» الفهرست

» بعض الأعمال قوامها النية
» العبادات شرطها النية
» ما خفي على الملائكة لا يخفى على الله
» أين الله؟!
» نصيحة للخطباء وطلاّب العلوم الدينية
» الشيطان يأتي كلّ إنسان من نقطة ضعفه
» حذار من الشرك الخفي
» داؤك منك ودواؤك فيك

» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنّ الملَك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به فإذا صعد بحسناته، يقول الله عزّ وجلّ: اجعلوها في سجّين إنّه ليس إياي أراد بها»(1).
القصد والنية أو ما يُطلق عليه العلماء: العمل الجانحي ـ أي الذي يكون محلّه القلب ـ يكون إطاراً وحافظاً للعمل الذي يصدر من الجوارح أو ما يسمّى «العمل الجوارحي» فالعمل الجانحي هو الذي يقوّم العمل الجوارحي، وهذه قاعدة مطّردة عند العقلاء، ويكون الحساب عند الله تعالى على أساسها.


:. بعض الأعمال قوامها النية

لا شكّ أنّ بعض الأعمال لا مدخلية لنوع النيّة فيها بل المطلوب أن تقع كيفما وقعت. ومثالها أن تستدعي بنّاءً لبناء دارك، فالمطلوب أن يؤدّي عمله بإتقان لقاء الأجر الذي يتقاضاه، ولا تهمّك نيّته وراء قيامه بهذا العمل ـ سواء أراد بها الشهرة مثلاً أو الحصول على المال ـ بل المهم عندك أن يكون العمل نفسه ـ وهو البناء ـ صحيحاً.
ولكن ثمة أعمال أخرى لا يكفي أن تقع مجرّدةً عن النية والقصد الخاصّ، ومثالها أن تدخل مجلساً وتلاحظ أنّ شخصاً قام عند دخولك، فإن كان لأجلك فهو ذو قيمة بالنسبة لك ويستحقّ عليه أجراً معنوياً وهو الاحترام المتبادل، أمّا لو كان قيامه لسبب آخر أو دونما سبب واتّفق مع دخولك، فلا يستحقّ عليك شيئاً؛ لأنّ المهمّ ليس أصل القيام بل القصد والنيّة والباعث من ورائه، فمثل هذا العمل هو الذي يكون للنية ـ أو نوع النيّة ـ دخل فيه وفي قيمته.
والحال نفسه يصدق على الأعمال التي يريد الله تعالى منّا القيام بها، فثمّة أعمال لا يشترط في صحتها نيّة القربة كالأعمال غير العبادية، وإن كان يمكن التقرّب بها إلى الله إذا نوى المرء امتثالها كذلك.
ومثال آخر ـ لتوضيح الفكرة نسبياً ـ للأمور التي قوامها القصد والنية هي المسائل الإنشائية أي القضايا التي فيها قصد الإنشاء ـ حسب الاصطلاح العلمي ـ. فما لم يقع هذا القصد لا ينشأ في الخارج، ومثاله العقود كعقد البيع والنكاح وسائر العقود. فالمطلوب أن يقع فيها القصد الخاصّ والنيّة، بينما المدرّس ـ مثلاً ـ عندما يدرّس الطلاب ويمثّل لهم عقد البيع بقوله: «بعتك هذا الكتاب» لا يتحقق البيع رغم إجراء الصيغة بصورة صحيحة لأنّ القصد هنا ليس الإنشاء. وهذا جارٍ في سائر الشؤون عند العقلاء.
مثال آخر أكثر توضيحاً: يذكر الفقهاء شروطاً عديدة لصحة عقد النكاح؛ منها: تقدّم الإيجاب على القبول، وأن يكون اللفظ بالعربية، وأن يكون بصيغة الماضي مثل "زوّجتك نفسي" وما أشبه، وأن لا يقع فصل بين القبول والإيجاب، وأن يكون القبول بمادة القبول مثل «قبلتُ» إلى آخره. والآن لو سألنا: ما حكم ألوف الألفاظ التي تقع بها صيغة عقد النكاح المتوفّرة على سائر الشروط أعلاه في قاعات الدرس عندما يريد الأساتذة أن يمثّلوا لتلامذتهم كيفية وقوع عقد النكاح؟ يكون الجواب: إنّ هذه الألفاظ والصيغ وإن كانت متوفّرة على سائر الشروط إلاّ أنّها تفتقد إلى الشرط الأساسي وهو القصد، ولذلك لا يقع بها نكاح، وهذا أمر مفهوم عند العقلاء؛ لأنّهم يدركون أنّ الأعمال التي تتقوّم بالنية والقصد لا قيمة لها إن فقدتهما.
هذا ولا يكفي القصد المطلق أي مجرّد القصد أيّ قصد كان، بل لابدّ من حصول القصد الخاص، فلو قال الشخص «بعتُ» وقصد النكاح، فلا البيع يقع ولا النكاح بل لابدّ أن يريد من قوله «بعتُ» البيعَ ومن قوله «أنكحتُ» النكاح.


