بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ التخلّي عن الرذائل طريق إلى التحلّي بالفضائل،
والتحلّي بالفضائل طريق إلى الإمدادات والفيوضات
الإلهية.
قد يحمل الإنسان نفسه قسراً على تقمّص الفضائل، لكنّه
في الوقت نفسه تجده قد احتوشته الرذائل، حتى لا تجد
تلكم الفضائل لها مكاناً في القلب إلا لوقت محدود
وسرعان ما تزول.
يقول علماء الأخلاق: إنّ على الإنسان أن يصلح نفسه
أوّلاً باقتلاع جذور السيئات والرذائل المتعلّقة بقلبه
لتحلّ بعد ذلك محلّها الحسنات والصالحات.
وهناك العديد من الأحاديث التي تشير إلى هذا المعنى
إجمالاً؛ منها ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله
أنّه قال: «لولا أنّ الشياطين يحومون حول قلب ابن
آدم، لنظرالى الملكوت»(1).
حام: أي دار و طاف، والملكوت ـ كما جاء في التفاسير
المعتبرة ـ يعني الأمور الماورائيّة والأشياء التي لا
تُدرَك بالحواسّ العامّة كالسمع والبصر و... فالإنسان
لا يرى الملائكة ـ مثلاً ـ ولا يسمع أصواتها، كما لا
يرى كلّ آثار رضى الله وغضبه، شأنه في ذلك شأن عجزه عن
الإحساس بحدوث مقدّمات الزلزلة قبل وقوعها، في حين إنّ
الله تعالى قد زوّد بعض الحيوانات قابلية الإحساس بقرب
وقوع الزلزلة، بحيث تراها تصرخ قبل وقوعها، وتسعى
لمغادرة المكان، بل لعلّها تهجره قبل يوم أو يومين من
حدوث الزلزال، فهي إذاً تدرك أمراً يعجز الإنسان ـ رغم
فكره وعقله ـ عن توقّعه أو تحسّسه.
فمن كانت الشياطين تحوم حول قلبه لتغمره بالأمراض
الروحيّة والمساوئ النفسية، يعجز عن النظر إلى ملكوت
السماوات والأرض، و عن معرفة الحكمة، ولا يعي أهميّة
العقل والفضيلة، وبالتالي ينجرّ إلى حيث تسوقه شياطينه
المحيطة بقلبه.
لكلّ شيء في الحياة آثار ولكن يلزم وجود الإيمان
والعلم لكي يحسّها الإنسان ويشعر بها، فالنظر ـ مثلاً
ـ إلى ملكوت السماوات والأرض، ليس بحاجة إلى معجزة
ليتحقّق، بل أمره متوقّف على توافر جملة من العوامل،
في مقدّمتها إصلاح القلب.
ومثَل الناظر إلى ملكوت السماوات والأرض مثل المهندس
المعماريّ الذي يحدّد عمر هذه البناية أو تلك من أوّل
نظرة إليها، ومثل الطبيب الحاذق الذي يستطيع تشخيص
المرض بمجرّد أن يلقي نظرة على المريض؛ لما يراه من
آثار في وجهه وغير ذلك، ومثل الخبير في علم اللغة
والخطابة الذي يستطيع معرفة الخطيب المفوّه من أوّل
جملة يتفوّه بها هذا الخطيب أو ذاك.
إذاً فما حازه أولئك من علوم وفنون حتى صاروا يعرفون
ضمن إطار تخصصهم، إنّما حصل بفعل إعمالهم العقل
والعناية، فهكذا الحال لمن يريد الوصول إلى معرفة
الملكوت يجب عليه إعمال القلب وتهيئته للتوسّم بآيات
الله؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ
لآيَاتٍ للْمُتَوَسِّمِينَ﴾(2).
ومن هذا الحديث الشريف وأمثاله قال علماء النفس
والأخلاق أنّ على الإنسان لكي ينظر إلى الملكوت أن
يصلح قلبه أوّلاً، وذلك عبر انتزاع الرذائل منه، ثمّ
بعد ذلك يحاول زرع الفضائل مكانها.
وهذا يلزم قلع جذور السوء من قلبه أوّلاً، فإن استطاع،
فبمقدار ما استطاع وبنفس النسبة يكون تسديد الله
سبحانه، إليه وشمول رحمته له.
روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله: «إنّ
من أحبّ عباد الله إليه، عبداً أعانه الله على نفسه،
فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في
قلبه»(3).
و(فاء) التفريع المتكرّرة في هذا الحديث تدلّ على
ترتّبٍ يكون في مقام حصول النور في القلب. فابتداءً
لابدّ من عزيمة وإرادة حقيقية ليتمكّن الإنسان من
السيطرة على شهواته وأهوائه.
وممّا ينبغي الإشارة إليه أنّ الحواسّ الظاهرة أسهل في
الامتلاك من القلب. فلعلّ من السهل على الفرد أن يحاول
امتلاك لسانه إذا تعرّض للسبّ والإهانة، أو أن يسيطر
على يده إذا تعرّض للضرب، فيشبك أصابعه لئلاّ ينفلت
منه زمامها ولكن من الصعب أن يملك المرء قلبه. فالجبان
ـ مثلاً ـ حتى إذا خاض بجسمه في الأمر المهول، إلاّ
أنّه يعجز عن امتلاك قلبه وأن يتحكم بدقّات القلب
فيحول دون اشتدادها.
