المسألة (1): يجب الوجوب ـ بمعنى الحكم اللزومي على فعل شيء يذمّ على تركه ذماً بالغاً أكيداً، ويحثّ على فعله حثّاً بالغاً أكيداً ـ ينقسم إلى عدّة تقسيمات:
تقسيم الوجوب إلى العيني والكفائي ـ بلحاظ المحكوم بالوجوب ـ.
والعيني: هو الالزام المتعلّق بجميع الافراد، ولا يغني فعل بعضهم عن بعض.
والكفائي: هو المتعلّق بجميع الافراد، ويغني فعل بعضهم عن الاخرين.
والتخيير بين التقليد والاجتهاد والاحتياط عيني، لا يغني عمل البعض عن الاخرين، ولا
احتمال آخر في المقام ـ إلاّ اللّهم في الاجتهاد الّذي هو كفائي على المشهور كما
سيأتي و هو خارج عن ما نحن بصدده من تكليف كل شخص لعمل نفسه، إذ الاجتهاد الكفائي
هو لحفظ الاحكام عن الاندراس، وعمل الاخرين، ونحو ذلك ـ فلذلك لا نوسّع هذا التقسيم
بحثاً.
تقسيم الوجوب إلى التكليفي، والوضعي، والمقدّمي.
وأمّا الغيري والنفسي فليسا قسيمين لهذه الثلاثة، وإنّما هما قسمان للتكليفي، إذ
التكليفي إمّا نفسي كالصلاة، أو غيري كالوضوء.
فالتكليفي هو الالزام، والوضعي هو الثبوت، والمقدّمي ما كان مقدّمة لحصول تكليف أو
وضع، أو مقدّمة لسقوطهما، و حيث إنّ العلم ـ الوجداني أو التعبّدي ـ هو الطريق
المتعارف للواقعيات، عدّ ـ مسامحة ـ الوجوب المقدمي مقدمة للعلم بثبوت أو سقوط، و
إلاّ فلا وجوب للعلم إلاّ في العقائد ـ كما عليه المشهور ـ و سيأتي إن شاء الله
تعالى بحثه.
وقد استعمل الوجوب بالمعاني الثلاثة في الروايات، ففي خبر داود بن سرحان، عن أبي
عبدالله (عليه السلام): « إذا أولجه فقد وجب الغسل والجلد والرجم ووجب المهر »(1).
هذا للوجوبين التكليفي والوضعي.
وفي الصحيح ـ على الاصحّ بإبراهيم بن هاشم ـ فيمن كان له ثوبان أحدهما نجس ولا
يعرفه بعينه، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «يصلّي فيهما جميعاً »(2).
تقسيمات الوجوب
وهذا الوجوب مقدّمة لحصول الصلاة ـ في الثوب الطاهر ـ التي اشتغلت الذمّة بها عند
دخول الوقت، وحيث إنّ العلم بذلك يتوقّف على تكرار الصلاة في الثوبين وجبتا، وهي
أيضاً مقدّمة للعلم بسقوط التكليف.
ولا يخفى: إنّ مادة الوجوب من أضداد اللغة، وقد استعمل للثبوت وللسقوط جميعاً في
العديد من الروايات، ومن الثاني: حديث الامام الصادق (عليه السلام): «وقت
المغرب حين تجب الشمس إلى أن تشتبك النجوم»(3).
تقسيم الوجوب إلى العقلي، والعقلائي، والفطري، والشرعي، يعني: الدالّ على
اللزوم إمّا هو حكم العقل، أو سيرة العقلاء، أو الفطرة، أو الشرع، والوجوب
المذكور في المتن يمكن كونه ـ في مقام الثبوت ـ كلّ واحد من الاربعة، ولعلّ النسبة
بين كلّ واحد من هذه الاربعة مع البقيّة العموم من وجه ـ لكن بملاحظة ملاكاتها
ومناطاتها ـ فليس كل وجوب عقلي شرعيّاً، ولا عقلائيّاً، ولا فطريّاً، بمعنى: أنّه
لولا إيجاب العقل، لما استفيد من الشرع وجوبه، ولا من سيرة العقلاء، ولا من الفطرة،
وكذا الوجوب الشرعي ليس مطلقاً عقلياً، ولا عقلائياً، ولا فطريّاً، وهكذا دواليك.
نعم، الشرع لا يخلو من الارشاد إلى كلّ الوجوبات الثلاثة بالخصوص أو العموم على ما
حقّق في محلّه، كما عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) في حجّة الوداع فقال: « ياأيها الناس ! ما من شيء يقرّبكم من الجنّة
ويباعدكم من النار، إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من
الجنّة، إلاّ وقد نهيتكم عنه...»(4).
والفرق بين الوجوبين العقلي والفطري، هو: كلّما كان يدرك من سيرة الحيوانات،
والاطفال، فهو وجوب فطري، وكلّما لم يكن يلمس منهم فهو عقلي ـ كما قاله بعضهم ـ.
وأمّا المناطات والملاكات لهذه الاقسام الاربعة من الوجوب فهي كالتالي:
أمّا الوجوب العقلي فمناطه إمّا وجوب شكر المنعم ـ كما قيل ـ وإمّا وجوب دفع الضرر
المحتمل على سبيل منع الخلوّ ـ كما أصرّ عليه بعض مشايخنا المعاصرين ـ.
وأمّا الوجوب العقلائي: فمناطه هما، مع جلب النفع على سبيل منع الخلوّ أيضاً،
والكاشف عن ذلك استقرار سيرة العقلاء من كلّ دين ونحلة على شيء بنحو اللزوم.
وأمّا الوجوب الفطري: فمناطه وجوب دفع الضرر المحتمل ـ كما هو المعروف ـ أو الاعمّ
منه ومن وجوب جلب المنفعة الملزمة، إن لم يرجع الثاني إلى الاوّل، فتأمّل.
وأمّا الشرعي: فمناطه ثبوتاً: المصالح البالغة المؤكّدة، والمفاسد البالغة
المؤكّدة.
وإثباتاً: الامر المولوي الشرعي الالزامي، إذ لا طريق إليه سواه، لانّ مناطات
الاحكام الشرعية، لا يعلم بها إلاّ الله تعالى، و إذا علم النبي أو الوصي (عليهما
السلام) منها شيئاً فبتعليم الله، كما يدلّ عليه الحديث الشريف المعروف:
« إنّ الله أدّب نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على أدبه... ففوّض إليه دينه »(5).
وعن الامام الصادق (عليه السلام): « فما فوّض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) فقد فوّضه إلينا »(6).
لكن في كبرى الثلاثة الاُوَلْ وصغرى الاخير، إشكال.
أمّا وجوب شكر المنعم: فلا يُلزمه العقل كلّية، نعم كلّ منعم ولو بنعمة، صغيرة
جّداً، يحسن شكره، أمّا أنه يلزم شكره بحيث يأمر العقل به أمراً أكيداً إلزامياً،
ويذّم على تركه ذمّاً بالغاً، فلا.
فهل تجد من نفسك إنّه إذا قدّم لك إنسان فلساً واحداً، في ظرف لا تحتاج أنت إلى ذلك
ولا ينقص المعطي شيئاً، فإن لم تشكره تكون أنت فاعلاً للحرام العقلي يذمّك العقل
ذمّاً بالغاً، ويؤكّد على فعله تأكيداً إلزاميّاً ؟ كلاّ.
نعم يرى العقل حسن شكره، ويحكم بحسنه، ويبعث على شكره بعثاً غير إلزامي ـ على
الاصح من تحقّق الحكم للعقل كما سيأتي بعض الحديث عنه ـ. ومن المعلوم: أنّ بين
البعث غير الالزامي والبعث الالزامي فرقاً واضحاً، لكن ظاهر إطلاق جمع من
المعاصرين وجوب شكر المنعم مطلقاً، ولعلّه ليس كما ينبغي، والّذي أوقعهم في ذلك
هو: دقة الفرق بين مطلق الحسن، وبين الوجوب، فحسبوا تحسين العقل الشكر، وجوباً وكلّ
بعث عقلي بعثاً إلزاميّاً.
نعم المنعم بنعمة كبيرة يجب شكره عقلاً وأظهر مصاديقه على الاطلاق هو الله تعالى
الّذي أنعم على الانسان بجميع النعم العظام، ولكن أين هذا من كلّية الكبرى ؟
فالصغرى مسلّمة، وهي تفيدنا فيما نحن فيه ـ بعد تسليم أنّ التقليد أو الاجتهاد أو
الاحتياط من مصاديق شكر الله تعالى ـ وأمّا الكبرى، فلا.
ثمّ إنّه أورد على المستمسك في قوله ـ تبعاً للقوم ـ بالوجوب العقلي من باب وجوب
شكر المنعم بإيرادين.
الاوّل: بأنّه لو ترك الشكر فإن استحقّ العقاب كان داخلاً في دفع الضرر، وإلاّ فلا
وجوب.
الثاني: بأنّه عليه، كان الوجوب للشكر غير مختص بأطراف العلم الاجمالي بل شاملاً
لموارد الشبهة البدوية أيض (7).
لكنّه يلاحظ عليه بالنسبة للايراد الاوّل: إنّ سببيّة استحقاق العقاب على الترك
أعمّ من دفع الضرر، وإلاّ لاقتضى ذلك نفي الوجوب الشرعي، لانّ تركه سبب لاستحقاق
العقاب.
وبالنسبة للايراد الثاني: نلتزم ـ كما التزموا ـ بالوجوب للشكر حتّى في البدويات،
وإنّما خرجوا عن ذلك بـ « رفع ما لا يعلمون » ونحوه، فتأمّل.
وأمّا وجوب دفع الضرر المحتمل: فلا يُلزمه على نحو الكلّية، لا العقل، ولا سيرة
العقلاء، ولا الفطرة السليمة، فالضرر إمّا بالغ كبير، أو صغير حقير، وكلّ منهما
دنيويّ وأُخرويّ.
أمّا الضرر البالغ الكبير فلا شكّ أنّ دفعه لازم بالفطرة والعقل وسيرة العقلاء سواء
كان دنيويّاً كضرر القتل وقطع الاطراف وتلف كلّ ما يملك، أم أُخرويّاً كضرر إرتكاب
المحرّمات الموجب لاستحقاق العقاب في الدار الاخرة.
وأمّا الضرر الحقير اليسير فلا تُلزم الفطرة دفع المتيقّن منه، فكيف بالمظنون منه
أو المحتمل، سواء كان دنيوياً كضرر نتف شعرة خفيفة أو قلع جلدة رقيقة، أم
أُخرويّاً كضرر: « سوء الحساب » الّذي يخافه المتّقون في قوله تعالى:
(وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)(8) المفسّر بالمداقة في
الحساب ؟
نعم يحكم الفطرة والعقل والعقلاء بحسن دفعه، لكن بلا إلزام على فعله، أو ذمّ أكيد
على تركه إذا لم يكن في ذلك الضرر اليسير، نفع مساو أو أكثر، وإلاّ ربما حكم الفطرة
والعقل والعقلاء بحسن إرتكابه، كما هو المشاهد في الحيوانات إنّهم إذا اشتدّ بهم
الجوع يهجمون على الطعام وإن كان في ذلك تيقّن أو احتمال ضربهم ضرباً يسيراً، وكذا
العقل يحسّن التعرّض للضرر المالي أو البدني اليسيرين في مقابل نفع أكثر.
وهكذا استقرّت على ذلك سيرة العقلاء بلا نكير.
وإذا كان هذا حكم دفع الضرر المحتمل، فبالاولى يكون هكذا حكم جلب النفع المحتمل،
فالكلّية منظور فيها، في وجوب شكر المنعم، وفي دفع الضرر المحتمل، وفي جلب النفع
المحتمل.
وأمّا الوجوب الشرعي ـ الّذي مناطه في مقام الثبوت المصالح والمفاسد البالغة، وفي
مقام الاثبات الكاشف عنه الامر المولوي من الشارع ـ فلا إشكال في إمكانه في مرحلة
الثبوت.
وما اشتهر أخيراً من أنّه كلّما كان في واقعة حكم عقلي، أو فطري فالحكم الشرعي فيه
ـ إذا ورد ـ لا يكون إلاّ إرشاداً إلى حكم العقل أو الفطرة، ولا معنى للحكم
المولوي فيه. ففيه: إنّه ليس معنى الحكم المولوي إلاّ الحكم المستتبع بذاته
لاستحقاق العقاب، وأيّ مانع في أن يحكم الشارع بوجوب واحد من: الاجتهاد،
والتقليد، والاحتياط، على سبيل التخيير، فيكون حكمه هذا مستتبعاً لاستحقاق
العقاب على مخالفته ؟
إن قلت: أيّ أثر لهذا الحكم الشرعي بعد ما يحكم العقل قطعاً بلزوم اختيار إحدى هذه
الطرق الثلاث في أداء التكاليف الشرعية ؟
قلت: البحث لا يدور ـ في مقام الثبوت ـ مدار الاثر وعدمه، وإنّما يدور مدار المحذور
العقلي وعدمه، فإن كان الحكم المولوي الشرعي في مورد ذا محذور عقلي ـ نظير حكمه
بوجوب الاطاعة وحرمة المعصية المستلزم للدور أو التسلسل المحالين عقلاً ـ فنلتزم
بعدم إمكانه، وأمّا إن لم يكن فيه محذور عقلي، فمجرّد الاستغناء عن حكم الشرع بحكم
العقل أو الفطرة لا يوجب عدم إمكان الحكم المولوي للشرع.
