المسألة (9): الاقوى جواز البقاء على تقليد الميّت، ولا يجوز تقليد الميّت ابتداءً.

تقليد الميّت بين مسألتي البقاء والابتداء

المسألة (9): الاقوى جواز البقاء على تقليد المرجع الميّت، ولا يجوز تقليد الميّت ابتداءً.
اختلفت أقوال الفقهاء في هاتين المسألتين: جواز البقاء، وجواز التقليد الابتدائي، وبما أنّ هناك تفصيلات تخصّ إحداهما دون الثانية، فالاحرى بنا فصل المسألتين لكي لا يختلط الامر، وإن كان الدليل والقول من بعض فيهما واحداً أحياناً.
ثم إنّ بعضهم في بحث المسألتين قدّم مسألة الابتدائي على الاستمراري، وبعضهم عكس، ولكل وجه مقرّب ووجه مبعّد، إذ مع الذهاب إلى عدم جواز البقاء لا يبقى مجال لبحث التقليد الابتدائي، لبطلانه بطريق أولى، ومع الذهاب إلى جواز الابتدائي لا مجال للبحث عن البقاء، لصحّته بطريق أولى.
ونحن اقتفينا أثر من قدّم مسألة البقاء تقديماً لاحد فرعي بحث واحد على الاخر، واختياراً لجواز البقاء وفاقاً للمشهور بين المتأخّرين، والامر سهل.


المسألة الاولى
البقاء على تقليد الميّت والاقوال فيها

المسألة الاُولى: في الكلام عن البقاء على تقليد الميّت، وفيها أقوال وتفصيلات ترجع إلى ما يلي:


القول الاوّل

الاوّل: الجواز مطلقاً ذهب إليه المصنّف وكل من لم يعلّق هنا، مثل المحقّق العراقي وابن عمّنا والاصفهاني والوالد والاخ الاكبر وآخرين من المعاصرين، وفي رسائل ابن الحاج الكلباسي نقله عن بعض الاواخر، وبعض آخر، والسيّد الصدر قال: وهو قريب، وذهب إليه الشيخ زين العابدين المازندراني في رسالته الفارسيّة.


القول الثاني

الثاني: وجوب البقاء مطلقاً، ذهب إليه صاحب الضوابط، ونقله ابن الحاج الكلباسي في رسائله عن والده وأُستاذه والعلاّمة النجفي ـ ولعلّ المراد به كاشف الغطاء ـ وهو صريح شريف العلماء أيضاً في تقرير درسه في الاُصول(1).


القول الثالث

الثالث: عدم الجواز مطلقاً نقله ابن الحاج الكلباسي عن المحقّق الكركي، والوحيد البهبهاني، والسيّد السند النجفي، والسيّد السند العلي، قال: ونصره بعض الاعلام ـ وقد يريد بالسيّد النجفي السيّد بحر العلوم ـ وهو صريح الشيخ الانصاري في الرسالة الفارسية المنسوبة إليه، وظاهر المجدّد الشيرازي والاخوند لسكوتهما على المتن، وصريح الكفاية أيضاً، وصريحه أيضاً في حاشية رسالة المجدّد الشيرازي، وصريحه في رسالته الفارسية المسمّاة بـ: « مجمع المسائل » وصريح السيّد محمّد باقر الشفتي صاحب: « مطالع الانوار »، في رسالة: « سؤال وجواب » ناقلاً له أيضاً عن الوحيد البهبهاني، والسيّد بحر العلوم، وهو صريح أو ظاهر كثيرين آخرين من الاعيان والاعلام.
وممّن ذهب إليه من معلّقي العروة المحقّقان: النائيني والاصفهاني السيّد أبو الحسن، والحسينان: البروجردي ـ في تعليقته الاُولى ـ والقمّي، وكذلك السيّد محمّد تقي الخوانساري، والسيّد الشاهرودي في حواشيهم على العروة، وكذا الشيخ محمّد حسين الاصفهاني في رسالته: « الوسيلة » وفي حاشيته على كفاية شيخه الاخوند المسمّاة بـ: « نهاية الدراية » وآخرون كثيرون أيضاً.


القول الرابع

الرابع: التفصيل بين كون الميّت أعلم فيجب البقاء، وكون الحي أعلم فيجب العدول، أو لا، فيتخيّر، وممّن قال به من مراجع عصرنا السادة: الميلاني، والحجّة، والخوانساري، والحكيم، والخوئي (قدس سرهم) في تعاليقهم على العروة وشروحهم عليها، كالمستمسك والتنقيح(2).


القول الخامس

الخامس: التفصيل بالجواز فيما عمل به من المسائل في حال حياته وعدمه في غيرها، وممّن ذهب إليه السيّد البروجردي (قدس سره) في تعليقته الاخيرة على العروة وإن كان في تعليقته الاُولى اختار عدم الجواز مطلقاً، والسيّد الشريعتمداري (قدس سره) وآخرون أيضاً.


القول السادس

السادس: التفصيل بين المسائل الّتي كانت محل ابتلائه في حياة الفقيه وإن لم يعمل بها فيجوز له البقاء فيها، وبين غيرها فلا يجوز، ولا يحضرني حالاً قائله.


القول السابع

السابع: التفصيل بين عدم العلم بالمخالفة بين الميّت والحي فيجوز البقاء، وبين العلم بها فلا يجوز، وقد ذهب إليه عدد من المعلّقين على المتن، وهو ظاهر الوالد (قدس سره) في رسالته الفارسية المسمّاة بـ: « ذخيرة العباد ».
قال ما ترجمته في مقدّمة الرسالة في باب التقليد: « يجوز البقاء على تقليد الميّت فيما لم يكن خلاف الاحتياط، وخلاف فتوى الحي » إذ البقاء في وفاق الاحتياط ليست حقيقة تقليداً، بل عمل بالاحتياط، فيبقى البقاء فيما يخالف فتوى الحي، والاحتياط معاً.
ولذا لم يذكر (قدس سره) هذا الوفاق للاحتياط في مسألة أُخرى وذكرها في باب التقليد وهي: إذا مات مرجع التقليد ولم يعرف المقلّد بموته إلاّ بعد مدّة، فهل أعماله في تلك المدّة صحيحة ؟ قال ـ ما ترجمته ـ: « الاعمال الموافقة لرأي الميّت صحيحة إلاّ ما خالف فيها فتوى المجتهد الحي الّذي يرجع إليه ».
ولكن هذا التفصيل من الوالد (قدس سره) احتياط منه، ولعلّه كان هكذا في رسالة الحاج آقا حسين القمي (قدس سره) فلم يغيّره، ولذا لم يفصّل بذلك في حاشية العروة، كما تقدّم آنفاً.


القول الثامن

الثامن: التفصيل بين ما لو عمل ببعض فتاوى الميّت حال حياته، بانياً على العمل بها كلّما احتاج إليها فيجوز البقاء مطلقاً، وبين العدم فالعدم، وهو للحائري (قدس سره) وبعض آخر.


القول التاسع

التاسع: الاخذ بالاحتياط من قولي الميّت والحي، وهو ظاهرالمحقّق الشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره) في حاشيته على صراط النجاة الفارسية المنسوبة للشيخ الانصاري (قدس سره) حيث قال ما ترجمته: « الاخذ بأحوط القولين طريق النجاة » وكذا في حاشية رسالة الشيخ زين العابدين المازندراني (قدس سره) المسمّاة بـ « ذخيرة المعاد » وإن أمر بالرجوع إلى فقيه آخر في هذه المسألة في رسالته الفارسية المسمّاة بـ « سؤال وجواب » الدالّ ذلك على نوع تردّد له، وبه صرّح أيضاً السيد إسماعيل الصدر (قدس سره) في حاشيتي الرسالتين.


القول العاشر

العاشر: وجوب الاحتياط بين فتوى الميّت والحىّ لو اختلفا في مسألة البقاء، وممّن قال به السيّد الجمال الكلبايكاني في حاشية العروة(3).


تفصيلات أُخرى

وأضاف المحقّق شريف العلماء (قدس سره) في تقرير بحثه تفصيلات أربعة أُخرى كالتالي: 1. وجوب البقاء مطلقاً، إلاّ إذا ثبت أعلمية الحيّ فيخيّر بين البقاء والعدول إلى الحيّ.
2. وجوب البقاء مطلقاً، إلاّ إذا ثبت أعلمية الحي، وقد نقله أيضاً تلميذه الشيخ الانصاري (قدس سره) في تقرير درسه في رسالة مستقلّة في تقليد المجتهد الميّت(4).
3. جواز البقاء على تقليد المجتهد الميّت والعدول عنه إلى الحي مطلقاً، إلاّ إذا ثبت أعلميّة الحىّ فيجب العدول إليه، وإليه ذهب شيخ الشريعة (قدس سره) في حاشيته على رسالة « سؤال وجواب » الفارسية للشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره).
4. جواز البقاء والعدول مطلقاً، إلاّ إذا ثبت أعلميّة الميّت فيجب البقاء.
5. وذكر الشيخ المرتضى الحائري (قدس سره) تفصيلاً آخر نقله عن بعض مشايخه في حاشية الكفاية، وهو: جواز البقاء والعدول في صورة أعلميّة الميّت، وعدم جواز البقاء في غيرها مطلقاً.
ولا يخفى: أنّ بعض هذه التفاصيل متداخلة، بمعنى: التزام بعض الفقهاء بالمركّب من تفصيلين أو ثلاثة ـ مثلاً ـ.


القول الاوّل
جواز البقاء مطلقاً ووجوه الاستدلال له

أمّا القول الاوّل: وهو جواز البقاء مطلقاً، وقد ذهب إليه كثير من المتأخّرين والمعاصرين، فاستدلّ له بوجوه:


الوجه الاوّل لجواز البقاء مطلقاً
الاستصحاب

الوجه الاوّل: الاستصحاب، قال شريف العلماء (قدس سره) في تقرير درسه(5) بعد ذكر الاقوال والمحتملات في المسألة واختياره البقاء على تقليد الميّت: « وذلك: لاستصحاب الحكم الاُصولي أوّلاً، ولاستصحاب الحكم الفرعي التكليفي ثانياً، ولاستصحاب الحكم الفرعي الوضعي ثالثاً » ثم ذكر أمثلة لهذه الاقسام الثلاثة من الاستصحاب.
أقول: لعلّ مراده باستصحاب الحكم الاُصولي هو الحكم العقلي، لتمثيله له باللزوم، فكأنّه ذكر استصحاب الحكم العقلي، والحكم الشرعي بشقّيه: التكليفي، والوضعي، فتأمّل.
ويمكن بيان الاستصحاب بخمسة تقريرات:
الاوّل: استصحاب الحكم العقلي.
الثاني: استصحاب الحكم التكليفي الواقعي.
الثالث: استصحاب الحكم التكليفي الظاهري.
الرابع: استصحاب الحكم الوضعي وهو الحجّية.
الخامس: استصحاب الحكم الوضعي وهو الصحّة.


التقرير الاوّل للاستصحاب

أمّا التقرير الاوّل: وهو استصحاب الحكم العقلي ـ بناءً على جريان الاستصحاب في الاحكام العقلية كما هو المشهور بين المتأخرين والمنصور ـ فقد قال عنه شريف العلماء (قدس سره): « إنّه لا شكّ ولا ريب في أنّه بعد ما قلّد المقلّد ذلك المجتهد الميّت في حال حياته صار تقليده عليه لازماً، وبعد الموت يحصل الشكّ في بقاء ذلك اللزوم، فمقتضى الاصل الاستصحابي هو: بقاء ذلك اللزوم ».


التقرير الثاني للاستصحاب

وأمّا التقرير الثاني: وهو استصحاب الاحكام التكليفية ـ من وجوب وحرمة واستحباب وكراهة وإباحة ـ الواقعية الّتي قلّد العامي الميّت فيها حال حياته.
ويورد عليه أوّلاً: بأنّه لا استصحاب في الاحكام الواقعية، إذ متيقّنها: لا شكّ لاحق له، لليقين ببقائها، ومشكوكها بقاءً لا يقين سابق بها.
وثانياً: بأنّه غير متيقّن الحدوث، إذ الّذي أفتى به المرجع حال حياته غير متيقّن كونه حكماً واقعيّاً حتّى يستصحب.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ المتيقّن السابق هو العلم الاجمالي بوجود تكاليف واقعية بين فتاوى الفقيه حال حياته، وقد تنجّزت بالعلم الاجمالي، فتستصحب.
لكنّ فيه: إنه يلزم تحقّق العلم الاجمالي وجداناً: بأنّ فيما قلّد المجتهد حال حياته ممّا كان يجب أو يجوز فيه التقليد ـ من غير الضروريات، واليقينيات، وما خرج عن ابتلائه ونحوها ـ أحكاماً الزامية منجّزة، حتّى يتحقّق تنجّز المتيقّن السابق، وإلاّ فلا.
وعليه: فإمّا أن نقول بأنّ التقليد هو الالتزام، لانّه مع الالتزام يحصل له العلم الاجمالي بوجود أحكام واقعية في مجموع ما أفتى به المقلَّد ـ بالفتح ـ.
وإمّا أن نقول بأنّ هذا العامي كان مقلّداً للحي مدّة مديدة، بحيث يحصل له العلم الوجداني: بأن كان فيما عمل به من فتاوى المرجع أحكام واقعيّة، وإلاّ فلو قلّد زيد عمراً يوماً واحداً وعمل ببعض فتاواه، ومات عمرو قبل أن يحصل لزيد العلم الوجداني: بأن كان فيما عمل به حال حياة عمرو، أحكام واقعية فلا متيقّن سابق للحكم الواقعي الاجمالي حتّى يستصحب، فتأمّل.
إن قلت: هذا العلم الاجمالي على فرض وجوده وتحقّقه السابق موجب للاحتياط، والاحتياط قسيم التقليد، فليس هذا بقاءً على التقليد حقيقة، بل هو نوع عمل بالاحتياط.
قلت: هذا تقليد للمجتهد وبقاء على تقليده، ولكن الّذي أوجب هذا البقاء هو الاحتياط، فالاحتياط علّة للبقاء على تقليد الميّت، كما أن الاحتياط علّة للبقاء على تقليد الحي وعدم العدول عنه، أو أنّ الاحتياط علّة لوجوب تقليد الاعلم، أو الاورع ونحو ذلك.