:. العبادات شرطها النية

كل ما تقدّم في معاملات العقلاء يصدق في العلاقة مع الله تعالى، ومن ثمّ قالوا: إنّ العبادة لا تقع صحيحة إلاّ مقيّدة بالقصد الخاصّ وهو قصد التقرّب إلى الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾(2)، أي لا ينبغي وجود قصد آخر غير الله يختفي وراء عمل المرء ليكون هو الدافع.
بيد أنّ هناك بحثاً فقهياً حول العبادات غير الواجبة والتوصّليات؛ فإنّ الأمور التي أرادها الله سبحانه وتعالى منّا على قسمين: عباديات وتوصّليات. أمّا التوصّليات فهي التي لا يشترط فيها نيّة القربة رغم أنّ الله أراد منّا القيام بها، سواء ما كان منها على نحو الوجوب كطاعة الوالدين و التطهّر من النجاسات كشرط لبعض العبادات، أو على نحو الاستحباب كصلة الرحم والتصدّق على الفقراء.
ولا خلاف في أنّ التوصّليات إذا وقعت فهي صحيحة ولا علاقة للصحة بالحليّة والحرمة فيها فضلاً عن النية. فإنّ الثوب النجس يطهر إن غُسل بماء طاهر وإن كان الماء مغصوباً وأثم المكلّف على غصبه. ولا خلاف في أنّ العباديات ـ وهي التي يشترط فيها النية ـ لا تقع صحيحة من دون النية والقصد الخاص وإن كانت من المستحبّات.
ولا خلاف في أنّ مَن أتى بالواجب العبادي رياءً ـ أي لم يكن قصده القربة والنية الخالصة لله ـ فإنّه يحاسَب؛ لأنّ التكليف الذي كان في عهدته لم يسقط، حيث إنّ العبادة لم تقع صحيحة لكونها وقعت رياءً وافتقدت مقوّمها الأساسي وهو قصد القربة.
ولكن هناك كلام في المستحبّات العبادية (كصلاة الغفيلة أو صوم شهر شعبان) والتوصّليات عامّة (كالصدقة والإنفاق المستحبّ والواجب وطاعة الوالدين وصلة الرحم) إن وقعت رياء، أيكون المكلّف قد ارتكب عملاً محرماً بذلك أم لا؛ لعدم اشتراطه النية فيها؟
هنا يختلف الفقهاء حيث ذهب بعضهم إلى الحرمة، وبخاصّة في العباديات المستحبة ـ حيث إنّ القائلين بحرمة العمل المستحب رياء أكثر ـ فمَن صلّى صلاة الليل رياءً مثلاً فإنّما يكون قد ارتكب فعلاً محرّماً وهو الرياء.
والذاهبون إلى هذا الرأي يتمسّكون بإطلاق أدلّة الرياء، رغم أنّ المسألة شائكة وبحاجة إلى جهد متميّز لاستنباط الموقف الصحيح. ولكن سواء قلنا بحرمة الرياء في العبادات فقط أو بحرمتها في التوصّليات أيضاً، أو اقتصرنا على القدر المتيقّن وهو الحرمة في الواجبات العبادية واكتفينا في غيرها بالبطلان وعدم القبول، فإنّ الأمر الذي لا شكّ فيه أنّ مَن لم يأتِ بالمستحب كصلاة الليل ويبيت نائماً أفضل كثيراً ممن يقوم ويصليها رياءً؛ ولعلّ هذا يتّفق مع ما ورد في الحديث الشريف: «حبّذا نوم الأكياس وإفطارهم»(3).