فامتلاك الجوارح أسهل على الإنسان بكثير من امتلاكه
قلبه وباطنه، لاسيّما في اللحظات الحرجة والحسّاسة،
كلحظات الغضب والطمع والحسد. وهذه حالة موجودة في
القلب ولكن إذا غذّاها الإنسان اشتدّت وزادت، أما إذا
أنّبها وحاول إزالتها تقلّ الحالة وتضعف.
وما ورد في هذه الرواية من قوله عليه السلام: «فاستشعر
الحزن» يفيد أنّ الحزن لا يكون إلاّ من النفس؛ فيصيب
قلب الإنسان فتور في الانقباض والانبساط فتظهر آثاره
على البدن والوجه، والمراد هنا الحزن على ما فرّط
وارتكب من الذنوب وعلى ما قد ينتظره من مستقبل غير
معلوم من هذه الجهات. لذا فإنّ من أعانه الله على نفسه
لابدّ أن يكون كثير التأكيد والتركيز على نقاط الضعف
الكثيرة والمتأصّلة في قلبه والتي عادة ما يكون
استسلام الإنسان لشهواته مسبّباً عنها.
ثمّ إن استشعار الحزن يتبعه تجلبب الخوف واتّخاذه
لباساً، أي يكون الخوف بادياً عليه كلّه، ولذلك فإنّك
لا ترى المؤمن يمتلئ ضحكاً ـ كما في بعض الأحاديث(4) ـ
وإذا ضحك لم يتعمّق في الضحك، لأنّه يعرف ويدرك مَن
الناظر إليه، وما الذي يمكن أن ينتظره إن زاغ قلبه عن
الجادّة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «كثرة
الضحك تمحو الإيمان»(5). ولذلك، فالمؤمن في حزن
دائم، وقد ورد في الأحاديث والروايات ضرورة أن يسعى
العابد لأن تظهر آثار العبودية على جوارحه وأعضائه.
ثمّ يقول عليه السلام: «فزهر مصباح الهدى في قلبه»،
تفريعاً على ماسبق، فأصبح يرى بعين الله ما وراء
الأشياء، فلا يؤخذ من حيث يجهل، فيتجنّب بذلك كثيراً
من المهاوي؛ فيكون قلبه نورانيّاً، لأنّ فيه مصباح
الهدى.
وعلماء الأخلاق يقولون بأنّ هذه الحالة تدرك ولا توصف
كما هو حقّها؛ إذ يضاعف الله من نعمه على الإنسان،
فيقذف في قلبه نور العلم، فبدلاً عن الرذائل تكون
المحاسن، وعوضاً عن الجهل تكون المعرفة، أي يتحوّل
القلب إلى وعاء نورانيّ بفضل الله تعالى ـ بعد قيام
إرادة الإنسان ونيّته الصالحة ـ فتنبعث في داخل الفرد
حالة من السكينة والاطمئنان، يتمكّن بسببها من مواجهة
الصعاب واقتحام العقبات.
فالحاجة ملحّة إلى إصلاح القلب قبل إصلاح الجوارح،
وليس الإصلاح بكثرة الصلاة والصيام رغم مطلوبيتهما،
ولكن الإنسان مدعوّ إلى التركيز على اقتلاع جذور
الفساد والاستعانة بأفضل العبادات. وقد أشارت الآيات
والروايات إلى فضل التفكّر في أمر الله على كل
عبادةٍ(6)، فالإنسان إذا لم يهتمّ بإصلاح قلبه، لا
تؤثّر العبادات الظاهرية في حاله(7).
للتطهير والإصلاح وسائل، منها: الإخلاص لله سبحانه
وتعالى، والذي يتأتّى بالإرادة والممارسة. لقد جاء عن
النبي صلى الله عليه وآله: «من أخلص لله أربعين
صباحاً تفجّرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»(8).
فالقلب كالمرآة، فكما أنّ الإنسان لا يستطيع أن يرى
نفسه جيّداً في المرآة التي تراكم الغبار عليها، فهكذا
إذا علا قلبه رين الرذائل، لا يستطيع أن ينظر إلى
ملكوت الله؛ قال عزّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ
عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾(9).
فلِمَ توجل قلوب هؤلاء عند ذكر الله تعالى؟ الجواب:
لأنّ قلوبهم عامرة في الأساس، فعندما يسمعون اسم الله
تعالى، يستذكرون أشواط حياتهم ويستعيدونها ويتوقّفون
عند مساوئهم ويستغفرون الله من المعاصي.
والإخلاص ـ لا ريب ـ مهمّة صعبة إلا أنّها ممكنة.
ويتلو الإخلاص لله تعالى، مهمّة الاستمرار في محاسبة
النفس.
كما يعتبر التوكّل على الله سبحانه وتعالى وطلب
المعونة منه من وسائل الإمدادات الإلهيّة في تطهير
القلب من الرذائل، وتعويضها بالفضائل.
وهذه الوسائل سلسلة متّصلة الحلقات، لا تنفكّ. أسأل
الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا بتسهيل الطريق.