التقرير الثالث للاستصحاب

وأمّا التقرير الثالث: وهو استصحاب الاحكام التكليفية الظاهريّة فقد أُورد عليه من جهات.


مناقشة التقرير الثالث من جهات
الجهة الاُولى

إحداها: إنكار جعل الحكم الظاهري، وإنّما المجعول هو المنجّزية فيما وصل المكلّف من الحكم الواقعي، والمعذّرية فيما لم يصل إلى المكلّف من الواقعيات، فليس لنا متيقّن سابق يسمّى بالحكم الظاهري حتّى يستصحب.


الجهة الثانية

ثانيتها: إنّ الاحكام التقليدية ليست أحكاماً لموضوعاتها بقول مطلق، وإنّما هي أحكام للموضوعات باعتبار رأي المرجع، بحيث لو زال الرأي أو تبدّل لتبدّل الموضوع، فإذا احتملنا زوال الرأي بالموت، كان هذا الاحتمال مساوقاً لاحتمال تبدّل الموضوع، ومعه لا يجري الاستصحاب لشرطية إحراز بقاء الموضوع.


الجهة الثالثة

ثالثتها: إنّه من الاستصحاب في الحكم، الّذي لا يجري مطلقاً، لابتلائه دائماً بمعارضة استصحاب عدم الجعل، فيتساقطان.
وهذه الايرادات كلّها غير تامّة.


الاشكال على الجهة الاُولى

أمّا الايراد من الجهة الاُولى، ففيه: إنّه حتّى مع إنكار الحكم الظاهري، والالتزام بالمنجّزية والمعذّرية في مقام إطاعة التكاليف، يصحّ استصحاب تلك المنجّزية والمعذّرية، لتمامية أركان الاستصحاب فيهما باليقين السابق والشكّ اللاحق، فتاوى الفقيه قبل موته لا تخلو من أحد شيئين:
إمّا أنّه حكم واقعي وصل إليه الفقيه، فهو باق لبقاء الاحكام الواقعية، فلا يكون مورداً للاستصحاب.
وإمّا أنّه أفتى المجتهد بخلاف الواقع ـ لانّه لم يصله الواقع ـ فهذه الفتوى المخالفة للواقع معذّر، فنستصحب هذا المعذّر السابق.
إلاّ إذا احتملنا تقوّم المعذّرية بحياة المفتي، فيشكّ في بقاء موضوع الاستصحاب لاحتمال كون موضوعه: فتوى المفتي الحي، فلا يصحّ استصحابه، وعليه: فلا يصحّ إجراء الاستصحاب مطلقاً، لعدم العلم بأنّ أيّها كان منجّزاً للواقع ؟ وأيّها كان معذّراً عنه ؟
وربما يقال: أنّه شكّ في المقتضي لا في موضوع الاستصحاب، فيجري على القول بجريانه في الشكّ في المقتضي ـ كما عليه جمهرة من الاعاظم ـ فتأمّل.


هل تستصحب المنجّزية والمعذّرية ؟

ثمّ إنّ جريان استصحاب المنجّزية والمعذّرية إنّما يتمّ بناءً على المشهور والمنصور: من جريان الاستصحاب في الاحكام العقلية، إذ المنجّزية والمعذّرية من الاحكام العقلية المنتزعة من جعل شرعي ـ ولو إمضاءً ـ وعليه: فالاحكام العقلية طرق قد تصل إلى الواقع وقد تخطّأه، وأمّا على القول بعدم جريانه فيها، فلا مسرح للاستصحاب فيهما، وكذا الكلام في الاحكام الوضعية، بناءً على كونهما من الاحكام الوضعيّة.
واحتمال أولوية عدم الجريان في الاحكام العقلية، من عدم الجريان لاثبات اللوازم العقلية، وما كان من آثارها من الاحكام الشرعية المسمّى بالاصل المثبت، فلا يتمّ القول بجريان الاستصحاب في الاحكام العقلية مع القول بعدم حجّية الاصل المثبت.
غير تامّ، لعدم التلازم لا عقلاً، ولا عقلائياً، ولا شرعاً، إذ عدم حجّية الاصل المثبت إنّما هو ـ على الاصحّ عندنا ـ نتيجة ضيق دلالة: « لا تنقض » الّذي هو المجعول في باب الاستصحاب، والجريان في الاحكام العقلية وعدمها نتيجة اطلاق لفظ: « اليقين » في روايات الاستصحاب، فهما مقامان ولا تلازم بينهما، ولذا نرى مشهور المتأخّرين مع عدم ذهابهم إلى حجّية الاصل المثبت، يذهبون إلى جريان الاستصحاب في الاحكام العقلية، والله العالم الهادي.


الاشكال على الجهة الثانية

وأمّا الايراد من الجهة الثانية.
ففيه: ـ بعد مسلّمية كون الموضوع في الاستصحاب عرفياً (لا دقّياً عقلياً) أو شرعياً ـ إنّه يصحّ أن يعتمد المقلّد على هذا الحكم الصادر من المرجع، فكما كان يعمل به قبل ساعة إذ كان حيّاً، فكذلك يعمل به بعد ساعة إذا مات، واحتمال زوال موضوع الحكم بالموت ليس عرفيّاً، نظير احتمال زوال إقراره بالموت، أو زوال وصيّته، أو زوال اختباراته ـ من حيث الكاشف لا المنكشف في الاخبارات ـ ونحوها، فهذه كلّها عرفاً واحدة.
وأمّا وسطية الرأي في صيرورة الحكم حكماً:
ففيها: ـ مضافاً إلى أنّ الرأي ليس وسطاً في ذلك، وإنّما هو وسط في مجرد الكشف عن الواقع، نظير سائر الحجج التعبّدية الشرعية أو العقلائية، الّتي هي وسط للكشف لا لصيرورته حكماً كما في شهادة البيّنة، أو قول ذي اليد أو نحو ذلك من الحسّيات، وكذا طبابة الطبيب، وتقويم المقوّم، ونحوهما من الحدسيات، ممّا لا ينتفي بموتهم، لتقوّمها بالرأي الزائل بالموت، أو المحتمل زواله بالموت ـ: أنّه لا يلزمه ضرورة بقاء الرأي لبقاء الحكم، إذ كثيراً ما يكون أخذ شيء في شيء على نحو الحيث التعليلي دون الحيث التقييدي، أي: علّة محدثة لا مبقية. وبعبارة أُخرى: علّة إيجاد فقط، لا علّة للبقاء أيضاً، نظير ما مثّلنا من الاقرار، والوصية، والاخبار، ونحوها.


هل يستصحب رأي المجتهد بعد موته ؟

ومع الشكّ في كون الرأي علّة للايجاد فقط أو للبقاء أيضاً، يكون المرجع هو الاستصحاب، لما قرّر في الاُصول من جريان الاستصحاب مع الشكّ في المقتضي أيضاً ـ وإن أشكل فيه الشيخ المرتضى (قدس سره) في الرسائل وجمع آخر، تبعاً للمحقّق في المعتبر وآخرين، لكن الشيخ نفسه نقضه في نفس الرسائل، وفي بعض فتاواه أيضاً في الرسائل العملية المنسوبة إليه، وقد ذكرنا بعضه في بحث الاُصول ـ.
وما قيل: من أنّ الشكّ في البقاء مسبّب عن الشكّ في كون العلّة على نحو العلة المحدثة أم المبقية، ومرجع ذلك إلى الشكّ في أنّ علّية العلّة أكثر من الاحداث وحال الحياة، فيبقى حجّية الفتوى بعد الموت بحاجة إلى الدليل، ولا موضوع لها حتى يستصحب.
ففيه: ـ مضافاً إلى أنّ استصحاب عدم سعة العلّة لا يثبت ضيقها وانحصارها بالاحداث فقط، وإلى أنّ كلّ استصحاب يمكن بالدقّة العقلية إرجاعه إلى الشكّ في سعة العلّة حتّى في استصحابات عدم الرافع كلّها، إذ مرجعه إلى الشكّ في مقدار استعداد المقتضي الّذي يزول معه بهذا المقدار من الرافع أم لا ـ: إنّ مرجع هذا الايراد إلى الشكّ في المقتضي الّذي ذكرنا آنفاً بناءنا تبعاً للمشهور بين المتأخّرين ظاهراً، على جريان الاستصحاب معه، والله العالم.
إذن: فمجرّد احتمال تبدل الموضوع لاجل عدم بقاء الرأي، أو احتمال عدم بقائه لا يمنع من جريان الاستصحاب.


الاشكال على الجهة الثالثة

وأمّا الايراد من الجهة الثالثة، ففيه: أنّا بنينا في الاُصول ـ تبعاً لمعظم الاساطين ـ على جريان الاستصحاب في الاحكام، نظير جريانه في الموضوعات، وعليه معظم المراجع المتأخّرين والمعاصرين، وإن أصرّ على عدم الجريان بجميع الوجوه والتقريرات بعض مراجع العصر تبعاً لبعض من تقدّمه.


التقرير الرابع للاستصحاب

وأمّا التقرير الرابع للاستصحاب على جواز البقاء على تقليد الميّت، وهو استصحاب الحكم الوضعي أعني: الحجّية، بتقريب: أنّ فتوى المرجع، حال حياته كانت حجّة في حقّ المقلّد، فإذا مات المرجع وشكّ في بقاء الحجّية أو زوالها، فيستصحب بقاؤها.


هنا إيرادات
الايراد الاوّل

الاوّل: إنّ الفتوى متقوّمة بالرأي، والرأي يزول بالموت، وينسب إلى الشيخ الانصاري (قدس سره) في تأييد ذلك أنّه قال: إنّ الواقع ينكشف للفقيه بالموت نفياً، أو اثباتاً، فإن انكشف له خطأ رأيه فلا شكّ في زواله، وإن انكشف له صحّة رأيه، فهي صحّة متقوّمة بالشهود والكشف، ولا دليل على حجيّة الرأي المستند إلى الشهود للغير، بل الّذي قام عليه الدليل للمقلّد هو حجّية الرأي المستند إلى الادلّة من الطرق والامارات والاُصول، فالمستصحب بين معلوم الزوال، وبين ما هو باق غير معلوم الحجّية للغير.
وعن المحقّق الداماد (قدس سره) تقوية ذلك باحتمال تبدّل الرأي إلى القطع بالخلاف، فلا يقين ببقاء الموضوع.

مناقشات خمس في الايراد الاوّل
المناقشة الاُولى

والجواب عن ذلك أوّلاً: لا نسلّم زوال الرأي بالموت من جهتين:
الاُولى: تقوّم الرأي بالنفس الناطقة الباقية بعد الموت.
الثانية: إنّ الرأي كان حصيلة تلك الادلّة الظاهرية الّتي أُمرنا باتّباعها، والرأي بحسب تلك الادلّة باق غير زائل، حتّى إنّ الفقيه لو علم حال الحياة أنّ الواقع على خلاف الادلّة، وسئل عن الحكم حسب الادلّة لحكم على خلاف الواقع، نظير أحكام الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) طبق الادلّة الظاهرية على الموضوعات: كالبيّنة، والايمان، واليد، ونحوها من مصالح التشريع الّتي هي ـ في نظر الشارع من حيث المجموع الشامل لجهات نفسية واجتماعية، سياسية وفردية، عامّة وخاصّة، وغيرها ـ أهمّ ملاحظة من ملاحظة الواقع البحت الفاقد لتلك الجهات، كذكر العام أو المطلق الّذين أُريد منهما: الخاصّ والمقيّد، مع عدم ذكرهما، أو ذكر المجمل الّذي أُريد منه مبيّن لا تصل الاُصول العملية إلى ذلك المبيّن، بل إلى غيره أو إلى نقيضه، فهكذا بعد الموت على فرض انكشاف الخلاف للفقيه، فليس المأمور بالاتّباع ما ينكشف بعد الموت، وإنّما المأمور بالاتّباع تلك الادلّة الظاهرية حسب الفهم العرفي منها، طبقاً للمصالح الالهية الكبرى، الّتي قرّرت الادلّة الشرعية كما هي عليها، ومنها المصلحة السلوكية الّتي يميل إليها إجمالاً الشيخ الانصاري (قدس سره) وعدد من المتأخّرين، بل وجمع من المتقدّمين أيضاً، كما يظهر من كلماتهم (قدس سرهم).
إن قلت: تلك الادلّة وظيفة الشاكّ ـ موضوعاً أو ظرفاً ـ والميّت لا شكّ فعليّ له.
قلت: المجتهد ينوب عن المقلّد في استنباط الاحكام، وقد استنبط حال حياته ما يحصل للمقلّد من شكّ في المسائل الّتي يبتلي المقلّد بها، سواء حال حياة المجتهد أم بعد وفاته، نظير القضايا الحقيقية الّتي متى تحقّق مصاديقها ترتّبت عليها تلك القضايا.


