في ضوء حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: |
|
«من عاش مدارياً مات شهيداً» |
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.
وردت في المداراة أحاديث وروايات كثيرة، يظهر منها مدى مكانة المداراة في
الإسلام؛
منها: ما عن النبي صلّى الله عليه وآله: «من عاش مدارياً مات شهيداً»(1).
وقال: «ما نزل عليّ جبرئيل مرة إلا وأمرني بمداراة الرجال».
وقال: «أمرني حبيبـي جبرئيل بمداراة الرجال»(2).
ومنها: ما رُوي عن الامام الحسن عليه السلام: «مداراة الناس نصف العقل»(3).
إنّ الناس كما يختلفون في أشكالهم وألوانهم كذلك يختلفون في أخلاقهم وأذواقهم، ولا
يكاد يوجد إنسان يشبه الآخر في كلّ الجوانب. والمداراة هي واحدة من الجسور التي
يمكن عبرها التأثير في الناس. وهي تختلف عن المداهنة.
فعن أمير المؤمنين سلام الله عليه أنّه قال: «لا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا، ولا
تداهنوا في الحقّ فتخسروا»(4).
والفرق الرئيسي بين المداراة والمداهنة أنّ المداهنة
لا تكون في طريق التربية والهداية، ومن يداهن شخصاً
يعصي الله تعالى، ليس غرضه مراعاة الأهمّ والمهمّ، بل
كسب رضا العاصي على أيّ حال، فيجاريه من أجل مصالح
شخصية، من قبيل أن يحصل على احترام العاصي أو ودّه، أو
يحصل منه على مكسب مادّي كأن يعطيه مالاً.
والمداهنة مذمومة ويحاسَب الإنسان عليها؛ ولذلك روي
فيما أوحى الله تعالى إلى النبيّ شعيب: «إني معذّب من
قومك مئة ألف، أربعين ألفاً من شرارهم وستّين ألفاً من
خيارهم، فقال: يارب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟
فأوحى الله عزّوجلّ إليه: داهَنوا أهل المعاصي فلم
يغضبوا لغضبـي»(5).
أمّا المداراة فهي من الدراية والعلم والمعرفة
والتوسّل بطرق الهداية لجلب الإنسان إلى الحقّ أو
إبقائه عليه. بعبارة: المداراة أن يكون موقف الإنسان
تجاه الناس موقفاً يخدم في جلب الناس وهدايتهم إلى خطّ
الإسلام والأخلاق والفضيلة بشتّى السبل المشروعة.
قُيّم المسلمون الأوائل من جهة الأدوار إلى أنّه كان
لبعضهم قِدَم في الإسلام ـ أي كان من المسلمين الأوائل
ـ دون أن يكون له قَدَم أي دورٌ وموقف مشهود. وبعضهم
وإن لم يكن له قِدَمٌ بأن كان حديث عهدٍ بالإسلام، لكن
كان له دور وموقف. وامتاز البعض الآخر بالجمع بين
الفضيلتين، كما كان البعض الآخر لا قِدم له ولا قَدَم.
مثال الفريق الثاني، الذي له قَدم وإن لم يكن له قِدم:
ذاك الذي أسلم في الحرب مع رسول الله صلّى الله عليه
وآله وتشهّد الشهادتين ثم قُتل دون أن تمهله الحرب
لصلاة بعدها أو صيام (6).
كما يمكن أن يكون «الحرّ بن يزيد الرياحي» مصداقاً
لذلك لأنّه كان في معسكر قد شهروا السيف في وجه الإمام
الحسين صلوات الله عليه، أي كان في صفوف ناصبي العداء
لأهل البيت سلام الله عليهم، ولكنه تاب قبل بدء
المعركة واستشهد ربما قبل أن يصلّي صلاة صحيحة بعدما
انحاز إلى لواء أهل البيت سلام الله عليهم؛ لأنه وكما
يروى عنه قال للإمام الحسين: «يابن رسول الله كنت أوّل
خارج عنك فدعنـي أكون أوّل شهيد بين يديك»(7).
