، ففي بعض الموارد يجري استصحاب الاشتغال، وفي بعضها أصل الاشتغال.
نعم، ما نحن فيه من تعارض الفتويين يكون من استصحاب الاشتغال. كما إنّ كل مورد كان صرف الاحتمال ـ بدون علم إجمالي في البين ـ منجّزاً للواقع، فهو من قاعدة الاشتغال، لعدم يقين سابق بل احتمال سابق.


المطلب الثاني
هل هناك إجماع معتبر على التخيير ؟

وأمّا المطلب الثاني: وهو أنّه هل هناك إجماع معتبر على التخيير بين الفقيهين المختلفين أم لا ؟
فقد ادّعى جمع، منهم: الشيخ الانصاري (قدس سره) ذلك، ولم يعلّق على التخيير في المتن هنا ممّن يحضرني فتاواهم من مراجع العصر إلاّ أحد المراجع المعاصرين، حيث أوجب الاحتياط مع المخالفة حتّى في صورة أورعية أحدهما.
وهذا الاجماع وإن كان مخدوشاً صغرى بما يلي:
1. بعدم إحراز الاتّفاق للمخالفة، أو احتمال المخالفة لو لم نعبأ بمخالفة البعض اليوم، لسبق تحقّق الاجماع عليها.
2. ويؤيّده: إنّه من المسائل المستحدثة.
ويرد على الاوّل: إنّ مثل الشيخ قد نقل الاجماع، والمعظم نقلوه، وهو وإن كان لا يوجب إحراز اتّفاق الكل، إلاّ أنّه يدلّ على التسالم والشهرة العظيمة من غير خلاف ظاهر، وعندنا هو كاف، لبناء العقلاء.
ويرد على الثاني: كونه من المسائل المستحدثة، يمنع عن نقل الاجماع الحسّي الخاص بهذه المسألة، أمّا عن نقل الحسّي الاعمّ من هذه المسألة والنقل الحدسي فلا، وكلاهما حجّة فيما ابتني على الحدس.
وكبرى: باحتمال الاستناد فيه إلى بعض الوجوه وقد ذكرنا ما فيه مراراً.
لكنّه يدلّ على شهرة عظيمة في المسألة، بل على « اللاّخلاف » في الجملة، وهي أو هو إن لم نقل بأنّهما حجّة شرعية مستقلّة، لكنّهما يوجبان بعض الاطمينان في مقام العمل، كما لا يخفى.


إشكال وجواب

وأمّا الاشكال على الحجّية التخييرية وعدم معقوليته ثبوتاً ـ كما تقدّم ـ لانّه جعل اعتبار للمتناقضين، وهو جعل للمحال.
ففيه نقضاً: بالخبرين المتعارضين، وقد قال في المصباح: « فتحصّل ممّا ذكرناه في المقام لزوم الترجيح بالمرجّحات، والتخيير مع فقدها ».
وحلاً: بأنّ المحال بناءً على التخطئة هو: التخييرية الواقعية فيما لا تخيير واقعاً، لا الظاهرية، فله وجوه عقلية، وكلمة: « الحجّة » يعني: الظاهرية، فإنّ الحجّة إنّما تكون لمقام الاثبات، والتخطئة إنّما تكون بالنسبة للواقع، فموضوع إحداهما غير موضوع الاُخرى.


المطلب الثالث
ما هو الاصل في المتعارضين ؟

وأمّا المطلب الثالث: وهو هل الاصل في المتعارضين التخيير أم التساقط ؟
فالمشهور على التساقط، وعمدة الدليل العقل، وهو: لزوم التكاذب.
وفيه نقضاً: بالخبرين، إذ الاشكال إن كان عقلياً فإنّه يشمل جميع صغرياته.
وحلاً: بأنّ مع الجهل بالواقع يصحّ جعل ما يحتمل إصابته ومخالفته للواقع، فكما أنّه يصحّ جعل الاصل المنتهي أحياناً إلى خلاف الواقع، يصحّ جعل التخيير المنتهي في بعض الافراد إلى خلاف الواقع.
وأمّا التخيير: فالمدّعى أنّه بناء العقلاء مع عدم المرجّح، وخذ الامثلة العرفية: هل العبد لا يشتري شيئاً في مثل هذه الصورة ؟


المطلب الرابع
هل مقتضى الادلّة اللفظية: التخيير ؟

وأمّا المطلب الرابع: وهو هل مقتضى خصوص أدلّة التقليد اللفظية التخيير، حتّى مع تعارض فتاوى مراجع التقليد ؟
فالظاهر: شمول أدلّة التقليد اللفظية لمورد تعارض الفقيهين واختلافهما في الفتوى ـ وفاقاً لبعض المعاصرين ومن تقدّمهم ـ.
فقوله (عليه السلام): « من كان من الفقهاء »(5) يشمل بعمومه صورة التعارض كما يشمل صورة التوافق.
وقوله (عليه السلام): « انظروا إلى رجل منكم »(6) يشمل باطلاقه المتعارضين وقوله (عليه السلام): « فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا »(7) يشملهما أيضاً.
وهكذا غيرها من العمومات والاطلاقات.


إشكال وجواب

والقول بأنّ روايات التقليد أوّلاً: لا اطلاق لها أصلاً، فهي واردة مورد بيان أصل مشروعيته أو وجوب التقليد، من دون كونها في مقام بيان الخصوصيات الاُخر.
وثانياً: إنّها لا تشمل حال التعارض بالخصوص على فرض تحقّق الاطلاق فيها ـ شأنها شأن سائر المطلقات التي لا تشمل حال تعارض مصاديقها ـ وذلك للتكاذب الموجب للاطمينان إلى عدم كون المتكلّم في مقام البيان من هذه الجهة.
غير سديد ـ وإن اشتهر الذهاب إليه من الكثير أو المعظم في العصور المتأخّرة إلى هذا اليوم ـ وذلك لوجوه ثلاثة:


التخيير لوجوه ثلاثة
الوجه الاوّل على التخيير

الاوّل: لتحقّق الاطلاق، وجواز الاستناد إليه والاحتجاج به بمجرد كون اللفظ صالحاً للانطباق على أفراد متعدّدة.
نعم، لو تحقّق موضوع الانصراف كان ذلك خدشاً في الاطلاق موضوعاً لا حكماً، ويلحق بالانصراف بل في بعض أقسامه ما إذا علم عدم كون المتكلّم في مقام بيان هذه الجهة بالذات.
أمّا إحراز كون المتكلّم في مقام بيان هذه الجهة وتلك الجهة لتحقّق الاطلاق موضوعاً ـ كما قيل ـ أو لتحقّقه حكماً ـ كما ذهب إليه آخرون ـ فلا.
ومراجعة العرف، وكيفية استدلالاتهم واحتجاجاتهم كفيل بإثبات ذلك.
وخذ لذلك مثلاً: لو قال المولى لعبده: خذ ابني هذا إلى الطبيب. فأخذ العبد الابن إلى الطبيب وفي الطريق رأى العبد ضيفاً قاصداً دار المولى فهل له أن يرجع مع الضيف ولا يوصل الابن إلى الطبيب بعذر أنّ المولى حين قال له: خذه إلى الطبيب، لم يكن في مقام بيان من هذه الجهة ؟
وهل إذا ترك العبد الضيف واستمرّ في الذهاب بالابن إلى الطبيب يكون للمولى حقّ العتاب بحجّة أنّ كلامه لم يكن له اطلاق من هذه الجهة ؟
وهل إذا عاتب المولى عبده لذلك تكون الحجّة على العبد، أم العكس تكون الحجّة للعبد في أن يقول للمولى: كلامك كان مطلقاً ولم تقيّده بهذا القيد ؟
هذا مثال للاطلاق الاحوالي، وهكذا يكون الاطلاق الافرادي، بل هو أولى من الاطلاق الاحوالي كما لا يخفى.


الوجه الثاني على التخيير

الثاني: لشمول الاطلاق حال التعارض أيضاً، فالاطلاق شيء عائد إلى دلالة اللفظ، والتعارض أمر خارجي، فأي دخل للامر الخارجي في دلالة اللفظ، خصوصاً إذا كان التعارض متأخّراً زماناً عن تحقّق الاطلاق ؟ فتدبّر.
أضف إلى ذلك أنّ التكاذب إنّما هو بين فردي الاطلاق، لا في الاطلاق نفسه، ولا في شموله لهما، فالاطلاق، والتكاذب لكلّ منهما موضوع، غير موضوع الاخر، فأي دخل لاحدهما بالاخر ؟
فهل قوله (عليه السلام): « ما من أحد يموت من المؤمنين أحبّ إلى إبليس من موت فقيه »(8) لا يشمل الفقيهين المتعارضين في الفتوى ؟
وهل قوله (عليه السلام): « هلك من ليس له حكيم يرشده وذلّ من ليس له سفيه يعضده »(9) لا يشمل الحكيم والسفيه المتعارضين منهما.
وهكذا لو قال المولى لعبده: جئني بطبيب، فرأى طبيبين مختلفين في الطبابة، أيرى العبد قول المولى غير شامل لهما، فلا يأخذ طبيباً للمولى ؟ أيحقّ ذلك للعبد ؟ ثم لو فعل ذلك ألا يحقّ للمولى عتابه ؟ ثمّ لو عاتب المولى هل يكون للعبد ـ عرفاً ـ الاعتذار باختلاف الطبيبين ؟
وهكذا خذ من العرف أمثلة كثيرة لترى: أنّ العرف لا يرون اختلاف افراد المطلق خدشاً في الاطلاق والشمول، إلاّ إذا بلغ ذلك حدّ الانصراف العرفي.
إذن: فلم يظهر لنا مانع عن شمول أدلّة التقليد لكلا الفقيهين ـ وإن كانا متعارضين في الفتوى ـ فيتخيّر المقلّد بين تقليد هذا، وبين تقليد ذاك.


الفرق بين حجّية الفتوى وحجّية الاخبار

وفي المقام كلام نقل عن الشيخ الحائري (قدس سره) وهو: الفرق بين حجّية فتوى الفقيه فإنّها تشمل حال التعارض، وبين حجّية الاخبار فإنّها لا تشمل حال التعارض، لا بأس بإيراده.
وحاصله: أنّ الحجّية موضوعة لخبر الثقة على نحو الوجود الساري والعام الاستغراقي، لانّه لا معنى لحجّية خبر الثقة على نحو صرف الوجود، فالغرض قائم على حجّية عموم أخبار الثقات بما هو عموم لا بواحد منها على نحو مجرد الوجود، أو على نحو القضية المهملة.
وعليه: فلا يمكن جعل الحجّة التعيينية في المتعارضين، كما لا يمكن جعل الحجّية التعيينية في غير موارد التعارض والتخييرية فيها بدليل واحد، فلا مناص عن إنكار الاطلاق.
وهذا بخلاف الحجّية الموضوعة لفتوى الفقيه فإنّها على نحو صرف الوجود والقضية المهملة، لانّ الغرض يفي به فتاوى فقيه واحد، ولا معنى لجعل الحجّية التعيينية لفتاوى عامّة الفقهاء على نحو الطبيعة السارية بأن يكون المكلّف ملزماً بتحصيل فتاوى جميع الفقهاء في كلّ واقعة واقعة، بل يتمّ بالرجوع إلى فقيه واحد في عامّة ما يحتاج إليه.
وعليه: فإذا كان المأمور به هو صرف الوجود فلا إشكال في شمول اطلاق جعل الحجّية لحال التعارض وغيره، فإذا أخذ برأي واحد من الفقهاء فقد أطاع وامتثل.
انتهى مقتضباً، ولهذا التفصيل لم يعلّق الشيخ الحائري (قدس سره) على المسألة الثالثة عشرة من العروة الوثقى بعدم اختلافهما في الفتوى، كما علّق آخرون.


