بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى في كتابه الحكيم مخاطباً نبيّه الكريم: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ
عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ
الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾(1).
تتناسب الموعظة والنصيحة التي يقدّمها الموصي مع الموصى له، ومن الطبيعي أن تختلف
الموعظة على اختلاف درجات طالبها. فلو أنّ تلميذاً جاء إلى عالِم دين أو واعظ وقال
له: عظني أو أَوصني، فربما يقول له العالم: أتقِن درسك. أمّا إذا جاءه كاسب وطلب
منه النصيحة والموعظة فقد يقول له: تفقّه في مسائل البيع والشراء أو إيّاك والتطفيف
والاحتكار.
وهكذا تختلف الموعظة لو كان طالبها عالماًً أو رجل دولة أو غيرهما؛ فإنّ الحكمة
تقتضي ذلك، وهذا ما ندركه نحن بعقولنا، فكيف بالله سبحانه وتعالى وهو خالق العقل
وربّ الحكمة، فإنّه لاشكّ يلاحظ هذا الأمر. فإذا كان الواعظ الله، والموصَى سيّد
الأنبياء، فلاشكّ أن تكون الموعظة جامعة للفضائل، والوصية التي يوصي بها الله
سبحانه وتعالى نبيّه الكريم لاشك تكون أبلغ الوصايا وأسناها.
وهذه القضية يمكن إدراكها أيضاً من خلال ملاحظة كلمات وخطب الإمام أمير المؤمنين في
نهج البلاغة، فإنّ خطبه عليه السلام على منبر الكوفة لعامّة الناس تختلف عن تلك
التي يلقيها على جيشه، كما تختلف وصاياه العامّة عن تلك التي يوصي بها ولديه الحسن
والحسين عليهما السلام.
في هذه الآية الكريمة، يوصي الله سبحانه وتعالى نبيّه، والوصية موجَّهة له وهو
المخاطَب بها، وهذا ما يميّزها عن غيرها ـ وإن كانت الوصية موجَّهة في الحقيقة
لسائر الناس بصورة غير مباشرة؛ وذلك لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله هو الأسوة
والقدوة في كلّ أعمال الخير ـ ولكن عندما يكون المخاطَب النبي صلى الله عليه وآله
نفسه بصورة مباشرة فلا شكّ أنّ أسلوب القرآن الكريم يختلف، ولابدّ أن تكون الوصية
التي يوصى بها من خيرة الوصايا.
ما يؤكّد أنّ الخطاب موجَّه إلى النبي صلى الله عليه وآله على نحو الخصوصية هو أنّ
الآية الكريمة لم تتصدّر بقوله تعالى: «قل» كما هو الحال في كثير من الموارد؛ مثل
قوله تعالى : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا...﴾، ونظائرها من الآيات، بل وجّه
النصيحة والموعظة والوصية للنبي مباشرة، فقال: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾.
تنهى الآية النبي صلى الله عليه وآله من التطلّع إلى ما متّع الله به الآخرين من
المتع الدنيوية والنظر إلى ما عندهم من مباهج وزخارف نظرة إعجاب بها وتحسّر على عدم
حيازتها؛ لا فرق في تلك المتع والمباهج إن كانت أموالاً أو أولاداً أو أزواجاً أو
قصوراً أو إمكانات أخرى من قبيل العلم أو الجمال أو الشخصية والوجاهة، فكلّها في
نظر القرآن الكريم زينة لهذه الدار المسماة الدنيا المشحونة بالآفات والكدورات.
وتُلفت الآية إلى أنّ مَن كان يتمتّع بهذه المتع فليعلم أنّها كلّها من الله تعالى،
فمَن كان يملك أموالاً فهو ـ سبحانه ـ الذي متّعه بها، ومَن كان ذا علم فإنّ الله
تعالى هو الذي أفاضه عليه، ومَن كان يحظى ببسطة في الجسم أو طلاقة في اللسان أو
ذكاء مفرط أو جمال كثير أو قصور راقية أو أيّة نعمة ومزيّة فكلّها من الله لأنّ
الآية تقول: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾، أي
نحن الذين أعطيناهم ذلك ومتّعناهم به.
وهذا كلّه ليس مهمّا،ً إنما المهمّ من هذه الأمور كلّها أنّه فيم تستعمل، أمِن أجل
الله أم من أجل الشهوات؟ ولذلك تقول الآية: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي أنّنا
أعطينا هذه المتع مَن أعطينا لننظر كيف يعمل بها، فهي من باب الامتحان والابتلاء
وليست تعبيراً عن التفضيل والاحتفاء.
فما أحوج الإنسان إلى اتّباع الوصايا الإلهية، سواء تلك الوصايا الصادرة من النبي
الأكرم صلى الله عليه وآله وسائر الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، أو الوصايا التي
أوصاهم الله تعالى بها، كهذه الوصية.