المناقشة الثانية

وثانياً: من أين ثبت أنّ الفقيه، بالموت يحصل له العلم بخطئه في الفتاوى وصوابه ؟ غاية ما هناك إنّه يحاسب على جهله، أو تقصيره، أمّا أن يعرف كل فتاواه مطابقة للواقع أو عدمها بمجرد الموت، فلا دليل عليه.
وما قيل: من أنّ للمصيب أجران، وللمخطىء أجر واحد ـ بعد تسليم أنّ لازمه معلومية خطئه وصوابه، والغض عن أنّه من الممكن أن يؤجر ضعفاً، أو واحداً ولا يخبرونه أنّ ذلك لاصابتك وخطئك، أو لا يعلمونه أنّ أيّاً من ذلك ضعف، وأيّاً منه واحد ؟ أو لا يُعلمونه أنّ أيّاً لهذه الفتوى، وأيّاً لتلك ؟ ـ فهو: في القيامة على الظاهر لا في البرزخ، مضافاً إلى أنّ ذلك قد يتمّ في البرزخ ـ على فرضه ـ طيلة سنين كثيرة لا بمجرّد الموت الّذي به تتمّ الثمرة، فتأملّ.
والحاصل: إنّ ما دلّت عليه الاخبار هو أنّ حساب البرزخ يكون بحيث يعلم ـ الّذي يحاسب، لا كلّ من مات، فإنّ فيهم الملهى عنهم، كما في الحديث ـ أنّه ناج أو هالك، لانّها إمّا « روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النيران »(6).
أمّا أن يعلم الفقيه بمجرد الموت أنّ أيّة فتوى أصاب فيها الواقع، وأنّ أيّها أخطأ الواقع فيها ؟ فذاك ما لم يدلّ عليه دليل قطعي فيما أعلم، والله العالم.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: أنّ الاعتقاد الحاصل من الكشف والشهود إنّما لا يكون حجّة للغير لاجل احتمال خطئه نظير ما يظهر للمرتاضين، أو ما يظهر من الرمل، والجفر، والحسابات ونحوها. أمّا الحاصل بالموت الّذي هو متيقّن الصواب، فأيّ مانع من حجّيته للغير، بعد ما ثبت في الطرق والامارات: الطريقية ـ لا الموضوعية ـ وأنّ إدراك الواقع بما هو واقع هو المطلوب ؟


المناقشة الرابعة

ورابعاً: على فرض كشف صواب وخطأ الفقيه له ـ بمجرّد الموت ـ يصحّ الاستصحاب سواء انكشف الصواب، أم الخطأ ؟


إذا انكشف الصواب

أمّا إذا انكشف للفقيه الميّت صوابه في فتياه، فالعمل برأيه إنّما يكون من جهة استصحاب حجّية رأيه حال الحياة، لا لمطابقته مع الواقع حسب الكشف بعد الموت، لما سيأتي منّا إن شاء الله تعالى في شرح المسألة السابعة عشرة تبعاً لجمع من الاعيان: من حجّية فتوى الفاضل إذا وافقت فتوى الافضل، وعدم لزوم الاستناد إلى فتوى الافضل مع توافقهما، لانّ الخصوصيات الشخصية لها آلية فقط عقلاً، وشرعاً، وعرفاً، إلاّ فيما خرج بدليل خاص، كالعدالة، والايمان، والاسلام ونحو ذلك، فلا يصحّ الاستناد إلى فتوى الكافر، والمخالف، والفاسق، وإن وافقت فتوى المسلم المؤمن العادل، بل يجب الاستناد إليها، للادلّة الخاصّة.
هذا مضافاً إلى أنّ الفتوى حال الحياة كانت حجّة، فإذا انكشف بعد الموت موافقتها للواقع، كان هذا الانكشاف مقويّاً لحجّيته ومؤكّداً لها، كما لا يخفى.


إذا انكشف الخطأ

وأمّا إذا انكشف للفقيه خطؤه في فتياه، فموضوع الاستصحاب وهو: رأي فقيه عن أدلّة معتبرة، موجود، ولا نريد في الاستصحاب أكثر من بقاء الموضوع، وهو باق، ولا ينتقض ذلك بتبدّل رأي المجتهد حال حياته، فكما لا تبقى حجّية لرأيه السابق، كذلك التبدّل بالموت.
وذلك: لانّ شرط حجّية الرأي هو: كاشفيته، وضمان فقيه جامع للشرائط له، ومع التبدّل حال الحياة تفقد الكاشفية وينتفي ضمان المجتهد الجامع للشرائط له، بخلاف بعد الموت.
نظير شهادة الشاهد، المعتبرة ما دام لم يظهر له خطأ مستنده، فإذا ظهر له خطأ مستنده تسقط عن الحجّية، مع أنّ الشاهد إذا مات لم تسقط شهادته، بخلاف ما إذا تبدّل نظره إلى المشهود، فإنّها تلغى.
فهل يقولون في الشهادة بمثل ما يقولون في الاجتهاد ؟ فلو شهد عدلان أنّ الدار لزيد، ثم ماتا فهل يسقط اعتبار شهادتهما، لامكان انكشاف خلاف الواقع لهما بالموت، أم تنفذ الشهادة بعد موتهما ؟
قال المحقّق في الشرائع: « لو شهدا ولم يحكم بهما، فماتا حكم بهما » وقال في الجواهر: « بلا خلاف أجده » ثمّ قال في الشرائع: « وكذا لو شهدا ثمّ زكّيا »(7).
وبهذا كلّه ظهر وجه النظر في ما عن المحقّق الداماد، والشيخ الانصاري (قدس سرهما).


المناقشة الخامسة

وخامساً: على فرض انكشاف الواقع للفقيه الميّت، إذا شككنا في أنّه انكشف له خطؤه، أو انكشف له صوابه، نستصحب بقاء رأيه، كما نستصحب بقاء رأيه حال حياته إذا شككنا في أنّه هل تبدّل رأيه أم لا ؟ كما يأتي بحث ذلك من الماتن (قدس سره) في المسألة التاسعة والثلاثين، ولم أجد لاحد من الفقهاء فيها تعليقاً فيما يحضرني من التعليقات الّتي تنوف على العشرين، فأيّ فرق بين الموت وبين غيره لدى العقلاء في حجّية رأيه بقاءً ؟
إن قلت: للمقلّد علم اجمالي بانكشاف الخطأ بالموت للمجتهد في بعض آرائه، لانّه يستبعد عرفاً صحّة جميع فتاواه، خصوصاً في ترجيح المتعارضين والعمل بالاُصول العملية، واللوازم العقلية ونحو ذلك.
قلت: ـ مضافاً إلى أنّه قد يدّعى عدم العلم الوجداني بانكشاف الخطأ، أو احتمال كون كلّ فتاوى هذا الفقيه الّذي يقلّده هذا المقلّد صواباً، وإن بعُد هذا الاحتمال ـ إنّ هذا العلم الاجمالي غير منجّز، لعدم إحراز كون كل أطرافه الاقتضائية محلّ ابتلاء المقلّد، فلعلّ ما انكشف خطؤه في غير المسائل المبتلى بها لهذا المقلّد، وغير الاقتضائيات بالنسبة إليه.
نعم، لو كان شخص مبتلى بجميع فتاوى مرجع ـ كما لو كان ناقلاً لمقلّدي ميّت، حجّية رأي الميّت بقاءً وينقل لهم فتاواه جميعها ـ تحقّق هذا العلم الاجمالي، إن قلنا بأنّ هذا النقل بنفسه نوع اغراء بالجهل الحرام، فتأمّل.


وجهان آخران

ثم إنّ بعض المعاصرين من المحقّقين ـ بعد ما ردّ هذا الايراد وما ذكر من وجوهه ـ أراد أن يوجّه الردّ بوجهين آخرين يُعدّان إيرادان آخران، غير الايراد الاوّل المنسوب إلى الشيخ، فإنّه ـ كما مرّ ـ قد أورد على التقرير الرابع لاستصحاب جواز البقاء ما قد عرفت في الايراد الاوّل، فالوجهان هذان يكونان هما الايرادان: الثاني والثالث كالتالي:


الايراد الثاني

الثاني: وهو أوّل الوجهين قال: « إنّ الرأي بحسب الدقّة العقلية باق، ولكن بحسب العرف ليس باقياً، فإنّهم يرون الميّت والحي متباينين ».
وفيه: كون الميّت والحي متباينين لا يكون دليلاً على تباين الرأي، إذ مع كونهما متباينين نرى أنّ العرف يعتبر كثيراً من الملابسات للميّت كما كانت له قبل الموت، فالرجل بعد الموت هو: ابن زيد، وأبو فلان، وعمّ لفلان... وكذا الرأي الكذائي له، والنظرية الكذائية له، إلى ما هنالك من الاضافات، والمعنويات، الّتي لا يرى العرف تغيّرها بالموت، ولذا يقال: إنّ رأي الشيخ كذا، ورأي الاخوند كذا.
نعم ما يستتبع عملاً خارجياً، أو تصرّفاً من الميّت، أو من الحي لقيامه مقام الميّت، فإنّه يفرّق الميّت والحي فيه عند العرف، كالولاية، والوكالة، والوصاية، ونحوها، فالميّت ليس وليّاً، ولا وكيلاً، ولا وصيّاً، وأين هذا من الاستناد إلى فتوى الميّت الّتي كل ملاكها خبرويته حال الحياة ؟


الايراد الثالث

الثالث: وهو ثاني الوجهين، قال: إنّ هذا يكون من الاستصحاب التعليقي في أكثر موارده، لانّه لو كان حيّاً هذا اليوم لكانت فتواه كذا.
وفيه أوّلاً: ليس ما نحن فيه من الاستصحاب التعليقي، إذ الاستصحاب التعليقي هو الّذي ليس له حالة سابقة إلاّ معلّقاً، وما نحن فيه له حالة سابقة منجّزة، فلو قلّد زيد فقيهاً برهة من الزمن، وكانت فتاواه حجّة في حقّ المقلّد، ثمّ مات الفقيه، فيستصحب المقلّد تلك الحجّية المنجّزة الّتي كانت ثابتة له قبل الموت، فأي تعليق في ذلك ؟
نعم: لو أراد شخص أن يقلّد مجتهداً ميّتاً ابتداءً، وأراد التمسّك لحجّية فتاواه في حقّه بالاستصحاب، كان ذلك من الاستصحاب التعليقي بتقرير: أنّه لو كان حيّاً كانت فتاواه حجّة لي، فبعد موته نستصحب تلك الحجّة على فرض الحياة. وسيأتي البحث عنه في التقليد الابتدائي للميّت إن شاء الله تعالى.
وثانياً: إنّ الاستصحاب التعليقي ـ على الاصحّ ـ حجّة إذا انحفظ فيه الموضوع المتيقّن عرفاً، كما لعلّه كذلك فيما نحن فيه، فإنّه قد يعرض تغيّر في الموضوع، بحيث يجعله مغايراً للموضوع الاوّل بنظر العرف، كما لو صار الثلج ماءً، فإنّه لا يصحّ استصحاب البرودة الثلجية بالاستصحاب التعليقي، وقد ينحفظ لدى العرف الموضوع الاوّل في الحالة الثانية، فيتمّ فيه أركان الاستصحاب ويجري، ولا يبعد أن يكون ما نحن فيه من هذا القبيل، فتأمّل.


الايراد الرابع

الرابع: ما عن الشيخ الانصاري (قدس سره) في تقرير بحثه في كتاب: « جوامع الشتات » من احتمال دخل الحياة في موضوع التقليد فلا احراز لموضوع الاستصحاب.
وفيه: أنّ الاحتمال غير عقلائي، بل جرت سيرة العقلاء على عدم الاعتناء بمثله في الاُمور العلمية والفكرية، الّتي لا مدخل للحياة فيها بقاءً.


التقرير الخامس للاستصحاب

وأمّا التقرير الخامس للاستصحاب على جواز البقاء على تقليد الميّت: فهو استصحاب الحكم الوضعي من الصحّة والفساد، والفردية والزوجية، والرقّية والملكية، والاُبوّة، ونحوها ـ في الرضاع ـ وغير ذلك من الاحكام الوضعيّة، بوجوه الاستصحاب المختلفة فيها تنجيزياً، أو تقديرياً، أو تعليقياً، حسب اختلاف الموارد.
قال شريف العلماء (قدس سره) في تقرير درسه: « لا ريب أنّ تقليد المقلّد لذلك المجتهد قد صحّ في حال حياته، فإذا شكّ في بقاء هذه الصحّة وعدمها، فالاصل الاستصحابي مقتضاه بقاؤها »(8).
لكن لا يخفى إنّ هذا إمّا مرجعه إلى أحد التقريرات الماضية، أو ملازم لها، فيكون الكلام عنه هو الكلام عنها، والجواب عنه هو الجواب عنها، فتأمّل.
ومن المعلوم: أنّ استعمال مشتقّات « الرأي » لا يؤخذ عليه بأنّه منهي عنه في الشريعة وهو بمنزلة القياس، وذلك: لانّ المراد بالرأي ليس النابع عن الاهواء والشهوات، بل عن الادلّة الشرعية، بمعنى: الرؤية الفكرية والفهم والاستنباط، والرأي بهذا المعنى واجب شرعي تعييناً أو تخييراً، على اختلاف الافراد والملابسات، وقد وردت لفظة الرأي ـ بهذا المعنى ـ في الروايات أيضاً، ففي الكافي، بسند صحيح ـ على الاصحّ ـ بإبراهيم بن هاشم، عن الامام الصادق (عليه السلام)قال: « رأي المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءاً من أجزاء النبوّة »(9) ونحوه غيره.


الوجه الثاني لجواز البقاء مطلقاً
بقاء الموضوع

الوجه الثاني من أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت ـ بعد الاستصحاب ـ هو: ما نقل عن جمع من المتأخرين، ومنهم المحقّق الشيخ كاظم الشيرازي(قدس سره) ما محصّله باختصار منّا: أنّ الّذي قلّد مجتهداً حيّاً أصبح عالماً بالوظيفة الشرعية، فإذا مات المجتهد لم ينقلب المقلّد جاهلاً بالوظيفة الشرعية، بل لا يزال عالماً بها، فيجوز له العمل بما يعلم، لجواز عمل العالم بالوظيفة الشرعية بعلمه(10).
وأُورد عليه: بأنّ الصغرى مسلّمة ـ إن لم نستشكل فيها من جهة عدم وضوح صدق العالم على المقلّد دقّة، وإن أمكن التعميم عرفاً، بل شرعاً أيضاً، لمثل قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) أي: حتى تعلموا، مع أنّ السؤال قد يوجب العلم الوجداني، وقد يوجب العلم التعبّدي للحجّية، فتأمّل ـ لكن الكبرى في إطلاقها نظر، وذلك لانّ العالم بالوظيفة الشرعية على ثلاثة أقسام: عالم بالاجتهاد، وعالم بالتقليد حال حياة المفتي، وعالم بالتقليد بعد موت المفتي، وجواز عمل العالم بعلمه في القسمين الاوّلين مسلّم، ولكن في القسم الثالث هو أوّل الكلام.
وبعبارة أُخرى: من أين ثبت أنّ العالم بالوظيفة الشرعية عن طريق التقليد، بعد موت المفتي يجوز له العمل بعلمه ؟ فإنّ هذا من توقّف الشيء على نفسه.
وفيه: أنّ القاضي بالاطلاق هو العرف والعقلاء، فإنهم إذا صحّ عندهم الاخذ بقول، لا يرون زواله بموت صاحب القول، كما سيأتي هذا دليلاً برأسه.


