بسم الله الرحمن الرحيم
«قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»(1).
هناك فرق بين المخلِص والمخلَص. فالمخلِص ـ بكسر اللام
ـ مَن كانت أعماله خالصةً لله، أي يقوم بها لله فقط،
وقد وردت في هذا المعنى آيات عديدة في القرآن الكريم،
منها قوله تعالى: «وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ
لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»(2).
فالمخلصين هم الذين أخلصوا دينهم لله.
أمّا المخلَص ـ بالفتح ـ فهو من أخلصه الله لطاعته.
وفي هذا المعنى أيضاً وردت آيات عديدة، منها الآية
التي ذكرناها، والتي ورد فيها أنّ الشيطان أقسم بعزة
الله تعالى ـ بعد أن طرده الله من الجنة لمّا رفض
السجود لآدم عليه السلام ـ أنّه سيقوم بإغواء بني آدم
ولكنه استثنى منهم عباد الله المخلَصين. فإنّ مَن
استخلصهم الله تعالى ووقّع على إخلاصهم، لا يقدر إبليس
على إغوائهم، ولم يستثنِ غيرهم حتى المخلِصين ـ بكسر
اللام ـ.
هناك في الحياة أمور واقعيّة أعمّ من أن تكون مادّية
أو معنوية. فمن الأمور الواقعية في الحياة مثلاً: أنّ
الإنسان الذي يستطيع أن يسيطر على أعصابه ويملك نفسه
تجاه السفهاء من الناس لا يفقد صحته ولا دينه ولا
كرامته في المجتمع، خلافاً لمَن يثور بسرعة فيفقد
السيطرة على أعصابه وربما ردّ الكيل بكيلين والصاع
بصاعين، فينقلب ظالماً بعد أن كان مظلوماً فيفقد دينه،
كما يخسر صحّته بسبب غيظه، وتتزلزل مكانته الاجتماعية
لتعرّضه للنقد من قِبل الآخرين. فالشخص الأوّل في
المثال تصرّف بصورة ربح فيها الموقف بينما فرّط به
الشخص الآخر.
فحتى الذي ليس عنده علم يحبّ أن يقال عنه عالِم، ويفرح
بذلك. كما أنّ الجاهل لا يرضى أن يقال عنه جاهل وإن
كان كذلك حقيقة. وهذا يدلّ على أنّ العلم له واقعية
والجهل كذلك.
وكون الإخلاص أمراً حسناً وممدوحاً من الأمور
الواقعية؛ والإنسان عادة ينزعج ويتأثّر لو قيل أنّه
غير مخلص في عمله، كما أنّه حتى غير المخلص يفرح لو
قيل عنه أنّه مخلص وإن لم يكن كذلك واقعاً. وهكذا حال
سائر الواقعيّات كالصدق والشجاعة والكرم.
وللأمور الواقعية آثار تترتب عليها، وتلك الآثار
تتناسب مع درجة الواقعية فكلما زادت واقعيّة الشيء
زادت الآثار.
نقل في أحوال أحد العلماء الماضين أنّه كان إذا دُعي
للصلاة على الميّت، يحضر الجنازة فيصلّي عليها ولا
يتأخّر بعد ذلك بل ينصرف إلى أعماله وشؤونه الاخرى،
فقد كان مرجعاً صاحب رسالة عملية يرجع إليه الناس في
أمور دينهم، واتّفق في يوم من الأيام أن مات أحد
القصّابين في ذلك البلد، فأُخبر (العالِم) فحضر للصلاة
عليه، ولكنّه ـ وعلى خلاف عادته ـ تأخّر هذه المرة
حتّى دفنوا الميت ثم جلس على قبره وقرأ له الأدعية
وبعض السور من القرآن الكريم.