:. ما خفي على الملائكة لا يخفى على الله

• في الحديث الذي صدّرنا به البحث أنّ «الملَك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به» ثم يتبيّن أنّ ذلك العمل لم يكن جديراً بأن يبتهج به لانعدام قيمته لأنّه لم يكن خالصاً لله تعالى، فأمر أن تجعل في سجّين.
إنّ الملك لا يبتهج بعمل لا قيمة له، وإنّ ابتهاجه بذلك العمل كان من جهة تصوّره أنّه لله، ولكن تبيّن خلافه(4).
• النقطة الأخرى: ينبغي التوقّف عند لفظ الحديث فهو مليء بالإشارات والمعاني، فكان يمكن أن يقال «إنّ الملَك يصعد» إلاّ أنّ اللام هنا جيء بها للتوكيد وليس لمجرّد جمال التعبير، فقد تدلّ الحالة التي تلفط بها الجملة على التوكيد كالمولى يصرخ بعبده أو يطلب منه بقوّة أن يأتيه بالماء، وقد تكون هناك قرائن لفظية تدلّ على التوكيد كالجمل، وقد تكون القرائن اللفظية حروفاً كما في المقام، ولابدّ أن يكون المقام مقتضياً للتوكيد لأهميّته؛ فإنّ الإنسان قد يتصوّر أنّ مجرد كون أعماله حسنات ـ في ظاهرها ـ يكفي، ولكنّ الحديث يقول: «إنّ الملَك ليصعد» بهذه الأعمال التي لا يُشكّ في كونها حسنات بل هي صلاة أو صوم أو تدريس أو خطابة أو مطالعة أو تأليف ـ وذكرتُ هذه الأمثلة لأنّها محلّ ابتلائنا نحن طلبة العلوم الدينية في الغالب ـ ولكن عندما يصعد بها الملك يقول الله عزّ وجلّ: (اجعلوها في سجين) أي محلّ أعمال الكفّار والمنافقين والظالمين! لماذا؟ أليست صلاة وصياماً وما أشبه؟! أكان فيها خداع أم شيء لا يعلَم به قائله وأطلقه جزافاً؟ أم ثم مانع من قبولها؟
الجواب: كلا فالموانع كلّها منتفية والشرائط كلّها موجودة باستثناء أمر واحد، فما هو يا ترى؟! يقول الله عزّ وجلّ: «إنّه ليس إياي أراد بها». وهذا قاصم الظهر حقيقة. هذا الذي لا أعرفه منك ولا تعرفه مني لأنّنا نتصوّر أنّنا أذكياء نستطيع إخفاءها. ولكنّها حتى لو خفيت على الملَك؛ فإنّها لا تخفى على الله تعالى.


:. أين الله؟!

