» الفهرست

» الإنفاق الذي يربّي النفس
» التأسي برسول الله
» الأشقّ على النفس أنفع
» أفضلية الإنفاق على الأرحام
» صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ
» الهدف من الفضائل الأخلاقية


» النَص

في ضوء الآية الكريمة:

 

« لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبّون »

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(1).


:. الإنفاق الذي يربّي النفس

تتلخّص غاية الأخلاق في مسألة واحدة وهي تربية النفس وإصلاحها، وهي من أعقد المسائل وأصعبها، لأنّ كثيراً من الناس قد ينجحون في مسائل صعبة ولا ينجحون في هذه المسألة، بل يمكن القول إنّها ركيزة أساسية ضمن ركائز الهدف من خلق الله تعالى للكون والحياة والإنسان وبعث الرسل والأنبياء وجعل الأوصياء؛ ولهذا نلاحظ اهتمام القرآن الكريم والأحاديث الشريفة في الغالب في الدعوة إلى تحقيقها؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
إنّ الإنسان إذا أنفق الرديء وما لا يحبّه من ماله فهو وإن كان إنفاقاً وذهاباً لبعض المال ـ وقد ينفع مَن أُنفق عليه أحياناً ـ غير أنّه لا يمكن أن يصل بذلك إلى غاية البرّ والإحسان، بينما لو كان إنفاق الإنسان ممّا يحبّ ولا يستغني عنه، فهذا بعينه هو الذي يربّي النفس ليصل بها إلى ما تنشده الآية الكريمة.
إنّ الله تعالى لا يحتاج إلى الإنفاق ولا إلى المنفق، وكان الله تعالى قادراً على أن يغني الناس جميعاً حتّى لا يكون هناك فقير واحد محتاج للإنفاق عليه، ولكنّه سبحانه جعل هناك فقيراً وآخر غنياً، ومحتاجاً ومنفقاً، لكي يكون هناك امتحان وتربية.
ولا شكّ أنّ هذه التربية لا تتحقّق فيما لو كان هناك فقير جائع وأعطيته أرغفة من الخبز لا تحتاج إليها، وإن كان هذا إنفاقاً أيضاً ويعدّ عملاً صالحاً تثاب عليه، ولكن إن استطعت أن تعطيه أرغفة الخبز مع حاجتك إليها فهذا يعني أنّك بلغت مرحلة عالية من تربية النفس. قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾(2) أي إنّهم يُطعِمون الطعام مع حبّهم له ـ بناءً على بعض التفاسير التي تُرجع الضمير في «حبّه» إلى الطعام ـ.
وهذا لا يتحقّق من خلال تقديم الطعام الزائد عن الحاجة الذي لا تجد النفس رغبة فيه، بل لابدّ أن يكون الإنسان محتاجاً لذلك الطعام الذي يقدّمه وراغباً فيه ومع ذلك يقدّمه لغيره، وهذه الحالة هي التي تساهم في تربية النفس وتُعَدّ من الفضائل؛ ذلك أنّ الفضائل وكلّ ما تجمعها كلمة الأخلاق، إنّما يراد منها تربية الإنسان نفسه، وأن يكون هو القائد لها المسيطر عليها وليس العكس.
ويحتاج المرء لبلوغ السيطرة على النفس إلى ترويض وتمرين قد يستغرق عقوداً من السنين. إنّه ما من أحد غالباً إلاّ ويحبّ أن يكون ذا أخلاق محمودة، وأن يكون مالكاً لزمام نفسه، وأن يكون المسيِّر لها وليس مسيَّراً من قِبلها، وإنّ أغلب الناس لا يحبّ أن يكون عبداً لشهواته. فكلّ إنسان يحبّ أن يكون صالحاً إلاّ القليل من ذوي النفوس السيّئة، والكثير قد يتصوّر أنّ بلوغ هذا الأمر شيء سهل وأنّه لا يحتاج إلى مثابرة وترويض؛ مع أنّه أصعب وأعمق شيء ولا ينال بسهولة. هذا ما يدلّ عليه التركيز المستمرّ من الآيات والأحاديث على مسألة تربية النفس، والإرشاد إلى كيفيتها.