فأثار هذا الأمر استغراب البعض ـ لأنّ الميت لم يكن من
أقرباء العالِم ولا كان من العلماء أو الزهّاد ـ
وعندما أراد الانصراف توجّه إليه بالسؤال عن وجه
اهتمامه بهذا الميّت، والإكثار من الترحّم عليه، فقال:
إنّ هذا القصاب ساعدني في أيام عسيرة، فكان يقرضني ـ
وهو لا يعرفني ـ في وقت كنت محتاجاً، دون أن يرجو
قدرتي على إرجاع المال إليه. فيوم قدمتُ إلى هذا البلد
كنت فقيراً ولم يكن أحد يعرفني بمن فيهم هذا القصّاب
الذي لم يكن يعرفني ولا أعرفه، غير أنّي كنت أشتري منه
اللحم، وفي إحدى المرّات لم يكن عندي مال لأدفع الثمن،
وكنت معيلاً، فقال لي: لا بأس أنا مستعدّ لأن أبيعك
اللحم ديناً، وتكررت الحالة في اليوم الآخر، ولعدّة
أيام، وهو يقرضني برحابة صدر دون أن يعرفني أو يعلم
أنّي قادر على تسديد الديون ـ فقد كنت طالباً ولا أملك
مورداً آمل أن يأتيني منه المال ـ ولا أوصاه أحد بي،
فقد سألته يوماً: هل أوصاك أحد بي؟ فقال: لا. قلت:
تعرفني؟ قال: لا. قلت: لماذا إذاً تقرضني؟ قال: رأيتك
مؤمناً بادي الصلاح ومعيلاً؛ فأقرضتك في سبيل الله،
فإن حصلت على المال رددته إليّ، وإن لم تحصل فلا بأس
عليك ولا أخسر في صفقتي مع الله.
يقول العالِم: أُعجبتُ بإخلاص هذا الرجل الذي ساعدني
قربة إلى الله تعالى دون أن يعرفني.
فإذا كنّا ـ نحن البشر ـ لا ننسى المساعدة المخلصة من
دون آلاف المساعدات الأخرى، ونقدّرها، وإذا كنا ندرك
هذه الحقيقة ولا نختلف فيها ـ وهذا يعني أنّها من
الواقعيات، وللواقعيات آثارها كما قلنا ـ فكيف بالله
تعالى وهو العليم الحكيم.
يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّ لنا
محبين لو قطّعنا الواحد منهم إرباً إرباً ما زادوا
إلاّ حباً، ولنا مبغضين لو ألعقناهم العسل ما ازدادوا
إلاّ بغضاً»(3).
فهل يُعقل أن يُقطَّع أحدٌ بالسيف ومع ذلك يحب مَن
بسببه قُطِّع؟
نعم إذا كان حبّه لله تعالى وليس لشخصه.
في الروايات أنّه «لما أُهبط آدم عليه السلام إلى
الأرض جاءته وحوش الفلاة تسلم عليه وتزوره، فكان يدعو
لكل جنس بما يليق به، فجاءته طائفة من الظباء فدعا لهن
ومسح على ظهورهن فظهر منهن نوافج المسك، فلما رأى ما
فيها من ذلك غزلان أُخر قالوا: من أين هذا لكنّ؟ فقلن:
زرنا صفي الله آدم فدعا لنا ومسح على ظهورنا، فمضى
البواقي إليه فدعا لهنّ ومسح على ظهورهنّ فلم يظهر لهن
من ذلك شيء، فقالوا: قد سلّمنا كما فعلتم فلم نرَ
شيئاً ممّا حصل لكم. فقالوا: أنتم كان عملكم لتنالوا
كما نال إخوانكم وأولئك كان عملهم لله من غير شيء فظهر
ذلك في نسلهم وعقبهم إلى يوم القيامة»(4).
حكي أنّ رجلاً من الأعراب زار قبر الإمام أمير
المؤمنين عليه السلام ونظم عنده بيتاً واحداً من الشعر
مختلّ الوزن وعارياً من البداعة ونحوها، فانحلّت عروة
قنديل من الذهب معلّق في الحرم وسقط القنديل قدّامه
على الأرض، فقيل للأعرابي: إنّ هذا القنديل إكراماً
وهدية لك من الإمام؛ وذلك لأنّ الأمر كان خلاف العادة،
فالقناديل محكمة الربط بسلاسل حديدية، ففُسِّر الأمر
على أنّه كرامة من الإمام أمير المؤمنين سلام الله
عليه لهذا الأعرابي.