إنّ الناس يقتدون بأهل العلم ويتعلّمون من سيرتهم، ولذا فهم يحاسبون على أعمالنا من
جهتين، الجهة الأولى كونهم كسائر الناس حيث يحاسَب كلّ إنسان على عمله، والجهة
الثانية لما يستتبع اقتداء الناس بهم من جهة كونهم علماء أو طلبة علم أو ما شابه،
فإنّ الخطاب في الآية ﴿ولا تمدّنّ عينيك﴾ وإن كان موجّهاً إلى النبي صلى
الله عليه وآله ولكنّه يعدّ في الوقت نفسه إرشاداً لنا أيضاً.
إنّ طالب العلم إذا كان موسراً تراه لا يبلغ المراحل العلمية العالية في الغالب،
لأنّها ستشْغله عن هدفه الأصلي. ولا نقصد أنّه سينصرف عن الإيمان، ولكن الأموال
تُشغله وتأخذ من وقته وفكره، فيتأخّر عن الدراسة وارتقاء الدرجات، ولهذا نرى معظم
مراجع الدين ينحدرون من عوائل فقيرة، وذلك لأنّ ابن الغني غالباً لا يتيسّر له
الرُّقيّ في هذه المجالات.
وأكرّر القول أنّ هذا ليس بمعنى ذمّ الغنى بما هو غنى، بل لبيان كونه يمنع الإنسان
غالباً، والحال أنّ المطلوب أن يسمو ويتكامل ويرتقي، فكلّما طوّقت عوارض الدنيا
عنقه حالت دون سموّه بالطبع إلاّ إذا كان قويّ النفس بحيث لا تشغله ولا تحدّه هذه
الأمور.
«مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله براعي إبل، فبعث
يستسقيه، فقال: أمّا ما في ضروعها فصبوح الحيّ، وأمّا
ما في آنيتنا فغبوقهم. فقال رسول الله صلى الله عليه
وآله: اللهمّ أكثِر ماله وولده. ثمّ مرّ براعي
غنم، فبعث إليه يستسقيه، فحلب له ما في ضروعها وأكفأ
ما في إنائه في إناء رسول الله صلى الله عليه وآله
وبعث إليه بشاة، وقال: هذا ما عندنا وإن أحببت أن
نزيدك زدناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
اللهمّ ارزقه الكفاف. فقال له بعض أصحابه: يا رسول
الله، دعوت للذي ردّك بدعاءٍ عامّتنا نحبّه، ودعوت
للذي أسعفك بحاجتك بدعاءٍ كلّنا نكرهه! فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله: إنّ ما قلّ وكفى خيرٌ ممّا كثر
وألهى، اللهمّ ارزق محمّداً وآل محمّد الكفاف»(2).
إنّ أكمل عقل خلقه الله عزّ وجلّ هو عقل رسول الله صلى
الله عليه وآله، وهذا هو منطقه، فإنّ الذي عنده الكفاف
هو في مأمن، أمّا صاحب الزيادة فمعرّض للأخطار. فكلّما
ازداد المرء أموالاً زادت التزاماته ومسؤولياته وازداد
تحديداً وتقييداً، كالشخص الأعزب يبيت ببيت قرب محلّ
درسه لأنّه غير مقيّد بعائلة يجب عليه المبيت عندها،
ولا نعني من قولنا هذا أن لا يكون عند الإنسان شيء،
بقدر ما نعني أن لا يكون عنده حرص، لأنّ الإنسان بطبعه
حريص على الدنيا، وإنّ الترفّع عنها واكتساب الفضائل
يتطلّب تربية وترويضاً للنفس، وإلاّ فهي بطبعها ميّالة
للتكاثر، فمَن لا يملك بيتاً يتمنّى أن يكون عنده بيت،
وصاحب البيت الصغير يتمنّى بيتاً أكبر وأجمل، خاصّة
عندما يزور صديقه مثلاً ويرى أنّ بيته أفضل. وهكذا
الحال مع باقي النعم وما متّع الله به العباد، كالجاه
والملكات والقوى والاستعدادات، ولهذا دعا رسول الله
صلى الله عليه وآله بالكفاف لراعي الغنم.
الكفاف هو المقدار الذي يكفي الإنسان، فهو يحتاج إلى
عدّة أمور منها:
• المقدار الضروري الذي يحتاجه لمعيشة نفسه.
• ما يحتاجه لحفظ كرامته. فمثلاً لا يليق بالرجل أن
يخرج إلى الشارع بسروال قصير فقط وإن كان يمكنه أن
يعيش به وحده، لكنّه يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك لحفظ
كرامته الاجتماعية، لأنّه لو خرج بسروال قصير فقط
لتعرّض للسخرية والحطّ من شأنه وشخصيته.