مناقشة الفرق المذكور

وأورد عليه بعضهم: بأنّ هذا الفرق مبني على وجود اطلاق في البين، وليس فليس.
أقول: هذا الفرق بين حجّية فتوى الفقيه، وبين خبر الثقة ليس فرقاً بينهما في مقام جعل الشارع، فالجعل في كليهما ـ عرفاً ـ بنحو واحد، ولا يكاد العرف يجد الفرق في جعل الحجّية بين: صدّق العادل، وبين: « فاصمدا في دينكما على كلّ مسن في حبّنا »(10) فلو أُلقي هذان الكلامان على العرف وجد أنّ الشارع جعل الحجّية لقول العادل، ولرأي كلّ مسنّ في حبّهم (عليهم السلام).
غير أنّ الواقع الخارجي يختلف بالنسبة إليهما، من حيث أنّ الفقيه الواحد يمكن الاستغناء به وحده، دون الراوي الواحد فلا يمكن الاستغناء به وحده.
ولذا يرد النقض في ذلك بمثل الفقيه المتجزّي حيث أنّه يقال فيه بمثل ما يقال في الراوي لعدم الاكتفاء به وحده، وكذلك يرد النقض بمثل الراوي الّذي روى كل المسائل المحتاج إليها ـ لو فرض وجود مثل ذلك ـ فإنّه يقال فيه بمثل ما قيل في الفقيه للاكتفاء به.
فاختلاف الواقع الخارجي: للفقيه، وللراوي، لا يوجب اختلاف جعل الحجّية ما دام نفس الجعل فيهما على نسق واحد.
وأمّا الايراد بكون هذا الفرق مبنيّاً على تحقّق الاطلاق، ففيه ما يلي:
أوّلاً: على فرض الاطلاق أيضاً لا يتمّ هذا الفرق، لانّه لو فرضنا وجود الاطلاق فيهما فلا يكون ذلك مصحّحاً للفرق في جعل الحجّية الّذي هو على نحو واحد فيهما.
وثانياً: قد قدّمنا مراراً وجود الاطلاق في البابين، والعرف ببابك.


الوجه الثالث على التخيير

الثالث: لبعض الاخبار العلاجية الحاكمة بالتخيير في باب الروايات الشاملة لاختلاف الفقيهين أيضاً، مثل: « بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم »(11) ونحوه.
بتقريب: أنّ الحكم هنا يشمل اختلاف الفقيهين أيضاً، وذلك:
إمّا لانّ اختلافهما جلاً مبني على اختلاف الاخبار، فيكون اختلاف الفقيهين من اختلاف الاخبار حقيقة ـ كما هو الغالب ـ.
وإمّا لفهم عدم الخصوصية في ذلك، فلو أُلقي مثل هذا الحديث على العرف، ثمّ عرف العرف بأنّ الاخبار لوجود العلاجات فيها تحتاج إلى استنباطات الفقهاء، ثمّ رأى العرف اختلاف فقيهين في مسألة، لا يرى في العمل بالاخبار العلاجية فيها، كونه خروجاً من موضوع إلى موضوع آخر.
ويؤيّد ذلك كلمة: « من باب التسليم » فإنّه يستشعر منها العلّية، بأنّ علّة السعة في الاخذ بأيّهما كان، إنّما هي كون ذلك من باب التسليم، الجامع بين الاخبار، وفتاوى الفقهاء.


إيرادات ثلاثة على الوجه الثالث
الايراد الاوّل

وأورد عليه بعضهم بايرادات ثلاثة:
أمّا الايراد الاوّل: وهو منع فهم عدم الخصوصية، لمنع كون اختلاف الفقيهين مستنداً إلى اختلاف الحديثين، بل لاختلافهما علل شتّى، مع تحقّق الفرق الواضح بين اختلاف الاخبار واختلاف الاراء.
ففيه ـ مضافاً إلى التباين فنّياً بين المدّعى والدليل ـ ما عرفت من فهم العرف ذلك، وأنّ اختلاف الفقيهين دائماً ـ أو غالباً ـ يكون لاختلاف الخبرين، غاية ما هنالك قد يكون اختلافهما لاختلاف خبرين خاصّين، وقد يكون لاختلاف خبرين عامين، وقد يكون لاختلاف نظرهما في إندراج الموضوع تحت هذا الخبر، أو ذاك، الّذي يشمله عرفاً اختلاف الحديثين.
وما يقال: من أنّ الفقهاء يستدلّون كثيراً بالاستلزامات العقلية ونحوها، ويعتبرونها مدركاً للفتاوى، بل ربما طرحوا لاجلها بعض الاخبار المعتبرة سنداً، فكيف يمكن فهم عدم الخصوصية لما ورد من التخيير في الاخبار ليشمل الفتاوى ؟
فإنّه يقال: الفقهاء يستنبطون « الاسلام » ويفتون به والاخبار هي جلّ أحكام الاسلام، وما يستدلّون به عن الاستلزامات العقلية ونحوها إنّما هي مقدّمات لفهم الاخبار ونحوها، وتوفير القرائن الحالية ونحوها، وهذا لا يخرجه عن فهم عدم الخصوصية، فتأمّل.


الايراد الثاني

وأمّا الايراد الثاني: وهو أنّه لو صحّ العمل بأخبار التخيير في المقام، لزم العمل بأخبار المرجّحات، فيرجّح بما ذكر في الروايات من الوجوه المرجّحة مع أنّه لم يقل به أحد.
ففيه أوّلاً: إنّ بعض المرجّحات المذكورة في الاخبار العلاجية تخصّ الاخبار نفسها، مثل: « أصدقهما » فبقرينة الحكم والموضوع تختصّ الاصدقية بحال نقل الخبر، ولا تنسحب إلى حال الفتوى والاستنباط، كما أنّ بعض المرجّحات السندية لا يشمل موارد الاختلاف المتني، وبالعكس.
وبعبارة أُخرى: المرجّحات إنّما أُخذت على نحو منع الخلو، ولا يلزم في مثله جريان كلّ المرجّحات في كلّ الموارد.
وثانياً: أنّ في المرجّحات المذكورة بناء جمهرة المتأخرين بل والمتقدّمين أيضاً على استحبابها ـ لا وجوبها ـ ونقول باستحبابها في المقام أيضاً، ولا شكّ في أنّها مرجّحات مفضّلة وإن لم تكن واجبة.
وثالثاً: ربما يقال بأنّ الجمع بين اطلاقات الاخبار العلاجية وبين اطلاقات أخبار حجّية فتوى الفقيه، يوجب تقدّم الثاني في مقام العمل ـ عرفاً ـ وإن كانت الصناعة تقتضي تقييد المطلقات الثانية بقيود الاُولى لكون الاُولى ناظرة إلى الثانية، وكون الثانية بمنزلة الموضوع للاُولى، ولكن الجمع العرفي إن تمّ فهو دائماً مقدّم على غيره.
ولعلّ وجهه: كون اطلاقات أدلّة حجّية فتوى الفقيه واردة في مقام وجود الاختلاف بين فتاوى الفقهاء المعاصرين للمعصومين (عليهم السلام) فكأنّهم (عليهم السلام) تغافلوا ذلك، وهذا وحده يوجب قوة الظهور في الاطلاق، فتأمّل.
ورابعاً: ليكن الاجماع على عدم إنسحاب المرجّحات في باب الفتوى دليلاً على اختصاص الباب بذلك، للاجماع، لا دليلاً على كونه باباً برأسه غير ذاك الباب. فليكن ذلك من باب تفريق المتّفق لاجل دليل شرعي، لا من باب تفريق المختلف، وما أكثره في الفقه، والله العالم.


الايراد الثالث

وأمّا الايراد الثالث: وهو إنّا لم نجد رواية واحدة حائزة شرائط الحجّية دالّة على التخيير، وإنّ ما ادّعاه الشيخ الانصاري (قدس سره) من تواتر أخبار التخيير أو استفاضتها، غير صحيح.
قال في مصباح الاُصول: « فتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام أنّ التخيير بين الخبرين المتعارضين عند فقد المرجّح لاحدهما ممّا لا دليل عليه » قال ذلك بعد ذكر أخبار التخيير، والاشكال فيها واحداً واحداً، سنداً، أو دلالة، أو كليهما ثم قال: « بل عمل الاصحاب في الفقه على خلافه، فإنّا لم نجد مورداً أفتى فيه بالتخيير واحد منهم، فراجع ».
ففيه أوّلاً: أنّه قد ثبت في الاُصول ذلك.
وإنّ روايات التخيير مضافاً إلى وجود روايات معتبرة خاصّة فيها ـ على مبنى المشهور والمنصور في اعتبار الخبر ـ إنّها مستفيضة بلا إشكال بل متواترة إجمالاً إن لم نقل إنّها متواترة معنىً.
وثانياً: كتب الفقه مشحونة بفتوى الفقهاء بالتخيير على أثر تعارض الروايات، ومنها: صلاة الجمعة الّتي أفتى المشهور بالتخيير بينها وبين الظهر بسبب تعارض الروايات.


المطلب الخامس

وأمّا المطلب الخامس: وهو هل بناء العقلاء على التخيير في المتساويين من أهل الخبرة، وكذا السيرة أم لا ؟
فإن شكّ أو قيل: لا، فلا كلام، وإن قيل: نعم ـ وقد ذهب إليه كما تقدّم في بعض المباحث السابقة جمع ومنهم في المهذّب(12)ـ فالظاهر حجّيته لانّه من طرق الاطاعة والمعصية ولا حاجة إلى الشرطين:
1. احراز الاتّصال لعصر المعصوم (عليه السلام).
2. وامضائه (عليه السلام).
بل إنّ جمعاً من الاعيان كصاحب الجواهر والفصول وغيرهما ادّعوا بناء العقلاء على التخيير حتّى مع الاعلم والمفضول، فكيف بالمتساويين ـ وقد تقدّم أيضاً ـ ؟
ومع بناء العقلاء، فلا موضوع لاصل الاشتغال والاحتياط لاجل الاشتغال.


تتمات
التتمة الاُولى

الاُولى: هل التخيير ابتدائي أو استمراري ؟
يختلف الامر حسب اختلاف الدليل على التخيير.
فإن كان الاجماع، أو السيرة، أو بناء العقلاء، وشكّ، فاللبّية تقتضي مجرد الابتدائية، لكن قد يستصحب على ما تقدّم في مباحث تقليد الاعلم.
وإن كانت الاطلاقات لادلّة التقليد اللفظية، أو اطلاقات أدلّة التخيير بين الخبرين المتعارضين فلا مانع من شمولها لما بعد تقليد أحدهما، ولازمه: استمرارية التخيير.
إلاّ أن يقال بما قاله الشيخ (قدس سره) فيما تقدّم: من أنّ ذلك التخيير للمتحيّر، وبعد الاخذ لا تحيّر، وقد تقدّم جوابه.
وإن كان الاعتماد على مجموع الادلّة في الاقتناع بالتخيير، فالنتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، فيكون التخيير ابتدائياً.
فالحقّ: التخيير استمراراً، ويبقى الكلام في صور التخيير، وبعضها يستلزم خلاف الواقع، كما إذا لزم العلم الاجمالي بالبطلان، وذلك مثل ما إذا صلّى مرّة الجمعة، ومرّة الظهر ـ بناءً على تنجّز الاجمالي التدريجي ـ ويأتي بحثه في ذيل المسألة الخامسة والستين إن شاء الله تعالى.


التتمة الثانية

الثانية: لا فرق بين كون التساوي عارضاً أو معروضاً، معلوماً بالوجدان أو بالامارة.
فإن كان دليل حرمة العدول: الاستصحاب، تقدّم التخيير، إذ ـ مضافاً إلى أنّه مسبّبي بالنسبة لاستصحاب التخيير ـ أنّ اطلاقات التخيير أمارة والاستصحاب أصل فيكون التخيير استمرارياً.
وإن كان دليل حرمة العدول: أصل التعيين، فهو أصل عقلي، وهو أضعف الاُصول، فمع أي أصل آخر ولو كان عقلياً، لا موضوع لاصل التعيين، حتّى مع البراءة العقلية، إذ موضوع أصل التعيين: الشكّ في العذر، وأىّ معذّر ـ ولو كان قبح العقاب بلا بيان ـ يكون معذّراً، فلا موضوع لاصل التعيين.
أمّا الصبي فلا إشكال في أنّه إذا قلّد أحد المتساويين حال الصبا، وبقي عليه إلى ما بعد البلوغ، يكون بعد البلوغ حكمه وحكم البالغين سواء، فلا فرق بين كون ابتداء تقليده حال الصبا أم بعد البلوغ كما لا يخفى.
أمّا العدول حال الصبا ـ بناءً على عدم جواز العدول ـ فإن قلنا بعدم العبرة بعمل الصبي عبادة كانت أو غيرها فالظاهر أنّ تقليده كلا تقليد، فيكون عدوله بحكم التقليد ابتداءً.
وإن قلنا بشرعية عباداته، فهل يجوز له العدول أوّل البلوغ، أم لا ؟
فيه وجهان بل قولان:
فالسيد الطباطبائي اليزدي (قدس سره) في حاشية منهج الرشاد(13) تبعاً للشيخ التستري على الجواز مطلقاً.
وصرّح الاخوند في حاشية الكتاب على العدم، فيما عمل بفتوى المجتهد الاوّل.
ووجه الثاني واضح. لكن الاوّل لعلّ وجهه: أنّ شرعية العبادات أعمّ من الوجوب، وحرمة العدول تابعة لوجوب البقاء، وحيث لا وجوب على الصبي، فلا ينوي الوجوب لشيء من العبادات، فلا يكون العدول بالنسبة إليه غير جائز.