الوجه الثالث لجواز البقاء مطلقاً
الاطلاقات

الوجه الثالث من أدلّة جواز البقاء، على تقليد الميّت: الاطلاقات، فآية النفر تدلّ على وجوب العمل على إنذار المنذر، ولم يقيّد وجوب العمل بحال حياة المنذر، وكذلك آية السؤال، الدالّة على العمل بقول أهل الذكر من دون تقييد له بحال حياتهم، فإنّهما تدلاّن على حجّية إنذار الفقيه وأهل الذكر حتى بعد موتهما.
وهكذا الاخبار الارجاعية الامرة بالرجوع إلى محمّد بن مسلم، أو زكريا ابن آدم، أو العمري وابنه، أو غيرهم من دون تقييد بحال حياتهم، ومقتضاها العرفي هو: جواز الاخذ منهم، والرجوع إليهم، والعمل بفتواهم حتّى بعد موتهم، بل لو رجع سائل إلى محمّد بن مسلم وسأله عن مسألة فأجابه فيها، ثم مات محمّد بن مسلم لا يحتمل العرف ـ الفارغ الذهن عن الشوائب ـ أن يكون قد حدث ما ينافي جواز العمل بقول محمّد بن مسلم لمجرّد موته، فضلاً عن أن يحصل له ظن أو علم بذلك.


إيرادات على الوجه الثالث

وأُورد على الوجه الثالث من أدلّة جواز البقاء إيرادات:


أوّل الايرادات

أحدها: ما في جوامع الشتات عن الشيخ الانصاري (قدس سره) من أنّ الظاهر من موردها: الحي، وإن لم تدل الاطلاقات بنفسها على الحياة.
وفيه: عدم مخصّصية المورد من أظهر مصاديقه ما نحن فيه، ممّا كان الامر مرتبطاً بالفكر والعقل، الّذي يعدّ فيه الحياة لدى العقلاء: حيث تعليلي لا تقييدي، مضافاً إلى أنّ هذا إشكال على الابتدائي، وإلاّ بعد الاخذ فما الدليل على تبدّل الحكم بالموت ؟


ثاني الايرادات

ثانيها: ما ذكره المشكيني (قدس سره) في حاشية الكفاية: من أنّ ظاهر الادلّة الارجاعية ـ لمناسبة الحكم والموضوع فيها ـ هو الرجوع إلى الحي، لعدم إمكان الرجوع، والاخذ، والاداء، والسؤال، والانذار ونحوها من الميّت، فإنّها صفات لا تكون إلاّ من الاحياء.
والاخذ من الحي صادق بالنسبة إلى الاعمال الماضية الّتي صدرت حال حياة المفتي، وأمّا بعد موته فالاخذ بفتاواه لا يصدق عليه الاخذ من الحي، بل الصادق عليه هو الاخذ من الميّت.
وفيه: ما تقرّر في الاُصول من أنّ المشتق حقيقة فيمن تلبّس بالمبدأ في حينه، وفي مثل ما نحن فيه يصدق عليه: أنّه أخذ بقول المجتهد حين حياته.
مضافاً: إلى ما في أصل إستفادة الحياة من الادلّة اللفظية من مناقشة تأتي في البحث عن التقليد الابتدائي للميّت إن شاء الله تعالى.


ثالث الايرادات

ثالثها: إيراد المحقّق الاصفهاني ومضمونه: أنّ شرط صحّة التمسّك بالاطلاق هو ثبوت المطلق في سائر مراتب الاطلاق، والمفروض أنّ رأي الفقيه هو الموضوع الّذي يراد إثبات جواز العمل به في حالتي: الحياة والموت، مع أنّه ينعدم في حال الموت بانعدام موضوعه عند العرف(11).
وفيه أوّلاً: إنّ المسألة ليست الاستصحاب حتّى يحتاج في إثباته إلى العرف، بل الاطلاق، الّذي يكفي فيه المصداقية الواقعية وإن لم يدركها العرف، وذلك لما بنوا عليه ـ ومنهم: المحقّق الاصفهاني نفسه ـ من أنّ العرف، مرجع في تشخيص المفاهيم دون تطبيق المصاديق، فما دام الرأي، باقياً واقعاً يكون موضوع التقليد باقياً، وإن لم يدرك العرف ـ مع التسامح ـ بقاؤه، فيكون مشمولاً للاطلاقات.
وثانياً: إنّ الرأي وجوده آنيّ، يوجد بمجرّد تكوّنه في نفس صاحبه، وتكون حالتا: الحياة والموت لصاحبه من قبيل الطوارئ، الّتي لا دخل لها في الموضوع فإن عدل عنه، نسب الرأي إلى سابقه، وإلاّ صحّ حقيقة حمل الرأي على الشخص.
وثالثاً: إنّ كلمة: الرأي، لم ترد في الادلّة إلاّ نادراً ـ كما سبق من صحيح هشام بن سالم ـ فلا موجب لان ندور مدار أبعادها، والمثبتات لا تقييد فيها، والموجود عديداً في أدلّة التقليد هو: الاخذ، والسؤال، والحذر، ونحوها من العناوين الّتي تصدق على من كان آخذاً، أو سائلاً، أو متحذّراً ثم مات المأخوذ عنه، أو المسؤول عنه، أو المحذّر ـ بالكسر ـ واستمر على العمل بها.


الوجه الرابع لجواز البقاء مطلقاً
السيرة

الوجه الرابع من أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت: السيرة المستمرّة من زماننا هذا إلى زمان المعصومين (عليهم السلام)، على أنّ من أخذ فتاوى فقيه يعمل بها حتّى بعد موت ذلك الفقيه، وليس يرى عمله هذا مخالفاً، ولم يُر في التاريخ أنّ أحداً من أصحاب الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) إذا مات ترك الاخذون بأقواله كلّ ما سألوه في حال حياته ليسألوا جديداً عنها أحد الاحياء من الفقهاء، وما دام كانت هذه السيرة بمنظر ومسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمّة الطاهرين (عليهم السلام)، ولم يردعوا عنها، إذ مثله لو كان لبان، فهي حجّة لا محالة.


هنا أُمور

وأُورد عليها بأُمور:


الامر الاوّل

أحدها: إنكار السيرة من طرفنا، فإنّا نجد أنّ مرجعاً إذا مات يبحث المتديّنون من مقلّديه عن مجتهد حي جامع للشرائط كي يقلّدوه.


مناقشة الامر الاوّل

وفيه: أنّ ذلك نشأ من فتوى أو احتياط جمهرة من العلماء المتأخّرين في ذلك، وإذا ثبتت سيرة من قبل مائة سنة أو خمسمائة سنة أو ألف سنة متّصلة إلى زمان المعصوم (عليه السلام) تكون حجّة، حتّى إذا ذهب مشهور المتأخّرين على خلافها، كيف وليس في البين سوى فتاوى من متأخّري المتأخّرين، ومن تبعهم في ذلك، أو مجرّد احتياطات، ومثل هذا لا يوهن السيرة ؟


الامر الثاني

ثانيها: إنكار السيرة من طرف المعصوم (عليهم السلام)، بتقريب: إنّه لعلّ أصحاب الائمّة (عليهم السلام)، كانوا يرجعون إلى الحي دون الميّت حتّى استدامةً وبقاءً.


مناقشة الامر الثاني

وفيه: ظهور خلاف ذلك لمن تصفّح التاريخ والتراجم والرجال، وخاصّة أحوال أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحاب الائمّة (عليهم السلام)، وعدم وجود ذكر واحد لهذه المسألة، بل عدم وجود إشارة، أو تلميح للبقاء على تقليد الميّت، ممّا يوجب للشخص الاطمئنان المتاخم للعلم، بل العلم العادي بذلك، حتى أنّ المحقّق شريف العلماء (قدس سره)اعتبر هذه المسألة من المسائل الحادثة في العصور المتأخّرة، قال في تقرير درسه: « ودعوى الاتّفاق عليه فاسد، لمنع ثبوت الاتّفاق، كيف والمسألة من الفروعات المحدثة ؟ »(12).


الامر الثالث

ثالثها: الفرق بين الفتوى، وبين نقل الرواية، والاوّل هو محل البحث، والثاني مسلّم الحجّية بالاجماع بعد موت الراوي، والسيرة إنّما كانت على العمل بالروايات الّتي سمعوها في المسائل عن الرواة، ثم بعد موت الراوي كانوا يعملون بها، لانّ مسألة الاجتهاد، والرأي، من الحوادث بعد المعصومين (عليهم السلام)فالسيرة الّتي هي ثابتة هي: في العمل بالروايات، وما نحن فيه: العمل برأي الفقيه الميّت، فما فيه السيرة هو غير مورد البحث، ومورد البحث لا سيرة فيها.


مناقشة الامر الثالث

وفيه أوّلاً: أيّ فرق بينهما ؟ فبنفس الدليل الّذي يعتبر العمل بالخبر المنقول والشهادة ونحوهما مع موت الناقل والشاهد، بنفس ذلك الدليل يعتبر العمل بالفتوى بعد موت المفتي.
فإن قلت: في العمل بالخبر والشهادة تمّ الاجماع، ولا إجماع فيما نحن فيه، بل ادّعي الاجماع على الخلاف.
قلت: ـ مضافاً إلى أنّ الاجماع المدّعى على الخلاف ممنوع صغرى مسلّماً، ومخدوش كبرى على المشهور كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ إنّ الدليل ليس منحصراً فيه حتّى يدور الحكم مداره وجوداً وعدماً، بل السيرة القائمة خارجاً دليل يشترك فيه الخبر، والشهادة، والفتوى، وهي لا تفرق بينها في الحجّية استدامة بعد الموت.
وثانياً: لم يكن عمل أصحاب الائمّة (عليهم السلام) مجرد نقل الاخبار للسائلين، فالعديد منهم كثيراً ما كانوا يفتون لمن سألهم المسائل، وكانت فتاواهم خلاصة التعاليم الّتي علّمها لهم الائمّة الطاهرون (عليهم السلام) من الجرح، والتعديل، وأحكام التعارض، وبيان موارد جراب النورة عن غيرها ونحوها، ويشهد لذلك، قول الامام الباقر (عليه السلام) لعطية العوفي: « اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك »(13). ونحوه غيره ممّا يعثر عليه المتتبّع، ويحصل له الاطمئنان إلى أنّ الاصحاب كانوا يفتون للناس أيضاً، ومع ذلك لم يعهد أنّ أحداً تعلّم من أحد الاصحاب شيئاً، ثمّ بمجرد موته كان يتركه ليأخذ الحكم عن الحي.


تقرير آخر لمنع السيرة

وقرّر الشيخ محمود العراقي (قدس سره) منع السيرة في كتابه: « جوامع الشتات » نقلاً عن الشيخ الانصاري (قدس سره) بما حاصله:
إنّ تقليد أُولئك كان على ضروب أربعة:
أحدها: ما كان من قبيل نقل نصّ الرواية بالمعنى.
ثانيها: ما كان يفيد القطع بالحكم الشرعي للسامع، وإن كان حصول القطع له من جهة عدم التفاته إلى الاحتمالات كالعوام والنسوان.
ثالثها: ما يعلم كونه مأخوذاً من الرواية المعتبرة المنقولة.
رابعها: ما يكون بطريق محض التقليد مع عدم القطع، بل ولا الظن أيضاً بمطابقته للواقع.
قال: ولا يخفى أنّ دعوى السيرة الشرعية في الضروب الثلاثة الاُول لا تنفع، وفي الرابع ممنوعة جدّاً، انتهى ملخّصاً.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه هل يلتزم الشيخ (قدس سره) بالضرب الثاني فيما نحن فيه، بأن يفصل بين العوام والنسوان وكلّ من يحصل لهم القطع بالحكم الشرعي من فتوى الفقيه ولو لاجل عدم التفاتهم إلى الاحتمالات، وبين غيرهم ممّن يلتفت إلى الاحتمالات، فيفتي بجواز البقاء لاُولئك، دون هؤلاء ؟ وهو مع أنّه غريب، قد يكون مخالفاً للاجماع المركّب ـ: إنّ منع الضرب الرابع محل إشكال، لما أسلفنا مراراً: من أنّ الفضلاء من أصحاب الائمّة (عليهم السلام) كانوا يفتون، كما كانوا ينقلون الرواية وخصوصاً في الازمنة العديدة، والسنوات الطويلة، الّتي كان الائمّة (عليهم السلام) محجوبين عن الناس لسجنهم أو إقامتهم الجبرية في دورهم، أو منع الظالمين الناس ومطاردتهم عن الاتّصال بهم (عليهم السلام) ونحو ذلك، كما في أيّام الامام السّجاد (عليه السلام) بعد مقتل أبيه الامام الحسين (عليه السلام)، وفي عهد الامام الصادق (عليه السلام)بالحيرة والكوفة وبغداد، وفي أوّل إمامة الامام الكاظم (عليه السلام)، حيث كان مختفياً في مكّة، إذ المنصور أراد قتله، وكذلك في أواخر عمره الشريف الّذي قضاه في السجون، وفي عهد الامام الرضا والامامين العسكريين (عليهم السلام) وأيّام الغيبة الصغرى، من العصور المختلفة الّتي كان الشيعة منتشرين في أطراف الارض، ولم تصل أيديهم إلى أئمّتهم، ولم يكن ـ وجداناً ـ كلّما يبتلون به من المسائل مذكوراً في الاحاديث الشريفة، فكان العلماء من الاصحاب يفتون لهم اجتهاداً منهم في الاحاديث العامّة والخاصّة، ولم يكن الائمّة (عليهم السلام) يردعون عن مثله.