مضافاً إلى أنّ الحكم الشرعي حيث كان للجميع وكثير منهم ليس ملتفتاً إلى حكم العقل
أو الفطرة، فالاثر لحكم الشرع واضح، مع أنّ هذا الحكم الشرعي يصحّ حجّة على
المتعنّت الّذي لا يعتني بحكم العقل والفطرة حتّى مع التفاته إليه.
وكذلك حكم العقل أو الفطرة يكون لبّياً ـ لا إطلاق له ـ وحكم الشرع اللفظي في
موردهما قد يكون عاماً أو مطلقاً، فينفع مولويّته في موارد الشك ونحوها، وهناك
نظائر كثيرة لذلك.
مثلاً: الظلم، الّذي يحكم الشرع بحرمته مستتبعاً للعقاب على إرتكابه، مع أنّه في
غنى عن هذا الحكم بحكم العقل القطعي إنّ الظلم قبيح يستحقّ مرتكبه العقاب، وهذا
الحكم الشرعي بحرمة الظلم ينفع في الموارد المشكوكة التي لم يحرز حكم العقل بالقبح
كما في إيذاء الحيوانات غير المؤذية، أو بجهة المزاحمات ونحو ذلك، وكذلك ينفع
للجاهلين بحكم العقل من بسطاء الناس، وللمتعنّتين ونحو ذلك.
والحاصل: إنّ الاصل في كلّ حكم إنّه يصحّ كونه مولويّاً، إلاّ إذا كان هناك محذور عقلي فيه، أو كان دليل آخر على خلافه، وفيما نحن فيه لا محذور عقلي ولا دليل خاص على الخلاف، وقد فصّلنا الكلام حول ذلك في الاُصول.
وأمّا مرحلة الاثبات وإنّه هل حكم الشارع مولويّاً بهذا الوجوب التخييري أم لا ؟ فنقول: ظاهر الادلّة الاتية الدالّة على لزوم اتّباع كلّ واحدة من هذه الطرق الثلاث هو كونه حكماً مولويّاً والاصل في كلّ حكم شك في مولويته، أم إرشاديته أن يكون مولوياً، لانّ ظاهر الامر إنّه سيق لاجل الاطاعة لا مجرّد الارشاد إلى ما يأمر بالطاعة من عقل أو فطرة أو غيرهما، فتأمّل.
ثمّ إنّه بناءً على كون الوجوب التخييري مولويّاً هل لهذه الطرق الثلاث: ـ
الاجتهاد والتقليد والاحتياط ـ موضوعية، حتّى يجب سلوكها لتحصيل الحكم الشرعي،
بحيث لو لم يسلك شيئاً منها وعمل بلا تقليد ولا اجتهاد ولا احتياط وطابق الواقع،
أو سلك غيرها من الطرق غير المتعارفة أو غير المعتبرة كالعمل بالظنّ، أو الرمل،
والجفر، والمنام، ونحو ذلك بطلت أعماله، أو لا يجب سلوك هذه الطرق الثلاث
بالخصوص ؟
وبعبارة أُخرى: هل هذا الوجوب التخييري تكليفي فقط، أم وضعي فقط، أم كلاهما، أم
مقدّمي صرف ؟ وهذا نظير الخلاف الواقع بين المشهور القائلين بمقدّمية وجوب تعلّم
الاحكام للعمل، وبين المقدّس الاردبيلي (قدس سره)ومن قال بقوله: من أنّه نفسي،
فإن قلنا بمقالة المشهور ـ كما هو الظاهر المنصور ـ لما يتبادر عرفاً من أوامر
الموالى في تعيين طرق تحصيل أوامرهم: إنّ الطرق أُريد بها فقط وفقط الوصول إلى طاعة
الموالى، ولا خصوصية في أصل الطرق إطلاقاً، وظاهر الاوامر الشرعية إنّها منزّلة
منزلة سائر الاوامر العرفية.
فالطرق الثلاث لا موضوعية لها، حتّى وإن قلنا بمقالة الاردبيلي (قدس سره): من أنّ
وجوب التعلّم للاحكام الشرعية نفسي لما هو ظاهر الاوامر الخاصّة الكثيرة في الكتاب
والسنّة الواردة على وجوب التعلّم، وإلاّ فإنّ ظاهر كلّ أمر أن يكون نفسيّاً لا
غيريّاً، وعليه كان الوجوب التخييري موضوعيّاً.
و فيه: إنّ التمسّك بظهور الامر في النفسية لا الغيرية إنّما هو في مقام التحيّر
والشك، أمّا مع قيام هذه القرينة الظاهرة بأن الاوامر الشرعية سبيلها سبيل سائر
الاوامر العرفية المؤيّدة بالكتاب والسنة، كقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)(9).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « إنّا معاشر الانبياء أُمرنا أن نكلّم الناس
على قدر عقولهم »(10).
وقول الامام الصادق (عليه السلام): « حدّثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون »(11).
ونحو ذلك، فالاوامر العرفية لا يراد بطرقها إلاّ الطريقية المحضة، حتى إنّ
الموضوعية في الطرق لدى العرف قيد زائد يحتاج إلى دليل خاص عليه، فلا تحيّر ولا شكّ
حتى يتمسّك بظهور الامر في النفسية.
نعم، قد يقال: إن قلنا بالمصلحة السلوكية التي قالها الشيخ الانصاري (قدس سره)ـ في
الجمع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري ـ وتعتبر واسطة بين القول بالموضوعية،
والقول بالطريقية المحضة، وهي إنّه يحتمل أن يكون للشارع مصلحة في سلوك هذه الطرق
إلى أحكامه.
إذن: فلا يبقى مجال لادّعاء الطريقية المحضة، لانّ القول بالطريقية المحضة مبني على
الدليل على عدم موضوعية خاصّة للطرق أصلاً، فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، إن
قلنا ذلك صحّ ادّعاء النفسية بالمعنى السلوكي في الوجوب التخييري فيما نحن فيه.
ولكنّ فيه: إنّ الشيخ الانصاري (قدس سره) نفسه لم يلتزم بالمصلحة السلوكية، إلاّ في
ما ذكره الشارع من الحكم الظاهري فقط لا مطلقاً.
والحاصل: إنّ ظهور تعيين الطرق إلى الاحكام في أنّها مجرّد طرق لا موضوعية فيها
متّبع لدى العقلاء، إلاّ إذا قامت قرينة على خلافه، ولم يدلّ دليل شرعي على خلاف
هذا الظهور العرفي بحيث يشمل جميع الطرق الشرعية، فلا مناص من الالتزام به، وتفصيل
الكلام في ذلك موكول إلى الاُصول.
فتحقّق من جميع ذلك إنّ الوجوب التخييري بين الثلاث: عقلي، وفطري، ولا مانع من
أن يكون وجوباً شرعياً مولوياً في مرحلة الثبوت، وأمّا الوجوب الشرعي في مرحلة
الاثبات فهو وإن كان ظاهر إطلاق الادلّة، إلاّ أنّ المنصرف منها الطريقية المحضة،
ولا موضوعية فيها بما هي هي، وأنّ الشخص إذا عمل بدون تقليد، أو اجتهاد، أو
احتياط، وحصل منه جميع شرائط المأمور به: من قصد القربة، وموافقة المأتيّ به
للمأمور به، وغير ذلك كان عمله صحيحاً ولا عقاب على ترك هذه الطرق الثلاث، والمصلحة
السلوكية لا دليل عليها هنا، وهي خلاف الظاهر المتبادر من الاوامر العرفية، فلا
يصار إليها بدون دليل.
وعليه: فما في بعض شروح العروة: ـ من تفنيد كون الوجوب التخييري عقليّاً بلحاظ شكر
المنعم، أو فطريّاً، أو شرعيّاً، بل إثبات كونه عقليّاً فحسب وبلحاظ دفع الضرر
المحتمل فقط، وكذا إصرار بعض الشرّاح على فطرية الوجوب فحسب ـ ينفيهما ما فصّلناه.
ثم إنّه لا ينبغي الاشكال في أنّ الحكم العقلي، أو الفطري، أو الشرعي بالتخيير
بين المحتملات الثلاثة إنّما هو الوجود الجامع بينها الّذي هو مورد الحكم، فيكون
التخيير نتيجة الحكم بالجامع، والجامع هو: لزوم التخلّص بما يصحّ التخلّص به: من
الاجتهاد، أو التقليد، أو الاحتياط.
والحاصل: إنّ التخلّص هو اللازم، وبما أنّه يتحقّق بمصاديق متعدّدة صار التخيير
بينها، فالتخيير بينها نظير التخيير بين أفراد المطلق.
نعم، بالنسبة للدليل الشرعي سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ الكلام على أنّ أفراد
التخيير وقعت كلّها مورداً لملاحظة الادلّة الشرعية، فتأمّل.
وأمّا مسألة أنّ الحكم العقلي، كالفطري، هل هو حكم أم مجرّد رؤية، نظير المرآة ؟
وبعبارة أُخرى: هل إنّ للعقل مجرّد الدرك والشعور بضرورة شكر المنعم، والفطرة
تدرك فقط وتشعر فقط بضرورة دفع الضرر المحتمل ـ في محلّهما ـ أم أنّ العقل يحكم
بوجوب الشكر، والفطرة تحكم بدفع الضرر ؟
فيه خلاف، والاشكال فلسفي علمي بحت لا أثر عمليّ فيه على الظاهر، وإن كان الاقرب
إلى الفهم هو وجود الحكم للعقل والفطرة، لا مجرّد الرؤية، بدليل الوجدان الحاكم في
مثل ذلك بالاستقلال.
ويمكن تصنيف ما تقدّم من التقسيمات للوجوب بما يلي:
الوجوب بلحاظ الحاكم به: ينقسم إلى الفطري، والعقلي، والعقلائي، والشرعي.
وبلحاظ المحكوم عليه: ينقسم إلى العيني، والكفائي.
وبلحاظ الوجوب نفسه: ينقسم إلى التعييني والتخييري، والاصلي والتبعي، والنفسي
والمقدّمي، والمولوي، والارشادي، وهكذا والامر سهل.
... على كلّ مكلّف في عباداته ومعاملاته....
ثم إنّ المصنّف (قدس سره) صرّح في حاشية « ذخيرة المعاد » للشيخ زين العابدين
المازندراني (قدس سره): بأنّ هذا الوجوب ليس نفسياً، ولا شرطياً، بل هو مقدّمي
غيري(12).
أقول: هذا يصحّ على الوجوه الاربعة: العقلي والفطري، والشرعي والعقلائي، ولا
تنافي بينه وبينها، إذ الدالّ على الوجوب المقدّمي الغيري قد يكون هو: العقل أو
العقلاء أو الفطرة أو الشرع، فتأمّل.
ولا يخفى: إنّ تعلّم العلوم لكي يتمكّن من الاجتهاد، وتعلّم المسائل لكي يتمكّن من
التقليد وتطبيق المأتي به على فتوى الحجّة، وتعلّم كيفية الاحتياط ليطبّق أعماله
عليه، هو غير مسألة وجوب أحد هذه الثلاثة، وسيأتي تفصيل البحث عن ذلك عند الكلام
على وجوب التعلّم إن شاء الله تعالى.
تعريف الاجتهاد
يجب على كل مكلّف جمع شرائط صحّة التكليف الشرعية: من البلوغ، وغيره، والعقلية:
من العقل، والالتفات، واحتمال التكليف، وغير ذلك في عباداته ومعاملاته والمراد،
بالمعاملات الاعم من سائر الاحكام بقرينة المقابلة للعبادات، خصوصاً بملاحظة ما
يقال: من أنّ المعاملات تطلق إصطلاحاً فقهياً على جميع الاحكام سوى العبادات، وهو
مناسب للمعنى اللغوي، لانّ كلّ ما له حكم، نوع تعامل، وإلاّ فلا خصوصية في تخصيص
... أن يكون مجتهداً....
العبادات والمعاملات بالوجوب التخييري، لانّ الوجوب جار في جميع الافعال والتروك،
وسيأتي من المصنّف (قدس سره)التصريح بالتعميم في مسائل قادمة إن شاء الله تعالى.