إشكال ونقاش

لكن فيه: إنّ العدول حكم وضعي، وليس تكليفياً حتّى يختلف فيه البالغ وغيره، وعمدة أدلّة بطلانه الاستصحاب وأصل التعيين، وهما لا فرق فيهما ـ موضوعاً وحكماً ـ بين المكلّف وغيره.
نظير استصحاب النجاسة، والحلّية، والحرمة، ونحو ذلك. اللّهمّ إلاّ إذا كان الدليل الوحيد لحرمة العدول الاجماع، فيشكّ في شموله للصبي، فتأمّل.
أمّا إذا أراد العدول أوّل البلوغ، فربما يقال: بأنّ المستفاد من الادلّة الشرعية، والارتكازات المتشرّعية وغير ذلك، اختلاف البالغ عن قبل البلوغ مطلقاً، إلاّ ما خرج بدليل، فلا ينسحب شيء من ما قبل البلوغ لما بعده إلاّ بدليل خاصّ.
لكن فيه ـ مضافاً إلى استبعاد أن يكون الصبي وهو صبي لا يصحّ له العدول، ولكن إذا بلغ صحّ ـ: إنّ الصحّة والفساد ليست ـ حتى في الطريقيات ـ ممّا يرتبط بالبلوغ، فهو كالاستصحاب فإن كانت يد الصبي نجسة، وشكّ هو في ارتفاعها، هل يفرق في استصحابها بين قبل بلوغه وبعده.
نعم قبل البلوغ لا يترتّب عليه شيء من التكليفيات مطلقاً، أو خصوص الاقتضائيات منها.
وإنكار مثل الشيخ (قدس سره) استقلال الوضعيات بالجعل، والقول بتبعيتها للتكاليف، لا ينافي ما نحن فيه، فتأمّل.
أو معلوماً (أي: التساوي) بالاصل المحرز، كاستصحاب التساوي عند خبر واحد على الاعلمية ونحو ذلك.
أو بالاصل غير المحرز كعدم تمامية مقام الاثبات لاثبات الاعلمية ـ لا التفصيلية ولا الاجمالية ـ بعد الفحص على القول بوجوب الفحص، أو بدونه على القول بعدم وجوب الفحص.
وذلك كلّه لتمامية موضوع التخيير على جميع أدلّة التخيير، حتّى اللبّيات: كالاجماع والسيرة وبناء العقلاء.
وإشكال مدركية الاجماع غير ضائر كما تقدّم، بل حتّى المعلوم الاستناد، حجّة.
وأمّا إشكال العدول عن الحيّ فعلى ما تقدّم آنفاً.


التتمة الثالثة

الثالثة: لا فرق بين الاثنين والثلاثة وأكثر، لنفس الملاك ونفس الدليل، وما فرّق به النراقي (قدس سره) بين الثوبين والثلاثة، لوجوب الاحتياط في الثوبين، دون الثلاثة فما فوق، للنصّ به، لا يأتي هنا، لعدم نصّ بالخصوص حتّى يكون فارقاً، بل اطلاقات النصوص أعمّ من المجتهدين والثلاثة، مع ما في أصل المقيس عليه من الاشكال بل المنع.


التتمة الرابعة

الرابعة: لا فرق في اختلاف المجتهدين، بين كون اختلافهما بالتباين: كوجوب صلاة الجمعة، وعدم وجوبها، وبين كونه بالعموم المطلق: كوجوب مطلق الذكر في الركوع والسجود، أو خصوص التسبيح، وبين كونه بالعموم من وجه: كوجوب الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ووجوب القوت الغالب وإن لم يكن من الاربعة، ويتباينان في مثل الزبيب الّذي ليس فعلاً قوتاً غالباً.


التتمة الخامسة

الخامسة: الدليل على هذا التخيير شرعي إذا كان الاجماع أو السيرة أو الاطلاق والعموم، وإن كان بناء العقلاء فالتخيير عقلائي، وفي موارد الدوران بين المحذورين التخيير ـ بمعنى اللاّبدّية ـ عقلي.
ثمّ هل التخيير هنا أمارة أم أصل ؟
الظاهر ـ كما يأتي في بحث الاستصحاب وأنّه أمارة أم أصل ـ إنّ ما كان الحكم (وهو التخيير فيما نحن فيه) مرتّباً على الموضوع لا بقيد الشكّ في الواقع، فهو أمارة، نظير خبر الثقة، والظواهر، ونحوهما، وما كان الحكم فيه مرتّباً على الموضوع بقيد الشكّ في الواقع، فهو أصل عملي.
والمشهور في الثمرة: حجّية مثبتات الامارة، بخلاف الاصل.
وفيما نحن فيه ـ في غير مورد اللاّبدّية العقلية ـ وهو الدوران بين المحذورين التخيير أمارة، وفي مورده أصل، لانّ معنى الدوران بين المحذورين: الشكّ في أنّ هذا هو الواقع أو ذاك، فتأمّل.


التتمّة السادسة

السادسة: في موارد التساوي حيث يخيّر بين تقليد أي منهما ـ وكذا كلّ ما كان بهذا الحكم، حتّى الاعلم وغيره على القول بالتخيير، وهكذا غيره على القول به فيه ـ إذا اتّفقا في الفتوى هل يلزم تعيين واحد منهما، أم لا يلزم التعيين بل يلزم قصد كل واحد منهما، أم يجوز قصدهما ولو مجموعياً، أم لا يجب شيء من ذلك ؟ وجوه وأقوال.
ولعلّ الاصحّ الاخير، لعدم الدليل على الوجوه السابقة. سوى أصل التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير، لكن الظاهر عدم الشكّ ـ عرفاً ـ في طريقية الفتوى المستندة إلى جامع الشرائط مطلقاً.
وبعبارة أُخرى: يمكن الاشارة إلى الفتوى والقول بجواز اتّباعها، وقد صرّح بذلك الاخوند الخراساني في حاشية منهج الرشاد للشيخ التستري (قدس سرهما)(14).
وصرّح بعدم جواز الاخير نفس الشيخ التستري ووافقه عليه السيد الطباطبائي اليزدي (قدس سرهما).
أمّا القائل بوجوب الاحتياط في المجتهدين المختلفين في الفتوى المتساويين في الفضيلة فذهب إلى ذلك: لعدم شمول أدلّة التقليد حال التعارض، وكون الاحتياط مقتضى الاصل في اشتباه الحجّة باللاّحجّة، والتساقط للدليلين المتعارضين ممّا ظهر لك عدم استقامتها من مطاوي ما بحثناه.
وأمّا الّذي احتاط في المسألة فهو: لعمومات أدلّة الاحتياط، أو احتمال حجّية أدلّته احتمالاً غير ملزم.
... إلاّ إذا كان أحدهما أورع فيختار الاورع.
ولا شكّ أنّ الاحتياط حسن، ولكن بشرط أن لا يعارضها احتياط أُخرى، ومنها بل أهمّهما: الاحتياط في مقام الفتوى، خصوصاً في مثل هذه المسألة التي رأينا وقوع بعض المتديّنين في الحرج والشدّة، نتيجة للعمل بهذا الاحتياط.


المتساويان لو تفاضلا في الورع

هذا كلّه فيما إذا كان المجتهدان متساويين في الورع أيضاً، أمّا إذا كانا مختلفين في الورع بأن كان أحدهما أورع من الاخر بعد فرض تساويهما في الفضيلة، فصاحب العروة وبعض آخر ذهبوا إلى تعيّنه للتقليد فقد قال ما يلي:
إلاّ إذا كان أحدهما أورع فيختار الاورع.


هنا تمهيدات
التمهيد الاوّل

الاوّل: ظاهر قوله: « يختار الاورع » وجوب اختياره، إذ الجملة الخبرية ظاهرة في الوجوب على ما حقّقه المحقّقون ـ إلاّ ما ندر منهم كالنراقي في المستند ـ بل على ما في كفاية المحقّق الخراساني تبعاً لبعض من تقدّمه إنّها أقوى في الدلالة على الوجوب من صيغ الامر. وهذه فتوى من الماتن (قدس سره) بوجوب اختيار الاورع.
ولذا جاء تعليق جمع من المحقّقين ـ كالنائيني وابن العم (قدس سرهم) ـ على ذلك بـ « على الاحوط » بتبديل الفتوى بالاحتياط المطلق.
وهذه الفتوى من الماتن (قدس سره) منافية لاحتياطه الوجوبي في المسألة الثالثة والثلاثين حيث قال: « وإذا كان أحدهما أرجح من الاخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك، فالاولى بل الاحوط اختياره » إذ الاحتياط غير الفتوى، كما لا يخفى.
وقد تبع الماتن عدد من المعلّقين الساكتين في المسألتين، حيث لم يعلّقوا على شيء من الموردين، كالوالد، والحائري، وشيخ الشريعة (قدس سرهم) وغيرهم، فلا بدّلوا الفتوى كما في هذه المسألة إلى الاحتياط، ولا بدّلوا الاحتياط في تلك المسألة إلى الفتوى، مع بنائهم خصوصاً في مقام الرسائل العملية المعمولة لعمل المقلّدين، على ملاحظة هذه الخصوصيات.


التمهيد الثاني

الثاني: ما هو المراد من الاورع ؟ احتمالات:
أحدها: الاورعية العملية، بأن يكون تحرّزه من المعاصي والمشتبهات وما يحتمل انجراره إلى الحرام أكثر وأشدّ من الاخر، نظير ما ينقل عن أمثال المقدّس الاردبيلي والشيخ الانصاري والميرزا محمّد تقي الشيرازي (قدس سرهم).
ثانيها: الاورعية في مقام الاستنباط، بأن يكون ـ مثلاً ـ أكثر فحصاً في الادلّة، والمعارضات من الاخر، وابطائه في الفتوى أكثر من المقدار اللازم في أدنى الفحص.
ثالثها: الاورعية في مقام الفتوى، بأن يكون متحرّزاً عن الفتوى بخلاف الاحتياط وإن أدّى إليه نظره.
ربما يقال: بالتلازم بينها، لكنّه غير تامّ وإن كان كثير التوافق، أو غالبه، لكنّه ليس دائمه حتّى يكون تلازماً.
أقول: لا إشكال في أنّ الاورعية بكلّ واحد من هذه المعاني موجب للاوثقية الشخصية ـ بل النوعية ـ بالنسبة لغير الاورع، والفرق بينها أنّ الاورعية بالمعنى الاوّل لا دخل لها في ملاك الاستنباط، بخلافها بالمعنيين الاخرين، فإنّ دخلها في الملاك، واضح.
نعم، يبقى الكلام في وجوب الترجيح بها، وهو ما سيأتي الحديث عنه إن شاء الله تعالى.


التمهيد الثالث

الثالث: الظاهر عدم الاشكال ـ ولعلّه لا خلاف ـ في أنّ الورع له مراتب، شأنه شأن معظم الاُمور المادّية والمعنوية فهناك ورع، وهناك أورع منه، وهناك أورع من ذاك، وهكذا.
وربما يؤيّده ما ورد في مستفيض الروايات من الدرجات للورع بأنّ أدنى درجاته كذا، وأعلى درجاته كذا، وكذا التعبير بـ « أورع » في الروايات، غير عزيز.
منها: ما في البحار عن الكافي بسنده عن على بن أبي زياد عن أبيه قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) فدخل عيسى بن عبدالله القمّي(15) فرحّب به وقرّب مجلسه ثم قال: « ياعيسى بن عبدالله، ليس منّا ولا كرامة من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون وكان في ذلك المصر أحد أورع منه »(16).
أقوال المسألة
وفي مجمع البحرين نقل للورع أقساماً قال: « فمنه ما يخرج المكلّف عن الفسق وهو الموجب لقبول الشهادة ويسمّى ورع التائبين، ومنه ما يخرج به عن الشبهات فإنّ من رتع حول الحمى يوشك أن يدخل فيه ويسمّى ورع الصالحين، ومنه ترك الحلال الّذي يتخوّف انجراره إلى المحرّم ويسمّى ورع المتّقين، وعليه حمل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يكون الرجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به، مخافة أن يكون فيه بأس) ومثل: (يترك الكلام عن الغير مخافة الوقوع في الغيبة) ومنه الاعراض عن غير الله خوفاً من ضياع ساعة من العمر فيما لا فائدة فيه ويسمّى ورع الصدّيقين »(17).