نماذج تؤيّد وتثبت السيرة

ولا بأس بأن نذكر ـ في مقام المناقشة لما ذكره الشيخ الاعظم الانصاري (قدس سره): من منع فتوى أصحاب الائمّة (عليهم السلام)، وعمل الشيعة بفتاواهم، جداً ـ نماذج من القرائن الّتي تؤيّد أو تثبت عدم وضوح هذا المنع، وذلك مضافاً إلى ما تقدّم في أدلّة جواز التقليد:


النموذج الاوّل

1. ما رواه الشيخ (قدس سره) في كتاب الغيبة عن أبي الحسن بن تمام، عن عبدالله الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح (قدس سره) قال: « سئل الشيخ ـ يعني أبا القاسم ـ عن كتب ابن ابي العزاقر بعد ما ذُمّ وخرجت فيه اللعنة، فقيل له: فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملاء ؟ فقال: أقول فيها ما قاله أبو محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، وقد سئل عن كتب بني فضّال فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء ؟ فقال صلوات الله عليه: خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(14).
فهذه تدلّ على أنّ الفقهاء كان لهم آراء، والشيعة تعمل بآرائهم بجنب الروايات، فأمرت الشيعة بالاخذ بالروايات، ونبذ الاراء.
وما يقال: من أنّه لعلّ المراد بـ « ما رأوا » آراء بني فضّال في العقائد والامامة وعدد الائمّة (عليهم السلام) وعصمتهم ونحو ذلك، وآراء الشلمغاني ـ ابن أبي العزاقر ـ الباطلة في مولانا وسيّدنا صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف، لا الاراء الفقهية حتّى تكشف عن تقليد الشيعة للشلمغاني في الاحكام الفقهية، ولبني فضال كذلك، ففيه: لعلّ ظاهر الرواية هو أنّ الشيعة كانت تعمل بآراء بني فضّال الفقهية، جرياً على سيرة العقلاء من اتّباع الخبير فيما هو خبير فيه، فنهاهم الامام العسكري (عليه السلام) عنها، وكان هذا الخبر من الادلّة على وجوب كون مرجع التقليد مؤمناً اثني عشرياً.
وأمّا آراء الشلمغاني فأظهر من ذلك، إذ قبل صدور اللعنة عليه لم تكن له آراء منحرفة، وإنّما الانحراف حدث له حسداً للحسين بن روح (قدس سره) ودلالة الخبر بالملازمة على تقرير جواز عمل الشيعة بآرائه الفقهية قبل انحرافه واضحة، والله العالم.


النموذج الثاني

2. موثّقة رفاعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « سألته عن رجل طلّق امرأته حتّى بانت منه وانقضت عدتها، ثمّ تزوّجت زوجاً آخر، فطلّقها أيضاً، ثمّ تزوّجها زوجها الاوّل، أيهدم ذلك الطلاق الاوّل ؟ قال: نعم.
قال ابن سماعة: وكان ابن بكير يقول: المطلّقة إذا طلّقها زوجها ثمّ تركها حتّى تبين، ثمّ تزوّجها، فإنّما هي عنده على طلاق مستأنف.
قال ابن سماعة: وذكر الحسين بن هاشم: إنّه سأل ابن بكير عنها، فأجابه بهذا الجواب.
فقال له: سمعت في هذا شيئاً ؟
فقال: رواية رفاعة، فقال: إنّ رفاعة روى: إنّه إذا دخل بينهما زوج.
فقال: زوج وغير زوج عندي سواء.
فقلت: سمعت في هذا شيئاً ؟
فقال: لا، هذا ممّا رزق الله عزّوجل من الرأي.
قال ابن سماعة: وليس نأخذ بقول ابن بكير، فإنّ الرواية إذا كان بينهما زوج »(15).
وهذه الرواية دالّة بوضوح على اجتهاد الحسين بن سماعة، وابن بكير اجتهادين متخالفين، فابن بكير لعلّه اعتبر رواية رفاعة مورداً فقط لوروده في كلام السائل فلا يقيّد الاطلاقات الواردة في الباب، والحسين بن سماعة اعتبر دخول الزوج بينهما قيداً للحكم.
ثمّ قول ابن بكير: « هذا ممّا رزق الله عزوجل من الرأي » ظاهر في أنّه اجتهاد منه في المستفاد من الادلّة الشرعية، لا الرأي الشهواني.
مضافاً: إلى أنّ نقل الفتوى عن ابن بكير: دليل تعارف فتوى الاصحاب بما كانوا يفهمونه عن الادلّة.
إن قلت: ما الدليل على أنّ العوام كانوا يقلّدونهم في آرائهم هذه ؟
قلت: إذن إلى من كان يرجع العوام، إلاّ إلى هؤلاء الاصحاب حملة الاحاديث ؟ مع وضوح أنّ المعظم من الشيعة كانت أيديهم لا تصل إلى الائمّة الاطهار (عليهم السلام) أنفسهم.


النموذج الثالث

3. الروايات الارجاعية الّتي لا تحمل لفظة: الرواية، ونحوها، بل مشتملة على: معالم الدين، وأمر دينك، ونحوهما، ممّا لا انصراف لها بنقل صِرف الرواية مقابل سؤال المسألة وأخذ الفتوى. وإليك بعض ذلك:
فمنها: خبر أبي حمّاد الرازي عن الامام الهادي (عليه السلام): « ياأبا حمّاد، إذا أشكل عليك شيء من أمر دينك بناحيتك، فاسأل عنه عبدالعظيم بن عبدالله الحسني... »(16).
ومنها: معتبرة يونس بن يعقوب ـ الدائرة بين الموثّقة والصحيحة لرجوعه عن الفطحية، ولعلّ الثاني اقرب ـ قال: « كنّا عند أبي عبدالله (عليه السلام)، فقال: أما لكم من مفزع ؟ أما لكم من مستراح تستريحون إليه ؟ ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النصري ؟ »(17).
ومنها: صحيحة عبدالعزيز بن المهتدي، قال: « قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك إني لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبدالرحمن ثقة، آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟ فقال: نعم »(18).
وملاحظة وحدة السياق، ووحدة التعبير بـ « معالم ديني » في السؤال عن الامام الرضا (عليه السلام)، وعن يونس بن عبدالرحمن، لا تخلو عن الاشارة إلى عموم الثاني كالاوّل، فتأمّل.
ومنها غير ذلك.


النموذج الرابع

4. الروايات العديدة الارجاعية الّتي تحمل أمثال ألفاظ: « الرواية »، « أدّى إليك عنّي »، « فإنّه ثقتي وكتابه كتابي »، « إذا أردت حديثاً »، « فإنّه قد سمع من أبي »(19) ونحو ذلك.
مع ملاحظة فهم عدم الخصوصية ـ عرفاً ـ المؤيّد بفهم الفقهاء نظير ذلك من بابي القضاء والرواية، وتعدّيهم منهما إلى باب الفتوى، واستدلالهم بهما عليه، في مثل: « القضاة أربعة: ثلاثة في النار وواحد في الجنّة »(20) و « فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا »(21) ونحوهما.
فإذا صحّ الاستدلال بحجّية الفتوى بمثل: « فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا » ونحوه، فلِمَ لا يصح الاستدلال بـ « أدّى إليك عنّي » ونحوه بحجّية الفتوى أيضاً.
ثمّ إنّ الكلام هنا ـ إشكالاً وجواباً في ردع مثل هذه السيرة بمثل ما دلّ على عدم حجّية الظن ـ هو الكلام في خبر الثقة، وقد فصّل بحثه في الاُصول.


الوجه الخامس لجواز البقاء مطلقاً
بناء العقلاء

الوجه الخامس من أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت: بناء العقلاء، الجاري على رجوع الجاهل إلى العالم في حدسه في جميع الحرف، والصناعات، والعلوم، والموضوعات، وغيرها، والعمل بما تعلّم من حدس العالم حتّى بعد وفاة ذلك العالم، أترى أنّ مريضاً إذا راجع طبيباً فوصف له الطبيب دواءً ـ بحدسه الخاصّ في تشخيص المرض والدواء ـ ثمّ اشترى المريض الدواء، وقبل الاستعمال أخبر بوفاة الطبيب أتراه يترك ذلك الدواء إلى غيره ؟ أو أنّ رجلاً إذا أراد بناء بيت، وراجع مهندساً فخطّط المهندس له خريطة دار، وقبل شروع الشخص ببناء الدار أخبر بموت ذلك المهندس أترى العقلاء يلزمونه بضرورة ترك تلك الخريطة ومراجعة مهندس آخر حيّ ؟ وهكذا دواليك.
هذه هي سيرة العقلاء، وهذه السيرة هي الّتي اعتبرها جمع كما سبق(22) عمدة دليل التقليد في أصله، فكيف لا تكون دليلاً على الفرع ؟
وتمامية هذه السيرة صغرى وكبرى واضحة، والاشكال فيها صغرىً بما أورده الشيخ (قدس سره) في بقاء تقليد الميّت، غير وارد، لانّه مخالف للواقع الخارجي.
وكبرىً بعدم احراز الشرطين: الاتّصال بعصور المعصومين، وامضائهم لها، غير تامّ أيضاً، لتحقّق الشرطين أوّلاً، وعدم لزوم احرازه، والردع عنها يكفي في نفيه الاصل، كالخبر، والظواهر، وما يحتمل كونه رادعاً عنها إنّما هو في التقليد الابتدائي الّذي سيأتي الكلام عنه مفصّلاً ـ إن شاء الله تعالى ـ.
ثم إنّ هنا مناقشات طويلة في بناء العقلاء، صغرى وكبرى بحثناها في مباحث الاُصول أوّل الكلام عن الظنون الخاصّة.


الوجه السادس لجواز البقاء مطلقاً
الظهورات

الوجه السادس من أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت: الظهور المستفاد من اطلاق قول الامام العسكري (عليه السلام)في كتب بني فضّال حيث سئل (عليه السلام) عنها وبيوت الشيعة منها ملاء ؟ فقال (عليه السلام): « خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(23).
وهكذا ما ورد في جواب السؤال عن كتب الشلمغاني بعد ردّته، فقال الحسين بن روح (قدس سره): « أقول فيها ما قاله الحسن بن علي صلوات الله عليهما وقد سئل عن كتب بني فضّال... خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(24).
فإنّهما يدلاّن على جواز الاخذ بآرائهم لولا الانحراف العقيدي في بني فضال، والردّة في الشلمغاني مع معلومية أنّ بني فضّال كانت كتبهم في الايدي والبيوت وبعضهم كانوا أمواتاً، ولم يفصّل الامام العسكري (عليه السلام) بين ما قبل الموت وبعده، وكذلك الحسين بن روح (قدس سره) لم يفصّل ذلك في كتب الشلمغاني الّتي كانت في البيوت، ولم يقيّده بحال حياة الشلمغاني.
هذا من ناحية ومن ناحية أُخرى: فإنّ تخصيص ردّ ما رأوا ببني فضّال والشلمغاني دون غيره، ظاهره: حجّية آراء باقي الرواة الموثوقين، واطلاق ذلك وعدم التفصيل بين حال الحياة وحال الموت يفيد عموم الحكم لكلتا الحالتين.


مناقشات في الوجه السادس
المناقشة الاُولى

وأُورد عليه أوّلاً: بضعف السند، ولعلّه مرتفع بشهرته وتلقّيه بالقبول.


المناقشة الثانية

وثانياً: بأنّ هذا لا يعدو أن يكون مفهوم اللقب الّذي ليس بحجّة، إذ المورد لا يكون علّة للحكم حتّى يكون الحكم مرتفعاً بارتفاع المورد، فإنّ: « ذروا ما رأوا » لا يدلّ على إنّ تمام العلّة لترك الرأي هو كونهم بني فضّال، أو كونه الشلمغاني، حتّى يدلّ على عدم ترك الرأي ـ الملازم عرفاً للعمل به واتّباعه وتقليد صاحبه فيه ـ عند كون صاحب الرأي غير بني فضّال، وغير الشلمغاني.
ولو بالغنا قلنا بأنّه مفهوم الوصف ببيان: إنّ « ذروا ما رأوا »، معناه: اتركوا الرأي الموصوف بكونه رأي بني فضّال، أو الموصوف بكونه رأي الشلمغاني، فيدلّ على انتفاء الحكم، وهو الامر بترك الرأي، عند انتفاء الوصف وهو كونه رأي هؤلاء أو ذاك.
لكنّ المعروف ـ خصوصاً بين المتأخّرين ـ عدم دلالة الوصف على المفهوم، بالاخصّ إذا كان غير معتمد على الموصوف كما فيما نحن فيه.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ الروايتين ظاهرتان ـ ولو لمناسبة الحكم والموضوع ـ في علّية الانحراف لسلب حجّية الرأي، وعدم علّيته لسلب حجّية الرواية، ولازم هذه العلّية عدم الخصوصية لبني فضّال والشلمغاني.
وفيه: أنّ استفادة الظهور لم تكن لمجرد اللقلب أو الوصف اللذين تضمّنهما الكلام الصادر عن الامام العسكري (عليه السلام) والصادر عن الحسين بن روح (قدس سره) واستفادة الظهور من مجموع القرائن الحالية والمقالية، والشواهد والاعتبارات، الّتي تستفاد من هذا الكلام محفوفاً بتلك القرائن، إذ ظاهر: « وذروا ما رأوا » لانحرافهم، فالامر بترك آرائهم إنّما هو منحصر في جملة الانحراف الحاصل لهم، فالتعليل موجود في ذهن السائل، ويفهم أيضاً من كلامي: الامام (عليه السلام) والحسين بن روح (قدس سره).
وحديث عدم الاعتماد على مفهومي: الوصف واللقب، إنّما هو إذا كان الاعتماد على اللفظ فقط دون قرائن أُخر، كما لا يخفى.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: بأنّه يحتمل من: « ذروا ما رأوا » نفس الرأي الّذي ارتدّوا به لا آراؤهم في الاستفادة من الاخبار، فالرواية ساكتة عن آرائهم تلك.
وفيه: أنّ هذا ـ كما تقدّم ـ خلاف المتبادر من السياق، وإنّما الظاهر منه: إنّ الامام (عليه السلام) يريد أن يبيّن أنّ شرط الاخذ بالرأي هو الايمان المفقود عند بني فضّال، بخلاف الرواية فليس الايمان شرطاً فيها، بل الوثوق بالصدق كاف، ولذا استدلّ بعضهم بذلك في باب اشتراط حجّية الفتوى بكون المفتي إمامياً.