فالمكلّف بالنسبة إلى أعماله يجب أن يكون مجتهداً أي: إمّا أن يكون مجتهداً،
والاجتهاد إصطلاحاً وإن عرّف بتعاريف نقض عليها وأبرم، إلاّ أنّ الّذي يخلو من
العديد من الايرادات هو أن نعرّفه بما يلي:
الاجتهاد: يعني الملكة التي يقتدر بها على تحصيل الحجّة التفصيلية على المسألة
الشرعية.
هذا معنى الاجتهاد الوصفي، كالشجاعة، والسخاء، والصبر، ونحوها، وقولهم: اجتهد
فأصاب، أو اجتهد فأخطأ، معناه: إنّه أعمل هذه الملكة واستخدمها.
ثمّ إنّه هل الملكة هي الاجتهاد نفسه باعتبار الشأنية والقابلية ـ كما ذكرها في
تفسيره معظم المتأخّرين ـ أم هي سببه الّذي بدونه لا فعلية للاجتهاد ـ كما ذكره
بعضهم وتبعه بإصرار بعض تلاميذه ـ والفرق يظهر في صاحب الملكة الّذي لم يُعملها بعد، فهو مجتهد على التفسير الاوّل، دون الثاني ؟
ربما يتراءى أنّه نزاع لفظي في محلّين لا محل واحد، فتأمّل.
وإنّما أضربنا عن كلمة: « استفراغ الوسع » في تعريف الاجتهاد ـ مع أنّ العديد من
المتأخّرين استخدموها ـ لسببين:
أحدهما: ما في مادّتها من إيهام الانسداد.
ثانيهما: إنّه وإن احتاج استنباط المسائل غالباً في عصورنا المتأخّرة بقرون عديدة
عن أزمنة المعصومين (عليهم السلام) إلى إفراغ الفقيه وسعه، لكنّه ليس دائماً كذلك، فالعديد من المسائل ليست بحاجة ـ في استنباطها ـ إلى إفراغ الوسع بالحمل الشايع،
وإن قيل: بأنّ استفراغ وسع كلِّ مسألة بحسبه، لكنّه منصرف عنه اللفظ ظاهراً في عديد
من الموارد، فتأمّل.
وقلنا: « الحجّة » دون الحكم وغيره، ليعمّ الادلّة، والطرق، والامارات، والاُصول
العملية، بأحكامها، أو تنجيزاتها واعذاراتها.
و « التفصيلية » مخرجة للحجّة التي يتمسّك بها المقلّد، وهي إجمالية وفي كل المسائل
واحدة، وفي نفس الوقت شاملة للانسداد كما لا يخفى.
و « المسألة » تشمل التكليف والوضع جميعاً.
و « الشرعية » دون الفرعية، لتشمل المسائل المتعلّقة بأُصول الدين ممّا يقلّد فيها
إمّا مطلقاً إن أوجب العلم على المختار، أو بعض شؤون أُصول الدين ممّا اتّفق الجميع
على جواز التقليد فيها كخصوصيات القيامة.
وشمول « الشرعية » للادلّة والاُصول التي مدركها الفطرة أو العقل، أو بناء العقلاء،
كالاشتغال والبراءة العقليين ونحوهما، إنّما يكون باعتبار قبول الشرع لها في
مواردها، وهذا يغني عن إضافة العقلية وغيرها إلى الشرعية، فتأمّل.
وهذا التعريف وإن لم يدّع فيه الكمال، إلاّ أنّه ربما يكون أقلّ إيراداً ـ على
الظاهر ـ من غيره، والله العاصم.
تعريف الاجتهاد
ولا يخفى أنّ ملكة الاجتهاد ليست كسائر الملكات التي تحصل غالباً إمّا بتأمّل
منافعها ومضار عدمها، وترجيح الاُولى على الثانية، وإمّا بتحميل النفس ما يسانخ
آثارها، كالشجاعة، والسخاوة، والعدالة ونحوها.
وإنّما تحصل ملكة الاجتهاد بمعرفة العلوم التي يتوقّف عليها الاستنباط، دون تأمّل
المنافع والمضار، ودون نفس الاستنباط، فإنّ الاوّل لا ينفع، والثاني غير ممكن، نعم
تزيد هذه الملكة بزيادة الاستنباط وممارسته أكثر فأكثر.
وما ذكره بعضهم: من إنّ الاجتهاد قوّة قدسية، أو نور يقذفه الله في قلب من يشاء،
ونحو ذلك، فالظاهر من تأمّل أمثال ذلك ـ ولو لمناسبة الحكم والموضوع ـ إنّه لا يريد
الاجتهاد المصطلح بل يريد الاثار الاُخروية المترتّبة، أو الاجتهاد الّذي يجوز رجوع
العامي إليه وتقليده، وإلاّ فالاجتهاد الّذي هو محل البحث ممكن الحصول للفاسق
والعادل، والمنافق والمؤمن، بل والكافر والمسلم، والمرائي والمخلص، وغيرهم، لتسبّبه
بإعمال القوّة النظرية المذكورة.
وعلى أمثال ذلك يحمل ـ إن لم يكن الظاهر ـ ما ورد في الاثر نحو ما روي عن الامام
أمير المؤمنين (عليه السلام): « ألا أُخبركم بالفقيه حقّاً ؟ من لم يقنّط الناس من
رحمة الله... ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره »(13).
وما روي عن الامام الصادق (عليه السلام): « لا يكون الرجل فقيهاً حتى لا يبالي أي
ثوبيه ابتذل، وبما سدّ فورة الجوع »(14). ونحوهما غيرهما.
ثمّ إنّ هذا المعنى للاجتهاد هو المعنى الّذي ليس فيه مسرح لنزاع العامة ولا الاخباريين، وإن كان الاجتهاد قد فسّر بتفاسير أُخرى أوجب ذلك إنكار العامة والاخباريين له، مثل: « تحصيل الظنّ على الحكم الشرعي » أو غير ذلك ممّا لم يكن مراد جميع المفسّرين له بهذا المعنى شيئاً أوجب الايراد عليهم، وإنّما كان مرادهم نفس ما نقوله، ولكن قصور تعبيرهم، أو عدم التفاتهم إلى بعض ما يورد على تعبيره والمجتهد بلفظ: الفقه والفقيه والاستنباط والمستنبط، ممّا ورد في الكتاب والسنّة، وليس مسرحاً للنزاع اللفظي، ليتلف الوقت فيما نحن عنه في غنى.
وعلى كل حال: فيدلّ على الاجتهاد بهذا المعنى ـ الّذي هو الفقه والاستنباط ـ وجوباً أو جوازاً، تكليفاً أو وضعاً، الادلّة الاربعة، مضافاً إلى بناء العقلاء.
أمّا الكتاب: فطوائف وقد أورد السيّد البروجردي (قدس سره) في كتاب: « جامع أحاديث الشيعة » أكثر من ستّين آية منها وفي أبواب متعدّدة(15).
منها: الايات الدالّة على حجّية ظواهر الكتاب ووجوب العمل بها، وهي تعدّ بالعشرات
بين نصّ في ذلك، وبين ظاهر دالّ عليه بالمطابقة، أوالتضمّن، أو الالتزام، نذكر
بعضها، كقوله تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)(16).
وقوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ)(17).
ودلالتهما واضحة بـ « اتّبعوا » و « فاتّبعوه ».
وقوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)(18).
وقوله تعالى: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ)(19).
وقوله تعالى: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً)(20).
ودلالتها بالتلازم، إذ لا معنى لتلاوة ما حرّم الله عليهم: إلاّ أن يعملوا به
ويأخذوا بظاهره، ولا معنى لعدم إنزال الكتاب إلاّ للبيان: إلاّ العمل به والاخذ
بظاهره، وكذلك لا معنى لكون الايات بصائر: إلاّ أن يؤخذ بظاهرها، وهل التفقّه
والاجتهاد إلاّ الاخذ بظاهر القرآن واستفادة الاحكام منه ؟
ومنها: الايات الدالّة على حجيّة سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي أيضاً
كثيرة نذكر بعضها، كقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ
إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)(21).
وقوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)(22).
وقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُوا)(23).
وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُْمِّيَّ)(24).
إلى غير ذلك، بتقريب أنّ ردّ المتنازع فيه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
والانتهاء عمّا نهى عنه، واتّباعه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس كلّ ذلك ـ عرفاً ـ
إلاّ الاخذ بظاهر قوله، والعمل عليه، وليس التفقّه والاجتهاد إلاّ هذا.
ومنها الايات الدالّة على حجّية كلام الائمّة المعصومين (عليهم السلام)، وهي أيضاً
عدّة آيات نذكر بعضها كقوله تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ)(25).
وقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الاَْمْرِ
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(26).
إلى غير ذلك، بتقريب أنّ طاعة أُولي الامر، وهم: الائمّة المعصومون (عليهم
السلام)من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والردّ إلى أُولي الامر ليس
ـ عرفاً ـ إلاّ الاخذ بظاهر أقوالهم والعمل بها، وهل التفقّه والاجتهاد إلاّ هذا ؟
فإذا قال المولى أطيعوا ابني، وردّوا إليه كلّما شككتم في أمري، كان معناه: مراجعة
الابن في كلّ ما يشكّ فيه، والعمل بظاهر قول الابن.
ومنها الايات الدالّة بدلالة الالتزام، أو الاشارة ونحوهما، على حجّية أخبار
الثقات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الائمّة المعصومين (عليهم السلام)
كقوله تعالى: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)(27).
وقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(28).
وقوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(29).
بتقريب أنّ نتيجة مفهوم الاية الاُولى وهي: صدّق العادل، وكذا ظاهر السؤال من أهل
الذكر، والحذر عند إنذار المنذرين، ليس إلاّ لحجّية أقوال العادل، وأهل الذكر،
والمنذِرين ـ بالكسر ـ وهل التفقّه والاجتهاد، إلاّ ما يستفاد من قول العادل،
وقول أهل الذكر، وإنذار المنذِرين ـ بالكسر ـ ؟
وهناك طوائف أُخر من الايات فيها إيماءات وإشارات إلى حجيّة التفقّه والاجتهاد والاستنباط، وهي وما ذكرناها، وما لم نذكرها ممّا جمعه كتاب: «جامع أحاديث الشيعة» وإن كان كلِّ واحدة منها قابلة ولو لخدشة ما في دلالتها، ولكنّها بمجموعها، وضمّ بعضها إلى بعض، وملاحظة سياقها وموارد نزولها، دليل قاطع لا يعتريه شائبة شكّ على حجّية استنباط الاحكام الشرعية الفرعية، ووجوب، أو جواز العمل بما استنبط، وهذا هو معنى الاجتهاد والتفقّه، وهو المطلوب.
وأمّا السنّة: فهي طوائف، جمع منها كتاب: « جامع أحاديث الشيعة » قرابة خمسمائة حديث أودعها في خمسة أبواب(30) نذكر بعضها:
منها: الاحاديث الدالّة على حجّية ظواهر الكتاب، كالنبوي الّذي رواه في مجمع
البيان: « إنّ هذا القرآن... عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن تبعه »(31).
وفي الكافي، بإسناده، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث طويل: « وله ـ أي:
للقرآن ـ ظهر وبطن، فظاهره حُكْم، وباطنه علم »(32).
وفي الفقيه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيتّه لابنه محمّد بن الحنفيّة: «
وعليك بقراءة القرآن والعمل بما فيه، ولزوم فرائضه وشرائعه، وحلاله وحرامه، وأمره
ونهيه »(33) إلى غير ذلك.
ومنها الاحاديث الدالّة على حجّية سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ففي
الكافي، بإسناده إلى اسماعيل بن جابر، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث: «
عليكم بآثار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسنّته »(34).
وفي الكافي أيضاً، بسنده إلى عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام):«حجّة الله على العباد، النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)»(35).
«أيّها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة وحرامي حرام إلى يوم القيامة ألا وقد
بيّنهما الله عزّوجلّ في الكتاب، وبيّنتهما لكم في سيرتي وسنّتي»(36) وغير ذلك
كثير.
ومنها: الاحاديث الدالّة على الاخذ بروايات الائمّة المعصومين (عليهم السلام)،
مثل النبوي المتّفق على روايته الفريقان: « إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة
نوح من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها غرق »(37).
ومثل النبوي الاخر كذلك: «إنّي تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا:
كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتى يردا علىّ الحوض»(38) وغير ذلك.
ومنها الاخبار الامرة بالتفقّه، وهو لغة واصطلاحاً: فهم الاحكام الشرعية عن
مصادرها، وهل الاجتهاد إلاّ ذاك ؟
كخبر عليّ بن أبي حمزة، عن الصادق (عليه السلام): « تفقّهوا في الدين، فإنّه من
لم يتفقّه منكم في الدين فهو أعرابي »(39).
وعن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: « تفقّهوا فإنّه من لم
يتفقّه منكم فإنّه أعرابي »(40).