التمهيد الرابع

الرابع: أنّ طريق كشف الاورعية كبقية الموضوعات ذات الاحكام إمّا الوجدان، أو التعبّد بشهادة عدلين، أو عدل واحد بل ثقة ـ على الخلاف فيهما ـ وكذا الشياع مطلقاً، أو خصوص المفيد للظن الشخصي، أو خصوص المفيد للاطمينان ـ على الخلاف ـ.


التمهيد الخامس

الخامس: لا إشكال ـ ولا خلاف ظاهراً ـ في الارجحية العقلية والعقلائية لتقديم الاورع، بل الشرعية أيضاً إذا حملت الروايات الدالّة على تقديم الاورع على المولوية ـ كما ليس بالبعيد ولو بالنسبة إلى بعضها ـ إنّما الكلام في تعيّنه ووجوبه.


أقوال المسألة

والاقوال في تعيّن تقليد الاورع إثنان: الوجوب وعدمه، ولكن يظهر من بعض الكلمات التفصيل بين تخالفهما وعدمه، بل لعلّ مقتضى التفصيلات الّتي تقدّمت في مسألة تقليد الاعلم بين موافقة غيره للاحتياط، أو للاعلم من الاموات، وبين غير ذلك، بما ذكر لها من الادلّة، جريان تلك التفصيلات هنا أيضاً، وإن لم أجد فيما يحضرني من الكتب والرسائل العملية تصريحاً بذلك.


القول الاوّل

أمّا القول بوجوب تقديم الاورع فهو للمعظم ـ فتوى أو احتياطاً وجوبياً ـ.
قال الشهيد الثاني (قدس سره): « يشترط في مرجع التقليد عدم الاورع منه »(18).
وقال في الجواهر في كتاب القضاء: « نعم مع تساويهما في العلم يقدّم الاعدل لكونه أرجح حينئذ: فيكون الحاصل حينئذ: ترجيح أعلم الورعين وأورع العالمين لقاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح »(19).
وفي الرسالة الفارسية المسمّاة بمجمع الرسائل، للشيخ الانصاري (قدس سره) ما تعريبه: « وفي هذه الصورة (أي: صورة تساويهما في الفضيلة) إذا علم أو ظنّ أورعية أحدهما كان تقليد الاورع أحوط، بل لا يخلو من قوة »(20)وقد سكت عليه معظم المعلّقين، ومنهم: الشيرازيان، والكاظمان الخراساني واليزدي وتلاميذهما النائيني والعراقي والحائري (قدس سرهم) وبعين هذا التعبير جاء في رسالة أُخرى منسوبة للشيخ الانصاري (قدس سره) باسم (تاج الحاج والسراج الوهّاج) محشّاة بحاشية المحقّق الرشتي الميرزا حبيب الله مع سكوته على المتن(21).
ووافق العروة هنا وسكت على الفتوى بوجوب تقديم الاورع جماعة من المعلّقين الساكتين على المتن.


القول الثاني

وأمّا القول بعدم الوجوب فهو لعدد من الاعيان، منهم: شريف العلماء وتلميذه صاحب الضوابط وتبعهما المحقّق العراقي وجماعة من تلاميذه وتلاميذهم والحائري الابن في شرحه على العروة وآخرون.
قال شريف العلماء (قدس سره): « وبالجملة قد عرفت من تضاعيف ما ذكرنا أنّه لا يجب تقديم الاورع على الورع تمسّكاً بالادلّة الدالّة على التخيير من الاستصحاب وآيتي النبأ والنفر وكذا قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا) ورواية أبي خديجة »(22).
ونحوه، وبتفصيل أكثر عبارة تلميذه القزويني في الضوابط(23) وسيأتي نقل عبارة المحقّق العراقي إن شاء الله تعالى في أدلّة المسألة.
وقال الشيخ مرتضى الحائري (قدس سره) في شرحه على المتن: « وإن كان الاقوى ما عرفت من التخيير وعدم تعيّن الاعلم ولا الاورع لما عرفت من الاطلاقات وعدم تمامية الوجوه الثلاثة المتقدمة »(24).


اختيار الاورع وأدلّته

أمّا أدلّة المسألة، فقد استدلّ لوجوب تقديم الاورع بوجوه لا يخلو شيء منها عن النقاش:


الدليل الاوّل

الاوّل: الاجماع المنقول الّذي حكاه الشيخ عن المحقّق الثاني، والشهرة التي استظهرها الشيخ، وحكاية القول به عن النهاية، والتهذيب، والذكرى، والدروس، والجعفرية، والمقاصد العلية، والمسالك، والتمهيد، وشرح الزبدة، وقوّاه صاحب الجواهر وتلميذه الشيخ الانصاري، وعدد من تلاميذهما وتلاميذهم حتّى اليوم على ما تقدّم نقل بعضه.


مناقشة الدليل الاوّل

وفيه: الاشكال في صغرى الاجماع كما هو واضح، وإلاّ فلا إشكال عندنا ـ وفاقاً لعمل المعظم في الفقه ـ في حجّيته إن تمّت صغراه، وإن كان مقطوع الاستناد، بل محتمله كما تقدّم مراراً.


الدليل الثاني

الثاني: أصالة التعيين عند الدوران بين التخيير والتعيين، وهي عمدة أدلّة الباب قال المحقّق العراقي (قدس سره) في تقرير بحث أُصوله: « نعم، لو انتهى الامر إلى الشكّ يمكن دعوى وجوب تقديم الاورع، لكونه هو المتيقّن في الحجّية عند التعارض والاختلاف في الفتوى »(25).


مناقشة الدليل الثاني
المناقشة الاُولى

وفيه أوّلاً: إنّ الاصل العقلي وإن كان ذلك إلاّ أنّ الاصل الشرعي القاضي برفع ما لا يعلمون حاكم عليه، فلا موضوع للاصل العقلي، لعدم الشكّ تعبّداً، ولزوم تقديم الاورع في باب التقليد أمر غير معلوم، فهو مرفوع.
وبعبارة أُخرى: موضوع الاصلين: العقلي والشرعي هو الجهل، مع إنّ الاصل العقلي مبتن على عدم أصل شرعي، فمع الاصل الشرعي لا مورد للاصل العقلي، بل أصل البراءة الشرعي وارد على استصحاب الاشتغال ـ وهو أصل شرعي محرز ـ في الدوران بين الاقل والاكثر حتّى الارتباطيين، فكيف بأصل الاشتغال العقلي غير المحرز ؟
وتقدّم أصل البراءة على استصحاب الاشتغال، ليس لتقدّم الاصل غير المحرز على الاصل المحرز، بل لانّ الاصل غير المحرز إذا رفع موضوع الاصل المحرز، كان وارداً عليه، لعدم بقاء موضوع للاصل المحرز، ولذا قالوا: إنّ الاصل الحاكم مقدّم ولو كان أضعف الاُصول، على الاصل المحكوم وإن كان أقوى الاُصول، والسرّ فيه ما ذكرناه من رفعه لموضوعه.


المناقشة الثانية

وثانياً: الاستصحاب وقد استند إليه شريف العلماء (قدس سره) في عبارته المتقدّمة، وهو في المقام قسمان: عدم أزلي بناءً على حجّيته، وعدم نعتي فيما كانا متساويين، وتحقّق التخيير بينهما، ثمّ صار أحدهما أورع قبل حصول التقليد لاحدهما، فيستصحب التخيير. ومع جريان الاستصحاب وهو أصل شرعي محرز، لا موضوع لاصل التعيين الّذي هو عقلي وغير محرز.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: اطلاقات أدلّة التقليد تنفي الاصل المذكور، خصوصاً والمقام ممّا لا يخلو عن الورع والاورع، وعدم التفات الناس إلى مثله، ومع ذلك لم يفصل في الحكم في روايات الباب وهذا بنفسه قرينة على عدم اشتراطه.
وأجاب في التنقيح عن الاصل: بأنّه فرع ثبوت التخيير، ولا تخيير في تعارض الفتويين بل اللازم الاحتياط ـ إن تمكّن منه ـ لتساقط الفتويين بالمعارضة سواء كان أحدهما أورع أم لا، وإن لم يتمكّن من الاحتياط فالعقل هو الحاكم بالتخيير، ولا فرق عند العقل بين الورع والاورع، لتنازل العقل من الامتثال القطعي عند عدم تمكّن المكلّف منه إلى الاحتمالي، والاورع والورع في الاحتمال سواء.
وفيه ـ مضافاً إلى ما سبق من التخيير في المقام ـ إنّ احتمال أهمية الاورع شرعاً موجود وبناءً على تقديم محتمل الاهمية في التزاحم، ينبغي تقديمه هنا، لنفس ملاك التزاحم، وهو عدم تمكّن المكلّف من الجمع بينهما، فتأمّل.


جواب آخر

وأجاب بعضهم عن أصل التعيين هنا: بالفرق بين ما هو ملاك الحجّية كالعلم، وبين ما هو شرط الحجّية كالورع، بجريان أصل التعيين في الاوّل دون الثاني، لجريان أقوائية الحجّة في الاوّل دون الثاني.
والاورعية من قبيل الثاني، لانّها ليست موجبة لاقوائية ملاك الحجّية، وإنّما هي من شرائط الحجّة، فلا يجري أصل التعيين بالنسبة إليه، وإذ لا دليل على التعيين يكون التخيير محكماً.


أجوبة وردود
الجواب الاوّل

وربما يجاب عنه أوّلاً: بأنّ الفرق لا دليل عليه، فملاك الحجّية، وشرط الملاك كلاهما يجتمعان في أنّ الفاقد لاحدهما مشكوك الحجّية، فلا علم بالبراءة إلاّ مع الاحتياط بمتابعة مقطوع الحجّية، سواء كان القطع بالحجّية من الموافقة لقوّة الملاك، أو لما هو شرطه ولو في حال دون حال ـ كحال المعارضة مثلاً ـ فالفرق غير فارق.
هذا، مضافاً إلى أنّ الورع وإن كان لا دخل له بملاك سائر العلوم عند العقلاء بل عند الشارع أيضاً إمضاءً وتصريح الفقهاء في عديد من موارد الفقه ـ كالتقويم، والقبلة وغيرهما ـ بكفاية الخبير الثقة وإن كان صبياً أو امرأة أو كافراً، شاهد عليه، إلاّ أنّ دخله في ملاك التقليد للمجتهد واضح، إذ ملاك سائر العلوم هو مجرد العلم والوثاقة، بخلاف ملاك التقليد عند الشارع فإنّه ليس مجرد العلم والوثاقة، بل الورع أيضاً فأشدّية الورع يحتمل دخله في ملاك التقليد، إذ كل موضوع أصل التعيين: الشكّ والاحتمال، ولا فرق في الشكّ أن يكون سببه أقوائية الملاك، أو احتمال الشرط، أو احتمال المانع أو غير ذلك.   


الجواب الثاني

وثانياً: أجاب المحقّق العراقي عن أصل التعيين في تقليد الاعلم بما ينطبق على تقليد الاورع وإن لم يذكره هنا. وهو أنّه حتّى إذا قلنا في الدوران بين التخيير والتعيين بالتعيين في المسألة الفرعية، لا نقول به في المسألة الاُصولية، لانّ مبنى الاُصولية على الدوران بين التعيين والتعيين، وفي مثله لا مناص من الاحتياط مع الامكان، والتخيير مع عدمه.
قال (قدس سره): « إنّ جعل المقام من صغريات تلك المسألة مبني على جعل التخيير في المقام التخيير في المسألة الفرعية... وهو باطل قطعاً، لامتناع الوجوب التخييري في ـ العمل في كلّية ـ باب التعارض المنتهي فيه الامر إلى التناقض في المدلول »(26).
بل التخيير فيه راجع إلى التخيير في المسألة الاُصولية، أعني الاخذ بإحدى الفتويين الراجع إلى إيجاب التعبّد بكلّ منهما مشروطاً بالاخذ، وفي مثله يكون المقام من باب دوران الامر: بين حجّية فتوى الاعلم ووجوب العمل على طبقها من غير اشتراطها بالاخذ والالتزام بمؤدّاها، وبين حجّية كلّ منهما مشروطاً بالاخذ بها.
ومن المعلوم: إنّ لازم ذلك هو عدم اليقين بحجّية فتوى الاعلم مطلقاً، فإنّه قبل الاخذ بها يشكّ في حجّيتها ووجوب التعبّد بها، وكذا بعد الاخذ بفتوى غيره.
ومع هذا الشكّ كيف يمكن دعوى اندراج المقام في مسألة التعيين والتخيير المستلزم لليقين بوجوب(27)العمل على طبق المعيّن على كلّ تقدير ؟ »(28).
ثمّ قال: « نعم حيث إنّ الاخذ بفتوى الاعلم موجب لليقين بحجّيتها بخلاف فتوى غيره فإنّه مع الاخذ بها يشكّ في حجّيتها، ينتهي الامر إلى مقطوع الحجّية بالاخذ، ومشكوكها، فيحكم العقل بوجوب الاخذ بما هو مقطوع الحجّية دون مشكوكها، وبذلك يفترق المقام عن مسألة التعيين والتخيير في المسألة الفرعية، حيث نقول بالتعيين في المقام ولو مع عدم القول به في تلك المسألة والمصير فيها إلى البراءة.
ولعلّ مثل هذه الجهة أيضاً هو الموجب لمصيرهم إلى التعيين في المقام مع تشكيكهم في تلك المسألة ؟ »(29).