المناقشة الرابعة

ورابعاً: ظهور الرواية في الاطلاق، المصحّح لجواز الاخذ برأي الميّت المؤمن ابتداءً واستمراراً، مع إنّ ادّعاء الاتّفاق على عدم جواز التقليد الابتدائي من الميّت، يوجب سقوط هذا الظهور.
وفيه: دلالة الرواية بالاطلاق على فردين وخروج أحدهما بالدليل الخاص، لا يوجب سقوط الظهور في الفرد الاخر، وكم له في الروايات من نظائر وأشباه.


المناقشة الخامسة

وخامساً: يختلف الاستدلال حسب اختلاف المباني في باب التقليد، فهذا إن صحّ على مبنى وجود اطلاق لفظي في الباب، فلا يصحّ على مبنى عدم وجود اطلاق لفظي، وإنّما الادلّة اللفظية في مقام أصل جواز التقليد بعيدة عن الخصوصيات.
وفيه: يكفي صحّة الاستدلال على مبنى الاطلاق، فتأمّل.
هذا تمام الكلام في مسألة جواز البقاء على تقليد الميّت.
تقليد الميّت بقاءً: القول الثاني
وقد ذكرت له أدلّة أُخرى مثل: لزوم الحرج في إيجاب الرجوع إلى الحي بعد موت المقلّد ـ بالفتح ـ ونحو دوران الامر في التخيير بين الحي والميّت وبين التعيين للبقاء على الميّت، والانسداد، في بعض الازمان وبعض الامكنة، وغيرها ممّا يكون الاعراض عن كون ذكرها أحرى وأولى، لعدم سلامتها المطلقة أو مطلقاً بوجه.
وقد ظهر من هذه الوجوه الّتي ذكرناها سلامة هذا القول واقوائيته، والله العالم.


القول الثاني
وجوب البقاء مطلقاً ووجوه الاستدلال له

وأمّا القول الثاني: وهو وجوب البقاء مطلقاً على تقليد المرجع الميّت، فقد استدلّ له بوجوه غير خالية من النقاش.


الوجه الاوّل لوجوب البقاء مطلقاً
لغوية الجعل

الاوّل: لا شكّ أنّ التقليد طريق مجعول شرعي، أو لا أقل من أنّه امضاء شرعي، وموضوعه هو الشخص الّذي لا حجّة له على الاحكام الشرعية، فإذا كانت للشخص حجّة بتقليد مرجع جامع للشرائط فيكون جعل التقليد له ـ مع الفرض ـ لغواً، لكونه بلا موضوع، ولا أقل من الشكّ في مشروعيته بالنسبة إليه.
وما نحن فيه من هذا القبيل، فالّذي قلّد مجتهداً جامعاً للشرائط فمات، فهو ممّن له حجّة شرعية على الاحكام.
نعم لا يتمّ هذا الدليل إلاّ بعد إثبات كون ما بعد الموت وقبله واحداً بالنسبة إلى الحجّية، إمّا بالاستصحاب، أو بالاطلاقات، أو نحو ذلك.
فالاستصحاب ـ مثلاً ـ ينقّح الموضوع للحجّية، والحجّية تشمل حالتي: الحياة والموت، وهكذا.


مناقشة الوجه الاوّل

وفيه: أنّ مقتضى الحجّية التخييرية هي: جواز الاخذ بهذه الحجّة، وجواز ترك هذه والاخذ بالحجّة الاُخرى، ومع ثبوت جواز العدول إلى المجتهد الحي، تكون فتاوى الفقيه الميّت حجّة، وفتاوى الفقيه الحي حجّة أُخرى، فيجوز الاخذ بهذه، كما يجوز الاخذ بتلك.
إن قلت: ظاهر جعل الحجّية هي كونها بشرط لا ـ في مقام الاثبات ـ لانّ لازمها عدم حجّية غيرها، وهو مقتضى كون الحجّة بمنزلة العلم، فكما أنّ العلم بشيء لازمه العلم ببطلان خلافه، كذلك لازم الحجّية لشيء بطلان خلافها.
قلت: جعل الحجّية أعمّ من الانحصار، فالحجّية شيء، والحجّية المنحصرة شيء آخر، والفرق بين الحجّة المجعولة وبين الحجّة الذاتية ـ وهو العلم ـ في أنّ العلم لا يبقى معه مرتبة كاشف آخر، بخلاف جعل الحجّة فإنّ مرتبة جعل كاشف آخر معه محفوظ في مقام الثبوت، فكون الحجّة بمنزلة العلم يعني: في التنجيز والاعذار فقط، لا في كلّ ما للعلم من اللوازم والاثار.
وبعبارة أُخرى: في مقام جعل الحجّية لفتوى المجتهد الجامع للشرائط، الجعل إنّما هو للكلّي ذي المصاديق لا للشخص، ولعلّ التوهّم نشأ من خلط الكلّي بالشخص، فالكلّي له مصاديق، كلّ على نحو لا بشرط، والشخص معناه: كونه بشرط لا.
وما قيل: من أنّ جعل الحجّة لمن له حجّة، لازمه إمّا جمع المثلين أو الضدين أو النقيضين، فإن أفتى كلاهما بالوجوب لشيء معيّن فهو جمع المثلين، وإن اختلفا في الفتوى فهو جمع الضدّين أو النقيضين.
ففيه: ما تقدّم في بيان الحجّة التخييرية من أنّها على سبيل البدل، لا بشرط شيء، فالحجّية للكلّي ذي المصاديق معناها: إمّا هذا وإمّا هذا، لا هذا مع هذا جميعاً، فتأمّل.


الوجه الثاني لوجوب البقاء مطلقاً
الاستصحاب

الثاني: الاستصحاب وله تقريبان: تنجيزي وتعليقي، أمّا التنجيزي: فهو أنّه مع تماميّة أركان الاستصحاب وجريانه، يكون مقتضاه وجوب العمل به، لا جوازه.
وفيه: ما في الوجه الاوّل: من أنّ الجواب الجواب، فإنّ ذلك صحيح فيما لم تكن حجّة تخييريّة، والمفروض: التخيير بين الحجّتين ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.
نعم، ربما يصحّ ذلك مع تعيّن تقليده حال الحياة، فيختلف على المباني، فتأمّل.
وأمّا التعليقي، فتقريبه: أنّه لو كان حال حياة المرجع يعدل عنه، لم يكن جائزاً، فيستصحب عدم الجواز هذا.
وفيه: ـ مضافاً إلى الخلاف في التعليقي ـ إنّ الحجّة التخييرية جواب، وهو رافع لموضوع الاستصحاب، وهو الشك.
وما أجاب به بعض الفقهاء المعاصرين: من أنّه بعد رجوعه إلى الحي كان رأي الحي حجّة عليه.
ففيه: أنّ المفروض البحث عن الحكم قبل الرجوع إلى الحي وهل الرجوع إلى الحيّ جائز أم لا ؟ لا البحث عن الحكم بعد الرجوع إلى الحي.


القول الثالث
حرمة البقاء مطلقاً ووجوه الاستدلال له

وأمّا القول الثالث: وهو حرمة البقاء مطلقاً، فاستدلّ له أيضاً بوجوه غير سليمة عن البحث والكلام، وقد ظهر بعضها من خلال الوجوه المتقدّمة ولكنّا نذكرها بانفرادها أيضاً.


الوجه الاوّل لحرمة البقاء مطلقاً
الاجماع

الوجه الاوّل: الاجماع على حرمة البقاء على تقليد الميّت، وقد استظهر ذلك الشيخ الانصاري (قدس سره) من اطلاق المنع عن تقليد الميّت الشامل للبقاء أيضاً في كلماتهم ومعاقد إجماعاتهم، وادّعى: أنّ التفصيل بين الابتداء والاستمرار ليس له أثر في كلام المتقدّمين وأنّه حدث من بعض المتأخّرين كما قال: إنّه نصّ عليه السيد الصدر في محكي كلامه.


مناقشة الوجه الاوّل

وأُجيب عنه بوجوه أحسنها: الخدشة في الاجماع صغرى، وكبرى، ومعارضة.
أمّا صغرىً: فلانّه ليس أكثر من أن يكون إجماعاً منقولاً، لا يثبت إلاّ لمن اطمأنّ من ثبوته وتحقّقه، وهو غير مسلّم، خصوصاً بعد ما يلي:
1. عدم تعنون المسألة لدى القدماء ولا وجود ذكر منها ولا أثر، كما حكي عن السيّد الصدر (قدس سره) ممّا يستظهر منه عدم قصد القدماء كلاًّ أو جلاًّ لمسألة البقاء، فلا يكون اطلاقهم وكذلك اطلاق معاقد اجماعاتهم ناظرين إلى ما يشمل البقاء، بل ومنصرفين عنه أيضاً.
2. مقطوعية الخلاف كما لا يخفى.
وأمّا كبرىً: فلانّه ليس إجماعاً كاشفاً عن موافقة المعصوم (عليه السلام) لانّه محتمل الاستناد إلى بعض الوجوه المذكورة: من الاحتياط أو عدم جريان الاستصحاب، أو عدم التنبّه للاستصحاب، أو اعتماداً على أدلّة هي غير تامّة، ونحو ذلك ممّا هو كثير، يظهر للمتتبع من تضاعيف كلمات الفقهاء في مختلف الابواب، وإن كان لنا تأمّل وإشكال في سقوط الاجماع حتى المحقّق المحصّل منه بمجرّد احتمال استناده، وقد مرّ بعض الكلام عنه في شرح المسألة الاُولى، والتفصيل موكول إلى الاُصول.
وأمّا معارضة: فبأنّ اطلاق هذا الاجماع المنقول على حرمة تقليد الميّت، معارض باطلاق الاجماع المنقول على حرمة العدول، الشامل للعدول عن الميّت أيضاً، وكذلك معارض باطلاق الاجماع المنقول على جواز التقليد من المجتهد، فإنّه باطلاقه يشمل الاستمرار على تقليده حتّى بعد موته.
إلاّ أن يقال بانصراف العدول: إلى ما كان عدولاً عن الحي، وبانصراف تقليد المجتهد: إلى المجتهد الحي، ولو بقرينة تصريح جمع من المجمعين بإرادتهم من العدول المحرّم ما كان عن الحي، ومن تقليد المجتهد من كان حيّاً.
لكنّه محل تأمّل وإشكال، لادّعاء بعض المجمعين على حرمة تقليد الميّت: إنّ مرادهم بها الابتدائي لا مطلقاً.


الخدشة في إطلاق معقد الاجماع

وقد يقال: ـ في مقام الخدشة في اطلاق معقد الاجماع على حرمة تقليد الميّت، الشامل للابتدائي والاستمراري جميعاً ـ بأنّه كما سبق نقله أنّ المتقدّمين ليس في كلامهم عين ولا أثر من تقسيم التقليد للميّت إلى الابتدائي والاستمراري، وهذا يكشف عن عدم التفاتهم إلى التقليد الاستمراري للميّت، ولا أقل من كونه سبباً للشكّ في التفاتهم إليه، فكيف يحرز اطلاق معقد إجماعهم لما لم يحرز كونهم في مقام البيان من تلك الجهة ؟
ولا ينقض ذلك: بأنّه يوجب الخدشة في اطلاقات الروايات أيضاً، للفرق بين الكلام الصادر عن المعصوم (عليه السلام)، والصادر عن غيره، بإلتفات المعصوم (عليه السلام) إلى جميع التقسيمات، فإذا أطلق، كشف عدم التقييد عن إرادة الاطلاق إذا كان في مقامه، وأمّا غير المعصوم فربما لا يكون ملتفتاً إلى الانقسام ـ أو لا أقل من احتمال عقلائي لعدم التفاته ـ فكيف يكون عدم تقييده كاشفاً عن إرادته الاطلاق ؟
والجواب: إنّ العبرة في الاطلاق إنّما هي بكون المتكلّم في مقام البيان من تلك الجهة، وعدم الاطلاق إنّما هو إذا لم يحرز كون المتكلّم في مقام البيان من تلك الجهة، سواء كان له التفات، أم لا ؟ بل سواء كان له علم بالانقسام، أم لا ؟
مثلاً: لو أمر المولى عبده بشراء اللحم، ولا يعلم المولى أنّ بعض باعة اللحم النساء، وعلمنا عدم إلتفاته إليه، فهل هذا يخدش في الاطلاق ؟ أو علمنا أنّ المولى حينما أمر بشراء اللحم يعلم ويلتفت بوجود لحم البعير، والبقر، والغنم، جميعاً في السوق، ولم يقيّد اللحم بكونه من الغنم، فهل هذا يوجب كشف العبد، الاطلاق من إرادة المولى الاعم من لحم الغنم، فلعلّ المولى اعتمد على ما تعارف عليه من شراء لحم الغنم، وعدم شراء لحم غيره ؟
إذن: فالالتفات وعدمه لا يكونان ـ دائماً ـ ملاكاً للاطلاق وعدمه بحيث يدور الحكم وجوداً وعدماً مدارهما، وإنّما هما من جزئيات الاسباب للاطلاق أحياناً، فتأمّل.


أجوبة غير تامّة

وأُجيب عن الاجماع المدّعى بأجوبة غير تامّة.