أمّا مثال الفريق الأخير، وهو الذي لا قِدم له ولا
قدَم، كالشيخ الذي يدخل الإسلام ويبدأ الالتزام وقد
ناهز عمره السبعين مثلاً، فتراه يصلّي ويصوم ويؤدّي
العبادات ولكنه لا يتحمّل الشدّة في الدين، وربما
انفلت عنه عند تعرّضه لأبسط امتحان، أو ارتكب المعصية
مع أوّل شدّة عليه؛ فمن الجدير المداراة مع أمثال
هؤلاء لضعف إيمانهم، كما ينبغي المداراة مع الشباب
أيضاً من أجل عدم انفلاتهم عن الطريق وتوغّلهم في
المعاصي.
كنت قد عقدت مجلساً في كربلاء المقدسة (في زمن بعيد)
لمجموعة من الشباب لبيان أصول الدين والأحكام والآداب
الإسلاميّة. وكان يحضره إلى جانب طلبة العلوم الدينية
شباب من طلاب المدارس الحديثة وبعض المثقّفين. ففي
إحدى الجلسات لفت انتباهي شابّ لم أعهد حضوره من قبل
ولم أعرفه، رأيته متختّماً بخاتم من ذهب ـ ويظهر أنّه
كان جديد عهد بالزواج ـ .
إلا أني رأيت عدم التعجّل في نهيه عن التختّم بالذهب؛
لاعتبار كونه جديد عهد في حضوره المجلس، فضلاً عن عدم
معرفتي له، فخشيت أن لا يحضر المجلس بعد ذلك إذا نهيته
في أوّل تعرّفي به. ولم تكن خشيتي ـ بالطبع ـ من عدم
حضوره المجلس، إلاّ لأنّه بعدم حضوره قد يذهب إلى
مسارات غير صحيحة.
وقد نقلتُ بالمناسبة، القضيّة لوالدي رحمه الله فقال
لي: حسناً فعلت، دعه يحضر أوّلاً، ويستمرّ في حضوره
ليتعلّم أصول الدين وفروعه، وما يترتّب عليه من أوامر
ونواه، وبعد أن يقوى إيمانه وترتقي إرادته في الإقدام
على الانتهاء عن المنكرات يمكنك أن تطرح عليه المسألة،
وتقول له: إنّه لا يجوز له ذلك. فاحتمال عدم حضوره
المجلس وارد لو نهيته الآن.
هذا يعدّ من معاني المداراة، أي تقديم الأهمّ على
المهمّ، عند التزاحم، من أجل هداية الناس إلى الإسلام
أو إبقائهم عليه وعلى أصوله وأحكامه. ومهما يكن
فالمداراة ليست كالمداهنة التي لا ترجو هدفاً كهذا، بل
يتوخّى صاحبها من وراء سكوته على الباطل أن يصل إلى
تحقيق منافع شخصية أو دنيوية.
يظهر من الروايات أن النبي يونس عليه السلام كان قد
ترك المداراة وفعل غير ما ينبغي له (من باب الأولوية)
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾(8) ونزل به ما نزل.
روي عن أبي عبد الله الصادق سلام الله عليه أنّه قال:
«كان رسول الله صلّى الله عليه وآله في بيت أم سلمة في
ليلتها، ففقد من الفراش، فدخلها من ذلك ما يدخل
النساء، فقامت تطلبه في جوانب البيت حتى انتهت إليه
وهو في جانب من البيت قائماً رافعاً يديه يبكي ويقول:
اللهم لا تنزع منـّي صالح ما أعطيتنـي أبداً. اللهم
ولا تكلنـي إلى نفسي طرفة عين أبداً. اللهم لا تشمت بي
عدواً ولا حاسداً أبداً. اللهم لا تردّني في سوء
استنقذتنـي منه أبداً.