كان أحد الكسبة القرويين في العراق قد بلغ درجة عظيمة من التقوى. ولما سُئل عن سرّ بلوغه هذه الدرجة أجاب: يعود الفضل في ذلك إلى عالِم في قريتنا. يتبيّن من قصّته أنّه كان يجيد فن هداية الناس، فمن العلم ما هو فطريّ ومنه ما هو اكتسابيّ، فلنتعلّم كيف نهدي الناس عبر هذا الفن الرفيع، وتفصيل القصّة كالتالي:
سأل الكاسب سؤالاً من العالِم يكشف عن مستواه؛ سأله أين الله؟ ولو سُئل أحدنا لقال في جوابه: إنّه موجود في كلّ مكان ولا يخلو منه مكان. ولكن العالِم الذي كان يعرف هداية الناس، سأله: ما شغلك؟ قال: صفّار.
كان الصفّارون في تلك الأيّام أكثر ما يستعملون المطرقة والمقصّ، فإذا ما ثقبت الأوعية النحاسية كالقدور والطسوت والأواني جيء بها إلى الصفّار، فيقصّ قطعة من الصفر بمقدار فتحة الثقب ثم يلحم أطرافها بمحيط الفتحة. وكان يتّفق أحياناً أنّ الصفّار عنده قطعة أصغر من الفتحة بقليل، فكان يستكثر أن يقصّ قطعة بحجم الفتحة بل يستعمل القطعة الصغيرة وإن كانت أقلّ من الفتحة ثم يسدّ الثقب المتبقي بالطَرق على القطعة وأطرافها لكي تتمدّد وتتّصل بأطراف الفتحة، حتى إذا طلاها لا يكاد يبين الخلل وتبدو القطعة متّصلة بالكامل. ولكن اللحام كان ينفتح بسرعة مع أوّل عرضة للنار؛ بسبب رقّة أطراف القطعة الملتحمة فضلاً عن كونها أصغر من المطلوب.
ولما قال الرجل إنّه صفّار، قال العالِم في جواب سؤاله (أين الله؟): إذا وضعت قطعة أصغر من المطلوب لسدّ ثغرة في قدر أو ما أشبه، فستبقى فتحة صغيرة، أليس كذلك؟ قال: بلى. قال: أرأيت تلك الفتحة الصغيرة في الوعاء، التي قد تفكّر بتلاشيها عن طريق التمدّد الحاصل من الطَرق المتكرر والطلاء، فهناك يوجد الله وهو يراك ويراقب عملك.
وهكذا أصبحت هذه المسألة سبباً لمحاسبة الرجل نفسه يومياً، وربما أكثر من مرّة في اليوم الواحد، لأنّه كان يرى الله مشرفاً عليه في عمله دوماً.
الحالة نفسها يمكن أن تصدق مع المهن الأخرى، كالبنّاء الذي يرمم جداراً ـ مثلاً ـ بحيث يبدو لصاحب الدار أنّه لم يعُد معيباً، ولكن الوضع لا يدوم طويلاً، إذ سرعان ما تعود الحالة الأولى ويظهر الخلل ويحتاج الجدار إلى الترميم مجدّداً، وذلك لأنّ البنّاء لم يكن دقيقاً في عمله أو لاستعماله الموادّ الرخيصة وغير المناسبة.
فلو أنّ البنّاء رأى الله مطّلعاً عليه حين يمارس عمله، لما غشّ الناس بعد ذلك وكان ذلك باعثاً على استقامته وتكامله.
ونحن ـ طلبة العلوم الدينية ـ غير مستثنين من هذه القاعدة، فإنّ عملنا سيكون ناجحاً ويعطي أفضل الثمار إذا لم يغب عن أذهاننا ـ حين أداء دورنا ـ أنّ الله هو الرقيب علينا وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله حاضر يرى أعمالنا.