فسمع أحد شعراء النجف في تلك الأيام بالقصّة فنظم
قصيدة عصماء وقرّر أن يلقيها عند ضريح الإمام، ليحصل
على قنديل من ذهب ـ إن لم يكن أكثر ـ وسمعة طيبة مادام
الإمام أعطى ذلك الأعرابي قنديلاً رغم ركاكة ما قاله
من بيت شعر. واجتمع مع أصدقائه في اليوم المقرّر الذي
أخبرهم به عند حرم الامام عليه السلام، وشرع بقراءة
البيت الأوّل ولم يسقط قنديل، واستمر فقرأ البيت
الثاني ثم الثالث والرابع حتى نيّف على العشرين وأكمل
القصيدة، ولكن دون جدوى. حينها تألّم الشاعر كثيراً
وتقدّم نحو الضريح المقدّس وخاطب الإمام قائلاً: أنشدك
ذاك الأعرابي بيتاً واحداً من الشعر الذي لا يُعرف
أوّله من آخره فضلاً عن خلوّه من المعاني البديعة،
فأعطيته جائزة، وأنا أتيتك بهذه القصيدة العصماء التي
أتعبتُ نفسي فيها، ولم تكافئني عليها! ثم انصرف
متألّماً.
فرأى الإمام عليه السلام في عالَم الرؤيا يقول له:
لماذا عتبتَ عليَّ هذا اليوم؟ فقال: إذا كانت القضية
قضية شعر، فشعري أجمل وأبلغ، فلماذا أعطيته وحرمتني؟
قال له الإمام: إنّ ذلك الأعرابي قال الشعر لي وأنت
قلته للقنديل! صحيح أنّك مدحتني لكن لأجل القنديل
والكرامة الاجتماعية.
إنّ طلبة العلم مبتلون في مسألة الإخلاص أكثر من
غيرهم، لأنّهم قد يصلون ـ نتيجة دراستهم ـ إلى مواقع
في المجتمع يطمع الشيطان بسببها في إغرائهم، لأنّ
أحدهم لو زلّ ـ لا سمح الله ـ فسيزل ويضل بسببه خلق
كثير؛ كما لو بلغ أحد مقام المرجعية حيث تُجبى إليه
الأموال ويحظى باحترام الناس وتقديرهم وحبهم، وكذا لو
كان وكيلاً للمرجع أو خطيباً أو أيّ موقع اجتماعي
مرموق. فإنّ لمثل هذه الأمور مغريات كثيرة تتطلّب
اليقظة بدءاً واستمراراً. فإن كان نظر الإنسان إلى هذه
اللوازم التي تأتي نتيجة موقع المسؤولية ـ كالهيبة
والتقدير والوجاهة أو الأموال والمكاسب المادّية
الأخرى ـ أنّها هي التي تدفع به للعمل ـ فهذا ما يخشى
منه حقاً، فإنّه يقال للإنسان بعد تعب مرير وعناء
كثير: لقد فعلت ما فعلت من أجل هذه الأمور، وقد حصلت
عليها، إذاً فلا شيء لك عندنا بعد. لقد عملتَ للشهرة
والسمعة ليقال عنك ـ مثلاً ـ : كاتب جيّد أو خطيب مصقع
أو عالم عامل أو ما أشبه، وقد نلت مرامك. فيكون حينها
كمَن نظم القصيدة للقنديل، أو كالغزلان التي ذهبت
للقاء آدم، ولكن من أجل نوافج المسك وليس من أجل الله
تعالى، أمّا مَن عمل هذه الأمور ولم يكن يرجو من
ورائها مالاً ولا جاهاً ولا أموراً دنيوية أخرى، بل
عمل لله خالصاً فإنّ الله سوف يقدّر له عمله ويجازيه
أحسن الجزاء.
فلنعتبر قبل فوات الأوان وقبل أن نكتشف الأمر ولات حين
عبرة، ولنأخذ الدروس من قصص الآخرين. فإذا كان الإنسان
بفطرته يدرك أنّ المخلِص هو الحريّ بالثواب دون غيره ـ
كما تبين لنا ذلك في قصّة العالِم الذي كرّم القصاب
بعد وفاته بسبب إخلاصه ـ وأنّ للإخلاص آثاراً وضعية
وتكوينية بل تبقى حتى في أعقاب الشخص إلى يوم القيامة،
فليراجع نفسه إذاً وينظر أيقوم بأعماله ودراسته وجهاده
لله حقّاً، أم هناك ضمائم يشركها مع الله سبحانه؟
وليعرف ـ إخواني ـ أهل العلم أنّ بلاءنا أعظم لأنّ
الشيطان يستهدفنا أكثر من غيرنا، والمغريات أمامنا قد
تكون أكثر حتى قلّ المخلصون.