قال: فانصرفت أم سلمة تبكي حتى انصرف رسول الله صلّى
الله عليه وآله لبكائها، فقال لها: ما يبكيك يا أم
سلمة؟ فقالت: بأبي أنت وأمي يارسول الله ولم لا أبكي
وأنت بالمكان الذي أنت به من الله، قد غفر لك ما تقدم
من ذنبك وما تأخّر، تسأله أن لا يشمت بك عدوّاً أبداً
ولا حاسداً وأن لا يردّك في سوء استنقذك منه أبداً،
وأن لا ينزع عنك صالح ما أعطاك أبداً، وأن لا يكلك إلى
نفسك طرفة عين أبداً. فقال: ياأم سلمة، وما يؤمننـي،
وإنما وكل الله يونس بن متى إلى نفسه طرفة عين فكان
منه ما كان منه»(9).
فما كان ينبغي ليونس عليه السلام أن يستميل قومه
للإيمان ثم يتركهم بعد مدّة قصيرة، بل كان الأولى
مداراته لقومه أكثر، لكنّه ترك الأولى لأنّ الله تعالى
ـ كما يقول النبي صلّى الله عليه وآله في الحديث
المتقدّم ـ أوكله إلى نفسه طرفة عين!
وهذا الأمر يلزم علينا ملاحظته أيضاً؛ لأننا في كثير
من الأحيان قد نغضب لله تعالى ولكنه غضب عن جهل مركب ـ
وإن كان لله ـ لذا يجب علينا أن لا نظهر غضبنا بسرعة
لئلاّ يحدث ما ربّما لا تُحمد عقباه. وهذا من المداراة
أيضاً.
الناس إمّا مؤمن أو كافر أو منافق، وكلّهم بحاجة إلى
المداراة، فأمّا المؤمن فهو بحاجة إلى المداراة ليزداد
إيماناً، والكافر يحتاجها ليسلم، والمنافق ليقلع شيئاً
فشيئاً عن نفاقه ويصير مؤمناً، والمسلم عموماً كذلك
يحتاج للمداراة ليثبت على إسلامه ويقوّيه.
ومن يتتبّع سيرة الرسول الأعظم يجده صلى الله عليه
وآله قمة في مداراة الناس على مختلف طوائفهم، حتى أنّه
صلّى الله عليه وآله قلّما كان يستعمل كلمة «حرام» في
وصف ما يجب اجتنابه، بل كان يستبدلها بكلمات أخرى من
قبيل: «إني لا أفعل ذلك» و«إني أكره..» لخفّة وقعهما
على السامع، فكان الناس يعرفون الحرام من خلال هذه
التعبيرات دون أن يحصل لهم أي ردّ فعل على ذلك.
ومن الأمثلة على مداراة الناس في منهاج الرسول صلّى
الله عليه وآله عدم قتله لمنافقين كانوا يستحقّون
القتل؛ لئلا يساء فهم الإسلام من بعض الناس، فيتركوه.
فلقد روي عن النبي صلّى الله عليه وآله قوله: «لضربت
أعناق كثير...»(10).
لا شك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يقدم على
قتل أحد إلا إذا كان مستحقّاً للقتل، لأن القتل أمر
دائر بين الواجب والحرام ـ حسب تعبير الفقهاء ـ ولا
يوجد قتل مستحبّ أو مكروه أو مباح، كما هو الحال في
الفرائض كالصوم مثلاً، فهناك صوم واجب وحرام ومستحبّ
ومكروه، أمّا القتل فليس ـ غالباً ـ فيه سوى الوجوب
كمن هدر دمه، أو الحرمة كمن عصم دمه، لذا فقوله صلّى
الله عليه وآله: «لضربت أعناق قوم كثير» يعني
لاستحقاقهم القتل بالحكم الأولي، غير أنّ النبي لم
يُجر الحكم لأمر أهمّ وهو عدم لحوق تهمة بالإسلام قد
تؤدّي إلى ابتعاد الناس عنه.