:. نصيحة للخطباء وطلاّب العلوم الدينية

كان السيد أحمد القمّي الروحاني عالِماً مجتهداً وواعظاً مؤثراً، لأنّه كان متَّعظاً ـ أدركتُه وحضرتُ مجلسه ليلة النصف من شعبان حيث كان يصادف زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه وحضور الزوّار من كلّ المحافظات وعلى اختلاف الأطياف إلى كربلاء المقدّسة ـ وكان يرتقي المنبر في المدرسة الهندية ـ وهي مدرسة علمية دينية ـ فتمتلئ المدرسة بالعلماء والمدرّسين والخطباء والطلبة، وكان الحاضرون كلهم آذاناً صاغية له، وكأنّ على رؤوسهم الطير، الصدق كلامه، وبلاغة بيانه.
حكى أنّ هذا العالِم الواعظ كان قد حضر مجلساً خاصّاً عُقد في طهران قد حضره جمهرة من الخطباء المشهورين في إيران يومذاك. فقال الخطيب ـ الذي دُعي ليصعد المنبر في ذلك المجلس ـ لزملائه الخطباء: إنّي مدعوّ لارتقاء المنبر في مجلس يحضره أناس من مختلف الطبقات، وربما يحضره أشخاص لم يحضروا مجلساً طيلة عمرهم أو لم يحضروا إلاّ مجلساً واحداً في السنة كيوم عاشوراء مثلاً. لذا أطلب منكم أن تشيروا عليّ في الموضوع الذي يتناسب طرحه في مجلسٍ كهذا.
فاقترح بعضهم: أن يتناول أصول الدين، واقترح آخرون: أن يتحدّث عن الأخلاق، واقترح غيرهم: أن يعلّمهم أحكام الصلاة ويرشدهم لوجوبها ومدى أهميّتها ـ فمن المفترض أن يوجد في مجلس عام كهذا أناس لا يصلّون ـ فعسى أن يهديهم الله ليصبحوا من المصلّين.
تكلّم الجميع وكلٌّ أدلى بدلوه إلاّ السيد أحمد القمّي فقد بقي ساكتاً. وعندما انتهوا أجمعهم، التفت الخطيب إلى السيد أحمد القمّي وقال له: السادة أعاظم أهل الفنّ والحضور موجودون وقد أشاروا عليك. قال الخطيب: ولكنّي أريد أن أعرف رأيك. قال السيد القمّي: كلّ الذي قالوه جيّد، ثم إنّك لا تريد أن ترتقي أكثر من منبر، ففيما اقترحوه الكفاية إذاً، فما الداعي للإضافة؟ ولكنّ الخطيب أصرّ على السيد طالباً رأيه ـ ولم يشتهر السيد يومذاك يكونه خطيباً من الدرجة الأولى، لكنّ إجابته كانت تكشف عن كونه كذلك ـ فقد قال له: في الواقع، ليس لديّ موضوع خاص أقترحه عليك أكثر مما اقترحه عليك الإخوة، فقد اقترح كلٌّ موضوعاً واستوعبه ذهنك وبحمد الله، ولكن أسألك أسئلة أوّلاً ثم أتقدّم إليك باقتراحي ـ وكان بإمكانه أن يطرح اقتراحه دون الحاجة إلى هذه الأسئلة ولكن أراد أن يهيّئه للموضوع ويجعل إجاباته من باب المقدّمات والإعداد النفسي ـ .
فسأله ـ من باب سؤال العارف ـ عن المكان الذي يقام فيه المجلس ثم عن مساحة الأرض التي يقوم عليها، وكميّة الحضور مثلاً، ثم طلب منه أن يصف له موقع المنبر والزاوية التي يوضع فيها… وكان يريد بذلك أن ترتسم صورة المجلس في ذهنه.
وهنا قال له: عندما تصعد المنبر وتبدأ بقراءة المقدمة وتفكّر في ترتيب الموضوع الذي وقع عليه اختيارك، تصوّر وأنت في تلك الحالة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله جالس هناك أمامك آخذاً لحيته بيده ويشكو لله غربة دينه. جسّد هذه الصورة في ذهنك ثم انظر وأنت في تلك الحالة ماذا ستقول وكيف ستتكلم؟
نُقل عن ذلك الخطيب أنّه قال: عندما صعدت المنبر تراءى لي ذلك المنظر حقّاً، فقد امتلكني وهيمن عليَّ شعور بحضور الرسول صلى الله عليه وآله وأنّه يراني وينظر ما أقول وكيف أخدم دينه؛ ثم انتخبت موضوعاً وبدأت أتكلّم عنه، وكان لكلماتي تأثير معنويّ عظيم في الناس، وأنا أجزم أنّه لم يكن ليحصل لولا تأثير تلك الالتفاتة المعنوية والإحساس بمراقبة النبي صلى الله عليه وآله.