والإخلاص مرتبة صعبة وبالنسبة إلى أهل العلم أصعب،
لأنهم يستطيعون ـ لمعرفتهم بعض الشيء ـ أن يكيّفوا
أعمالهم بنحو بحيث يتصور مَن يلاحظهم أنّهم مخلصون.
ومن ثم فإنّ إخلاصهم يكون أكثر أجراً، كما أنّ عقوبتهم
على الزلاّت وعدم الإخلاص أشدّ؛ لما ذكرنا من الأسباب،
ولأنّ عملهم يقتدي به الآخرون. فلو شعر من يصاحبهم بعد
فترة أنّهم كانوا يتصنّعون الإخلاص ولم يكونوا مخلِصين
حقاً، فربما يشكّ على أثره في المخلصين من أهل العلم
كلّهم، ويقول مع نفسه: إنّ هذا الذي عاشرته كلّ هذه
المدة ـ متصوّراً أنّه مخلص ـ تبيّن لي زيفه، فالآخرون
كذلك.
وهكذا يكون لعمل شخص واحد من أهل العلم متظاهراً
بالإخلاص تأثيراً سيّئاً على المخلصين الحقيقيين من
العلماء؛ إذاً من الأسس التي يجب على الإنسان أن يسأل
الله التوفيق فيها والاستمرار عليها هي أن تكون أعماله
لله حقيقة.
لا بأس أن يدرس الإنسان لكي يكون مرجعاً ينفع الناس أو
مبلّغاً أو خطيباً أو عالِماً في بلدة ما، ولكن ليكن
كلّ ذلك لثواب الله وأجره. ومَن كان هذا هدفه لا يهمه
ما يقوله في حقّه زيد أو عمرو، سواء كان سلباً أو
إيجاباً. صحيح إنّ التشجيع والتثبيط لهما أثر في نفس
الإنسان، ولكن مَن بلغ درجة الإخلاص لاتؤثّر هذه
الأمور فيه كثيراً.
لا بأس فيما لو شجّعنا أحد بشيء. أمّا لو كنّا ـ فقط ـ
ننتظر أن يقول لنا الآخرون ذلك من باب الإطراء
والاحتفاء، فلنعلم أنّ هذا الأمر الذي أدركته عقولنا
القاصرة لا يخفى على الله تعالى، وكل شيء عنده بمقدار.
إنّ الشيطان الغويّ قادر على أن يفرّق بين المخلِص
والمخلَص، وعندما يقسم بالله يعرف كيف سيكون العمل مع
كلّ منهما. فهو يستثني المخلَصين من دائرة إغوائه
مركّزاً على من سواهم ابتداءً بالمخلِصين فمن دونهم.
ثم إنّ الله يعرف كلّ ذلك ويزن لنا بنفس الموازين
ويعرّفنا بها حتى تنقطع حجّتنا ﴿فَلِلّهِ
الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾(5).
لننظر عند أنفسها، كم يؤثّر فينا التشجيع والتثبيط.
فإن كان التثبيط يؤثّر فينا مئة في المئة، فذلك دليل
على أنّ الإخلاص غير موجود فينا، حتى ولو بنسبة الواحد
في المئة. وذلك كما لو أردت أن تقوم بعمل ـ مثلاً
تأليف كتاب ـ ثم لاحظت أنّ هناك مَن يتكلّم ضدّك في
حضورك أو غيابك ويقول أنّك مراءٍ أو كذا وكذا. فإن
قلت: لا فائدة في هذا العمل! أنا أعمل والناس يتكلمون
ضدي فلأتركه إذاً! فهذا دليل على أنّه لا وجود للإخلاص
في عملك؛ إلاّ إذا كان هناك مصلحة دينية في ترك العمل،
أي كان الترك أيضاً لله وليس بسبب تأثّرك لنفسك.
أو مثلاً لو لم تكن تفكّر القيام بعمل ما؛ ولكن شجّعك
الآخرون، ورأيت بأنّه توجد رغبة عند الناس في هذا
الأمر، فقمت به من أجل رغبة الناس وليس لأنّ الله أمرك
به أو أحبّه، فهذا أيضاً يعني غياب الإخلاص ـ والعياذ
بالله ـ فهذان مثالان على عدم وجود الإخلاص حتى بنسبة
واحد في المئة.