:. التأسي برسول الله

روي أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يكفل يتيماً من يتامى المسلمين وكان هذا اليتيم يؤذي النبي صلى الله عليه وآله، وما برح أن مات هذا الطفل اليتيم، فحزن عليه رسول الله صلى الله عليه وآله كثيراً، فقال له بعض الأصحاب: يا رسول الله، لو كنت تريد يتيماً تكفله لما فيه من الثواب، فاليتامى موجودون. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فأجابهم ـ ما مضمونه ـ أنّ هذا اليتيم كان مؤذياً، ولذلك كان أجر كفالته أكبر.
صحيح أنّ لكفالة اليتيم أجراً كبيراً في الإسلام ـ كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة»(3) ـ وهو يشير بإصبعيه أي المسبحة والوسطى ـ ولكن هذه الرواية تدلّ على أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان كثرة حُزنه لأنّه قد لا يحصل على يتيم مشابه له من هذه الناحية ويحرم هو صلى الله عليه وآله من الأجر المضاعف، لأنّه سيفقد الأذى الذي كان يصبر عليه. وهذا دليل على أنّ المهمّ هو تربية النفس وسموّها.
رُبّ سائل يسأل: هل رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحتاج لأن يربّي نفسه؟ أوَليس كان قد كملت نفسه؟
الجواب: صحيح أنّ هناك فرقاً بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وآله، فنفوسنا ناقصة ونفسه كاملة، ولكن للكمال درجات أيضاً، وهذا ما يفسّر قول الله تعالى مخاطباً نبيّه الكريم: ﴿وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾(4)؛ لأنّ العلم درجات، كما أنّ الكمال درجات. ولذلك أيضاً روي أنّه كلّما قال العبد: «اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد» زاد الله تعالى في درجة النبي صلى الله عليه وآله، وهذا معناه أن يزداد كمالاً. وثمّة أحاديث كثيرة موجودة بهذا الشأن، ليس المقصود منها أنّ هناك نقصاً عند رسول الله حاشاه، بل معناها أنّه يزداد كمالاً إلى كماله.
وهكذا الحال في قصّة اليتيم الذي كان يؤذي النبي ومع ذلك حزن الرسول صلى الله عليه وآله لموته ولأنّه لم يعد يؤذيه، فيصبر على أذاه فيزداد بذلك كمالاً وثواباً وقرباً من الله تعالى.
وإلاّ كيف يمكن للإنسان أن يحزن على تخلّصه من أذى؟ إلاّ إذا عرف عظم نتيجة ذلك الأذى والفوائد التي يكتسبها منه، عندها قد نعجب لو لم يتألّم لفقدانه.
إنّ عامل البناء الذي يتقاضى أجراً مضاعفاً لقاء عمله في اليوم الممطر مثلاً، سيشعر بالأسف إذا فاته العمل في ذلك اليوم؛ لأنـّه سيخسر أكثر مما لو تغيّب عن العمل في يوم عادي. ولو قيل له: ينبغي أن تكون فرحاً لأنّك تخلّصت من عناء العمل في يوم ممطر. لقال في الجواب: ولكنّي فوتُّ أجراً مضاعفاً كنت سأحصل عليه لو كنت أعمل في هذا اليوم.
والحالة نفسها تصدق على العامل في سبيل الله، فإنّ المؤمن الحقيقي يبحث عن أشقّ الأعمال المحبوبة لله تعالى لينال قربه وأجره أكثر، فإنّ ثواب العمل ـ كما في الحديث ـ على قدر المشقّة فيه(5).