وخبر المفضّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: « عليكم
بالتفقّه في دين الله ولا تكونوا أعراباً، فإنّه من لم يتفقّه في دين الله لم ينظر
الله إليه يوم القيامة ولم يزكّ له عملاً »(41).
وعن أبان بن تغلب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « لوددت أنّ أصحابي ضربت
رؤوسهم بالسياط حتّى يتفقّهوا »(42) ونحوها غيرها أيضاً.
ومنها الاحاديث الدالّة على حجيّة أخبار الثقات الناقلين عن النبي والائمّة
المعصومين (عليهم السلام) مثل ما في رجال الكشي من التوقيع الوارد للقاسم بن العلاء، وفيه: « لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يؤدّيه عنّا ثقاتنا »(43).
والروايات الكثيرة التي أمر فيها الائمّة (عليهم السلام) بعض أصحابهم بأن يجلس في
مسجد المدينة ويفتي الناس(44)أو أن يراجع الناس أباناً(45)، أو الثقفي(46)، أو العمري
وابنه(47) وغيرهم(48).
ومنها: الروايات العلاجية، التي تدلّ على علاج تعارض الروايات وما به الترجيح
والجمع وغير ذلك، ممّا يدلّ بالالتزام على حجيّة الاجتهاد، والنظر في الاحاديث،
واستنباط الاحكام منها.
وأمّا الاجماع: فمن وجهين: قولي، وعملي.
أمّا الاجماع القولي: فمحصّل مسلّم لم يردّه منّا أحد على الظاهر.
وأمّا العملي ـ وهو المسمّى بسيرة الفقهاء ـ: فهو أيضاً مسلّم لانّ فقهاء الشيعة
من زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زمان الائمّة المعصومين (عليهم
السلام) وحتّى زماننا هذا يتمسّكون في كلّ مسألة: بالايات والروايات الواردة فيها، ويجتهدون فيها، حتّى أنّ أصحاب الائمّة (عليهم السلام) كانوا لا يعبؤون ببعض
الروايات بحجّة أنّها: « من جراب النورة » وهي الروايات الصادرة تقيّة، وأمّا غير
جراب النورة فكانوا يعملون بها.
وأمّا العقل: فإنّه يلزم العبد المطيع أن ينظر في كلمات المولى ويميّز الخاص عن العام، والمطلق عن المقيّد، والوارد والمورود، والحاكم والمحكوم، ويجمع بينها، ويأخذ بما يستنبطه عرفاً إنّه مراد المولى وأمره، فيعمل عليه، لانّ على العبد الطاعة، والطاعة متوقّفة على فهم كلمات المولى، وفهم كيفية الجمع العرفي بين متعارضاتها، واستنباط المراد من بينها، وليس الاجتهاد، إلاّ بذل الجهد في فهم الايات والروايات لتحصيل الحكم الشرعي منها، وهو طريق الاطاعة، والحاكم فيه العقل.
وأمّا بناء العقلاء: فقد استقرّ على تحصيل أوامر المولى بطريق الاجتهاد والبحث في
ألفاظ المولى، وجمع شتاتها، وملاحظة عمومها، وخصوصها، ومنصرفها، وجمع بعضها مع بعض،
واتّباع ما يتبادر منها، وغير ذلك ممّا يستعمله المجتهدون في استنباط التكاليف
الشرعيّة، ودليل حجّية هذا البناء لنا أمران:
الامر الاوّل: إنّ مسألة الاجتهاد من طرق الاطاعة والمعصية المتسالم عليه بين
الفقهاء ـ ظاهراً ـ وأنّ المرجع في باب الاطاعة والمعصية بناء العقلاء، إلاّ إذا
ورد دليل خاص على الخلاف كما في القياس ونحوه.
الامر الثاني: ظهور اتّصال هذا البناء العقلائي إلى عصور المعصومين (عليهم
السلام)ولم يظهر منهم ردع خاص عن ذلك، ومثله لو كان لبان، فيدخل ذلك في تقرير
المعصومي الّذي هو من مصاديق السنّة الشريفة.
إنّ ما ورد في بعض الروايات من تحريم الاجتهاد والردّ عليه والانكار على من اجتهد
أشدّ الانكار ـ مثل ما في الوسائل عن رسالة: « المحكم والمتشابه » عن تفسير
النعماني بإسناده عن أبي عبدالله (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم
السلام) في حديث طويل قال (عليه السلام): « وأمّا الردّ على مَن قال بالاجتهاد
فإنّهم يزعمون أنّ كلّ مجتهد مصيب على أنّهم لا يقولون إنّهم مع اجتهادهم أصابوا
معنى حقيقة الحقّ عند الله عزّوجلّ لانّهم في حال اجتهادهم ينتقلون عن اجتهاد إلى
اجتهاد...»(49) وغيره ـ.
إنّما يراد به الردّ على العامّة الذين يجتهدون في الدين عن إستناد إلى القياس، أو
الرأي الشخصي، أو الاستحسان، أو الاولوية الظنّيّة، أو ما شاكل ذلك ممّا هو
مألوف لدى علماء العامة، ونفس هذه الرواية واردة ـ لمن لاحظها بطولها ـ في مقام
الردّ على العامّة، وبقرينة قوله (عليه السلام): « يزعمون إنّ كل مجتهد مصيب ».
فهذا هو الردّ على المصوبة وهم العامّة لانّهم كانوا يجتهدون في مقابل النص، ولا
يعبؤون بالائمّة الطاهرين (عليهم السلام) الذين يجب الاخذ عنهم، ولذا فسّر (عليه
السلام)الاجتهاد: بالاجتهاد في البدع واتّباع الاهواء في رواية الكافي باسناده عن
اسماعيل بن جابر عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رسالته إلى أصحابه، وفيها قوله
(عليه السلام): « وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): المداومة
على العمل في اتّباع الاثار والسنن وان قلّ، أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من
الاجتهاد في البدع واتّباع الاهواء »(50).
وأمّا الاجتهاد بالمعنى الّذي عندنا ـ وقد مرّ آنفاً ـ وهو الملكة التي يقتدر بها
على تحصيل الحجّة التفصيلية على المسألة الشرعية، المرادف مصداقاً للتفقّه
والاستنباط المأمور بهما في الكتاب والسنّة: فهو مأمور به في كثير من الروايات وهو
اتّباع الاثار والسنن، وهو طاعة الله وطاعة رسوله، وأُولي الامر، وقد ورد لفظ
الاجتهاد كثيراً في باب الطاعة التي منها الجهد لفهم الحكم الشرعي كقول أمير
المؤمنين (عليه السلام): « ولا يؤدّي حقّه المجتهدون »(51).
وقوله (عليه السلام): « فعليكم بالجدّ والاجتهاد »(52).
وخبر عمرو بن سعيد بن هلال الثقفي، عن أبي عبدالله في حديث أنّه قال له: « أُوصيك
بتقوى الله والورع والاجتهاد »(53).
وقوله (عليه السلام): « عليكم بالورع والاجتهاد »(54).
وخبر أبي أُسامة، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: « عليك بتقوى الله
والورع والاجتهاد »(55).
وعن أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام) قال: إنّ أباه قال لجماعة من الشيعة: «
والله إنّي لاُحب ريحكم وأرواحكم، فأعينوا على ذلك بورع واجتهاد، واعلموا أنّ
ولايتنا لا تُنال إلاّ بالعمل والاجتهاد »(56). وغير ذلك فتأمّل.
تعريف التقليد
ويؤيّده بل يدلّ عليه: ما دلّ على حجّية رأي المؤمن في آخر الزمان، مع ورود النهي
عن العمل بالرأي ممّا يكشف عن أنّ الرأي المنهيّ عنه هو الخارج عن دائرة الادلّة
الشرعية، مثل صحيحة هشام بن سالم ـ أو حسنة، بابن هاشم ـ عن الامام الصادق (عليه
السلام): « رأي المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءاً
... أو مقلّداً....
من أجزاء النبوّة »(57).
ولعلّ قوله (عليه السلام): « في آخر الزمان » إشارة إلى الحاجة إلى رأي المؤمن
آنذاك، وخروج الرؤيا أو تأويلها لا يسقط حجّية السند.
ونحوه ما روي في وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) لابنه محمّد بن الحنفية قال: «
أُضمم آراء الرجال بعضها إلى بعض ثم اختر أقربها من الصواب وأبعدها من الارتياب ـ
إلى أن قال (عليه السلام) ـ: ومن استقبل وجوه الاراء عرف مواقع الخطأ »(58) ونحو
ذلك كثير منتشر في شتى الابواب.
أو مقلّداً والتقليد فيما نحن فيه كما يأتي هو: عبارة عن عمل العامي في الاحكام الشرعية بفتوى العالم بها، استناداً إلى استنباط العالم من الادلّة الشرعية، لا استناداً إلى نفس الادلّة.
والتقليد بهذا المعنى يدلّ على جوازه التكليفي والوضعي ـ بالمعنى الاعمّ من الوجوب
ـ أيضاً الادلّة الاربعة، مضافاً إليها بناء العقلاء، وسيرة المتشرّعة، وارتكازهم.
قال صاحب الجواهر (قدس سره) في كتاب القضاء: « وبذلك ظهر لك أنّ دليل التقليد
حينئذ هو جميع ما في الكتاب والسنّة من الامر بأخذ ما أنزل الله تعالى، والقيام
بالقسط والعدل ونحو ذلك »(59).
وقال أيضاً: « بل ممّا ذكرنا يظهر أنّ قبول الفتوى بعد اندراجها في الحقّ والعدل
والقسط ونحو ذلك لا يحتاج إلى إذن من الامام (عليه السلام)، بل الكتاب والسنّة،
بل والعقل متطابقة على وجوب الاخذ بها »(60).
1. أمّا الكتاب: ففي آيات عديدة منه:
منها قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(61).
بتقريب: وجود الملازمة العرفيّة بين: الانذار وبين: الحذر عقيبه، وليس هذا إلاّ
جعلاً تعبّدياً لحجيّة إنذار المنذرين، وإلاّ فلو لم يحذر المنذَرون ـ بالفتح ـ لزم
لغوية إيجاب الانذار، لانّ المقصود من الانذار الحذر، وكذلك إطلاق وجوب الحذر ـ من
دون قيد بحصول العلم من الانذار ـ يفيد حجّية الانذار بما هو إنذار، لا بما هو مفيد
للعلم.
أدلّة صحّة التقليد: الكتاب
وفيه مناقشات، أصحّها هو: أنّ العرف الملتفت البعيد عن المناقشات المنطقية واللغوية
ونحوهما، إذا عرض عليه معنى هذه الاية لا يفهم منها تأسيس أو تشريع شيء جديد،
وإنّما يفهم منها بيان طريقة تكوينية عرفية لنشر الاحكام وعمل الناس بها، وهي أن
يتعلّم جماعة الاحكام ويبلّغونها لسائر الناس، وطبيعي أن يحصل الاطمئنان ـ المعبر
عنه بالعلم العادي، والعلم العرفي ـ لكلّ سامع من قول أحدهم، أو اثنين منهم، وليس
معنى الاية إنّه إذا كان في المنذرين أبو هريرة ـ مثلاً ـ فأنذر بشيء وجب اتّباعه
لمجرد إنّه منذر.
نعم، المنذر الصادق اللهجة ـ فيما نحن فيه ـ يجب اتّباعه لا لانّه منذر، بل لانّ
صدق لهجته يجعل إنذاره طريقة عرفية لتحصيل الحكم الشرعي، التي يعذر فيها مع انكشاف
المخالفة للواقع ولا يعذر مع انكشاف الموافقة.
وما قيل: من أنّه مع عدم الوثاقة وصدق اللهجة لا يصدق عليهم عنوان: المنذرين، فمثل
أبي هريرة وأضرابهم هم خارجون بالتخصّص لا بالتخصيص.
ففيه: تأمّل واضح، إذ: الانذار، ليس فيه للشارع اصطلاح جديد، والمعنى اللغوي
المعروف يشمل الثقة وغيره، وصادق اللهجة وغيره.
وما ذكره المحقّق النائيني (قدس سره) في تقرير بحث الاُصول: من الاُمور الثلاثة
التي بملاحظتها جعل دلالة الاية تامّة، وهكذا ما ذكره بعض الفقهاء من تلاميذه: من
أنّ الاية أصرح دلالة على حجّية الخبر الواحد من آية النبأ. ففيهما: ملاحظات
ذكرناها في الاُصول، فلا نطيل هنا.
نعم يمكن أن يقال في جواب المناقشة: بأنّ الطريقة العرفية قد أقرّها الشارع ـ كما
تقدّم مثل ذلك في مسألة الوجوب في أوّل الكتاب ـ.