الجواب الثالث

وثالثاً: أنّ الاشكال المتقدّم بالفرق بين ملاك الحجّية وشرط الحجّية تسليم للكبرى ـ مع تقييده باحتمال أقوائية الملاك ـ وهو: أصل أصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير، ولكن الاشكالات الثلاثة المذكورة سابقاً (وهي أصل البراءة، والاستصحاب، والاطلاقات) حاكمة عليها مطلقاً.
ثمّ إنّه أشكل عليه في التنقيح قائلاً: « بأنّ جزم مثل الشيخ الانصاري (قدس سره)(30) بترجيح الاورع وإن لم يكن حجّة على غيره إلاّ أنّه يكفي في إثارة الاحتمال بالوجدان، إذ يحتمل أن تكون الاورعية مرجّحة لاحداهما... ».
لكنّه ظاهراً غير وارد عليه: إذ له أن يجيب بأنّ جزم الشيخ (قدس سره) في غير مورده، لانّه إن قيّدنا مورد أصالة التعيين بأقوائية الملاك، وقلنا: الاقوائية خاصّة بالعلم دون الورع، فجزم الشيخ يثير الاحتمال الواقعي، لا التعبّدي، فتأمّل.


مناقشة الاجوبة والردود

أقول: ربما يناقش بأُمور:
1. نقضاً: بأنّ المسألة الفرعية ليست دائماً ممّا كان متعلّق التخيير فيها أمران كخصال الكفّارة حيث لا تناقض، بل قد تكون المسألة الفرعية نظير الجمعة والظهر، حيث يدور التخيير فيها بين المتناقضين، أو الضدّين اللذين لا ثالث لهما ومرجعهما إلى المتناقضين، فما يقال في تخيير مثل الجمعة والظهر، يقال: في تخيير مثل الورع والاورع.
2. وحلاً: بأنّ التناقض إنّما هو التناقض في الواقع، أمّا جعل التخيير بين طريقين ظاهرين ـ لمصلحة التسهيل ونحوها ـ ولو كانا متناقضين فلا بأس به، نظير ما قاله جمع في تعارض أصلين مع العلم الاجمالي إذا لم تكن مخالفة عملية في البين، كاستصحابي نجاسة إنائين علم إجمالاً بحصول الطهارة لاحدهما.
3. التعيين والتخيير ليس سوى مقطوع الحجّية ـ مطلقاً أو بعد الاخذ ـ ومشكوكها مطلقاً أو بعد الاخذ، فتقييد الحجّية ببعد الاخذ بها، لا يخرج المسألة عن التعيين والتخيير كما لا يخفى.
4. هذا البيان الّذي ذكره المحقّق العراقي (قدس سره) لمقطوع الحجّية في الطرق، أيضاً موضوعه الشكّ عند العقل في حجّية الورع، وهذا الشكّ مرتفع بحديث الرفع، فالاصل الشرعي حاكم على الاصل العقلي ومزيل لموضوعه، كما لا يخفى.


إشكال المحقّق العراقي

ثمّ إنّ المحقّق العراقي أشكل على الاطلاقات بما حاصله: « إنّه ليس في البين اطلاق ليستكشف منه تساوي الورع والاورع في مقام التقليد »(31).
أقول: إن كان مرجع هذا الكلام إلى إنكار أصل الاطلاق في باب التقليد: إمّا بدعوى عدم حجّية المطلقات سنداً، أو بدعوى إنّها في مقام بيان أصل جواز التقليد، دون الاطلاق.
فمضافاً إلى ما تقدّم ـ من اعتبار بعضها سنداً، واعتبار مجموعها من حيث المجموع، وظهور بعضها في أنّه في مقام الاطلاق لا أقل من الشكّ في كون المولى في مقام بيان الاطلاق، الّذي التزم المشهور ومنهم المحقّق العراقي (قدس سره)بكونه مجرى أصالة الاطلاق ـ:
إنّ المحقّق العراقي (قدس سره) نفسه ملتزم بالامرين: ـ اعتبار السند في بعض المطلقات، وحجّية اطلاقها ـ في مباحثه الاُصولية(32).
ومنها: ما ذكره في بحث تقليد الاعلم من تقرير بحثه قال: « ودعوى سقوط فتوى المفضول عن الحجّية مع وجود الافضل بالمرّة...، يدفعها: اطلاق الادلّة المتقدّمة كتاباً وسنةً »(33) ومنها غير ذلك وهو عديد.
والحاصل: أنّه لا يصحّ التمسّك لتعيين الاورع للتقليد بأصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير، لمحكوميته ـ على سبيل منع الخلو ـ للبراءة، والاستصحاب والاطلاق.


إشكال وجواب

إن قلت: إذن فلا يبقى مورد لاصل التعيين، لمحكوميته دائماً بواحد من هذه الثلاثة.
قلت: أوّلاً: فليكن، وهذا ليس بعزيز في علم الاُصول.
أليس ينحل العلم الاجمالي في موارد الدوران بين الاقل والاكثر، الاستقلاليين، والارتباطيين مطلقاً، على ما بيّنه الشيخ (قدس سره) وسار عليه معظم من بعده ؟
أليس المحقّق النائيني (قدس سره) ـ وعدد من تلاميذه وتلاميذهم ـ ينكرون استصحاب الاشتغال مطلقاً ؟
أليس المنكرون لاستصحاب الحكم الكلّي ينكرونه مطلقاً، لمحكوميته دائماً لاستصحاب عدم سعة الجعل ؟
فليكن ما نحن فيه من هذا القبيل، فالدليل هو المتّبع لا الاصطلاح.
وثانياً: أصل التعيين ـ كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى ـ له موارد:
منها: الدوران في الجعل الواقعي كصلاة الجمعة وأنّها واجبة في عصر الغيبة تعييناً أو تخييراً بينها وبين الظهر.
ومنها: الدوران في الجعل الظاهري ـ وما نحن فيه من هذا القبيل ـ.
ومنها: الدوران في باب التزاحم عند احتمال الاهمية في بعض الاطراف فقط كالمقدّم زماناً مثلاً.
وسيأتي أنّه لا يسقط أصل التعيين في جميعها، ولا على جميع المباني، فتأمّل.


الدليل الثالث

الثالث: إيجاب الاخذ بالاورع في المقبولة عند تعارض الخبرين بضميمة عدم فهم الخصوصية فيه، إذ الظاهر كونه من مرجّحات المتن، لانّه جاء جواباً عن سؤال خبرين متخالفين، فمصبّ المقبولة: الخبرين، لا المخبرين. ولا خصوصية فيه لباب الحكم وتعارض الخبرين.


جوابان عن الدليل الثالث

وعمدة الجواب عنها أمران:
أحدهما: الاشكال عند المشهور في لزوم تقديم الاورع في الخبرين المتعارضين أيضاً، لحمل أخبار التراجيح على الاستحباب من جهة كثرة الخلاف والتقديم والتأخير في الاوصاف المذكورة كملاك للترجيح، في تلك الاخبار.
وثانيهما: أنّ الترجيح به خاص بالتعارض، وبعض من استدلّ به هنا لم يخصّه به.


أجوبة أُخرى
أوّل الاجوبة

وهناك أجوبة أُخرى غير تامّة:
أوّلاً: أنّه لا دليل على كون الاورعية من مرجّحات المتن، بل الانسب بالسياق، والانسب بالذهن كونها من مرجّحات السند.
وفيه: هذا بحث فنّي، ولا يكون فارقاً في ما نحن فيه.


ثاني الاجوبة

وثانياً: أنّه من إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر غير معلوم جريان الحكم فيه، بدليل أنّ أحداً لم يلتزم بوحدة البابين، وجريان كلّ أحكام أحدهما على الاخر.
وفيه: أنّ المشهور التزموا بوحدة البابين ـ حكماً ـ واستدلّوا بروايات كلّ من البابين للاخر، أمّا الاستدلال بروايات باب القضاء والحكومة لمقام الفتوى، كالاستدلال بالمقبولة والمرفوعة وغيرهما، فغير عزيز، وقد تقدّم في شرح المسألة الاُولى شمّة عن ذلك.
وأمّا الاستدلال بروايات باب الفتوى للقضاء والحكومة، فأيضاً يوجد في ثنايا مسائل القضاء، ومنه: ما في الجواهر في الاستدلال على لزوم كون القاضي منصوباً من قبل الامام المعصوم (عليه السلام): « وهو ـ أي: اشتراط نصبه من قبل المعصوم (عليه السلام) ـ مقتضى قول صاحب الزمان روحي له الفداء: وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله »(34).


ثالث الاجوبة

وثالثاً: بالاشكال في سند المقبولة، لعدم اعتبار عمر بن حنظلة الراوي لها، وعدم كفاية قبول الاصحاب للجبر، وعدم إحراز قبولها من قبل الاصحاب، بل استند اليها عدد معدود منهم.
وفيه: تمامية الاُمور الثلاثة، وقد تقدّم الكلام عنها جميعاً في شرح المسألة الاُولى.


رابع الاجوبة

ورابعاً: بأنّ المقبولة دلّت على تقديم الاورع عند الحكم بالخلاف، ولا تدلّ على تقديمه بمجرد الاختلاف في الفتوى دون الحكم بها، مع أنّ الحكم غير الفتوى.
وفيه: ـ مضافاً إلى علّية الفتوى للحكم، واختلافها لاختلافه ـ أنّ اختلاف الفتوى والحكم إنّما هو في المورد، دون أصلها، فمورد الفتوى الحكم الكلّي والكبرى، ومورد الحكم المصداق الخارجي والصغرى، مثلاً إذا قال الفقيه: « صاحب البيّنة له المال » هذه فتوى، وإذا قال لزيد صاحب البيّنة: « المال لك » فهذا حكم.
والحاصل: لولا الاشكالان الاوّلان على تعيّن الاورع، فالاجوبة الاربعة الاُخرى لا تمامية لها.


الدليل الرابع

الرابع: ما روي مرسلاً عن الامام الصادق (عليه السلام): « لا تحلّ الفتيا في الحلال والحرام بين الخلق إلاّ لمن كان اتّبع الخلق من أهل زمانه وناحيته وبلده بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) »(35) بضميمة الملازمة مع حرمة التقليد.


مناقشة الدليل الرابع
المناقشة الاُولى

وأُجيب عنه: أوّلاً: بالارسال.
ولا ينفعه مجرد مطابقة فتوى المشهور له ـ على فرضها وإن تقدّم الاشكال في النسبة للمشهور ـ مع عدم استنادهم إليه، لانّه وإن اقتضت الطريقية عدم الفرق بين الاستناد واتّفاق التطابق لبناء العقلاء على ما أسلفنا تقريره غير مرّة، إلاّ أنّ مجرد التطابق الاتّفاقي من دون استناد لا يجعل المتن حجّة ليستفاد من عمومه واطلاقه في موارد الشكّ، بل يكون الحجّة المضمون وهو المتيقّن من الحكم فقط.
وهذه المسألة غير المسألة الاتية من كفاية مطابقة عمل المقلّد لمجتهد جامع الشرائط من غير استناد، بل وحتّى عدم العلم بذلك ـ كما ذهب إليه بعضهم وليس بالبعيد ـ والفرق: أنّ هنا الخبر بنفسه لا يصير حجّة بمجرد اتّفاق التطابق، بخلاف فتوى المجتهد فإنّها بنفسها حجّة، ومطابقة الحجّة مجزية وضعاً، وإن كان تجرّياً تكليفاً، فتأمّل.