وهذا يوضّح ما للمداراة من أهميّة في الشريعة فكما أن
الإنسان يتعامل في الأمور المادية والشخصية على أساس
الترجيح بين الأهمّ والمهمّ، كأن يعطي تارة مبلغاً
كبيراً من المال لأحد ولا يعطي مثله لغيره، وذلك بحسب
ما يراه من الأهمية، أو تارة ينفق من وقته ساعات لشخص
ولا ينفق إلا دقائق في مواقف أخرى، فكذلك الحال في
المداراة حيث ينبغي النظر إلى الأهمّ والمهمّ وتقديم
الأوّل على الثاني، وهذه سيرة الأنبياء والرّسل(11)
وبالأخصّ سيرة نبيّنا وأهل بيته المعصومين صلوات الله
وسلامه عليهم أجمعين والأولياء والعلماء والصلحاء.
يروى أنّه بعد رجوع النبي صلّى الله عليه وآله من غزوة
حنين ـ وقد نصره الله تعالى على المشركين بعد فتح مكّة
ـ جاء بالغنائم فنزل بالجعرانة(12) بمن معه من الناس وقسم
ما أصاب من الغنائم في المؤلّفة قلوبهم من قريش وسائر
العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير.
قال محمد بن إسحاق: فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة بعير،
ومعاوية ابنه مئة بعير، وحكيم بن حزام من بني أسد بن
عبد العزى مئة بعير... قال: وغضب قوم من الأنصار لذلك
وظهر منهم كلام قبيح، حتى قال قائلهم: لقي الرجل أهله
وبني عمّه ونحن أصحاب كلّ كريهة، فلما رأى رسول الله
صلّى الله عليه وآله ما دخل على الأنصار من ذلك، أمرهم
أن يقعدوا ولا يقعد معهم غيرهم، ثم أتاهم شبه المغضب
يتبعه علي سلام الله عليه حتى جلس وسطهم. فقال: ألم
آتكم وأنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم الله بي؟...
إلى أن قال: بل لو شئتم قلتم: جئتنا طريداً مكذَّباً
فآويناك وصدّقناك، وجئتنا خائفاً فآمناك.
فارتفعت أصواتهم، وقام إليه شيوخهم فقبّلوا يديه
ورجليه وركبتيه، ثمّ قالوا: رضينا عن الله وعن رسوله
وهذه أموالنا أيضاً بين يديك فأقسمها بين قومك إن شئت.
فقال: يا معشر الأنصار، أوجدتم في أنفسكم إذ قسمت
مالاً أتآلف به قوماً ووكلتكم إلى إيمانكم، أما ترضون
أن يرجع غيركم بالشاء والنعم ورجعتم أنتم ورسول الله
في سهمكم...؟(13).
لقد نبّههم رسول الله صلّى الله عليه وآله بما غفلوا
عنه وذكّرهم ما نسوه، وأعلمهم أنّ ما قام به من إعطاء
المال الكثير لأولئك الناس وخصّهم بالغنائم دون
الأنصار إنّما كان لغاية تأليف قلوبهم للإسلام،
ولإظهار عظمة الإسلام لئلا يرى فقيراً قليل العطاء،
ولكي يكسر حالة العداء فيهم فلا يعود أمثال أبي سفيان
وابنه معاوية وغيرهما من المنافقين لتنفيذ مؤامرتهم
ضدّ الإسلام، وفي الوقت نفسه استثار صلّى الله عليه
وآله عواطف الأنصار بقوله ألا ترضون أن يكون رسول الله
في سهمكم.
يرى المتتبع لسيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله
أنّه كانت له سيرة بعدما اجتمع حوله نفر من المسلمين،
وأخرى بعدما جاء مهاجراً إلى المدينة حتى شكّل الدولة
الإسلامية، وثالثة بعدما نهض في توسيع رقعة الدولة
ومحاربة الكفر والطغيان لنشر تعاليم السماء. لقد كان
في بداية دعوته صلّى الله عليه وآله يأتي الناس في أيّ
مكان يراهم فيه سواء على الصفا أو المروة أو المسجد
الحرام أو الطرقات والأسواق أيّام الحجّ يدعوهم
منادياً: «أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا».