:. الأشقّ على النفس أنفع

وقد روى زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «والله ما عرض لعليّ عليه السلام أمران قطّ كلاهما لله طاعة إلاّ عمل بأشدّهما وأشقّهما عليه»(6).
فمع أنّ كلا العملين فيهما مرضاة الله تعالى، إلاّ أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كان يختار الأشقّ؛ لأنّ تربية النفس تكون في اختيار الشيء الأصعب.
وربّما لا يُقصد بالأشقّ هنا الأشقّ على البدن فقط، بل المقصود به الأشقّ روحياً أيضاً، فإنّ الإنسان قد لا يحسّ أحياناً بالمشقّة البدنية بسب راحة الروح، ومثاله السّهَر، فقد يكون شاقّاً بدنياً على مَن اعتاد أن ينام الليل ـ كما هو حال أغلب الناس ـ ولكنّه روحيّاً لا يعود كذلك بالنسبة لمن حضر عنده صديق حميم أو ذو رحم قريب بعد غياب وفراق طويل، فإنّ مثل هذا الإنسان قد لا يأتيه النوم أصلاً لأنّ الروح لا تستصعب السهر في هذه الحال، بل لا تشعر به لأنّها تعيش الأُنس بلقاء الحبيب الغائب. إذاً عمدة المقصود من الأشقّ ما هو أشقّ على الروح، وهو ما يربّي الإنسان ويقرّبه إلى الله عزّ وجلّ أكثر.


:. أفضلية الإنفاق على الأرحام

ولعلّ هذا أحد أسباب تأكيد الأحاديث بأنّ الإنفاق على الوالدين أفضل من الإنفاق على سائر الأرحام، وأنّ الإنفاق على الأرحام أفضل من الإنفاق على غيرهم، لأنّ أقارب الإنسان لا يستعظمونه لإنفاقه عليهم لأنّهم يعرفون في الغالب حدود قدرته المالية، فلو أنّ شخصاً دخله الشهري ألف دينار أعطى عشرة دنانير مساعدة لقريب له محتاج فإنّ عطيته ستكون محتقرة وربما اعتبرها القريب إهانة لأنّه يعرف المستوى المالي لقريبه المنفق، في حين أنّه لو أعطى ديناراً واحداً لمحتاج غريب فإنّ عطيته ستقع موقع الرضا والإعجاب من المحتاج لأنّه لا يعرف شيئاً عن مستوى المعطي، ولا يتوقّع منه المزيد.
هذا مضافاً إلى أنّ المنفق قد يقابَل بالجفاء من قريبه لو أنفق عليه، لأنّ الإنسان يشعر في العادة بتصاغر أمام المنفق عليه، وهذا الشعور يكون مضاعفاً إذا كان المنفق قريباً للإنسان؛ فإنّه قد يتألّم ويغمره شعور بالضعة والحرمان وربما يندب حظّه قائلاً: ما الفرق بيني وبين قريب‍ي ليكون صاحب اليد العُليا عليّ؟! ومن ثم يلجأ إلى الجفاء في محاولة لإطفاء نائرة وتألّمه.
ومن الواضح أنّه تزداد الصعوبة عندما يكون الإنفاق على الوالدين، فإن توقّعهما ـ ولا شكّ ـ من ولدهما أكثر، خاصة إذا كانا على اطّلاع بمستواه المالي الحقيقي؛ لأنّهما يعتقدان أنّ ولدهما وكلّ ما يملك هو ملك لهما(7)، وأنّ كلّ ما يقدّمه لهما فهو قليل في حقّهما، فمهما كان عطاؤه لهما، فهو قليل في نظرهما غير معظَّم من قِبلهما. وهكذا الحال بالنسبة للنقطة الثانية، وهي الشعور بالتصاغر الذي يشتدّ عند القرناء والأقرباء والتي تستتبع جفاءً وتعالياً، فهي الأخرى تكون في حال الإنفاق على الوالدين أشدّ لزيادة القرب، خاصّة وأنّ الأبوين لا يشعران أنّ ابنهما نظير لهما وحسب، بل يشعران بأنّهما أفضل منه، فيزدادان ألماً إذا كان غنيّاً ويعطيهما، مع فقرهما.
يقول بعض علماء الأخلاق: ربما لهذين السببين ـ توقُّع الأكثر، والجفاء ـ كان الإنفاق على الأقارب والأرحام أفضل، غير منكرين الأسباب الأخرى. وهذان السببان إنّما يصبّان في تربية النفس، لأنّ التغلّب عليهما يعني التغلّب عليها.
كما يمكن أن نضيف لهاتين النقطتين نقطة ثالثة في السياق نفسه وهي أنّه كثيراً ما نلاحظ قطيعة بين الأرحام، وفي مثل هذه الحالة يجد المنفق صعوبة في التغلّب على نفسه والاستجابة لداعي الإيمان في الإنفاق على قريبه المعسر وإن كان قد أساء إليه، ولهذا عدّ الإنفاق على أُولي الأرحام أفضل من الإنفاق على مَن سواهم.


:. صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ

إنّ الإنفاق أمر حسن ومفيد، ولكنه ليس مهمّاً وحده، بل الأهمّ أن يربّي الإنسان نفسه بالإنفاق أيضاً. ولهذا ورد في الحديث: «صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ»(8).
إنّ صدقة السرّ تربّي المعطي إضافة إلى أنّ آخذها لا يشعر بالذلّ والتصاغر؛ فإنّ الإطراء أو الإعجاب الذي يحصل عليه المرء فيما لو أعطى على مرأى من الناس قد يخفّف من صعوبة الإعطاء والصدقة، لإحساسه بكونه قد اشترى بها سمعة وجاهاً، فلا يشعر بصعوبة بذْله. أمّا الصدقة في السرّ فتعني تغلّب المرء على صعوبة البذل لغياب التشجيع والإطراء والإعجاب وما أشبه. ولهذا كانت صدقة السر تطفئ غضب الرب، أي ترضيه، لأنّها أقرب إلى الإخلاص؛ فإنّ الله تعالى ـ كما ورد في المأثور ـ سريع الرضا، ولكنّه حليم أي لا يغضب بسرعة. وهذا قد يبدو جمعاً للأضداد إذا ما قيس إلى حالتنا نحن البشر.
فالذين يحلمون ولا يغضبون بسرعة إنّما يكظمون غيظهم لا أنّهم لا يتأثّرون أساساً، وهذا يعني تراكماً في غيظهم حتى إذا امتلأ وفاض كان غضبهم شديداً وبطيء الزوال، وقديماً قيل: «نعوذ الله من غضب الحليم». أمّا الله تعالى فليس هكذا، فهو سبحانه حليم وهو سريع الرضا إذا غضب، لأنّ الله عزّ وجلّ هو الرحمة المطلقة، وقد سبقت رحمتُه غضبه، وهو الذي خلقنا ليرحمنا؛ قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾(9)، أي ليرحمهم.
ولكن مع ذلك لا ينبغي للعبد أن يستصغر أيّة معصية، فلعلّ غضب الله فيها. وعلى العبد أيضاً أن يعمل ما من شأنه أن يزيل غضب الله تعالى، وممّا يطفئ غضبه سبحانه صدقة السرّ، والعلّة في ذلك أنّها تعني أنّ القائم بها قد نجح في ترويض نفسه وتعبيدها لله عزّ وجلّ، إضافة إلى أنّ آخذها لا يشعر بالضعة بين الناس.