المناقشة الثانية

وثانياً: بأنّها اشترطت الاورعية في أصل التقليد، لا في مورد التعارض، ولم يقل به أحد، مع أنّه لا إشكال ولعلّه لا خلاف في أنّ الاورعية بل حتّى الورع ليس شرطاً، لجواز الفتوى، بل إنّما هو ـ على فرضه ـ لجواز التقليد.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: بما روي من أمر الامام (عليه السلام) لبعض أصحابه بقوله: « اجلس في مسجد المدينة وافت الناس »(36) مع أنّه لم يكن اتّبع أهل زمانه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالضرورة، لانّ الامام (عليه السلام) هو الاتبع من غيره، وكذلك إرجاعهم (عليهم السلام)بعض الاصحاب إلى بعض مع قضاء العادة باختلافهم في الورع.


المناقشة الرابعة

ورابعاً: بأنّ الظاهر من سياق الرواية كونها مسوقاً للطعن على العامة وأنّها في مقام الامامة، كما لا يخفى ذلك على من لاحظ أساليب كلمات الائمّة الطاهرين (عليهم السلام)، والشيعي هو الاتبع لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمّا غيره فيتبع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في البعض.


المناقشة الخامسة

وخامساً: يجب حمل الرواية على الاستحباب، لانّها لا تصلح مقيّداً لاطلاقات وعمومات التقليد الخالية عنها، مع كون بعضها في مقام البيان، وكون الشرط ممّا يخفى على الناس، فلو كان لبان.
وأمّا جبر السند بالعمل: فالمشهور عدم كفاية مجرّد التطابق، بل يحتاج إلى الاستناد، وعليه: فليس حجّة.
أقول: على مبنانا واستظهار بناء العقلاء: لا فرق بين الاستناد وبين التطابق، فإنّ الطريقية توجب عدم الفرق، وإنّما الكلام في أنّه عند الاستناد يكون المتن مجبوراً، فاطلاقه وعمومه معتبر عند الشكّ، وأمّا مع عدم الاستناد، فلا يكون المتن مجبوراً لينتفع به في موارد الشكّ، بل المضمون فقط، فيؤخذ بالمتيقّن فقط، وهذه المسألة غير تطابق عمل الجاهل مع فتوى المجتهد ـ بدون استناد، بل بدون علم ـ والذهاب إلى الكفاية.
والفرق: أنّ في ما نحن فيه، الخبر بنفسه لا حجّية له، وفي فتوى الفقيه هي بنفسها حجّة.


الدليل الخامس

الخامس: أنّ الاورعية ربما تزيد شدّة الوثاقة به، لشدّة ورعه وبذل جهده.
وفيه: إن أوجب ذلك الاعلمية كان داخلاً في ذاك الباب، وإلاّ فلا دليل عليه، إلاّ مسألة الدوران بين التعيين والتخيير الّذي أسلفنا ما فيها.
مضافاً إلى أنّه لا كلّية لهذا، إذ قد تطابق فتاوى الورع مع الاورع من الاورع من الاموات، أو للاعلم، أو نحوهما وهو غير عزيز، فيكون من باب الدوران بين التعيين وتعيين آخر، لا بين التعيين والتخيير، إن لم نقل ـ للطريقية ـ إنّه يصير من تعيين الورع حينئذ، أو التخيير بينه وبين الاورع الحي.


الدليل السادس

السادس: أنّ فتوى الاورع أقرب إلى الواقع.
وفيه نظر: كبرى وصغرى كما لا يخفى، وقد مرّ نظيره في مسألة تقليد الاعلم.


الدليل السابع

السابع: أنّ احتمال خصوصية في الدليل اللبّي يوجب اعتبار تلك الخصوصية، لكون الواجد لتلك الخصوصية هو القدر المتيقّن، والمقام من هذا القبيل، فعمدة دليل باب التقليد لبّي، وهو السيرة وبناء العقلاء، فاحتمال اشتراط الاورعية فيه، موجب للزوم اعتباره، لكونه المتيقّن من السيرة وبناء العقلاء.
وفيه: ما سبق من أنّ اطلاقات التقليد: « حافظاً لدينه... » غير قاصرة عن الشمول للورع مع أنّه ـ كما تقدّم آنفاً ـ قد تكون فتوى الورع مطابقة لفتوى ميت أورع من الاورع الحي، بل يكون ذلك كثيراً، بل العلم الاجمالي بذلك قائم غالباً، ومعه لا يتمّ اعتبار خصوصية الاورعية في الحي لتقديم فتواه، فلا تكون فتواه هو المتيقّن من الدليل اللبّي.
مضافاً إلى أنّ المحرز من بناء العقلاء، بل سيرة المتشرّعة أيضاً ـ كما قيل ـ التخيير بين الورع والاورع، فلا شكّ حتّى يؤخذ بالمتيقّن.


ما المراد من الاورع ؟

ثمّ إنّ الاورع المبحوث عنه إنّما هو الاورعية في مقام الفتوى، أمّا الاورعية في مقام العمل فلا دليل عليه ـ كما قيل ـ وإن كان الظاهر تلازمهما من الجانبين غالباً، فالاورعية وصف نفسي إذا وجدت سرت في الفتوى والعمل معاً، وإن لم توجد لم توجد فيهما معاً، كالعدالة التي إن وجدت سرت في الفتوى والعمل معاً، وإن لم توجد لم توجد في كليهما معاً.
هذا تمام الكلام في مسألة تقديم الاورع إذا كانا متساويين من سائر الجهات.


تتمّات
التتمّة الاُولى

الاُولى: لو تعارض الاعلم والاورع فأيّهما يقدّم ؟
الغالب: الاعلم، لاصل التعيين العقلائي.
قال المحقّق الشريف (قدس سره): « ثمّ لو قلنا بتقديم الاورع، فلو تعارض الاعلم والاورع، فهل الاورع مقدّم على الاعلم، أم الامر بالعكس ؟
قال صاحب المعالم (قدس سره): (ولو رجّح بعضهم بالعلم، والبعض بالورع، قال المحقّق (قدس سره): يقدّم الاعلم لانّ الفتوى تستفاد من العلم لا من الورع (إلى أن قال) وهو حسن) ومعلوم أنّ مراد صاحب المعالم ـ نظراً إلى سياق كلامه ـ أنّ جهة الاورعية لم يكن لها دخل في الفتوى، وتبقى جهة الاقربية إلى الواقع في جانب الاعلم سليمة عن المعارض. وأنت خبير بأنّ هذا الكلام غير خال عن الاشكال، إذ جهة الاعلمية إنما تصير مورثة للاقربية على فرض عدم التقصير، وظاهر أنّ احتمال التقصير فى جانب الاورع أبعد من جانب الاعلم، وهذه الابعدية مرجّحة لجانب الاورع، ولو سلّمنا تعارض الجهتين فتساقطتا، فيرجع أمر المسألة إلى التخيير »(37).
وقريب منه بتفصيل أكثر عبارة تلميذه في الضوابط(38).
لكن تلميذه الاخر الشيخ الانصاري (قدس سره) أشكل في ذلك.
قال في رسالته العملية: « ولكن الاعلم العادل مقدّم على الاعدل العالم » كما مضى آنفاً وسكت عليه العديد من الفقهاء المعلّقين من تلاميذه وتلاميذهم غالباً.
وقد علّل ذلك في المستمسك بقوله: « قدّم الافضل لما عرفت من بناء العقلاء، على تعيّنه »(39) وقال الاشتياني ـ تلميذ الشيخ الانصاري (قدس سرهما) في قضائه ـ: « يجب اختيار الاعلم إلاّ إذا كان الاورع أوثق، فإنّ في تقديم أحدهما على الاخر إشكالاً »(40) وسيأتي توضيح أكمل وتفصيل أكثر لهذا البحث في التتمة الثانية إن شاء الله تعالى.


إشكالان

1. ربما يقال: إنّه إن كان من العقلاء بناء على تعيّن الرجوع إلى الاعلم وجوباً، فإنّما هو فيما كانا متساويين من جميع الجهات الاُخر، أمّا إذا كانت في أحدهما فضيلة، وفي الاخر أُخرى، فلا احراز لاستقرار بنائهم على تقدّم أيّهما دون الاخر ؟
نعم، إن قلنا بأنّ تقليد الاعلم واجب للاقربية إلى الواقع، ربما يقال بتمام ذلك حتّى فيما نحن فيه، لكن قد مرّت الخدشة في الاقربية صغرى وكبرى في بحث تقليد الاعلم، مضافاً إلى ما ذكرناه آنفاً نقلاً عن المحقّق شريف العلماء (قدس سره).
2. كما أنّه قد يقال: بعدم تمامية تقديم الافضل على الاورع مطلقاً ـ بناءً على طريقية التقليد وهو المشهور والمنصور ـ للعلم الاجمالي غالباً إن لم يكن دائماً على موافقة فتوى الورع للافضل من الاموات، أو ممّن لا يجوز تقليده لموانع أُخرى، وهذا يمنع ثبوت بناء العقلاء في المقام، وحصول الاقربية إلى الواقع، وأصالة التعيين، ونحوها.
والحاصل: أنّه إن تمّ بناء من العقلاء على تعيّن الاعلم مطلقاً حتّى حال معارضته مع الاورع فلا كلام، إلاّ أنّه أوّل الكلام، وإلاّ فإن تمّ ما هو المشهور: من عدم وجوب الاحتياط في باب التقليد للاجماع الّذي ادّعاه الشيخ الانصاري (قدس سره)وآخرون ـ وليس بالبعيد كما تقدّم ـ تمّ التخيير بين الاعلم والاورع، وإلاّ وصلت النوبة إلى وجوب الاحتياط بين الاعلم والاورع مع الخلاف، لانّه مسرح الاشتغال للشكّ في المكلّف به، فتأمّل.


التتمّة الثانية

الثانية: لو دار الامر بين الاعلم والاورع، ففيه صور:
1. إمّا يعلم بأعلمية هذا وأورعية ذاك.
2. أو يحتملهما في كلّ واحد منهما، بأن يحتمل أعلمية زيد وأورعيته من عمرو، ويحتمل العكس، ويحتمل الاعلمية في زيد والاورعية في عمرو، ويحتمل العكس، ويحتمل التساوي، ولا يخفى أنّ الاحتمال هنا يراد به الاعمّ من الظن غير المعتبر، سواء كان ظنّاً نوعياً كالقياس، والاستحسان أم ظنّاً شخصياً.
3. أو يعلم بأعلمية هذا، ويحتمل أورعية ذاك.
4. أو يعلم بأورعية هذا ويحتمل أعلمية ذاك، ولا يخفى أنّ الظنّ المعتبر هو بحكم العلم في كلّ ما ذكر ويذكر، والظنّ غير المعتبر هو بحكم الاحتمال، كما هو واضح.
والاقوال في المسألة متعدّدة وذلك حسب اختلاف المباني:


أقوال المسألة
القول الاوّل

الاوّل: تقديم الاعلم مطلقاً على الاورع مطلقاً، حتّى محتمل الاعلمية بأضعف أنواع الاحتمال العقلائي مقدّم على مقطوع الاورعية بأقوى أنواع القطع. وهو مقتضى إطلاق كلّ من قدّم محتمل الاعلمية على الاورع مطلقاً، بل هو صريح السيد إسماعيل الصدر في حاشية ذخيرة المازندراني (قدس سرهما) قال: « لا يبعد تقدّم محتمل الاعلمية على مقطوع الاورعية »(41).
ولعلّه لبناء العقلاء على تقديم الاعلم ـ ولو احتمالاً ـ على غيره مهما كانت له مزايا أُخر، إذ ملاك حجّية الفتوى أقوى في الاعلم، ولو أقوائية احتمالية، للبناء منهم فيها أيضاً، والاورعية لا دليل على لزوم الترجيح بها، فتأمّل فقد تقدّم عن الشريف أوثقية الاورع.