ولكن لو كان العمل لله وكان التشجيع وراء العمل، أو
كان الترك لله وكان التثبيط وراء العمل، وكان لكليهما
مصلحة دينية فهذا يعني وجود الإخلاص.
فعلينا أن نربّي أنفسنا على الإخلاص، ويكون كلّ عملنا
لله تعالى، لنكون قد أرغمنا أيضاً أنف الشيطان، فإنّ
الإمام عليه الصلاة والسلام يقول: «لابن آدم
لـمّتان؛ لـمّة من الملك ولـمّة من الشيطان»(6).
والإمام المعصوم هو خير مَن يعرف الشيطان ولذلك
يجتنبه، لكنّا لا نعرفه كما يعرفه الإمام وإلاّ لكان
ابتعادنا عنه كابتعاد الإمام. أرأيت كيف يفرّ أحدنا من
الظالم أو من الحيوان المفترس؟! إنّ ذلك لمعرفتنا
بهما. فلو كنت في غرفة ليلاً وأردت النوم وقيل لك إنّ
في الغرفة حية مختبئة فهل يغمض لك جفن أم تبقى حذراً
حتى الصباح؟!
إنّ الشيطان أخطر من الحيّة وهو عدوّنا الذي حذّرنا
الله منه، فلنحذره ولا ننخدع به قبل أن يفوتنا الأوان
وينتصر علينا ـ لا سمح الله ـ ويسخر منّا ونندم عند
ذلك ولا يفيدنا الندم. فلقد ورد في الحديث: «إذا
بلغ الرجل أربعين سنة ولم يغلب خيره شره قبّل الشيطان
بين عينيه، وقال: هذا وجه لا يفلح»(7).
لاشكّ أنّه لا يأس من رحمة الله لمَن بلغ الأربعين أو
أكثر ولكن التحوّل عند ذلك استثناء ﴿إِلاَّ مَا
رَحِمَ رَبِّيَ﴾(8) وفيه صعوبة بالغة.
فالشباب أقدر على أن يسحقوا جبين الشيطان ويرغموا
أنفه، فليبادروا قبل أن يتمكّن الشيطان منهم؛ فإنّ
الخلاص من ربقته في المستقبل أصعب. والشيطان يعرف ذلك،
ويعرف أنّ الإنسان إذا بلغ الأربعين ضعفت قواه وإرادته
على محاربة الشيطان إلاّ مَن رحم الله.
فإذا كان الأمر كذلك فلنبدأ من الآن في مراجعة أنفسنا
كلّ يوم، كلّ في مجال عمله، ولنزنها قبل أن يصعب الأمر
علينا أكثر، وقبل أن تصيبنا الغشاوة التي تكون مانعاً
من نفاد نور اليقين والعلم إلى أعماقنا، لكي نتمكّن أن
نميّز أصلاً ما هو الشيطان، وما هو الإخلاص!
انظروا الآن إلى مدى اهتمامنا بهذا الواقع الذي نعتقد
به ونعتقد أنّه أساسي وأنّ كلّ الأمور الأخرى مبنيّة
عليه.
إذاً علينا ـ نحن طلبة العلم ـ أن ننتبه إلى خطر عدم
الإخلاص في أوساطنا أكثر من غيرنا لأنّ عدم إخلاصنا
سيكون له ـ والعياذ بالله ـ أسوأ الآثار، وربما تبقى
على مرّ التاريخ، ويسلك الطريق المعوّج كثيرون بسببنا
نحن، أو نتيجة لما استنبطوه من سلوكنا؛ ولهذا يجب
علينا الاهتمام بموضوع الإخلاص أكثر من غيرنا.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإنّ الشيطان ينشط في
أوساط المتديّنين أكثر ويدلّيهم على الطرق التي يمكن
أن يظهروا فيها بصورة المخلِصين وإن كانوا ليسوا كذلك.
نعوذ بالله من الشيطان ونسأل الله التوفيق لأن نزن
أنفسنا دائماً حتى ننتقل إلى درجة المخلِصين ثم
المخلَصين إن شاء الله تعالى.