وأمّا سائر المناقشات في الاية: من أنّ الاية دلّت على قبول الانذار، لا على قبول
الافتاء، وبينهما عموم من وجه، فالانذار أخصّ وأعمّ من وجه، والافتاء أعمّ وأخصّ من
وجه، لانّ الانذار معناه التبليغ مع التخويف وليس هذا في مطلق الافتاء الّذي محل
البحث حجّيته.
أو احتمال تقيّد وجوب الحذر بما إذا حصل العلم القطعي بصدق المنذر، أو اختصاص الاية
بموارد نقل الاحاديث والاخبار الشريفة ـ كما كان ذلك دأب وديدن الصدر الاوّل ومن
تأخّره من أصحاب النبي والائمّة (عليهم السلام) ـ.
وما ورد في تفسيرها مستفيضاً: من أنّ المراد بالتفقّه هو معرفة الامام بعد ارتحال
الامام السابق، فلا ارتباط لها بتعلّم فروع الدين، أو نحو ذلك، فهي لا تنافي
الدلالة وقد نوقشت في كتب الاُصول عند البحث عن حجّية الخبر الواحد، فلا نعيد.
ومنها: قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(62) بتقريب: إنّ غير العالم يلزم رجوعه إلى العالم، وهذا هو معنى التقليد.
وفيه أيضاً مناقشات: أصحّها نفس المناقشة المذكورة في الاية السابقة، وهي: أنّ
الله سبحانه أراد أن يحمل اليهود على الاعتراف بالاسلام فقال لهم: إنّكم إن تقولوا
لا نعلم كون: محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّاً، فلا يحقّ لكم عدم الايمان به
لمجرّد عدم علمكم بنبوّته بل يجب عليكم عقلاً أن تسألوا علماءكم الذين تعتقدون بهم
عن علامات نبي آخر الزمان.
وليس معنى هذا أنّ مجرد سؤال الجاهل من العالم يجعل قول العالم حجّة لانّه عالم،
بل لانّ الجاهل إذا سأل العالم الّذي يعتقد به عن شيء، يحصل له الاطمئنان، أي:
العلم العادي بقوله غالباً، وذلك الاطمئنان هو الحجّة، لا قول العالم لانّه قول
عالم حتى ولو حصل الشكّ العرفي في صدقه، لعدم الثقة به، أو لغير ذلك.
وهذا نظير أن ينقل شخص فتوى مجتهد، لمقلّده، فإذا لم يقتنع المقلّد يقول له: إن كنت
لا تعتقد بقولي فراجع رسالة هذا المجتهد، فهل هذا القول معناه جعل الحجّية لرسالة
المجتهد بما هي رسالة وإن كانت مشحونة بالاغلاط بحيث يسلب عرفاً الاعتماد عنها ؟
كلاّ، وإنّما هو لانّ الرجوع إلى الرسالة يوجب عرفاً سكون النفس والاطمئنان بفتوى
المجتهد غالباً، وهكذا في آية السؤال.
والحاصل: إنّ الاية تأكيد لموضوع عرفي خارجي، لا تشريع لطريق جديد شرعي.
نعم، العالم الثقة الصادق اللهجة، يجب الاخذ بقوله، لانقطاع العذر مع مخالفته،
وهذه هي أهمّ مناقشة يمكن أن تعتبر صحيحة وموجبة للاشكال في استفادة الاطلاق من هذه
الاية لكن قد عرفت الجواب عنها في الاية السابقة.
وأمّا بقية المناقشات فيها: بأنّ السياق في علماء اليهود، وتأويلها في الائمّة
(عليهم السلام)، وليس في شيء منهما مراجعة العامي إلى العالم.
أو معنى ذلك السؤال من أهل الذكر، حتّى تعلموا علماً خارجياً.
أو معنى ذلك حجّية قول العالم إذا سئل، لا إذا ما لم يسأل أو غير ذلك، فهي أيضاً
غير تامّة ذكرت بالتفصيل مع أجوبتها في كتب الاُصول في موضوع: حجّية الخبر الواحد،
فلا حاجة لذكرها هنا.
ومنها قوله تعالى في آية النبأ: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا
أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(63)
دلّت ـ بمفهومها ـ على حجّية قول المخبر العادل، والفقيه العادل ينبئ عن حكم الله،
فيجب قبول قوله وهذا هو التقليد.
وما يقال: من أنّ الفقيه يخبر عن رأيه، يردّه: أنّه يخبر عن حكم الله ولكن بحدسه
كأهل الخبرة الذين يخبرون عن القيمة الواقعية بحدسهم.
وما نوقش به في دلالة الاية على المفهوم من مناقشات كثيرة ربما بلغت النيف والعشرين
ليس بشيء، لانّها مناقشات لا تصادم الظهور العرفي سوى مناقشة احتمال أن يكون « إن
جاءكم » من قبيل الشرط المحقّق للموضوع مثل: إن رزقت ولداً فاختنه، فلا يكون
للشرط مفهوم أصلاً، فظاهر « إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا » هو أنّ خبر الفاسق يوجب
التبيّن من دون لحاظ إنّ خبر العادل يوجب التبيّن أو لا يوجب، وليس الموضوع:
الخبر إن جاء به الفاسق، حتّى يكون مفهومه: الخبر إن جاء به العادل، لعدم خصوصيته.
ولا لحاظ المجيء أصلاً، وإنّما الملحوظ هو صدور الخبر عن الفاسق، فيكون مفهومه
مفهوم اللقب المتسالم على عدمه بين المتأخرين.
ولعلّ هذه المناقشة هي التي ربما تصادم الظهور اللفظي، وإن كان قد يقال: بأنّ الاصل
في الشرط أن يكون قيداً للموضوع لا محقّقاً للموضوع، فإذا شكّ في شرط إنّه قيد
للموضوع، أو محقّق له، يحمل على القيدية، فيكون للجملة الشرطية مفهوم مطلقاً، إلاّ
إذا علم أنّ الشرط فيها محقّق للموضوع، فتأمّل.
ومنها قوله سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)(64) رتّب سبحانه الذمّ على الكفّار بأنّهم قلّدوا آباءهم ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون، فتدلّ ـ بمفهوم الغاية ـ على أنّه لا ذمّ إذا كان الاباء يعلمون شيئاً ويهتدون، والمجتهد العادل يعلم أحكام الله تعالى ويهتدي إليها فيجوز تقليده واتّباعه.
ومنها قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا
بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ
يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)(65) وهي كسابقتها في وجه الدلالة.
وما يقال: من أنّ الايتين وأمثالهما إنّما وردت في أُصول الدين، التي لا يجوز
التقليد فيها فالمراد حصول العلم، وإنّهم إنّما ذُمّوا لعدم حصول العلم لهم من قول
الاباء، فكيف تدلّ على جواز التقليد في الاحكام مع خروج موردها عن هذه الادلّة ـ
وخروج المورد مستهجن لا يُصار إليه في كلام الحكيم ـ ؟
ففيه: إنّه حقّق في الاُصول جواز التقليد في أُصول الدين إذا أوجب الاطمئنان
والعلم العادي، ولا دليل على لزوم الاستدلال في أُصول الدين زيادة على: المعرفة
التي تطلق على التقليد الموجب للجزم وسكون النفس، كما هو الغالب بل المتعارف في
تقليد العوام لعلمائهم فإنّهم يجزمون، بل يقطعون بالشيء بمجرّد تفوّه العالم
المجتهد به.
وما أجاب به بعض الاساتيذ: بأنّ اطلاق الايتين تامّ وإن كان خرج من الاطلاق أُصول
الدين، فمنظور فيه، إذ خروج المورد عن الاطلاق مستهجن بذاته، وليس كخروج فرد آخر
من الاطلاق كما هو مذكور مفصّلاً في بحوث الاُصول.
ومنها قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الاَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(66)دلّت الاية على وجوب الحكم بالعدل، وهو بدلالة الاقتضاء وصون كلام الحكيم عن اللغوية يدلّ على وجوب قبول الحكم بالعدل، فإذا حكم المجتهد بالعدل أي: حكماً بالموازين الشرعية ـ لانّه من الحكم بالعدل ـ وجب على الناس تقليده والاخذ بحكمه، ولذا قال أبو عبدالله (عليه السلام) في رواية معلّى بن خنيس في تفسير هذه الاية: « عدل الامام أن يدفع ما عنده إلى الامام الّذي بعده، وأُمرت الائمّة بالعدل، وأُمر الناس أن يتّبعوهم »(67) فأُمر الناس باتّباعهم يستفاد عرفاً من وجوب الحكم بالعدل.
إنّ الاية خاصّة بالائمّة المعصومين (عليهم السلام) بقرينة هذه الرواية « وأُمرت الائمّة بالعدل » وظاهر: « الائمّة » هم الائمّة المعصومون (عليهم السلام) ولا إشكال في وجوب اتّباع المعصومين، إنّما الكلام في غيرهم، أي: المجتهدين.
وفيه: إنّ آيات القرآن عامّة لكلّ زمان وكلّ شخص، لرواية مضمونها: « إنّما مثل
القرآن مثل الشمس فكما أنّ الشمس تشرق كلّ يوم على أشخاص جديدين، كذلك القرآن »
ورواية « إنما نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي ياجارة »(68).
ولا ينافي ذلك كون التأويل في الائمّة (عليهم السلام) ككثير من الايات التي أُوّلت
بهم (عليهم السلام) أو كونهم (عليهم السلام) أظهر المصاديق، ولذا كان الحقّ
المحقّق الّذي عليه المشهور: إنّ ظواهر القرآن حجّة يؤخذ بها وإن كان تأويلاتها
فيهم (عليهم السلام)(69).
ويعضد ما ذكرناه: أنّ في صدر الاية (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
الاَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)(70) ولا شك في أنّها دالّة على وجوب ردّ كلّ
أمانة على كلّ أمين، مع أنّها أيضاً أُوّلت في الائمّة (عليهم السلام) كما سمعت في
رواية المعلّى بن خنيس، وأنّ المراد بها ردّ ودائع الامامة للامام الّذي بعده،
والسياق واحد، فكما أنّ وجوب ردّ الامانة عامّة لغيرهم (عليهم السلام)، كذلك وجوب
الحكم بالعدل، ووجوب قبوله، عامّان لغيرهم أيضاً.
ويؤيّده: ما ورد في تفسير هذه الاية أيضاً مستفيضاً ومنه ما رواه الصدوق (قدس سره)
في المعاني بسنده عن يونس بن عبدالرحمن قال: « سألت موسى ابن جعفر (عليه السلام)
عن قول الله عزّوجلّ: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الاَْمَانَاتِ
إِلَى أَهْلِهَا) فقال (عليه السلام): هذه مخاطبة لنا خاصّة، أمر الله تبارك
وتعالى كلّ إمام منّا أن يؤدّي إلى الامام الّذي بعده ويوصي إليه، ثمّ هي جارية في
سائر الامانات، ولقد حدّثني أبي، عن أبيه، أنّ علي بن الحسين قال لاصحابه:
عليكم بأداء الامانة، فلو أنّ قاتل أبي الحسين بن علي (عليهما السلام) ائتمنني على
السيف الّذي قتله به لادّيته اليه »(71).
ومنه أيضاً، عن الكافي بسنده عن عمّار بن مروان، قال: قال أبو عبدالله في وصيته
له ـ: « اعلم أنّ ضارب علي (عليه السلام) بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني
واستشارني ثم قبلت ذلك منه لادّيت إليه الامانة »(72) ونحوهما غيرهما، فقوله (عليه
السلام): « ثم هي جارية في سائر الامانات » والتنظير بالمثال الّذي هو في الامانات
الخارجية، لا خصوص الامامة، قرينة على أنّ الامامة من باب المصداق الاكمل، لا من
باب الحصر.
إنّ الاية وردت في الحكم بين المتخاصمين، وأين هو عن الفتوى التي هي محل الكلام ؟
وفيه: إن الحكم لغة هو: الالزام، وهو مرادف للافتاء تقريباً، وأعمّ من أن يكون
في خصومة أصلاً، وكذلك عرفاً وشرعاً، يقال: حكم فلان على ابنه بالدرس، حكم الزوج
على زوجته بلزوم الدار، حكم المعلّم على التلميذ بحفظ القرآن، وهكذا.
قال تعالى: (وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ)(73).
(لَهُ الْحُكْمُ)(74).
(إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِِ)(75).
(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الاِْنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِيهِ)(76).
(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
النَّبِيُّونَ)(77).
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ)(78).
وقد ورد في الاحاديث: « الحكم حكمان: حكم الله عزّوجلّ، وحكم أهل الجاهلية، فمن
أخطأ حكم الله، حكم بحكم الجاهلية »(79).
« إن لله جنّة لا يدخلها إلاّ ثلاثة: أحدهم من حكم في نفسه بالحقّ »(80).
« ومن حكم بحكم فيه اختلاف فرأى أنّه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت »(81).