• ما يحتاجه لتوفير العيش الكريم لمَن يعيلهم، كالزوجة
والأولاد، وبحكمهم الضيوف، خاصة لمَن كان من شأنه ذلك.
ولاشكّ أنّ الإنسان يستحبّ له أن يتقشّف في مصارفه
الشخصية، ولكنّه لا يستحبّ له أن يتقشّف على عائلته
وضيوفه بل العكس هو الصحيح.
• ثمّ إن الله تعالى أمر المسلمين بالعمل من أجل
بلوغهم الاكتفاء الذاتي وعدم خضوعهم اقتصادياً
للكفّار، فقد يريد التاجر مثلاً أن يترك عمله لأنّه قد
حصل على ما يكفيه من المال، ولكنّ الإسلام يأمر أتباعه
بالتجارة لئلاَّ تنتقل أزمّة اقتصاد البلاد والعباد
إلى الكفّار، وهكذا تكون مواصلة العمل بالتجارة جزءاً
من الكفاف المطلوب اجتماعياً وإن كان التاجر المسلم قد
وصل إلى مرحلة الكفاف الشخصي.
وما عدا هذه الأمور المتقدّمة يُعدّ زيادة، وفخّاً،
على الإنسان المسلم أن يحذر منه بدلاً من أن يتمنّاه.
ينبغي للإنسان أن يتقشّف على نفسه، ولكنّه يستحبّ له
أن يبذل على عائلته وضيوفه، وينبغي للإنسان المسلم أن
يقنع بما يسدّ حاجته ولا يمدّ عينيه إلى المزيد إلاّ
فيما أمر الإسلام وكالتاجر الذي ذكرنا آنفاًً، وهذه
الأمور وأمثالها تكشف عن أنّ هدف الإسلام هو تربية
الإنسان لكي يسمو ويتكامل روحياً، ولقد ذكرنا في جلسة
سابقة أنّ ذلك لا يتحقّق إلاّ إذا آثر الإنسان بما
يحبّ. قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى
تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(3).
إنّ كثيراً من النّاس قد يسعى لأن يأكل الأفضل ويلبس
الأجود ويسكن الأرفه… ولكنّه عندما يريد أن يعطي وينفق
فإنه يُخرِج الأدوَن والأقلّ وما لا حاجة لنفسه فيه.
فإذا أراد أن يعطي فاكهة لفقير ـ مثلاً ـ أعطاه
الفاكهة الرديئة، وإذا سُئل عن ذلك قال: لأنّه متعوّد
على أكلها. وإذا أراد أن يعطيه مالاً أعطاه قليلاً
جداً، مدّعياً أنّ ذلك يكفيه وأنّه لا يأمل أكثر من
ذلك؛ غافلاً عن أنّ للإنفاق هدفين، الأوّل سدّ حاجة
المنفَق عليه، والثاني تحقيق الكمال للمنفِق نفسه،
فإنّ الله تعالى أقدر على أن يعطي الفقير ما أعطى
الغني، ولكنّه سبحانه جعل هذا التفاضل من أجل الامتحان
والابتلاء والتربية لهما معاً؛ ولذلك قال وهو الحكيم:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي
الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن
تَشَاء﴾(4).
ذهب عيسى ـ إلى مكان ما ـ وصحبه يهوديّ وكان مع
اليهودي رغيفان ومع عيسى رغيف فقال له عيسى: تشاركني؟
قال اليهودي: نعم، فلما رأى أنّه ليس مع عيسى إلاّ
رغيف ندم، فلما نام جعل اليهودي يريد أن يأكل الرغيف.
أكل لقمة، قال له عيسى: ما تصنع؟ فيقول له: لا شيْء.
فيطرحها حتى فرغ من الرغيف كلّه، فلما أصبحا قال له
عيسى: هلمّ طعامك، فجاء برغيف فقال له عيسى: أين
الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلاّ واحد، فسكت عنه،
وانطلقوا فمرّوا براعي غنم فنادى عيسى: يا صاحب الغنم
أجزرنا شاة من غنمك. قال: نعم أرسِل صاحبك يأخذها،
فأرسل عيسى اليهودي فجاء بالشاة فذبحوها وشووها، ثم
قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلا فلما شبعوا قذف
عيسى العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن
الله. فقامت الشاة تثغو(5)، فقال: يا صاحب الغنم خذ
شاتك. فقال له الراعي: مَن أنت؟! قال: أنا عيسى بن
مريم. قال: أنت الساحر. وفرّ منه.
قال عيسى لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما
أكلناها، كم كان معك من رغيف؟
فحلف ما كان معه إلاّ رغيف واحد.