:. الشيطان يأتي كلّ إنسان من نقطة ضعفه

إذاً يجب علينا أن نوجد هذا الشعور بأنفسنا في أنفسنا، فإنّه وإن كان صعباً إلاّ أنّه ممكن لأنّ الشيطان لا يأتي إلينا من الطرق التي أشربت بها نفوسنا، فهو لا يدعونا لترك الصلاة لأنّنا قد تعوّدنا عليها منذ نعومة أظفارنا، بل فتحنا أعيننا على الصلاة، فكان آباؤنا وأقرباؤنا وأصدقاؤنا يصلّون. ولكنّه يأتي كلَّ إنسان من نقطة ضعفه. فهو يأتي مَن يحبّ المال من جهة المال، ومَن يغضب بسرعة من جهة الغضب، والمحبّ للشهوات من جهة الشهوات. وهكذا فكلّ يأتيه من الجهة التي تتناسب مع طبيعة عمله. فإن لم نكن منتبهين، كنّا ـ والعياذ بالله ـ من الذين ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾(5)، وهذه قاصمة الظهر، وسببها التقصير في المقدمات. فمَن لا يعتني بالمقدّمات استرسل ثم تعوّد شيئاً فشيئاً، وإذا به يفتح عينيه فجأة ليرى نفسه أنّه ذهب إلى الآخرة خالي اليدين ـ والعياذ بالله ـ حيث لا ينفعه الندم والجزع؛ فقد ورد في الحديث: «فإنّكم لو عاينتم ما قد عاين مَن مات منكم، لجزعتم ووهلتم، وسمعتم وأطعتم. ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا، وقريباً ما يُطرح الحجاب»(6).
والجزع لا يكون من العذاب فقط، بل كثيراً ما يكون نتيجة التقصير، بل القصور أيضاً، فيقول الإنسان: وا أسفاً؛ لماذا فعلت كذا ـ تقصيراً ـ ؟ أو لماذا فهمت الشيء الفلاني هكذا ـ قصوراً ـ ؟
ويمكن أن نضرب لذلك مثلاً في الحياة الدنيا بشخص يدعو أناساً محترمين لوليمة مهمة ويرتّب لها كلَّ شيء. وعندما يُهيّأ لصبّ الطعام في الصحون والأواني يكتشف أنّ في الطعام عيباً وأنّه لا يمكن تقديمه إلى الضيوف هكذا، ولا يوجد عنده المال أو الوقت الكافي لتوفير البديل؛ فإنّ هذا الشخص لا ينسى هذا الإحراج الذي حصل له طيلة عمره، مع أنّه ربما لم يكن مقصّراً، فإنّ التألم والجزع قد يكون بسبب القصور أيضاً.
في السابق، عندما كان يدور الحديث عن القاصر والمقصّر، كان يُضرب مَثل للقاصر بالشخص الأمّي الذي يعيش في قرية لا يوجد فيها أحد من أهل العلم ليسأله، أمّا في المدن فلا يوجد قاصر. وجرى هذا الحديث مرّة فذكر أحد العلماء المعاصرين أنّه حتى في القرى لا يوجد اليوم قاصرون.
وبغضّ النظر عن المناقشة في ذلك ولكن المسلَّم أنّ أحداً لا يعدّ أهل العلم من القاصرين.
لذا لا ينبغي أن تكون دراستنا لغرض التدريس والتبليغ والموعظة وإرشاد الآخرين والإجابة عن أسئلتهم فقط، بل يجب أن ندرس ونواصل البحث لأنفسنا أيضاً، لأنّ تهذيب النفس وإصلاحها واجب كما أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان. ولو بحثنا لوجدنا أشياء كثيرة لم نكن نعرفها، ولاكتشفنا مطالب جمة لم نكن نتصوّرها على تلك الكيفية، أي نكتشف أنّا كنّا نجهل أموراً كثيرة. ولا نعذر في جهلنا هذا مادمنا كنا نحتمله؛ لأنّ العلماء يقولون: إنّ دفع الضرر المحتمل واجب.
أمّا الحديث الشريف: «رفع عن أمّتـي تسعة ... وما لا يعلمون»(7) فلا يمكن أن يقصد به الجاهل المقصّر، لأنّ هذا معناه أنّه لا يجب على أحد أن يتعلم، ويصبح الكل معذورين، ولا يتصوّر وجود شخص غير معذور بعد ذلك.