« على المسلم أن يمنع نفسه ويقاتل عن حكم الله وحكم رسوله »(82).
« حكم الله عزّوجلّ في الاوّلين والاخرين وفرائضه عليهم سواء إلاّ من علّة »(83).
إلى غير ذلك من الموارد التي ورد الحكم فيها بمعنى: الالزام، والافتاء، في القرآن
والسنّة وهو كثير جدّاً، ويقول الفقهاء: إنّ حكم الحاكم الشرعي لا يجوز نقضه،
يريدون به الاعمّ من الحكم الابتدائي، والحكم بين المتخاصمين.
مضافاً إلى أنّه على فرض اختصاص الاية بالحكم بين المتخاصمين، يتعدّى عنه إلى
الحكم الابتدائي بالمناط القطعي، وهو: إنّ حجّية حكم الحاكم بين المتخاصمين ليس
لانّه تخاصم، بل لانّه عارف بالحكم ـ كما هو ظاهر أدلّة الرجوع في الحكم إلى العارف
بأخبار المعصومين (عليهم السلام) ـ فإذا كان حجّية قوله لاجل معرفته بالحكم، كانت
هذه العلّة موجودة أيضاً في المفتي ابتداءً بلا خصومة.
إذن: فالاية دالّة على وجوب تقليد الحاكم بالعدل، والمجتهد من مصاديقه.
ومنها قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ
بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ)(84).
والخطاب فيها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمعنى: إنّا أنزلنا القرآن
بالحقّ لتحكم بين الناس بما أعلمك الله من القرآن، فإذا كان نزول القرآن لكي يحكم
عليه للناس كان اللازم على الناس قبول حكمه، ويتعدّى هذا الحكم عن نفس رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سائر المجتهدين بدليلين:
الاوّل: الاُسوة، لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ)(85) فكلّما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو لسائر
المسلمين إلاّ ما خرج بالدليل.
الثاني: سياق نفس الاية، فإنّه لو كان نزول القرآن ليحكم به شخص النبي (صلى الله
عليه وآله وسلم) بين الناس فقط، لتعطّل حكم القرآن بارتحال رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) من بينهم، والضرورة قائمة: على بقاء حكم القرآن مدى الدهر.
ويؤيّد ذلك: إنّ الحكم الصادر عن الادلّة المتّخذة من النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) وأهل بيته الاطهار (عليهم السلام) ـ بتوسّع عرفي ـ امتداد لما أرى الله
نبيّه.
والاشكال بأنّه في مقام الحكم، لا الافتاء، قد عرفت الجواب عنه في ذيل الاية
السابقة.
ومنها: قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا
بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا
إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)(86).
ومفهوم هذه الاية هو: إنّ الذين لا يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، بل يتحاكمون
إلى المجتهد الّذي يفتي على الكتاب والسنّة، فهم ممّن آمنوا صدقاً بما أُنزل إليك
وما أُنزل من قبلك، وليس إيمانهم زعميّاً، فيكون تقليدهم له جائزاً صحيحاً،
وإيماناً بما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما نزل من قبله.
ففي صحيح أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: « ياأبا محمّد إنّه لو
كان لك على رجل حقّ، فدعوته إلى حكّام أهل العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى
حكّام أهل الجور ليقضوا له، لكان ممّن حاكم إلى الطاغوت، وهو قول الله عزّوجلّ:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ...)(87).
والاشكال هنا: بأنّ المفهوم للوصف، ولا حجّية له على المشهور بين المتأخّرين،
فيه: إن الوصف الّذي تضمّن عرفاً معنى الشرط، له مفهوم، لقضاء العرف به، وهنا
منه، فإن ظاهر الاية ـ والله أعلم ـ إنّهم إن أرادوا التحاكم إلى الطاغوت فإيمانهم
بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) زعم لا واقع له، ومفهومه: إن لم يتحاكموا إلى
الطاغوت فإيمانهم صدق وحقّ.
وكذا الاشكال فيه أيضاً: بأنّ الاية لا اطلاق لها من جهة حاكم العدل، والقدر
المتيقّن منه هم الائمّة المعصومون (عليهم السلام) فلا دلالة في الاية على حجّية
قول المجتهد للعامي، مجاب: بأنّ المجتهد الّذي يحكم على طبق القرآن والسنّة لا
يسمّى طاغوتاً، ويكفي في جواز الخصومة عنده، وقبول قوله، أن لا يكون طاغوتاً، لانّ
المذموم هو مراجعة الطاغوت فقط.
ويؤيّد ذلك ما ورد في صحيح أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال: «
ياأبا محمّد إنّه لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكّام أهل العدل فأبى عليك إلاّ
أن يرافعك إلى حكّام أهل الجور ليقضوا له، لكان ممّن حاكم إلى الطاغوت وهو قول
الله عزّوجلّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ... )(88).
واطلاق: « حاكم أهل العدل » للفقيه الّذي يفتي على روايات أهل البيت (عليهم السلام)
ظاهر لا غبار عليه.
وفي خبر أبي بصير الاخر عن الصادق (عليه السلام) أيضاً قال: « أيّما رجل كان بينه
وبين أخ له مماراة في حقّ فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه، فأبى إلاّ أن
يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال الله عزّوجلّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ يَزْعُمُونَ...)(89).
وظهور قوله (عليه السلام): « فدعاه إلى رجل من إخوانه » في فقهاء الشيعة، واضح
جليّ.
ونحوهما غيرهما أيضاً.
وقد مرّ جواب الاشكال بأنّ الاية في مقام حجّية قوله في الخصومة لا في الافتاء
الابتدائي، ويضاف إليه هنا: إن قوله تعالى: (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا
بِهِ) فيه إشارة إلى أنّ التحاكم أعمّ من فصل الخصومة، فتأمّل.
ومنها قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ)(90) وهذه الاية استدلّ بها على حجّية قول المجتهد، وجواز التقليد ـ بالمعنى الاعمّ ـ بتقريبين:
الاوّل: إنّ « أُولي الامر » جمع مضاف، وهو يفيد العموم، خرج منه الحكّام الجائرون
بالنصّ والاجماع، وبقي الباقي وهم المعصومون (عليهم السلام) ومجتهدوا الشيعة العدول
أعلى الله كلمتهم.
وقد أشكل على هذا التقريب بأنّ المراد من « أُولي الامر » هم الائمّة المعصومون
(عليهم السلام) لا غير، بقرائن:
إحداها: إنّ الظاهر من « أطيعوا » المحذوف المتعلّق هو: وجوب عموم الطاعة في كلّ
شيء في الاحكام والموضوعات الخارجية، وهذا النوع من الطاعة المطلقة مختصّة بالائمّة
المعصومين (عليهم السلام) كما ثبت في محلّه بأدلّته.
ثانيتها: اقتران طاعة أُولي الامر بطاعة الله ورسوله يعطي وحدة نوع الطاعة لله
ولرسوله، ولاُولي الامر.
ثالثتها: المستفيضة الّتي قد يدّعى تواترها معنى، وليس بالبعيد، والتي منها
رواية الكافي بسنده، عن بريد العجلي، عن الباقر (عليه السلام) في حديث: « ثمّ
قال للناس: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ) إيّانا عنى خاصّة، أمر جميع المؤمنين
إلى يوم القيامة بطاعتنا »(91) ونحوها غيرها وهو كثير.
رابعتها: تعقيبه سبحانه ذلك بقوله: (إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ
وَالْيَوْمِ الاْخِرِ)وهو يشعر بأنّ عدم طاعة أُولي الامر يخرج الشخص عن ربقة
الايمان بالله واليوم الاخر، وعدم طاعة المجتهد ليس كذلك لقيام الضرورة على أنّ غير
المقلد ليس خارجاً عن الايمان.
أدلّة صحّة التقليد: السنّة
الثاني: إنّ التقليد وطاعة المجتهد العادل في الاحكام الشرعية هو امتداد لطاعة
الائمّة المعصومين (عليهم السلام)، لا لقوله (عليه السلام): « وأمّا الحوادث
الواقعة » وغيره من الاحاديث الارجاعية حتّى يورد عليه بأنّ الاستدلال بالاية لا
بالاحاديث ـ بل لانّ المجتهد العادل يتعب نفسه في استخلاص فتاوى الائمّة المعصومين
(عليهم السلام)بإخلاص، فكلّما توصّل إليه واستنتجه من الاحكام الشرعية التي اعتقد
أنّها التكاليف الواصلة إلينا بطريق المعصومين (عليهم السلام) فتقليده فيها
ومتابعته، والاخذ بقوله يعتبر ـ عرفاً ـ طاعة وانقياداً للائمّة (عليهم السلام)،
فإن لم يكن من الانقياد اللازم، فلا شكّ إنّه من الانقياد المستحسن عند العقل
والعقلاء.
ألا ترى: إنّه لو كتب مولى أوامره إلى عبيده في كتب، وجاء عبد مخلص وعادل وأتعب
نفسه في استفادة مرادات المولى من تلك الكتب، ثم ذكر أنّه استفاد من كلمات المولى
وأقواله أنّ أوامره كيت وكيت، كان من الانقياد والطاعة للمولى: أن يأخذ سائر العبيد
بقوله ويعملوا بما رآه أنّه أوامر المولى.
وهذا التقريب يفيد دلالة الاية الكريمة على حجّية قول المجتهد العادل، لزوماً، أو
جوازاً على الاقل في مقام الاطاعة والمعصية لدى العقلاء، ولا يرد عليه ما أُورد على
التقريب الاوّل، إلاّ أنّه قد يورد عليه بأنّه ليس استدلالاً بالاية، بل بحجّية ما
بنى العقلاء عليه في طرق الاطاعة والمعصية، فتأمّل.
ومنها: آيات أُخر، مثل آية الكتمان، وآية الاذن، وغيرهما، وفي ما ذكرناه كفاية إن
شاء الله تعالى.
2. السنّة: وأمّا السنّة التي استدلّ بها أو يمكن أن يستدل بها على جواز التقليد بأنحاء الدلالات المختلفة: فهي طوائف عدّة تزيد على أقل مراتب التواتر الموجب للقطع بالصدور، وربما تعدّ بالمئات.
الطائفة الاُولى: الاخبار الدالّة على وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الشيعة التي تدلّ ـ بالالتزام ـ على حجّية فتاواهم، لانّ الرجوع إليهم أعمّ من سؤال الرواية، أو الاستفتاء.
منها: صحيحة أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن الهادي (عليه السلام) « قال: سألته
وقلت: مَن أُعامل ؟ وعمّن آخذ ؟ وقول مَن أقبل ؟ فقال (عليه السلام): العمري ثقتي
فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع
فإنّه الثقة المأمون »(92).
فاطلاق: « ما أدّى » وكذا: « ما قال » مؤيّداً بذيله: « فاسمع له وأطع » كلّ ذلك، أو عمومه، يشمل قسمي نقل الحديث، والفتوى، ألا ترى لو أنّ أحمد بن إسحاق سأل
العمري عن الشكّ بين الثلاث والاربع، فقال له العمري: ابنِ على الاربع، فعمل به، كان عاملاً بقول الامام (عليه السلام) ؟
ثمّ إنّه روي في البحار هذا الخبر عن الشيخ في كتاب الغيبة بتعبير آخر نورده
إتماماً للفائدة:
قال أحمد بن إسحاق بن سعد القمّي: « دخلت على أبي الحسن علي بن محمّد صلوات الله
عليه في يوم من الايام، فقلت: ياسيدي أنا أغيب وأشهد ولا يتهيّأ لي الوصول إليك
إذا شهدت في كلّ وقت، فقول مَن نقبل ؟ وأمر مَن نمتثل ؟ فقال لي صلوات الله عليه:
هذا أبو عمرو الثقة الامين، ما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّاه إليكم فعنّي
يؤدّيه، فلمّا مضى أبو الحسن (عليه السلام) وصلت إلى أبي محمّد، ابنه: الحسن
صاحب العسكر (عليه السلام) ذات يوم، فقلت له مثل قولي لابيه، فقال لي: هذا أبو
عمرو الثقة الامين، ثقة الماضي وثقتي في الحياة والممات، فما قاله لكم فعنّي
يقوله، وما أدّى إليكم فعنّي يؤدّيه »(93).
ولعلّ هذه التعبيرات أوضح دلالة على التعميم للفتوى ممّا مضى، والله العالم.
ومنها: رواية الحسن بن علي بن يقطين، عن الرضا (عليه السلام) قال: «قلت: لا أكاد
أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ
عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم»(94).
ومن الواضح أنّ أخذ معالم الدين يكون بالسؤال عن الرواية، والاستفتاء، كما إنّ هذه
الرواية تدلّ على المفروغية عن الكبرى، وهي: حجيّة قول الثقة في نظر الحسن بن عليّ
بن يقطين، وإنّما سأل الامام (عليه السلام) عن الصغرى، وإنّ يونس بن عبدالرحمن هل
هو مصداق للكبرى وثقة أم لا؟ والامام أقرّه على الكبرى.
ومنها: رواية عليّ بن المسيّب الهمداني قال: « قلت للرضا (عليه السلام): شقّتي بعيدة ولست أصل اليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني ؟ قال (عليه السلام): من زكريا بن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا، قال عليّ بن المسيّب: فلمّا انصرفت قدمنا على زكريّا بن آدم فسألته عمّا احتجت إليه»(95).
ومنها: حسنة عبدالعزيز بن المهتدي، قال: « قلت للرضا (عليه السلام): إنّ شقّتي بعيدة فلست أصل إليك في كلّ وقت، فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين ؟ قال (عليه السلام): نعم »(96).
ومنها: التوقيع الشريف عن صاحب الزمان ـ عجل الله تعالى فرجه وجعلنا من أنصاره
والتابعين له ـ إلى اسحاق بن يعقوب: « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى
رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله »(97).
والارجاع إليهم بإطلاقه يشمل أخذ الفتوى عنهم.
والاشكال فيها بأنّ لام: « الحوادث » للعهد، ولا أقل من احتمال ذلك، فلا يكون
فيها عموم، يدفعه: إنّ الظاهر من اللام في مثل المقام الاستغراق، وكونه للعهد يحتاج
إلى قرينة لا يصار إليه إلاّ بدليل أظهر، مضافاً إلى أنّه الاصل فيها ـ كما حقّقناه
في روايات الاستصحاب من الاُصول ـ.
واحتمال قرينية شيء ساقط عن الرواية أو غير مذكور من أجل تقطيع الاحاديث لذكر كلّ
قطعة في بابها المناسب لها، مدفوع بالاصل. فضلاً عن القطع بالقرينية الّذي ادّعاه
المحقّق العراقي حيث قال: «نظير الحوادث الواقعة المعلوم اقترانها بما يصلح
للقرينية، ومع هذا الاحتمال لا يبقى مجال للتمسّك بالاطلاق»(98).
وذلك لعدم العلم، والاحتمال مدفوع بالاصل العقلائي ظاهراً في مثله، مع أنّ التعليل
بـ: «أنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله» يقتضي العموم.
والمناقشة في السند بإسحاق بن يعقوب ومحمّد بن محمّد بن عصام، لعدم توثيق لهما، تقدّم تفنيدها، وأمّا في الدلالة بأنّ الارجاع إنّما هو إلى الرواة، لا إلى المجتهدين، يدفعها ما يلي:
أوّلاً: بأنّ المجتهدين من أظهر مصاديق الرواة، فهم رواة وزيادة واجتهادهم عن
الروايات لا يخرجهم عن كونهم رواة.
أترى لو أنّ الرجل سأل الكليني (قدس سره) عن المذي، فقال له الكليني (قدس سره):
هو طاهر وعمل الرجل بقوله أفلا يكون مصداقاً للتوقيع الشريف ؟ أوليس قد رجع في حكم
الحادثة إلى رواة الحديث ؟ فهل يجب أن ينقل الكليني ـ في الجواب عن المسألة ـ رواية
حتّى يصدق أنّ الرجل رجع إلى الرواة وإلاّ لا يصدق ؟
وكذلك المجتهدون رواة ينقلون للناس ما استفادوه من الروايات في الحوادث الواقعة.
وثانياً: بعدم الفرق فيما لو سأل زيد وعمرو مجتهداً عن المذي، فقال لزيد: هو طاهر ونقل لعمرو رواية وقال له: في الحديث إنّه «ليس به بأس»(99) فهل رجوع عمرو إلى المجتهد من الرجوع إلى الرواة، وليس رجوع زيد رجوعاً إلى الرواة ؟
وثالثاً: بأنّ تعليل الامام (عليه السلام) بقوله: « فانّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة
الله » دليل على عمومه لنقل الرواية والفتوى، إذ « الحجّة » لا تنحصر فيمن ينقل
متون الاحاديث، بل إنّ شمول « الحجّة » للمجتهدين الّذين ينقلون متون الاحاديث مع
بيان مراداتها أولى.
ثمّ المقابلة بين: « فإنّهم حجّتي » وبين « وأنا حجّة الله » يعطي ذلك أيضاً، فهل
كان الامام (عليه السلام) حينما يسأل عن المسائل ينقل عن الله آية أو حديثاً
قدسيّاً في الجواب أم كان ديدنه، وديدن أجداده الائمّة (عليهم السلام) أنّهم يفتون
في جواب المسائل، فكما أنّ الامام حجّة الله، وليس معناه أن ينقل عن الله نصّاً،
كذلك الرواة حجّة الامام، وليس معناه أن ينقلوا عن الائمّة (عليهم السلام) نصوص
الروايات، والتفريق بين الحجّتين ـ في معنى الحجّية ـ للفرق بين مورديها، بلا فارق
ظاهراً.
ورابعاً: بأنّه لو لم يجز الرجوع في الاجتهاديات، لايماء « رواة حديثنا » بالرجوع
لسماع نصّ الحديث، لكان في فقرة: « الحوادث الواقعة » كفاية في العموم، إذ لا شكّ
إنّ كل الحوادث الواقعة ليس في الروايات جزئياتها، فتأمّل.
مضافاً إلى أنّ معنى: « الحجّة » لغة وعرفاً هو المعتبر قوله، سواء نقل عن غيره
شيئاً أو أفتى عن نفسه ما استفاده من كلام مولاه، فلو قال زيد لعبيده: ابني حجّتي
عليكم، كان معناه: إنّ كلّ ما يأمركم به وينهاكم عنه ابني فهو معتبر عندي، ويشمل
عرفاً ذلك أن يقول الابن للعبيد: قال أبي: اصنعوا الغذاء الفلاني، أو يقول ـ
بدون قال أبي ـ: اصنعوا الغذاء الفلاني، ولو عصى العبيد، ولم يأتمروا حينما أمر
الابن ـ بدون نقل عن أبيه ـ كان للمولى معاقبتهم، والاعتذار بأنّه لم ينقل الابن عن
المولى شيئاً ليس بنافع عرفاً.
وكذلك يقال: فلان حجّة في النحو، أو حجّة في اللغة، معناه: إنّ كلّ ما يقوله في
النحو أو اللغة معتبر، سواء نقل عن سيبويه النحوي، أو الطريحي اللغوي شيئاً، أو
لم ينقل عن أحد، ولكن قال: الفاعل يجب رفعه، أو: الصعيد مطلق وجه الارض، وهكذا.
ومنها: رواية الاحتجاج عن تفسير الامام العسكري (عليه السلام) قال: قال الصادق
(عليه السلام): في حديث طويل: « وكذلك عوام أُمّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق
الظاهر، والعصبيّة الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، إلى أن قال (عليه
السلام): فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله
بالتقليد لفسقة فقهائهم »(100)تدلّ بمفهوم الحصر المستفاد من تقسيم الفقهاء إلى
قسمين على أنّ الفقيه الّذي ليس له فسق ظاهر، وعصبية شديدة، وتكالب على حطام
الدنيا، يجوز تقليده.
وفي فقرة أُخرى من نفس هذه الرواية الطويلة: « فأمّا من كان من الفقهاء صائناً
لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لامر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه ».
وفي فقرة ثالثة منها أيضاً: « فإنّ من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء
العامّة، فلا تقبلوا منهم عنّا شيئاً ولا كرامة » تدلّ بالمفهوم العرفي على قبول
قول المجتهد الّذي لم يركب مراكب فسقة فقهاء العامّة.
وفي بعض فقرات أُخر من الرواية دلالات وإشارات على المقصود لم نذكرها لطولها.
ونوقش في هذه الرواية سنداً ودلالةً:
أمّا سنداً: فبأنّ التفسير لم تثبت صحّة نسبته إلى الامام العسكري (عليه السلام)، لانّ الناقل للتفسير هو يوسف بن محمّد بن زياد، وعليّ بن محمّد بن يسار، وهما مجهولان، وما روي في توثيقهما فطريقه هما بأنفسهما، والاعتماد عليه دوري.
وفيه: أنّه لا يبعد القول بحجيّة التفسير لاعتماد كثير من أساطين الحديث والفقه
عليه، والنقل عنه، ونسبته إلى الامام (عليه السلام) قديماً وحديثاً من أمثال
الصدوق (قدس سره) في: من لا يحضره الفقيه، الّذي ضمن ما فيه وقال: « إنّه حجّة
فيما بيني وبين ربّي... وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعوّل وإليها
المرجع » وفي « العلل »، و « الامالي » وغيرهما وكذلك رواه عن الصدوق (قدس سره)جمع
من أساطين الدين كالمفيد، والطوسي، والشيخ الطبرسي في الاحتجاج، والراوندي في:
الخرائج، وابن شهر آشوب في: المناقب، والمحقّق الكركي، والشهيد الثاني،
والحبرين: المجلسيّين، والمحقّق الوحيد البهبهاني، والبحراني في: الفوائد
النجفية، والمولى محمّد جعفر الخراساني في اكليل الرجال، والحرّ العاملي في:
الوسائل، والمحدّثين: الجزائري والتوبلي، وتلميذ الشهيد الاوّل الحسن بن سليمان
الحلّي، والشيخ الحويزاوي صاحب: نور الثقلين، وأبي الحسن الشريف، والعَلَم النحرير
الحاج ميرزا حسين النوري، وجمع ممّن عاصرناهم، وقد يستظهر من الشهيد والمحقّق
الثانيين كون التفسير وراويه في غاية الاعتبار.
وهذا المقدار كاف في السيرة العقلائية للاعتماد على مثل هذا التفسير، وليس في
المقام إشكال سوى تضعيف العلاّمة (قدس سره) للتفسير ولراويه، ووجود بعض القصص
الغريبة فيه، قال في الخلاصة ـ عن محمّد بن القاسم راوي التفسير ـ: « ضعيف كذّاب، روى ـ يعني الصدوق (قدس سره) ـ عنه تفسيراً يرويه عن رجلين مجهولين: أحدهما يعرف
بيوسف بن محمّد بن زياد، والاخر بعليّ بن محمّد بن يسار، عن أبيهما، عن أبي
الحسن الثالث (عليه السلام)، والتفسير موضوع عن سهل الديباجي، عن أبيه بأحاديث من
هذه المناكير »(101).
مضافاً إلى أنّ المعظم من فقهائنا المعاصرين والمقاربين لا يعتمدونه، ولذلك
فالتردّد والشكّ قائم.
ويجد الباحث التفصيل حول التفسير المذكور في خاتمة مستدرك الوسائل(102).
وشرّاح العروة والمصنّفون المعاصرون بين مصحّح ومضعّف ومتردّد، والله العالم.
ثمّ إنّ هذا كلّه هو البحث في هذا التفسير الموجود الان والمطبوع المنسوب إلى
الامام العسكري (عليه السلام).
وهناك كتاب آخر في التفسير منسوب إليه (عليه السلام) لم يعثر عليه يقال: إنّه في
مائة وعشرين مجلّداً(103).
مناقشة رواية الاحتجاج دلالةً
وأمّا دلالة: فبأنّ الفقرة الثانية وقعت في الرواية بين الفقرتين الاُولى والثالثة، ودلالتهما بالمفهوم، ودلالة الثانية بالمنطوق، والفقرتان الاُولى والثالثة
بالمفهوم تدلاّن على ما نطقت به الفقرة الثانية، والفقرة الثانية لا دلالة لها،
فلا دلالة للرواية على لزوم التقليد على العامي أصلاً، وذلك لانّ لام « فللعوام »
رخصة وجواز، لا لزوم فيه، كما يقال ـ مثلاً ـ: إذا صار المغرب في شهر رمضان فللناس
الافطار.
ردّ المناقشة الدلالية
وفيه أوّلاً: اللام هنا بمعنى على، نظير اللام في قوله تعالى: (يَخِرُّونَ
لِلاَْذْقَانِ سُجَّداً)(104).
وقوله سبحانه: (دَعَانَا لِجَنْبِهِ)(105).
وقوله عزّوجلّ: (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)(106).
وقوله تعالى أيضاً: (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)(107).
وقول الشاعر: « فخرّ صريعاً لليدين وللفم ».
إلى غير ذلك من الامثلة، ومجيء اللام بمعنى: على، غير عزيز، والمتبادر إلى
الذهن ـ غير المشوب بهذه الشبهات ـ هو كون اللام بمعنى: على، أي: فعلى العوام أن
يقلّدوه.
وثانياً: يمكن أن يكون اللام لدفع توّهم الحظر من قبيل قوله تعالى: (فَلاَ
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)(108).
وقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ)(109).
ونحوهما، وذلك في مقابل عدم جواز تقليد فسقة الفقهاء.