:. الهدف من الفضائل الأخلاقية

إنّ من أهمّ الأمور في المقام هو أن يربّي الإنسان نفسه، فهذا هو الشيء الأساسي، وإن كانت الفضائل الأخلاقيّة في حدّ نفسها جيّدة ولازمة، من قبيل أن لا يؤذي الناس بلسانه أو خُلقه السيّئ أو سيرته السيّئة أو بخله... . وما نقل من قصص العلماء والصلحاء في هذا المجال يدلّ على ضبط قويّ للنفس.
فما نراه من اهتمام الناس غالباً بقصص الذين ربّوا أنفسهم تربية صحيحة حتى أكثر من اهتمامهم بالمجتهدين رغم أنّ الاجتهاد ليس شيئاً سهل المنال بل يتطلّب من الشخص المتوسّط الذكاء تفرّغاً للدراسة المتواصلة لمدّة زهاء عشرين سنة. فرغم هذا ورغم وجود الألوف من المجتهدين في الحوزات العلمية في طيّ الزمان ـ والحمد لله ـ ولكننا لم نرَ كتباً تهتمّ بإحصاء المجتهدين من الشيعة مثلاً، ولكنا نرى اهتماماً بنقل القصص التي تحكي جانب بناء النفس عند بعض العلماء مما يدلّ على أهميّته وندرته وصعوبته.
حكي أنّه كان للشيخ الأنصاري زميل في الدراسة اسمه سعيد العلماء، وكانا يحضران معاً عند الأستاذ «شريف العلماء» رحمهم الله جميعاً وكان الشيخ الأنصاري ينحدر من مدينة شوشتر الإيرانية، فيما كان زميله سعيد العلماء من أهالي مدينة مازندران ـ الإيرانية أيضاً ـ . وبعد مرور عشر سنوات على الدراسة معاً استدعى المازندرانيون سعيد العلماء لكي يقيم لهم صلاة الجماعة ويفتيهم في المسائل الشرعية ويقضي بينهم ويقضي حوائجهم، فلبّى دعوتهم، فانتقل إلى مازندران وأسّس هناك حوزة وظل فيها، فيما بقي الشيخ الأنصاري في مدينة كربلاء المقدسة ثم انتقل بعد وفاة شريف العلماء إلى النجف الأشرف وظلّ يواصل الدرس والتدريس والبحث والتحقيق طيلة مرجعية صاحب الجواهر رضوان الله عليه. ولما توفّي صاحب الجواهر كانت الأصابع تشير إلى الشيخ الأنصاري وتطالبه بالتصدّي للمرجعية والإفتاء وإصدار رسالة عملية لكي يقلّده الناس. ولكن الشيخ الأنصاري أجاب مناشديه بالتصدّي للمرجعية أنّه يشترط الأعلمية في مرجع التقليد وأنّه يذكر أنّ زميله سعيد العلماء كان أذكى منه أيام دراستهما في كربلاء لدى شريف العلماء. ووجّه الأمّة لتقليده. وذهب وفد من العراق إلى مدينة مازندران في إيران وعرضوا الأمر على سعيد العلماء وطلبوا منه أن يصدر رسالة عملية ليتسنّى لهم تقليده، ولكنه امتنع معلّلاً بالقول: إنني انقطعت عن البحث والتحقيق منذ مغادرتي كربلاء لأتفرّغ لإمامة الجماعة وهدايتها في مازندران فيما واصل الشيخ الأنصاري الدرس لدى شريف العلماء ومن بعده صاحب الجواهر وكان متفرّغاً للبحث والتحقيق فصار أعلم منّي وإن كنت سابقاً أعلم منه.
ولما عاد القوم إلى الشيخ الأنصاري ونقلوا له مقالة سعيد العلماء أجابهم إلى طلبهم وكتب حاشيته على كتاب «نجاة العباد» الرسالة العملية لصاحب الجواهر.
إنّ هذه القصّة هي إحدى القصص الكثيرة التي تنقل عن الشيخ الأنصاري وتحكي سموّ روحه وتهذيب نفسه. وجدير بتلك القصص أن تكون مربّية للأجيال، ولذلك تراها تلتقط وتُدوّن وتتناقل وتذكر ويُتّعظ بها حتى مع تكرر سماعها، لأنّها نادرة وغير يسيرة التحقق عند كلّ أحد. فربّما احتاج المرء إلى خمسين سنة من التربية لتصل نفسه إلى هذه المرحلة بحيث يعرض عليه مثل هذا العرض ويتورّع مع ذلك وينجح في التنازل عنه، في حين أن بعض الناس إذا واجه فقيراً يحتاج إلى مساعدة، ربّما يتردّد في المبلغ الذي ينوي إعطاءه، أيعطيه ديناراً ـ مثلاً ـ أم نصف دينار أم ربع دينار؟ وربّما لا يعطيه في الآخِر ولا يتنازل حتى عن درهم من ماله.