:. حذار من الشرك الخفي

إذاً من الأمور الأكثر أهمية بالنسبة لنا أن لا يكون طلبنا للعلم لغرض رفع جهل غيرنا فقط بل لكي نزيل الغموض عن أنفسنا أيضاً، وأهمّ المسائل التي ينبغي أن نكون واعين لها ونبدأ بمعالجتها هي مسألة الإخلاص والتخلّص من الرياء. فلنراجع أنفسنا في كلّ موقف بدقّة وننظر كم كان منه لله وكم لأنفسنا، فلينظر الخطيب ـ مثلاً ـ إلى حديثه عندما يجهد نفسه لكي يجذب الآخرين، هل أتعب نفسه وعني بعباراته ونمّق أسلوبه لكي يقال عنه إنّه خطيب ناجح، أم كان كله لله، أم بعضه لله وبعضه لنفسه؟ وهكذا الكاتب والمدرّس والمجتهد و…(8).
وهذه العملية تتطلّب وعياً مستمرّاً؛ وذلك لأنّ الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم في عروقه(9)، فلا نغفلْ ولا نخضع لوساوسه وتسويلاته. فإنّ كثيراً من الناس يرتكبون الخطأ ويتصوّرونه صحيحاً، وقد يعملون ما يضرّهم ويعلمون بذلك، ولكنّهم مع ذلك لا يتناهون عنه!
وكذلك الأمر بالنسبة لطالب العلم فربّما أتاه الشيطان عن طريق علمه وزيّن له عمله؛ فيرتكب ما نُهي عنه ثم يقول متذرّعاً إنّ هذا العمل منهيٌّ عنه إلاّ ما خرج بالدليل، وشيئاً فشيئاً تصبح «إلاّ» هذه تخصيصاً للأكثر!
ولذلك ورد في الحديث: «دبيب الشرك في أمتـي كدبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء»(10).
إشارة إلى اجتماع السواد الحاصل بالنملة والصخرة العظيمة في رأس الجبل(11) مع الليل الأسود، بحيث يستحيل معها تمييز وجود النملة فضلاً عن دبيبها. وهكذا يكون الشرك أحياناً. وهذا هو المأزق!


:. داؤك منك ودواؤك فيك

إذاً، ما هو طريق الخروج من هذا المأزق؟ هل هو الدرس أم التدريس وما أشبه؟
نقول في الجواب: لا هذا ولا ذاك. وإنّما الدواء في داخلنا.
هناك حديث مقتضب العبارة بليغ المعنى عزيز المنال. إلاّ على من نظر إلى نفسه من خارجها وحاسبها وكأنّها نفس غيره، حينها يتّضح له معنى هذا الحديث. حيث يروى عن أمير المؤمنين سلام الله عليه قوله: إذا صعدت روح المؤمن إلى السماء تعجبت الملائكة. وقالت: عجباً! كيف نجا من دار فسد فيها خيارنا(12). ومفهومه أنّ المؤمنين قليلون جداً، فإنّه يموت الألوف من الناس يومياً ولا يثير ذلك عجب الملائكة ولكن حيث إنّ المؤمنين قليلون قد يموت مؤمن اليوم ثم تمرّ أيام أو أسابيع وربما أشهر حتى يتّفق أن يموت مؤمن آخر.
أمّا عجب الملائكة فهو للمؤمن كيف استطاع أن يفلت من كلّ تلك الفتن الشائكة ولم يقع في حبائل مضلاّتها وبقي مؤمناً حتى الممات.
ولكن مَن يسلك الطريق ويسير فيه قليلاً قليلاً، يصل، ومَن صدق مع نفسه وفّقه الله. ولا ينبغي اليأس بل المطلوب اليقظة والحذر. إنّ الأمل برحمة الله كبير جداً. وإنّ من أرجى آيات القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾(13)، فصريح القرآن أنّ الله تعالى خلقنا ليرحمنا، أي إنّ رحمة الله هي الهدف والعلّة الغائية لخلقنا ـ¬حسب الاصطلاح الفلسفي¬ـ¬ .
فإن نحن صدقنا مع أنفسنا فحاشا لله أن لا يأخذ بأيدينا ويوفّقنا. وهذا لا يعني أنّ الطريق سهل فهو صعب وصعب جداً ولكنه ممكن.
قد يظهر أحدنا أمام الآخرين بمظهر لا ينمّ عن نيّته الحقيقية، لعلمه بعجز الناس عن القدرة في معرفتها، بينما الأمر يختلف تماماً مع الله سبحانه الذي يعلم السرّ وما أخفى، وبرحمته ستر علينا ولم يفضحنا.
أجل، هنا مكمن الصعوبة، ومع ذلك فتربية النفوس والإخلاص في النوايا يبقى أمراً ممكناً؛ لأنّ الله سبحانه وعد بالتوفيق، وما على الإنسان إلاّ أن يسعى والتوفيق من الله ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾(14)، فمع السعي والدعاء يوفّق الله عباده.
وإذا برزت عند الإنسان نقاط ضعفه وأرادت أن توقفه فليتذكّر أنّ الله موجود هناك ـ عند تلك النقاط ـ وليركّز على هذا الأمر وبتكرار هذا التذكّر مع نفسه، يقيناً يصلح ما قد فسد من نفسه شيئاً فشيئاً إن شاء الله تعالى.