الجواب الاوّل

الاوّل: عدم انعقاد الاجماع لوجود المخالف من المتأخّرين.
وفيه: أنّ المخالفة من المتأخّرين، لا تضرّ بالحجّية إذا تحقّق الاجماع من المتقدّمين في شتّى العصور، لما ربما يقال: بأنّ الاجماع إذا انعقد في زمان كان حجّة، لبناء العقلاء ـ وإن خدش في حجّيته التعبّدية حدساً ونحوه ـ.
والفرق بين هذا الجواب وبين ما قدّمناه من الخدشة في الصغرى: إنّ هذا المجيب ادّعى وجود المخالف في المتأخّرين، وما تقدّم كان تأمّلاً في أصل انعقاد الاجماع في زمان مّا.

الجواب الثاني

الثاني: إنّ الاجماع دليل لبّي، والمتيقّن منه هو المنع عن التقليد الابتدائي للميّت ويبقى التقليد الاستمراري غير مشمول للاجماع ومشمولاً لادلّة التقليد العامّة.
وفيه: ما تقرّر أيضاً بتفصيل في الاُصول: من أنّ الاجماع إذا كان له معقد مطلق أو عام، يؤخذ باطلاقه وعمومه كما يؤخذ بعموم اللفظ واطلاقه، لتحقّق الاجماع على الاطلاق والعموم، إلاّ إذا شكّك في الاطلاق للانصراف، أو عدم معقد مطلق له.


الجواب الثالث

الثالث: ما عن الفصول: من أنّ التقليد الاستمراري ليس بتقليد حقيقة، فلا يشمله الاجماع على حرمة تقليد الميّت.
وفيه: أنّ استمرار الشيء وبقائه هو عبارة عن وجوده في الزمان الثاني، وإلاّ لم يستمر ولم يبق.
مضافاً إلى أنّه يتمكّن من هدم التقليد فيتمكّن من ابقائه، لانّ طرفي الوجود والعدم كلاهما إمّا يدخلان تحت القدرة أو لا يدخلان تحت القدرة، والقادر على أحدهما قادر على الاخر، وإلاّ كان مُلجأً.
وما مثّل به بعضهم لتفنيد هذه القاعدة المسلّمة: من النقض بالقيام والقعود، حيث يمكن لشخص عدمهما ـ كالنائم ـ ولا يمكنه الاتيان بهما، فهو قادر على عدمهما، ولا يمكنه وجودهما.
ففيه: أنّه ملجأ إلى عدمهما، لا قادر، إذ الضدّين اللّذين لهما ثالث، يكون عدم كلّ ضد أعمّ من التلبّس ببقية الاضداد، لا بضدّ واحد منها، كما لا يخفى.


الوجه الثاني لحرمة البقاء مطلقاً
الفطرة

الوجه الثاني من أدلّة حرمة البقاء على تقليد الميّت: الفطرة، فإنّ عمدة الدليل للعامي على لزوم أصل التقليد هو الفطرة، والدليل الفطري كالاجماع لبّي لا إطلاق له ولا عموم، والمتيقّن منه هو الرجوع للحي، وغيره مشكوك الحجّية، والشكّ في الحجّية يساوق عدم الحجّية في مثل ما نحن فيه، ممّا لا دليل لفظي شامل يتمسّك به ـ كما هو المفروض ـ.


مناقشة الوجه الثاني

وفيه أوّلاً: الادلّة العقلية والفطرية ونحوهما من الوجدانيات، لا تكون مجملة، لظهور مناطاتها، فليس فيها قدر متيقّن وغير متيقّن، كما هو واضح، نعم قد يشكّ في شمولها لبعض الافراد، من جهة العوارض الخارجية، وليس ذلك من أجل إجمال الدليل، وإلاّ فاللفظ أيضاً قد يشكّ في شموله لبعض الافراد، فالماء ـ مثلاً ـ الّذي هو من أوضح المفاهيم قد يشكّ في صدقه على بعض المياه، فتأمّل.
وثانياً: إنّ الفطرة ـ كما يشهد الوجدان ـ لا تفرق بين الحياة والموت في السير على الاجتهادات، ويكفي دليلاً على ذلك متابعة الناس لاراء العلماء الحدسية في كلّ الفنون حتى بعد موتهم ما لم تتّضح أخطاؤهم.
خصوصاً ومسألة التقليد، والافتاء إنّما هي صرف الكاشفية عن التكليف الفعلي الّذي يكفي فيها تحقّق الرأي عند الفقيه آناً مّا، نظير نسيان الفقيه لفتواه الّذي لا يسقطها عن الحجّية على المشهور، المتسالم عليه في العصور المتأخّرة.


الوجه الثالث لحرمة البقاء مطلقاً
الاحتياط

الوجه الثالث: ما عن المحدّث الاسترابادي (قدس سره): من أنّ الرجوع إلى الحي أحوط وأولى.


مناقشة الوجه الثالث

وفيه: أوّلاً: إن كان المراد منه الاحتياط الاستحبابي ـ كما قد يظهر من عطف كلمة: « أولى » عليه ـ فلا يكون دليلاً للحرمة، إذ اللاّاقتضاء لا يكون دليلاً للاقتضاء، وإن كان المراد الاحتياط الوجوبي، فهو أوّل الكلام.
وثانياً: أيّ أولوية وأحوطية في العدول إلى الحي، مع ادّعاء بعض: الاجماع على عدم جواز العدول، الّذي قد يقال بأنّه يشمل اطلاق معقده للعدول بعد الموت، ولو بقرينة تصريح بعض المجمعين بعدم جواز العدول عن الميّت إلى الحي أيضاً، اللّهم إلاّ إذا قلنا بأنّ المراد: الاحتياط النسبي لا المطلق، ولعلّه خلاف المصطلح.
وثالثاً: إذا وصلت النوبة إلى الاحتمال، فكما نحتمل حرمة البقاء، كذلك نحتمل وجوب البقاء خصوصاً في بعض الموارد، كما لو كان الميّت أعلم من جميع الاحياء، فيعارض احتياط العدول احتياط البقاء، ويكون المرجع التخيير بينهما، للدوران بين المحذورين، فلا موضوع للاحتياط أصلاً.


الوجه الرابع لحرمة البقاء مطلقاً
الاغراء بالجهل

الوجه الرابع: كيف يفتي الفقيه الحي بجواز البقاء على تقليد الميّت الّذي لا شكّ أنّ بعض فتاوى ذلك الميّت مخالفة لفتاوى الحي ؟ وهل هذا إلاّ إغراء بالجهل عن علم وعمد، وإجازة للعمل بما يخالف الله ورسوله في نظر الحي، والعلم الاجمالي كالتفصيلي في الحجّية والتنجيز، والبقاء ينتشر بعدد فتاوى الميّت ؟


مناقشة الوجه الرابع

وفيه: نقضاً وحلاًّ:


المناقشة نقضاً

أمّا نقضاً: فكما يفتي الفقيه غير الاعلم بوجوب تقليد الاعلم، مع علمه بتخالفهما في العديد من الفتاوى، أو بوجوب تقليد الاورع مع ذلك.
هذا في الحكم، وأمّا في الموضوعات والاحكام جميعاً فكما يفتي بجريان الاستصحاب، والبراءة، والاشتغال، وغيرها من الاُصول الحكمية والموضوعية، وقاعدة الفراغ، وقاعدة اليد، وغيرهما من الاُصول الموضوعية، ممّا يعلم الفقيه حال الافتاء أنّ بعض هذه الامارات والقواعد ـ خارجاً ـ على خلاف الواقع، وما أكثر نظائره في الايات، والروايات، والفتاوى.
وما أجاب به عن ذلك المحقّق الخراساني (قدس سره): من عدم التفات الفقيه حال الافتاء، محل إشكال من جهات عديدة ذكرت بتفصيل في الانسداد من الاُصول.


المناقشة حلاًّ

وأمّا حلاًّ: فلانّ الفقيه يفتي للعامي بجواز عمل العامي هكذا، لانّ الدليل المكلّف للعامي ليس أكثر من ذلك، وليست الفتوى لنفسه حتّى تكون مخالفتها لنظره تناقضاً، وذلك لانّ لكلّ شخص تكليف نفسه حسب ما يعرض له من اليقين، والظن، والشكّ.
ألا ترى أنّ من عنده استصحاب نجاسة ماء، لو سأله آخر عن حكم الماء مع جريان استصحاب الطهارة لذلك الثاني، جاز للاوّل الافتاء للثاني بطهارة الماء له ـ واستفادة عدم جواز ذلك في بعض الموارد المعيّنة من الادلّة الخاصّة، لا يعمّمها لكلّ أبواب الفقه كما لا يخفى ـ ؟
وهنالك نظائر كثيرة لذلك لا حاجة إلى التطويل بسردها.
وكان الوالد قد أرجع في التقليد إلى ابن العم (قدس سرهما) وبالعكس، مع ما كان بينهما من اختلاف وجوه النظر في المعقول والمنقول والاُصول والفقه ـ مبنىً وبناءً ـ.
والميرزا القمّي في جامع الشتات (25) أجاز تقليد صاحب الرياض (قدس سرهما) على ما بينهما من الخلاف في المبنى والبناء، والفقهاء عادةً يرجعون الناس في التقليد إلى أساتيذهم، مع ما بينهم وبين أساتيذهم من الخلاف في كثير من المسائل مبنىً وبناءً.
هذا مضافاً إلى ما ربما يقال: من أنّ أدلّة حجّية ما استفيد من الادلّة الاربعة إن كانت شاملة لكل الفقهاء ـ ثبوتاً وإثباتاً لعدم مانع في المقامين، مع تمام المقتضي للشمول ـ جاز لكل فقيه ترك استنباطه الفعلي، واتّباع استنباط فقيه آخر، إلاّ إذا حصل له العلم القطعي بخلاف الواقع، وأنّ الشارع أراد الواقع في مثله، فكيف بأن يفتي لاخر بذلك ؟ ولعلّه يأتي تفصيل لبحث هذه المسألة فيما يأتي إن شاء الله تعالى عند شرح المسألة الثالثة والاربعين، وقد أوفينا بحث ذلك بعض حقّه في الاُصول في تتمات بحث حجّية الشهرة الفتوائية وعدمها.


الوجه الخامس لحرمة البقاء مطلقاً
انكشاف الخطأ

الوجه الخامس: من أدلّة حرمة البقاء على تقليد الميّت: ما مرّ نظيره من أنّ المجتهد بالموت ينكشف له خطؤه في بعض فتاواه، فيعدل المجتهد الميّت عن تلك الفتاوى، ومع هذا العلم الاجمالي برجوعه عن بعض فتاواه، كيف يجوز للمجتهد الحي الفتوى بجواز البقاء على مجموع فتاوى الميّت، مع عدم العلم بموارد عدول الميّت عن فتاواه حتى يستثنيها ؟


مناقشات في الوجه الخامس
المناقشة الاُولى

وفيه أوّلاً: لا تنافي بين جعل الحجّية وبين مطلق العلم الاجمالي بالكذب، أو مخالفة الواقع في بعضها، كما في جعل الحجيّة للامارات والطرق الّتي يعلم إجمالاً مخالفة الواقع في بعض أفرادها، والكلام الكلام، والاشكال الاشكال، والنقض النقض، والجواب الجواب.


المناقشة الثانية

وثانياً: ما أسلفناه ـ في الوجه الثالث من أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت ـ من عدم الدليل على عدوله في عالم البرزخ عن فتاواه الّتي أخطأ فيها، بل لا دليل على معرفة خطئه في البرزخ أيضاً، فضلاً عن عدوله، فلعلّه لا يعرف القصور ـ على الاطلاق أو مطلقاً ـ وإنّما يعرف التقصيرات فقط.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: من أين لنا العلم الاجمالي بخطأ هذا المجتهد في فتاواه ؟
نعم، هناك علم إجمالي بخطأ بعض المجتهدين في بعض فتاواهم، لكنّه منحلّ بخروج معظم الاطراف عن محل الابتلاء، أو كونه غير محصور ـ على تفسيرات شتّى لغير المحصور ـ ونحو ذلك، وأين هذا من العلم بخطأ هذا المجتهد المعيّن الّذي كان يجب تقليده في خصوص الفتاوى الّتي هي محل ابتلاء هذا المقلّد ؟
مضافاً إلى أنّ نفس هذا العلم الاجمالي بالخطأ موجود في المجتهدين الاحياء، فكيف يجوز تقليد مجتهد حي مع وجود هذا العلم الاجمالي بالخطأ ؟ وكيف يجوز لمجتهد الفتوى بوجوب ـ أو جواز ـ تقليد المجتهد الّذي جمع هذه الشرائط مع علمه بخطئه في بعض فتاواه ؟
والجواب عن هذا هو بنفسه الجواب عن ذاك، وإن كان ربما يورد على ذلك: بأنّ فتوى فقيه بجواز البقاء مطلقاً لكلّ مقلّد على تقليد كل المجتهدين بعد موتهم، مثل هذه الفتوى الكلّية مع وجود الاختلاف بين الفقهاء الاموات في فتاواهم يساوق العلم الاجمالي بذلك، لكنّه ذكرنا أيضاً: أنّه من العلم الاجمالي المنحل، لعدم انحصاره ـ على تفاسيره المختلفة الّتي تزيد على العشرة كما حقّقناه في الاُصول ـ أو لخروج معظم الاطراف عن محل الابتلاء بالخصوص، أو لغير ذلك.


المناقشة الرابعة

ورابعاً: إذا شككنا، فالمرجع الاستصحاب، كما كان الاستصحاب مرجعاً لدى الشكّ في أنّ رأي الحي تبدّل أم لا.
نعم الفرق بينهما: إنّ الشكّ في تبدّل رأي الحي شكّ في الرافع، وفي الموت شكّ في المقتضي وإن كان قد يقال بإمكان إرجاعه إلى الشكّ في الرافع أيضاً، فتأمّل.


الوجه السادس لحرمة البقاء مطلقاً
انحصار المرجع

الوجه السادس: من أدلّة حرمة البقاء على تقليد الميّت هو: إنّه لو أُجيز ـ بالمعنى الاعمّ ـ البقاء على تقليد الميّت كان لازم ذلك صحّة انحصار المرجع لكلّ المؤمنين في ميّت واحد لامكانه، وهو مناف لضرورة المذهب.