القول الثاني

الثاني: القطع بالاعلمية أو الظنّ المعتبر بها ـ ولو كان اعتباره لاجل الحرج والعسر في تحصيل العلم ـ موجب لتقديم الاعلم على الاورع ولو كان مقطوع الاورعية، وهو ظاهر الشيخ زين العابدين المازندراني (قدس سره) في ذخيرته.
ولعلّ وجهه عدم البناء من العقلاء على تقديم محتمل الاعلمية، ـ لزوماً ـ والظن غير المعتبر بها منفي حجّيته بالادلّة الاربعة كما ذكره الشيخ الانصاري (قدس سره)في الرسائل، فيبقى للترجيح العلم والظنّ المعتبر بالاعلمية، وحيث إنّ ملاك اعتبار الظن لا فرق فيه من أيّة جهة كان، صرّح بأنّه ولو كان للحرج والعسر.


القول الثالث

الثالث: في المتساويين ـ موضوعاً أو حكماً، علماً أو ظنّاً معتبراً، أو أصلاً عملياً ـ حتّى الظنّ غير المعتبر بأورعية أحدهما يوجب تعيّنه للتقليد، وعدم إجزاء تقليد الاخر، وقد ذهب اليه الشيخ الانصاري، والميرزا الشيرازي في رسالتيهما العمليتين: « صراط النجاة » و « مجمع المسائل »(42) وتبعهما على ذلك الساكتون من المحقّقين المعلّقين عليهما، ومنهم: الكاظمان: الاخوند واليزدي، والشيخ محمّد تقي الشيرازي والنائيني والعراقي والحائري (قدس سرهم).
بل ولعلّ وجهه: تقديم العقلاء مظنون المزيّة على غيره ولو كان الظنّ غير معتبر لا بدليل خاص، ولا عام، إمّا لشبهة حجّية الظنّ مطلقاً لا أقل في مثل المقام، أو لبناء العقلاء في باب الطرق عليه أو خصوص باب رجوع الجاهل إلى العالم، أو للدوران بين التخيير والتعيين. لكن مقتضاه ـ كالاعلمية ـ ترجيح حتّى محتمل الاورعية ولم يذكروه، فتدبّر.


القول الرابع

الرابع: في المتساويين علماً الاورعية حتى المقطوعة لا توجب تعيّن التقليد، فكيف بالمظنونة أو المحتملة، وهو ظاهر بل صريح المحقّق العراقي (قدس سره)في حاشية المسألة الثالثة عشرة من العروة الوثقى، والاخ الاكبر في شرحه وحاشيته عليها، وكذلك الشيخ محمّد تقي المعروف بآقا نجفي الاصفهاني في حاشيته على رسالة المجدّد الشيرازي (قدس سره)(43) والشريعتمداري (قدس سره) والفاني في حاشية العروة وآخرون. ولعلّه الاقرب، وذلك لعدم دليل ملزم على تأثير الاورعية في تعيين المقلَّد ـ بالفتح ـ لا من عقل، ولا من شرع، ولا من بناء عقلائي، وما قيل في المقام فهو احتياط أولوي تنزيهي وليس لزوماً.


استنتاج

ثمّ إنّ هذه الاقوال كلّها بمعزل عن حكم الصورة الثانية بأنواعها المختلفة، لسكوتها عنها ومقتضى القاعدة أن يقال فيها ـ على اختلاف المباني ـ إنّه إن قلنا ببناء العقلاء في مثل ذلك على التخيير، أو قلنا بسيرة المتشرّعة عليه في خصوص هذه الصورة فبها، وإلاّ فإن قلنا بعدم وجوب الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي في التقليد كما ادّعى الشيخ الانصاري (قدس سره) الاجماع عليه ولعلّه المتسالم عليه بينهم إلاّ النادر، فهو مخيّر في كل أنواع الصورة الثانية بين تقليد أيّهما شاء، أو التبعيض على ما مضى بتفصيل، وإن قلنا بلزوم الاحتياط في المقام كغيره من مصاديق العلم الاجمالي، فيجب عليه الاحتياط، إلاّ إذا قلنا بأنّ الاحتياط في ما إذا علم وجود أعلم في البين، لا مطلقاً كما تقدّم التصريح به من بعضهم.


التتمّة الثالثة

الثالثة: قال الشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره) في رسالته العملية المسمّاة بـ: « سؤال وجواب »(44) ما ترجمته: « إذا كان مجتهدان أحدهما أعلم والاخر أوثق في الفتوى، فأيّهما يقدّم ؟ الجواب الاعلم مقدّم، وعلى فرض التساوي الاوثق مقدّم » وقد سبقه إلى ذلك في كلا الفرعين صاحب الجواهر والشيخ الانصاري والمجدّد الشيرازي (قدس سرهم) في الرسائل العملية: « مجمع الرسائل » و « مجمع المسائل » و « تاج الحاج والسراج الوهّاج » و « صراط النجاة » ووافقهم على الفرعين جميعاً كلّ من لم يعلّق عليه من أصحاب الحاشية كالسيد الطباطبائي اليزدي والاخوند وتلاميذه الثلاثة: النائيني والعراقي والحائري وغيرهم أيضاً (قدس سرهم).
وعلّق على المقام شيخ الشريعة (قدس سره) بتعيّن تقليد الاوثق مفسّراً للاوثقية: « بما كان الظنّ بأقربية قوله إلى الواقع من جهة أكثرية بذله للجهد وأبصريّته بواقع أدلّة التقليد ».
ونفى المحقّق النائيني (قدس سره) في حاشيته إمكان التردّد بين الاعلم والاوثق، بأنّ الاوثقية في استنباط الاحكام من جهات الاعلمية، فكلّ أعلم أوثق. وصرّح بعض المعلّقين بالتخيير بين الاعلم والاوثق وبعض آخر كالاشتياني بالاشكال في ذلك.


هنا بحوث
البحث الاوّل

أقول: هنا بحوث تالية:
أحدها: في تعيين معنى الاعلم والاوثق.
أمّا الاعلم: فقد مضى البحث عنه طويلاً، وذكرنا هناك اختلاف المباني فيه موضوعاً، أو حكماً، أو كليهما.
وأمّا الاوثق فالظاهر من اللفظة إنّها تطلق على من تطمئن النفس باستنباطه أكثر من الاخر، وجهات الاطمينان الاكثر متعدّدة، فقد تكون الجهة أدقّيته، وقد تكون كونه أكثر فراغاً للبحث والفحص، وقد تكون كونه أصفى ذهناً، وقد تكون غير ذلك.
وفي أقرب الموارد فسّر الوثاقة بأنّه: « قوي وثبت وكان محكماً »، وهذاالمعنى قابل للشدّة والضعف، والقلّة والكثرة، فقد يكون شخص قويّاً ثبتاً محكماً في استنباطه، وقد يكون شخص أشدّ منه في هذه الصفات، وعلى هذا يمكن كون زيد أعلم من عمرو، بمعنى: كونه أعرف بالادلّة، وتعارضاتها، وتزاحماتها، وأعرف بالاشباه والنظائر، ولكنّه يسرع حصول الاطمينان له بملاحظة سريعة، ولكن عمراً لا يكون كذلك، أمّا أنّه لا يطمئن سريعاً إلى الحكم بسرعة اطمينان زيد، فيكون زيد أعلم، وعمرو أوثق. وبهذا البيان قد يتّضح وجه التأمّل في ما أفاد المحقّق النائيني (قدس سره) انتصاراً لظاهر بقية الفحول من فرض إمكان الدوران بين: الاعلمية والاوثقية.


البحث الثاني

ثانيها: تختلف الاعلمية والاوثقية في أنّ الاعلمية باعتبارها صفة في نفس الاعلم، ليست قابلة للتقسيم إلى النوعية والشخصية، فلا يصحّ أن يقال: هل المراد بالاعلم نوعاً، أم شخصاً ؟
أمّا الاوثقية: فحيث إنّها صفة مرآتية، منشأ انتزاعها شخص الاوثق، فيمكن تقسيمها إلى النوعية والشخصية، فيكون عمرو أوثق نوعاً وشخصاً، أو نوعاً فقط، أو شخصاً لا نوعاً، بمعنى: أنّ الانطباع عنه قد يوجب لنوع الناس وصفه بالاوثقية، أو قد يوجب ذلك لشخص خاص، لا للنوع، نظير أصل الوثاقة الّتي ـ على المشهور وإن لم يخل من خلاف، بل وإشكال أيضاً كما تقدّم في بعض المباحث ـ قد تكون نوعية كالعدالة، وقد تكون شخصية، وبينهما العموم من وجه.
مثلاً: ربما يحتمل أنّ المجتهد المتفرّغ أوثق في الاستنباط نوعاً من المجتهد المبتلى بمشكلات أو بمشاغل أكثر.
فعلى ما ذكر من نوعية الاوثقية وشخصيتها، فأيّتهما المراد في ما نحن فيه ؟ فهل النوعية مطلقاً، أم الشخصية مطلقاً، أم كل واحدة إذا انفردت عن الاُخرى، أم مجتمعتين ؟ احتمالات، ولعلّ ثالثها أقربها، إذ هي مرجّح عقلائي، فإن كانت نوعية كانت منجّزة ومعذّرة ـ لدى الاصابة والخطاء ـ وإن كانت شخصية فهي كذلك أيضاً للشخص نفسه.
وربما يقال: إنّ الحجج العقلائية ملاك تشخيص صغرياتها النوع لا الشخص مع التعارض، بخلاف الحجج الّتي أدلّتها شرعية، فإنّ ملاكها الشخص لا النوع إذا تعارضا، فتأمّل.


البحث الثالث

ثالثها: في لزوم الترجيح به، لا شكّ في أنّ الاوثق إذا ساوى غيره في العلم كان أرجح، إنّما الكلام في تعيّنه وسقوط غيره عن الحجّية، وكذا الكلام عند معارضته مع الاعلمية في كون الرجحان التعيّني لايّهما أو التخيير بينهما ؟
مقتضى عدم الدليل الخاص ولا العام من عقل أو شرع على لزوم الترجيح بالاوثقية: عدمه، بل مجرد كونه أولى عند التساوي في العلمية، نظير الاورعية كما سبق.
وأمّا تعارض المزيتين ـ الاعلمية والاوثقية ـ فإن قلنا بعدم تعيّن تقليد الاعلم، وعدم لزوم ترجيح الاوثق كان مخيّراً بينهما، ولا أولوية أيضاً.
وإن قلنا بتعيّن ـ تقليد الاعلم، ففي صورة التزاحم بينه وبين الاوثق يأتي كلام أنّ بناء العقلاء في مثله ماذا ؟ ولعل الظاهر التخيير، لانّهما مزيّتان متعارضتان توجبان التزاحم لعدم إمكان الجمع بينهما، والاحوط الاولى الاحتياط بالجمع بين القولين ما دام لم يتعسّر تحصيلاً أو عملاً.
وربما يستفاد من بعض الاعاظم أنّ تقديم الاعلمية لاجل الاوثقية، ومقتضى ذلك أنّه إذا تعارضتا قدّمت الاوثقية. قال العلاّمة (قدس سره) في المنتهى في مسألة القبلة: « يرجع الاعمى والمقلّد إلى أوثق المجتهدين عدالة ومعرفة في نفسه لانّ الصواب إليه أقرب »(45).
وقال المحقّق الكركي في جامع المقاصد في نفس المسألة: « أمّا لو استويا في العلم فإنّه يتعيّن تقليد الاورع لانّه أوثق »(46).
وبهذا كلّه يظهر بعض ما في بعض كلمات الاعلام الانفة (قدس سرهم).


التتمّة الرابعة

الرابعة: هل للاورعية خصوصية ـ بناءً على تعيّنها للتقليد مطلقاً، أو إجمالاً ـ أم كلّ المزايا الاُخر حكمها حكم الاورعية في كلّ ما تقدّم وجهاً، وقولاً، ونحوهما، كالاوثقية، والاعدلية، والادقّية في الاستنباط، والاكثرية ممارسة في الفقه والاضبطية، والاقوائية في الحافظة، ونحو ذلك.
الظاهر: أنّه لا خصوصية للاورعية، لانّه ـ مضافاً إلى ما ظهر من ثنايا الكلمات الماضية من تصريح عدد من الفقهاء ببعض ذلك كالاوثقية في رسالة صاحب الجواهر والشيخ والمجدّد والشيخ محمّد تقي الشيرازي وغيرهم (قدس سرهم) مع قبول المعلّقين عليها، والاعدلية في المسألة الثالثة والثلاثين من العروة، مع إمضاء المعلّقين عليها ممّن يقولون بتعيّن الاورعية وغير ذلك ـ لوحدة معظم الادلّة فيهما ممّا تقدّم في تعيّن الاورع، خصوصاً بناء العقلاء وسيرة المتشرّعة والاقربية للواقع ونحوها. فإن تمّت في الاورعية اقتضى ذلك تماميتها في تلك، وإلاّ فلا في الجميع، فتأمّل.