(1) الكافي: ج2، ص294.
(2) سورة البيّنة، الآية: 5.
(3) نهج البلاغة، ص495.
(4) إنّ عمل الملائكة حفظ ما يكون من أعمال حسنة أو سيئة فقط، لا مراقبتها من حيث النيّة والقصد؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ سورة الانفطار، الآية: 10 ـ 11 وعنه صلى الله عليه وآله: «... فيقول الله تعالى: أنتم حفظة عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه...» ميزان الحكمة، ح2، ص1017.
(5) سورة الزمر، الآية: 47.
(6) نهج البلاغة: ص62.
(7) التوحيد: ص353.
(8) كان الشيخ جعفر الشوشتري رحمه الله من كبار مراجع التقليد، وكان أعاظم الفقهاء أمثال السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ـ صاحب العروة الوثقى ـ أصدروا تعليقات على رسالته العملية، الأمر الذي يكشف أنّه كان له قطاع واسع من المقلّدين بعد الشيخ الأنصاري رضوان الله عليه فهو كان من المعاصرين للشيخ الأنصاري وعاش بعده.
نقل عن الشيخ جعفر الشوشتري رحمه الله أنّه قال للناس ذات مرّة من على المنبر: أيها الناس لقد بُعث الأنبياء كلّهم ليأمروا الناس بالتوحيد وأن يجعلوها أعمالهم خالصة له ولا يشركوا فيها أحداً غيره. أما أنتم فأعمالكم كلها لغير الله، فهل أطلب منكم أن تشركوا بالله على الأقلّ، وذلك بأن تجعلوا لله نصيباً من أعمالكم فإنّكم لم تعملوها لله أبداً ولم تشركوه حتى بنسبة من نواياكم!
ولا شكّ أنّه كان يمزح معهم ويستعمل الأسلوب الساخر لتقريب المعنى إلى الأذهان وللتأثير عليهم وحثّهم على الإخلاص، لا أنّه كان يريد الشرك حقيقة؛ بل كان المعنى الكنائي والمجازي هو المقصود، وهو أن يراجعوا أنفسهم وهم مسلمون مؤمنون بالله، ليقلّلوا من نسبة الشرك ويزيدوا في إخلاصهم.
(9) انظر الكافي للكليني، ح2، ص440، ح1.
(10) منتخب الأنوار للنجفي: ص16.
(11) انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي، ح2، 108 «مادّة فدر».
(12) عيون الحكم والمواعظ للواسطي، ص136، الفصل 11.
(13) سورة هود، الآية: 119.
(14) سورة النجم، الآية: 39.