مناقشة الوجه السادس

وفيه أوّلاً: إنّ هذا الاستدلال يناسب التقليد الابتدائي، فذكرهم له في التقليد الاستمراري غير ظاهر الوجه، إلاّ إذا أُريد به وحدة مرجع التقليد في زمان قصير جدّاً، كما إذا مات ذلك المرجع ولم يبلغ بعد موته شخص بحيث يحتاج إلى التقليد، حتّى لا يكون تقليداً ابتدائياً، وهو كما ترى.
مضافاً إلى أنّه يكون كالمرجع الواحد الحي، إذا انحصر فيه التقليد لاعلميته أو لغير ذلك، فالكلام الكلام والجواب الجواب.
وثانياً: في هذا الوجه إشكال صغرى وكبرى:
أمّا صغرى: فبأنّه لا يلزم وحدة مرجع التقليد الميّت إلاّ إذا كان الميّت مجمعاً لجميع الشروط المسلّمة، الّتي هي محل خلاف كلّ واحد واحد منها، بأن كان الميّت أعلم ـ بالمعنى الجامع لكلّ القيود المتّخذة في معناه من قبل جميع الفقهاء: بأن كان أدقّ نظراً، وأوسع اطّلاعاً للروايات، وللاشباه والنظائر، وأقوى حافظة وأذكى... ـ وكانت له فتوى في كلّ المسائل الّتي هي محل الابتلاء في مختلف العصور والازمان، وقلنا بوجوب تقليد الاعلم سواء كان حيّاً أم ميتاً، مع كلّ ذلك يلزم الانحصار، وكيف تتحقّق هذه الشروط الّتي منها إحراز كون الميّت أعلم من جميع الاموات والاحياء ـ بناءً على لزوم تقليد الاعلم ـ.
وأمّا كبرى ؟ فليكن هذا اللازم، ولا نسلم مخالفته لضرورة المذهب، وما الدليل على ذلك ؟ غايته الاستبعاد الناشئ من عدم اتّفاق مثله.


الوجه السابع لحرمة البقاء مطلقاً
إندراس الدين

الوجه السابع: من أدلّة حرمة البقاء على تقليد الميّت هو: ما روي صحيحاً في علل الشرائع مسنداً عن يعقوب السرّاج قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): « تبقى الارض بلا عالم حيّ ظاهر يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم ؟ فقال (عليه السلام) لي: اذاً لا يعبد الله ياأبا يوسف »(26).
بتقريب: أنه يجب الفزع إلى العالم الحي، وفي البقاء على تقليد الميّت لا يكون الفزع إلى العالم الحي.


مناقشات خمس في الوجه السابع
أُولاها

وفيه أوّلاً: أنّ ظاهر الرواية ـ ولو بقرينة الحال واستيناس الذهن المطّلع على أُسلوب كلمات الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) أنّ المقصود من « العالم الحي » فيها: الامام المعصوم (عليه السلام) لا الفقهاء.
ويؤيّد ذلك رواية البصائر لهذه الرواية نفسها عن يعقوب السرّاج بهذه العبارة: « قلت لابي عبدالله (عليه السلام): تخلو الارض من عالم منكم حي ظاهر... » باضافة كلمة: « منكم ».
وما يقال: من أنّ الاصل كونهما روايتين، يدفعه وحدة الراوي، والمروي عنه، والسند، وسائر كلمات الرواية، ومع هذا كلّه فالاصل العقلائي لا مسرح له في مثله.
وما قيل: من أنّه بعد الاطمئنان بكونهما رواية واحدة، فالاصل مع نسخة العلل، لانّ الاصل عدم تكلّم الراوي بكلمة: منكم، زيادة عمّا تكلّم به. يدفعه: بأنّ هذا الاصل وهو استصحاب العدم الازلي لا يثبت العدم النعتي، مع أنّه معارض بأصل عدم زيادة هذه الكلمة.
مضافاً إلى أنّه معارض بأصل الظهور، وهو متى دار الامر بين: زيادة كلمة، أو نقيصتها، فالظاهر عدم زيادتها، ومعنى ذلك: أظهرية الرواية الّتي فيها الكلمة الزائدة من الّتي ليس فيها، فرواية البصائر تكون أقوى على ما هو مبنى القوم صناعياً.
اللّهم إلاّ إذا قلنا بأنّ هذه أظهرية دقّية ولا عرفية لها، ولا أقل من الشكّ في عرفيتها، وذلك لا يجعلها أظهر، المبني عليه حجّية وعدم حجّية خلافه، فهما ـ الزيادة والنقيصة ـ متعارضان، عرفاً، فيتساقطان، إذ الملاك في الاظهرية هي العرفية الواضحة.


ثانيتها

وثانياً: مع التنزّل لا تدّل هذه الرواية على المنع من البقاء على تقليد الميّت، لانّها تدلّ على لزوم وجود عالم حي، يفزع إليه في الحلال والحرام، ونحن نلتزم في عرض جواز البقاء على تقليد الميّت، بضرورة وجود مرجع حي، لاُمور:
1. مراجعته في المسائل والموضوعات المستحدثة، وبيان أحكامها.
2. مراجعته في تولّي شؤون المسلمين العامّة من الحرب والسلم، والمعاهدات الدولية وغيرها من باب الولاية العامة أو الحسبة، على الخلاف.
3. مراجعته في تولّي الشؤون الخاصّة للافراد كالغيّب، والقصّر، ونحوهما.
4. مراجعته في مسألة جواز البقاء على تقليد الميّت ـ إن لم يستقل عقل المقلّد بجوازه ـ.
إلى غير ذلك من ضرورات وجود مرجع حي يفزع اليه.
والحاصل: إنّا لا ننفي لزوم وجود مرجع حي، ليفزع إليه المسلمون فيما لا يمكن الفزع فيه إلى مجرد الفتوى، وإنّما نثبت جواز العمل بقاءً بآراء المجتهد الميّت.


ثالثتها

وثالثاً: إنّ الحياة المذكورة في الرواية من قبيل مفهوم الوصف ـ إن اعتبرنا وصفية لفظة: « حي» للـ « عالم » الّذي اشتهر بين القوم عدم حجّيته.
أو من مفهوم اللقب ـ إن لاحظنا الموصوف، إذ الوصف لا يزيد على موصوفه في الدلالة على المفهوم، والموصوف لقب لا وصف ـ الّذي كاد أن يطبق على عدم حجّيته أنظار الفقهاء قديماً وحديثاً.


رابعتها

ورابعاً: إنّه في كلام الراوي لا الامام (عليه السلام).


خامستها

وخامساً: جواب الامام (عليه السلام) جاء على جميع الكلام من حيث أنّه جميعه، ولا مفهوم لكلّ كلمة منه، ألا ترى أنّه لا يدلّ على اشتراط حضور مرجع التقليد في حجّية فتاواه، بل ولو كان مسجوناً كانت فتاواه حجّة، وكذا لا تدلّ هذه الرواية على اشتراط حجّيته بفزع الناس إليه، بحيث إنّه لو لم يقلّدوه لم تكن فتاواه حجّة.
من كلّ ذلك ظهر عدم استناد القول بحرمة البقاء على تقليد الميّت على مستند مكين.


القول الرابع
التفصيل بين كون الميّت أعلم أو الحي

وأمّا القول الرابع فهو: الّذي فصّل بين كون الميّت أعلم فيجب البقاء، أو الحي أعلم فيجب العدول، أو لا هذا ولا ذاك فيتخيّر.
وهذا التفصيل ـ فتوى ـ مستحدث، وإن كان احتمالاً صرّح به شريف العلماء وتبعه صاحب الضوابط احتمالاً ثامناً في المسألة(27) وإن احتمل ذلك أيضاً بالنسبة إلى بعض المطلقين من السابقين، إذ اطلاقهم منصرفة إلى موت المقلَّد ـ بالفتح ـ من حيث هو، لا من جهات أُخر، فتأمّل.
قال في المستمسك: « هذا كلّه مع تساوي المجتهدين: الميّت والحي في العلم، أمّا مع الاختلاف فالظاهر أنّه لا إشكال في بناء العقلاء على تعيّن الرجوع إلى الاعلم، فيجب العدول إلى الحي إن كان أعلم، كما يجب البقاء إن كان الميّت أعلم، بلا فرق بين ما علم وعمل وبين غيره، لعدم الفرق في بناء العقلاء المذكور، ولا مجال حينئذ للرجوع إلى الاُصول شرعية أو عقلية، نعم لو كان الرجوع إلى الاعلم من جهة الحكم العقلي بالتعيين عند الدوران بينه وبين التخيير كان الاصل الشرعي وارداً عليه، فيتعيّن الرجوع إلى الاصل المتقدّم... »(28).
ومقصوده (قدس سره) بالاصل الشرعي الاستصحاب، ووروده على أصل التعيين من جهة أنّ الاستصحاب أصل محرز، وأصل التعيين أصل غير محرز، والاصل المحرز دائماً رافع لموضوع الاصل غير المحرز، فالاستصحاب رافع لموضوع أصل التعيين وهو الشكّ ـ رفعاً تعبّدياً ـ بخلاف أصل التعيين فإنّه لا يرفع موضوع الاستصحاب وهو الشكّ المبني على اليقين السابق وليس الاستصحاب وأصل التعيين متكافئين حتّى يتساقطان لذلك.
وما قيل: من أنّ بينهما سببية ومسببية ولاجلها قدّم الاستصحاب على أصل التعيين، غير واضح، للزوم وحدة المجرى، وليست بين العرش والفرش، نظير الامارة والاصل المحرز، فتقدّمها ليست للسببية المجرّدة، بل لتقدّم موضوعه، فتأمّل.
ثم إنّ العقلاء ـ كالشرع وهو سيّد العقلاء ـ لهم أمارات، وأُصول محرزة، وأُصول غير محرزة، على ما حقّقنا ذلك في بحث الاستصحاب من الاُصول، فالعقلاء لهم بناء على حجّية خبر الثقة، والظواهر، بعنوان الامارية، ولهم بناء على الفراغ والتجاوز، بعنوان الاصل المحرز، ولهم بناء على البراءة في الشكّ في التكليف ـ كما هو المشهور ـ وعلى الاشتغال في الشكّ في المكلّف به، بعنوان الاصل العملي غير المحرز، فليس مجرّد وجود بناء للعقلاء دليلاً على الاماريّة والتقدّم على الاُصول الشرعية والعقلية، فبناء العقلاء على تعيّن الرجوع إلى الاعلم، قد يكون من باب المبرئية المسلّمة دون العالم، فيكون من باب أصالة التعيين، فيكون أصلاً عملياً لا أمارة، فيلزم إحراز أنّ البناء العقلائي على نحو الامارية والكاشفية، حتّى يكون مقدّماً على الاُصول الشرعية والعقلية، فتأمّل.
ووافق المستمسك على ذلك في التنقيح قال: « إذا علمنا أعلمية أحدهما فالمتعيّن هو الرجوع إلى أعلمهما سواء كان هو الميّت أم الحي ـ إلى أن قال ـ: إنّ السيرة العقلائية قد جرت على الرجوع إلى الاعلم من المتعارضين بلا فرق في ذلك بين الاعلم الحي والميّت، ولم يردع عنها في الشريعة المقدّسة.
إذن: لا مناص في المقام من التفصيل بين ما إذا كان الميّت أعلم من الحي فيجب البقاء على تقليده، وما إذا كان الاعلم هو الحي فلا يجوز البقاء على تقليد الميّت »(29).


هنا إيرادات
الايراد الاوّل

ولكن قد يورد على ذلك كلّه أوّلاً: بالاشكال والنقاش في استقرار بناء العقلاء على لزوم وحتمية تقليد الاعلم، مقابل الاحسنية والافضلية اللاّاقتضائية، نظير الخبر الحسّي الّذي لا إشكال في مراجعة الاوثق والاضبط فيه على نحو الافضلية، دون اللزوم، المستلزم لعدم حجّية الضابط والثقة في الحسيّات، وسيجيء البحث عن ذلك مفصّلاً في شرح المسألة الثانية عشرة إن شاء الله تعالى.


الايراد الثاني

وثانياً: بناء العقلاء وحده لا يؤسّس طريقاً شرعيّاً، إلاّ إذا لم يكن فيما وصل من الشرع ما يحتمل الرادعية عن ذلك البناء، أو يحتمل عدم الاعتداد بذلك البناء، من قبل الشرع، ولعلّ إطلاقات التقليد كافية للردع عن التزام هذا البناء، أو لعدم الاعتداد به ولزومه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وسيأتي بيان توقّف حجّية الاطلاق على عدم احتمال قرينية الموجود، وأنّ بناء العقلاء هل تحتمل قرينيته أم لا ؟
ولا ينافي ذلك ما تسالموا عليه وقرّرناه مكرّراً: من أنّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية، ولا تحتاج إلى إمضاء شرعي، ولكن هذا غير الردع الشرعي أو احتمال الرادعية في الموجود عن الشرع.


الايراد الثالث

وثالثاً: إنّ هذا الاطلاق لوجوب تقليد الاعلم، من الحي أو الميّت، يجب تقييده ـ كما سيجيء إن شاء الله تعالى ـ وقد قيّده في التنقيح: بأن لا يكون الاعلم وغير الاعلم متوافقين في الفتوى، وإلاّ كان الاستناد إلى غير الاعلم كالاستناد إلى الاعلم مجزياً وعلى حدّ سواء، لانّ الاستناد الخاص ـ بما هو استناد ـ لا موضوعية له في مثل ما نحن فيه كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.


الايراد الرابع

ورابعاً: إنّ كون المرجع عند الدوران بين التعيين والتخيير هو التعيين مطلقاً، محلّ كلام ونقاش طويلين مبنيان: على أنّ التعيين قيد زائد، أم التخيير قيد زائد، حتّى ينفى بأصل العدم، ويأتي بمناسبة البحث عن ذلك إن شاء الله تعالى.
وعلى كلّ: فمرجع هذا القول إلى وجوب تقليد الاعلم مطلقاً، استثني منه صورة التقليد الابتدائي للميّت الاعلم من جهة الاجماع المدّعى على حرمته عند من يرى حجّية مثل