فمرّ بصاحب بقر فقال له: يا صاحب البقر أجزرنا من بقرك
هذه عجلاً.
فقال: ابعث صاحبك يأخذ.
فقال: انطلق يا يهودي فجئ به.
فانطلق فجاءه به فذبحوه وشووه وصاحب البقر ينظر، فقال
له عيسى: كل ولا تكسر عظماً.
فلمّا فرغوا قذف العظام في الجلد ثم ضربه بعصاه وقال:
قم بإذن الله.
فقام له خوار.
فقال: يا صاحب البقر خذ عجلك.
قال: ومن أنت؟
قال: أنا عيسى.
قال: أنت الساحر. ثم فرّ منه.
قال اليهودي: يا عيسى أحييته بعدما أكلناه؟!
قال: يا يهوديّ فبالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها
والعجل بعدما أكلناه، كم رغيفاً كان معك؟
فحلف بذلك ما كان معه إلاّ رغيف واحد.
فانطلقا حتى نزلا قرية، فنزل اليهودي في أعلاها وعيسى
في أسفلها، وأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى وقال: أنا
الآن أُحيي الموتى. وكان ملِك تلك القرية مريضاً شديد
المرض، فانطلق اليهودي ينادي من يبغي طبيباً، حتى أتى
ملِك تلك المدينة فأخبره بوجعه، فقال: أدخلوني عليه
فأنا أُبرئه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أُحييه.
فقيل له: إنّ وجع الملك قد أعيى الأطبّاء قبلك، ليس من
طبيب يداويه ولا يغني دواؤه شيئاً إلاّ أمر به فصلب.
فقال: أدخلوني عليه فإني سأُبرئه.
فأُدخل عليه، فأخذ برجل الملك فضربه بعصاه حتى مات.
فجعل يضربه وهو ميّت ويقول: قم بإذن الله.
فأُخذ ليُصلب فبلغ عيسى، فأقبل إليه وقد رُفع على
الخشبة فقال: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركون لي
صاحبي؟
قالوا: نعم.
فأحيى عيسى الملِك فقام وأنزل اليهودي، فقال: يا عيسى
أنت أعظم الناس عليَّ مِنّة والله لا أفارقك أبداً.
فخرجوا، فمرّوا بثلاث لبنات، فدعا الله عز وجل عيسى
فصيّرهن من ذهب.
قال: يا يهودي، لبنة لي ولبنة لك، ولبنة لمَن أكل
الرغيف.
قال أنا أكلت الرغيف... .
ثمّ إنّ عيسى عليه السلام تركه مع اللبنات الثلاث
وانصرف. فأتاه رجلان، فأرادا أن يأخذاه ويقتلاه.
قال: هو بيننا أثلاثاً.
فقالا له: إنّا لا نستطيع هذا الذهب إلاّ أن نحمله على
شيء، فخذ من هذا الذهب فاشترِ لنا به طعاماً واشترِ
لنا ظهراً نحمل عليه من هذا الذهب.
فانطلق لما أمراه به، فأتى الشيطان الرجلين فقال لهما:
إذا أتاكما فاقتلاه واقسما المال نصفين.
فلما أحكم أمرهما انطلق إلى الآخر فقال: إنك لن تطيق
هذين فاجعل في الطعام سمّاً فأطعمهما واذهب بالمال
وحدك.
فابتاع من المدينة سمّاً فجعله في طعامهما. فلما
أتاهما وثبا عليه فقتلاه ثم قرّبا الطعام فأكلا منه،
فماتا.
فانطلق عيسى إلى حاجته ثم رجع فإذا هو بهم قد ماتوا
عند الذهب. فقال لأصحابه: انظروا إلى هؤلاء.
ثم حدّثهم حديثهم، ثم قال: النجاء النجاء، فإنّما هي
النار»(6).
لقد انتخب أئمّة أهل البيت عليهم السلام هذه القصص من
سير الأنبياء ونقلوها من أجل تربيتنا ولكي يقولوا لنا:
إنّكم أمام امتحان مشابه، فهل ستصبحون كهؤلاء الرجال
الثلاثة الذين ضحّوا بحياتهم من أجل ثلاث قطع ذهبية،
أم ستعتبرون بقصّتهم؟!
ربما لا نركض نحن وراء الذهب لأنّنا نعلم أنّا لا نحصل
عليه، ولكن بالنسبة إلى أُمور أِخرى أيضاً قد نكون
كذلك كحبّ التفوّق على الأقران وحبّ الظهور وغير ذلك.
جعلنا الله من المستفيدين من مواعظ القرآن الكريم
ووصايا أهل البيت عليهم السلام، والمعتبرين بما جرى
على الأمم الماضين.