التتمّة الخامسة

الخامسة: هل يجب الفحص عن الاورع ـ بناءً على تعيّنها ـ وعن سائر المزيات الاُخر بناءً على التعميم، كوجوب الفحص عن الاعلم ؟
الظاهر: ذلك، لكلّ ما ذكر في وجوب الفحص عن الاعلم، إلاّ أنّ هنا فرقاً مع الاعلم من جهتين:
إحداهما: أنّ الاعلم إدّعى كثير من العلماء بناء العقلاء على تعيّنه، والاورع ليس هكذا وليس هذا فارقاً، إذ الكلام إنّما هو بناءً على تعيّنه، فيكون مقدّمة وجود لا وجوب.
ثانيتهما: إنّ الفقهاء غالباً لم يتعرّضوا لوجوب الفحص عن الاورع حتّى في الرسائل العملية الّتي هي للعوام، مع عدم التفات الكثير منهم لهذه النكتة، وعدم كفاية أصل تعيّن الاورع بياناً عرفياً عامّاً لوجوب الفحص عنه.
لكن مقتضى أصل التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير احتمال عدم حجّية فتوى أحد المجتهدين، فأي واحد منهما أراد العمل بفتواه احتمل عدم حجّيته، فيجب الفحص عنه تحصيلاً للبراءة القطعية في مقام الامتثال عند الاشتغال القطعي بالتكاليف.
وهكذا مقتضى بقية الادلّة المذكورة، سواء خصّصنا وجوب تقليد الاورع بمورد إحراز تعارض الفتويين، أو عدم إحراز توافقهما، أو الاعمّ منهما ومن التوافق.
ففي ذلك المورد المفروض وجوب تقليد الاورع، فإذا قلّد أحدهما لم يعلم بفراغ ذمّته عن التكاليف، لاحتمال وجود الاورع، وكونه غير من قلّده، فلا عذر له، بل على القول بوجوب الاحتياط في المجتهدين المختلفين في الفتوى المحتمل تفاضلهما في العلم، إذا لم يؤدّ الفحص إلى إحراز شيء، يلزم القول بالاحتياط مع احتمال الاورعية في أحدهما ـ غير معيّن ـ إذا لم يؤدّ الفحص إلى شيء.
نعم، استصحاب العدم الازلي ـ على القول باعتباره ـ يجري في الطرفين، ومقتضاهما عدم الاورعية، واستصحاب العدم النعتي كذلك إذا كانا سابقاً متساويين (موضوعاً أو حكماً) في الورع.
فإن كان المبنى أنّ المشكوك بحكم معلوم عدم الاورعية كان التخيير على المشهور والاحتياط على القول الاخر.
وإن كان المبنى أنّ المشكوك هنا بحكم معلوم الاورعية لانّه من اشتباه الحجّة باللاّحجّة فالتخيير والاحتياط أيضاً على القولين، فتأمّل.
هذا إذا أمكن الاحتياط.
وأمّا إذا لم يمكن الاحتياط، إمّا عقلاً لعدم القدرة للدوران بين محذورين، كما إذا أفتى أحدهما بوجوب شيء والاخر بحرمته، أو شرعاً لحرج أو ضرر ونحوهما، فإن كان احتمال الاورعية في أحدهما دون الاخر، تعيّن لنفس الملاك، وإن كان الاحتمال في كليهما تخيّر من أجل اللاّبدّية العقلية.


إشكال وجواب

وإشكال كون الاورعية المحتملة موضوع خارجي، ومقتضى القول بعدم وجوب الفحص عن الموضوعات، عدم وجوب الفحص عن الاورع.
مدفوع بما تقدّم في الفحص عن الاعلم مفصّلاً من أنّه من اشتباه الحجّة باللاّحجّة، وفي مثله يجب الفحص، فراجع هناك ولا نعيد.
وقد تقدّم هناك أيضاً فرعان:
أحدهما: إنّه إذا كان نفس فتوى الاعلم حرجاً على المكلّف.
وثانيهما: إذا كان تحصيل فتوى الاعلم حرجاً عليه.
والكلام هنا في الاورع هو الكلام هناك أيضاً والله العالم.


التتمّة السادسة

السادسة: إذا قلّد الاورع، ثمّ صار غيره أورع وجب العدول إليه ـ بناءً على وجوب تقليد الاورع ـ سواء تقدّم الورع، أو تأخّر الاورع، وكذا إذا اكتشف أنّ غيره كان أورع من قبل، وكان المقلّد جاهلاً مركّباً تيقّن أورعية هذا، لعين ما تقدّم في مسألة تقليد الاعلم، فراجع هناك.


التتمّة السابعة

السابعة: هل الملاك الاورعية في حال الاستنباط، أم في حال الفتوى، أم في حال التقليد ؟ ـ لاختلاف الثالث مع الاوّلين زماناً في الغالب، واختلاف الاوّلين كذلك أحياناً ـ.
فإذا كان أحد المجتهدين حال الاستنباط أورع، والاخر حال الفتوى، وهكذا حال التقليد بالنسبة إلى كلّ واحد منهما.
ربما يقال: الملاك حال الاستنباط، كما تقدّم في الاعلم ـ في التتمّة السادسة ـ وقد أفتى بذلك جمهرة من الاعاظم هناك كصاحب الجواهر والشيخ الانصاري والشيرازيين والكاظمين والنائيني والعراقي والحائري وغيرهم (قدس سرهم).
لكن فيه: الفرق بين الاعلم والاورع، فالاعلمية لها دخل في استنباط الحكم الشرعي، بخلاف الاورعية فلا دخل لها في الاستنباط غالباً، وعليه فإمّا يرجّح الاورعية حال الفتوى، أو حال العمل، أو يكون من الدوران بين: تعيين، وتعيين، وتخيير، والنتيجة التخيير.
وإن شكّ، كان أيضاً التخيير، لعدم اختصاص أحد الازمنة بالترجيح، حتى يدور الامر بين التعيين والتخيير، فتأمّل.


التتمّة الثامنة

الثامنة: هل محتمل الاورعية، حكمه حكم محتمل الاعلمية، فيتعيّن تقليده، أم بينهما فرق ؟ قد يقال بعدم الفرق على مبنى الترجيح بكلّ مرجّح في باب التعارض ولو احتمالاً، لكون ما نحن فيه نظير الخبرين في كونه اشتباه الحجّة باللاّحجّة.
قال الشيخ الانصاري (قدس سره): « ومقتضى التعدّي عن مورد النصّ في العلّة وجوب الترجيح بكلّ ما يوجب كون أحد الخبرين أقلّ احتمالاً لمخالفة الواقع »(47).
وربما يقال بالفرق إذا كان الملاك في الاعلم، بناء العقلاء، إذ لا خصوصية للاورع عندهم.
اللّهم إلاّ إذا كانت الاورعية موجبة للاتقان الاكثر في الاستنباط والاحتياط الاكثر في الفتوى، وإذا كان الملاك في الاعلم أصل التعيين، جرى في الاورع أيضاً، فتأمّل.


التتمّة التاسعة

التاسعة: إذا اختلف أهل الخبرة في الاورع أنّه زيد، أو عمرو، فإن اطمأنّ المقلّد إلى كلام أحدهما فلا إشكال في حجّية اطمينانه، لانّه علم.
وإن ظنّ دخل في مظنون الاعدلية، وعلى القول بوجوب الترجيح بالظنّ هنا، يقدّم المظنون، سواء كان متعلّق الظنّ الخبر، أو المخبر به.
وإن شكّ موضوعاً أو حكماً ـ فيما كان الظن بحكم الشكّ ـ كان من مصاديق الشكّ في المكلّف به، واشتباه الحجّة بغير الحجّة، والقاعدة تقتضي الاحتياط.
إلاّ على مبنيين:
أحدهما: عدم وجوب الاحتياط في باب التقليد، الّذي عليه مشهور المتأخرين، وهو المنصور.
ثانيهما: قصر وجوب تقليد الاورع في صورة إمكان إحرازه عقلاً وشرعاً، وهو أيضاً في محلّه لقصر بناء العقلاء، وعدم عموم بقيّة الادلّة للانصراف في اللفظي منها، والمتيقّن في لبّيها، فتأمّل.


التتمّة العاشرة

العاشرة: إذا قلّد غير الاورع ففيها فروع:
أحدها: مع العلم والعمد، تكون أعماله محكومة بالبطلان كمن لم يقلّد أصلاً، وهو واضح.
ثانيها: مع الجهل أو النسيان التقصيريين، والظاهر أنّه بحكم العلم والعمد.
ثالثها: مع الجهل أو النسيان القصوريين، ولا إشكال في أنّه تكليفاً ليس كالعلم والعمد، وأمّا وضعاً فالاصل يقتضي كونه كالعلم والعمد كسائر الموارد الاُخرى، إلاّ إذا استثنينا باب التقليد بالخصوص، وليس بالبعيد وسيأتي بحثه إن شاء الله في شرح المسائل الاتية: الخامسة والعشرين، والسابعة والثلاثين، والاربعين.
رابعها: إذا كان مع الجهل المركّب بأن كان يعلمه أورع، ثمّ إنكشف أنّ غيره الاورع، فهو هو الثاني والثالث تقصيراً وقصوراً.
أمّا إذا قلّده مع علمه بأنّه غير أورع، ثمّ ظهر أنّه هو الاورع. كان تجرّياً وجرى عليه أحكامه العقلية والشرعية المذكورة في الاُصول.


(1) مفاتيح الاُصول: ص631.
(2) مفاتيح الاُصول: ص631.
(3) القواعد الشريفية: ص363 ـ السيّد محمّد بن شفيع البروجردي (قدس سره) من أجلاّء تلاميذ شريف العلماء في الاُصول والنراقي الابن في الفقه وقد أدرك صاحب الرياض وولده السيد المجاهد (قدس سرهم).
(4) مفاتيح الاُصول: ص631.
(5) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(6) الوسائل: الباب1 من أبواب صفات القاضي، ح5.
(7) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح9.
(8) الكافي: ج1، ص38 باب فقد العلماء.
(9) البحار: ج75، ص159.
(10) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح45.
(11) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح19.
(12) المهذّب: ج1، ص28.
(13) منهج الرشاد: ص20.
(14) منهج الرشاد للشيخ التستري: ص26، المطلب التاسع، المسألة3.
(15) ورد في بعض الاحاديث: أنّ الصادق (عليه السلام) قبّل بين عينيه، وقال عنه: « أنت منّا » رجال ابن داود: ص149، رقم1173.
(16) البحار: ج67، ص300، ح9.
(17) مجمع البحرين: مادّة ورع.
(18) رسائل الشهيد الثاني: ج2، ص199.
(19) جواهر الكلام: ج40، ص43.
(20) مجمع الرسائل: ص10، م7.
(21) تاج الحاج والسراج الوهّاج: ص3.
(22) تقرير درس شريف العلماء، ص383.
(23) ضوابط الاُصول: بحث الاجتهاد والتقليد، ص5.
(24) شرح العروة الوثقى، ص37.
(25) نهاية الافكار: ج4، ص255.
(26) نهاية الافكار: ج4، ص185.
(27) هكذا في المطبوعة، والظاهر (بصحّة).
(28) نهاية الافكار: ج4، القسم الثاني ص250.
(29) نهاية الافكار: ج4 القسم الثاني، ص251.
(30) رسالة الاجتهاد والتقليد للشيخ الانصاري (قدس سره): ص83.
(31) حاشية العروة الوثقى: التقليد، م13.
(32) نهاية الافكار: ج4، ص235 و237 وغيرهما.
(33) نهاية الافكار: ج4، ص247.
(34) الجواهر: ج40، ص18.
(35) البحار: ج2، ص121.
(36) رجال النجاشي: ص10.
(37) التقرير المخطوط: ص383.
(38) ضوابط الاُصول: الاجتهاد والتقليد، ص5.
(39) المستمسك: ج1، ص32.
(40) كتاب القضاء للاشتياني: ص25.
(41) ذخيرة العباد: ص22.
(42) صراط النجاة: ص6، ومجمع المسائل: ص4، م7، ومجمع الرسائل، ط جديد: ص10، م7.
(43) مجمع المسائل، ص4.
(44) سؤال وجواب: ص5.
(45) المنتهى: ج4، ص179.
(46) جامع المقاصد: ج2، ص76.
(47) فرائد الاُصول: ج4، ص77.