وثالثاً: إنّ الكلام ليس في وجوب التقليد، وإنّما هو في جوازه مقابل الاخباريين،
وبعض علماء حلب، الذين حرّموا التقليد.
ورابعاً: بعد عدم تمكّن العامي من الاجتهاد والاحتياط يتعيّن عليه التقليد، ولا
يجوز له تركه، فالجواز أعمّ من الوجوب.
والحاصل: إنّ الحديث الشريف حجّة دلالةً بما يقطع العذر عرفاً وإن أشكل فيه سنداً.
الطائفة الثانية: الاخبار الدالّة على جواز الافتاء الملازم عرفاً لجواز الاخذ به وتقليد الغير له.
منها: قول الامام الباقر (عليه السلام) لعطيّة العوفي ـ كما في الرواية ـ: « اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس فإنّي أُحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك »(110) فلو لم يجب للمستفتي العمل بالفتوى، كانت لغواً والامام (عليه السلام) لا يأمر بالّلغو.
ومنها: صحيح معاذ بن مسلم النحوي ـ على الاصحّ من صحّة إبنه أيضاً ـ عن الامام
الصادق (عليه السلام) قال: « بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس ؟ قلت: نعم،
وأردت أن أسالك عن ذلك قبل أن أخرج: إنّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن
الشيء فإذا عرّفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودّتكم
وحبّكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو فأقول: جاء عن
فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأُدخل قولكم فيما بين ذلك، فقال لي: اصنع كذا
فإنّي كذا أصنع »(111).
والرواية باطلاقها تشمل الافتاء ونقل الرأي: المستنبط من أقوالهم (عليهم السلام)،
بل كلمة: « فتفتي » شبه صريحة في ذلك، وأيضاً: « فأُدخل قولكم » يعمّ نقل الخبر
والافتاء، وصدق مثل هذه الرواية ـ عرفاً ـ لمثل المجتهدين في العصر الحاضر، الذين
يستفتيهم الناس، ويفتونهم لعلّه ممّا لا ينبغي الارتياب فيه.
وعن رجال الكشي، عن محمّد بن مسعود، عن أحمد بن منصور، عن أحمد بن الفضل الكناسي
قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): « أيّ شيء بلغني عنكم ؟ قلت: ما هو ؟
قال (عليه السلام): بلغني أنّكم أقعدتم قاضياً بالكناسة، قال: قلت: نعم جعلت
فداك رجل يقال له: عروة القتات، وهو رجل له حظّ من عقل نجتمع عنده فنتكلّم
ونتساءل، ثم يردّ ذلك إليكم. قال: لا بأس »(112).
وظاهر « يردّ ذلك إليكم » الاعمّ من نقل الرواية أو الافتاء المستنبط من الروايات.
الطائفة الثالثة: الاخبار الناهية عن الافتاء بغير علم وارد عن المعصومين (عليهم السلام)، الدالّة بمفهومها على جواز الافتاء مستنداً إلى ورود الحكم عنهم (عليهم السلام)، وجواز هذا يلازم جواز العمل به عرفاً كما سبق.
منها: صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام): « من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه »(113).
ومنها: ما في مرسل الكافي عن الامام الباقر (عليه السلام): « من أفتى الناس برأيه
فقد دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضادّ الله حيث أحلّ وحرّم
فيما لا يعلم »(114).
وعن قرب الاسناد بسنده عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: « من أفتى الناس برأيه
فقد دان بما لا يعلم »(115).
مرسلا العوالي ومنية المريد
ومنها: ما في المستدرك، عن عوالي اللئالي، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
قال في حديث: « ومن أفتى الناس وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، والمحكم من
المتشابه، فقد هلك وأهلك »(116).
وفي منية المريد للشهيد الثاني (قدس سره) قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «
من أفتى بفتيا من غير تثبت ـ وفي لفظ: بغير علم ـ فإنّما إثمه على من أفتاه »(117).
وهذا وإن كان مفهوم وصف، وهو غير حجّة على المشهور، إلاّ أنّ تردّده بين اثنين
يجعله ذا مفهوم عرفاً، نظير النهي عن شرب الماء واقفاً بالليل، فتأمّل.
ومثل الاحاديث الواردة بهذه المضامين في النهي عن القياس، والاستنباطات الظنّية،
والاستحسانات، والافتاء بالرأي، ممّا تدلّ بمفهومها على جواز الافتاء بما ورد عنهم
(عليهم السلام)، وبالعلم، وبالتثبّت، وبغير الرأي، وهو يعلم الناسخ من المنسوخ،
ونحو ذلك، الملازم ذلك كلّه ـ عرفاً ـ لجواز العمل به، وكتاب القضاء من الوسائل،
والمستدرك، ومقدّمات كتاب جامع أحاديث الشيعة، فيها غنيمة باردة بطائفة من أمثال
هذه الاحاديث، التي هي فوق أدنى التواتر قطعاً، ويوجب العلم الّذي لا يشوبه ريب
لجواز تقليد المجتهد الجامع للشرائط، الاخذ علمه من روايات المعصومين (عليهم
السلام)، وإن كان بعضها، أو معظمها ممّا خدش فيه البعض واحداً واحداً، سنداً أو
دلالة، ولكنّ المجموع من حيث المجموع يورث العلم بلا ريب.
فلا وجه لما نقله بعض المعاصرين عن بعض مشايخه المحقّقين: من الاشكال في شمول
دلالتها للتفقّه بإعمال النظر، وهذا الاشكال إن كان ربما وجّه في دلالة: آية النفر،
فلا يوجّه فيما نحن فيه، كما هو ظاهر.
أدلّة صحّة التقليد: الاجماع
3. الاجماع: قائم على جواز التقليد من وجهين:
الوجه الاوّل: الاجماع القولي، وقد نقله جمع.
وأشكل بأنّه محتمل الاستناد، بل مقطوعه ـ كما ربما ادّعي ـ لما تقدّم من الايات
والاخبار.
وفيه: إنّه ربما يقال: بصحّة الاستناد إلى الاجماع المحتمل الاستناد بما حاصله: إنّ
الادلّة الشرعية ـ على المبنى المشتهر بين المتأخرين خصوصاً المعاصرين ـ ليست إلاّ
منجّزات ومعذّرات عرفية، فما كان عرفاً منجّزاً أو معذّراً، صحّ الاستناد إليه في
مقام صدق الاطاعة والمعصية عرفاً، وإجماع فقهاء الشيعة إذا قام على حكم كان ذلك ـ
عرفاً ـ موجباً لتنجّز مضمونه إذا طابق الواقع، ومعذّراً إذا خالفه.
غاية ما يقال فيه: إنّ الاجماع المحتمل الاستناد فرع حجّية تلك الادلّة التي احتمل
استناد الاجماع إليها، وتلك الادلّة إن تمّ صدورها ودلالتها فهي المنجّزة والمعذّرة
لا الاجماع، وإن لم يتم صدورها أو دلالتها فما لا يثبته الاصل، لا يثبته الفرع
بطريق أولى، ولكنّه مخدوش.
وإنّما هو مخدوش، لانّ الصدور والدلالة، كلاهما يجبران بالاجماع، أمّا الصدور:
فظاهرٌ مشهورٌ بين الفقهاء في كتبهم الفقهية والاُصولية.
وما أصرّ عليه بعض مراجع العصر تبعاً لصاحب المدارك (قدس سره): من عدم جبر السند
بالاجماع، بل بالغ في الانكار حتّى عبّر عنه بالحجر في جنب الانسان(118)، لا توافقه
سيرة العقلاء، المتّبعة في طرق الاطاعة والمعصية ـ كما يبدو لنا وتقدّم ويأتي بعض
التقريب له ـ.
وأمّا الدلالة: ففي الاُصول: صرّح بعضهم بجبرها بالاجماع أيضاً إذا كان اللفظ
مجملاً ووهنه بالاجماع أيضاً إذا كان ظاهراً في شيء وتمّ الاجماع على خلاف ظاهره.
وفي الفقه: عمل عامّة المتأخرين تبعاً لسلفهم المتقدّمين (قدس سرهم) على الجبر
والوهن إلاّ النادر ممّن اضطربت كلماته في الموارد، وتخالفت أقواله في المسائل.
ووجه ذلك: إنّه لو رأينا رواية صحيحة السند ولكن كان في دلالتها على الحكم قصور من
إجمال أو نحوه، وقام إجماع على ذلك الحكم، فلو تركنا الرواية لقصور الدلالة، وطرحنا
الاجماع لاحتمال استناده إلى تلك الرواية، مع ما في المجمعين من فطاحل وأساطين
وأعيان اجتمع فيهم دقّة النظر والتقوى الشديدة، من أمثال الكليني، والصدوق،
والمفيد، والطوسي، والمحقّق، والشهيدين، وكاشف الغطاء، وبحر العلوم، والمقدّس
الاردبيلي، والشيخ الانصاري، والمجدّد الشيرازي، والشيخ محمّد تقي الشيرازي، وغيرهم
من كبار فقهائنا (قدس سرهم)، فإن ظهر واقعاً صحّة ذلك الحكم لم يكن لنا عرفاً
معذّر، كما إنّا إن استندنا إلى هذا الاجماع، ثم ظهر واقعاً عدم صحّة الحكم كان ذلك
معذّراً عرفاً.
أو بالعكس: كما لو كان دليل لفظي مطلقاً أو عامّاً ولم يكن له مقيّد أو مخصّص لفظي
سوى فهم الفقهاء جميعاً عدم شمولهما لبعض الجزئيات، فهل الاخذ بالعموم أو الاطلاق
التارك لفهم الفقهاء قديمهم وحديثهم يكون معذوراً عند الاصابة ومنجّزاً عليه عند
الخطأ عرفاً ؟ والعرف ببابك، فاختبر نفسك بما إذا صدر أمر من السلطان بلزوم حضور
الحكّام بحضرته يوم الاضحى ـ مثلاً ـ ثم رأى حاكم من حكّام أحد البلدان نصّ الامر
فلم يفهم منه الوجوب ولكنّه رأى جميع الحكّام متّجهين إلى حضرة السلطان، وحضر
الجميع عند السلطان إلاّ هذا الحاكم، فهل العقل والعرف يريانه معذوراً إذا كان
الامر كما فهم الحكّام ؟ وهل يقبل عذره بأنّه لم يفهم من الامر ذلك، مع إنّه رأى
جميع الحكّام فهموا منه ذلك ؟
فإن وجدت من نفسك معذورية هذا الحاكم وصحّة عمله كان طرح الاجماع المحتمل الاستناد
أيضاً كذلك، وإن كان العكس فالعكس.
وممّا يؤيّد ذلك: ظهور العسر والضرر والحرج في الاطلاق الشامل لكلّ المحرّمات حتّى الزنا واللواط والسحق ونحوها مع أنّ الفقهاء لم يفهموا هذا الشمول، فهل يصحّ لفقيه ـ لدى العرف والعقلاء ـ أن يفهم الاطلاق الشامل لامثالها ويفتي بجواز اللواط والزنا ـ والعياذ بالله تعالى ـ إذا كان حرجاً على الرجل أو المرأة الصبر عنهما، لمجرّد أنّ أدلّة الضرر والحرج مطلقة ولا مقيّد لها بغير الزنا واللواط ؟ خصوصاً وبعض هذه المطلقات والعمومات آب عند التقييد والتخصيص ـ كما قيل (119).
ثمّ إنّ معظم أصحاب الكتب الفقهية من السابقين واللاحقين (قدس سرهم) يجبرون ضعف
الدلالة بفهم الفقهاء، ويوهنون قوّة الدلالة بعدم فهمها عند الفقهاء، وكتاب
الجواهر، وغيره مليئة بذلك، ولنذكر نماذج لذلك من هذا الكتاب، دفعاً لما لعلّه أصبح
في زماننا من المتسالم عليه عند بعضهم من عدم جبر الدلالة ولا وهنها بموافقة
ومخالفة الاصحاب:
منها: في المندوب من الوضوء قوله: « والوهن في الدلالة مجبور بفتوى كثير من
الاصحاب »(120).
ومنها: في تغيّر الماء من حمل الغلبة في الروايات على خصوص التغيّر بقوله: «
وأيضاً بقرينة الشهرة ونحوها تحمل الغلبة على إرادة التغيّر»(121).
ومنها: في ماء الحمّام قال: « وما كان في هذه الروايات من ضعف في السند أو
الدلالة فهو منجبر بما سمعت من الاجماع المنقول بل المحصّل...»(122).
ومنها: ما في ماء الغسالة من قوله: « ولعلّ إمكان ذلك إنّما هو من جهة الاجماع
الجابر لفهم ذلك من الاخبار »(123).
ومنها: موارد عديدة نعرض عن ذكرها لئلاّ يطول بنا الحديث(124).
هذا ما عثرت عليه في هذه العجالة، ويكفي هذا المقد