يُنقل عن المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري(10)، نقلاً عن أستاذه السيد الفشاركي الذي كان من العلماء الفطاحل والمجتهدين المحققين ومن تلامذة المجدد الشيرازي رضوان الله عليهم جميعاً:
إنّه لما توفّي المجدّد الشيرازي رجع كثير من الناس في تقليدهم إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي، وكان والدي ـ أي والد السيد محمد الفشاركي ـ مجتهداً ومرجعاً للتقليد أيضاً، فبعثني رسولاً إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي لأسأله إن كان يرى نفسه الأعلم أم والدي، قال والدي في رسالته إلى الشيخ: إنّ زوجتي وأولادي كانوا يقلّدون المجدد الشيرازي وقد توفي، فهل تعتقد أنّك أنت الأعلم لكي يرجعوا في تقليدهم إليك، أم تراني أعلم منك لكي يتحولوا إليّ؟!
يقول السيد الفشاركي: بعد أن نقلت تحيات الوالد وسؤاله للشيخ محمد تقي الشيرازي، فكّر الشيخ قليلاً ثم قال لي: أبلغ والدك السلام وقل له: وما رأيه؟
يضيف السيد الفشاركي: عدت إلى الوالد و أخبرته بمقالة الشيخ محمد تقي، فأرجعني للشيخ لأسأله هذه المرة عن رأيه في تفسير الأعلم، وهل هو الأكثر ذكاء وفطنة أم الأكثر تعمّقاً ودقة أم الأقوى ذهناً من الناحية العرفية؟
وعدت للشيخ الذي أرجعني بدوره إلى الوالد يسأله عن تحديده لمفهوم الأعلم. وبعد أن دقّق والدي في هذا الأمر كثيراً أمر أهله بأن يقلّدوا الشيخ محمد تقي الشيرازي لأنّه رجّح أن يكون هو الأعلم وفق تفسيره لمعنى الأعلم.
فالهدف من الفضائل الأخلاقيّة هو بناء النفس.
ويظهر ممّا ذُكر المستوى الذي بلغه بعض مراجعنا في الورع وتربية النفس بحيث لا يتنافسون على المرجعية والزعامة، بل لا يتصدّون لها ولا يدّعونها إلاّ بعد تثبّت وتحفّظ وتدقيق، ثمّ بعد أن تقلّدهم الأمة وعلماؤها، حينها سيتحمّلون المسؤولية وهم لها أهل من حيث العلم والورع والتقى والخلق والسموّ الروحي وتهذيب النفس والزهد في الدنيا ومظاهرها من الشهرة والجاه والمال وغيرها.
وتبقى قصصهم تربّي الأجيال، فربّ واحدة من قصصهم غيّرت مجرى حياة فرد وجعلته يستقيم؛ فهذه القصص إنّما جاءت كنتيجة لتربية تميّز بها أصحابها تحوّلت فيما بعد إلى صدقة جارية تتناقلُها الكتب والألسن جيلاً بعد جيل.
فلنحاول نحن أيضاً من الآن أن نسعى في تربية أنفسنا، فإنّ تهذيب النفس وتربيتها ينبغي أن يكون هو الهدف الأسمى من الدراسة والمنبر والتأليف. إنّ تهذيب النفس هو هدف الأنبياء والأوصياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(11)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أدّبنـي ربّي فأحسن تأديبـي»(12).
فإذا ما أتعب الإنسان نفسه في هذا الطريق ووصل إليه ولو بعد حين، فإنّه يكون قد وصل إلى الغاية التي من أجلها خُلق.
بينما لو أصبح أكثر الناس مالاً، وأصحّهم جسماً، وأدقّهم نظراً دون أن يحقق هذه الغاية، فستذهب حياته كلّها سدى، ولا فائدة ترتجى من كلّ ما حصل عليه.
قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾(13).
صدق الله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


(1) سورة آل عمران، الآية: 92.
(2) سورة الإنسان، الآية: 8.
(3) مستدرك الوسائل: ج2، ص474.
(4) سورة طه، الآية: 114.
(5) غرر الحكم للواسطي: ص218.
(6) بحار الأنوار: ج41، ص133.
(7) رُوي أن النبي قال لرجل جاءه يستعدي على والده: «أنت ومالك لأبيك» انظر الاستبصار للطوسي: ج3، ص48 رقم2.
(8) الكافي: ج4، ص7.
(9) سورة هود، الآية: 118ـ 119.
(10) مؤسس الحوزة العلميّة، بقم المقدسة.
(11) سورة الحجرات، الآية: 13.
(12) بحار الأنوار: ج16، ص21.
(13) سورة الشمس، الآية: 7 ـ 10.