أمّا بعد أن اجتمع حوله عدد أكثر من الناس وازداد
المسلمون صارت سيرته صلّى الله عليه وآله وفق ما
يتناسب وعدد المسلمين، واختلف الأمر أيضاً عندما هاجر
إلى المدينة لأنّه في البداية عندما لم يكن معروفاً
بنبوّته كان عليه أن يدعو الناس إلى توحيد الخالق
وعبادته، وبعدما هاجر إلى المدينة وكثر أتباعه الذين
آمنوا به، فضلاً عن شيوع أمر نبوّته أخذ يسير في نشر
أحكام الشريعة بين المسلمين، وهكذا.
لذا فإن الأمور الاجتماعية كثيراً ما تتحكم في هذه
الأمور، وهذا ليس معناه أنّ الحلال يصبح حراماً
وبالعكس، بل اللازم ملاحظة مدى استعداد الناس وقبولهم
الحق؛ وإرجاء الحكم الشرعى لا يعني إبداله أو إبطاله
بأيّ حال من الأحوال.
روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنّه دخل عليه
رجل فقال له: «أصلحك الله ذكرت أنّ عليّ بن أبي طالب
سلام الله عليه كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة
دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجيّد.
فقال له الإمام: إنّ علي بن أبي طالب كان يلبس ذلك في
زمان لا يُنكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشهّر به، فخير
لباس كلّ زمان لباس أهله، غير أنّ قائمنا أهل البيت
إذا قام لبس لباس عليّ وسار بسيرته»(14).
يتبيّن لنا من خلال هذه الرواية أنّ المداراة تتطلّب
معرفة طبيعة المجتمع وعاداته وتقاليده في اختيار ما
يتناسب معها. فأسلوب هداية الناس لا يعني السكوت عن
الحرام أو ترك الواجب بل التدرّج في مراحل بيانه ونحو
ذلك، لكيلا يقع المداري والمدارى كلاهما في حرام أهمّ
منه وأشدّ. وبما أنّ الناس ـ بما فيهم المؤمنون ـ
ليسوا كلهم عدولاً فضلاً عن عدم علمهم لجملة ممّا له
مدخلٌ في الأمور؛ لذا يلزم على من يريد هدايتهم أن
يتحلّى بأعلى قدر من المداراة في تعامله معهم.
إنّ الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليرحمهم، فيلزم على
من يريد هدايتهم أن يكون مدارياً لهم إلى آخر لحظة
ليتمكّن من توجيههم نحو الله تعالى، فيكون قوله وفعله
جامعاً لناس وهادياً لهم، لأنه مسؤول على أن لا ينفر
الناس من الحقّ.
لو طلب كاتب ناشئ من مؤلّف قدير أن يقرأ مقالاً كتبه، وبعد قراءته للمقال وجد أخطاءً بعدد كلماته وذكر له أخطاءه كلّها في المرة الأولى، فإنّ هذا الشخص قد يفقد الأمل بالصعود في مجال الكتابة ويترك الأمر. أمّا إذا تعامل معه بتدبّر وعقلانية وحكمة وأخبره ببعض الأخطاء وقلّلها في عينه، ثم ذكر له في المرّة القادمة أخطاء أخرى وهكذا فإنه لن يفقد الأمل بل تنمو عنده قابلية أن يصبح كاتباً له شأنه، وهذا من مصاديق المداراة.
فليعرف طالب العلم كيف يهدي الآخرين ويوجّههم إلى الله
سبحانه وتعالى، أمّا إذا أخذهم بالشدّة والغلظة فربّما
كثير منهم ينحرف عن الطريق، خصوصاً في زماننا هذا الذي
تكثر فيه التيارات المختلفة، الكفيلة بالتقاط المنفرط
عن الحق فيما إذا تاه ونأى، فعينا أن لا نفسح المجال
أمام تلك التيارات الفاسدة والمضلّة خاصّة مع كثرة أهل
الباطل وتيّاراتهم التي أعدّت فخاخها ومصائدها
المتنوّعة لاصطياد أيّ شخص قد ضعف إيمانه وانفلت عن
الحق وأهله. إنّنا مسؤولون بمقدار ما نعرف ونشعر.
نسأل الله تعالى أن يوّفقنا للتحلّي بهذا الخلق العظيم
الذي ورد فيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «من
عاش مدارياً مات شهيداً»(15).
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين