» الفهرست

» إلفاتة في القرآن تبيّن أهمية التبليغ
» هدف الحوزات هو التبليغ
» أهمية التبليغ في سيرة النبي وأهل بيته
» كيف حوّل التبليغ بلداناً بأكملها!
» أفضلية التبليغ
» التأهّب للتبليغ
» كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم
» الاعتدال مطلوب
» الخلاصة


» النَص

في ضوء الآية الكريمة:

 

«الذين يبلّغون رسالات الله»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾(1).
لاشكّ أنّ من أشرف المهامّ في حياة الإنسان هي مهمة التبليغ؛ لأنها مهمّة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يكلّفهم بمهمّة أخرى كما كلّفهم بالتبليغ. ومن ثم إذا استطاع الإنسان أن يكون مبلّغاً لدين الله، فهذا يعني أنّه وضع أقدامه في موضع كان قد سبقه فيه الأنبياء والرّسل عليهم السلام.


:. إلفاتة في القرآن تبيّن أهمية التبليغ

هناك إلفاتة لطيفة في القرآن الكريم تكشف عن أهمية التبليغ أذكرها بمقدّمة: إنّ الناس ـ كما نلاحظ ـ مترتّبون في الأمور العامّة وفق سلسلة من المراتب يتمّ وفقها تبليغ الأوامر من الأعلى وصولاً إلى مرحلة التنفيذ في المراتب الدنيا. أي أنّ الأعلى يأمر الذي هو دونه، وهذا يأمر الأدنى منه، والأدنى فالأدنى، حتى تنتهي سلسلة المراتب إلى عوامل التنفيذ.
فنرى في الحكومات مثلاً أنّ هناك الرئيس ثم يأتي الوزراء في المرتبة الثانية، فالمدراء العامّون تحت إشرافهم، فمدراء الأقسام حتى ينتهي هذا التسلسل الوظيفي عند مَن يتّصل بعامّة الناس مباشرة. فإذا صدّر الحاكم الأعلى أو الرئيس حكماً فإنّه لا يأمر وزيره بأن يبلّغه إلى عامّة الناس مباشرة، بل يأمره بتنفيذ الحكم وحسب. فيقوم الوزير بإصدار الأمر إلى مَن هم أدنى منه درجة، وهؤلاء بدورهم لا ينزلون إلى الشارع مباشرة بل يجمعون مَن تحت سلطتهم ويوجّهونهم بالحكم، وهكذا حتى ينتهي الأمر إلى من هم في المرتبة الأدنى، فقد يقعون في المرتبة العاشرة من سلسلة المراتب أو أدنى. وهذا بطبيعته يعدّ تدرجاً وضعياً في كلّ حكم عامّ أو دائرة وعلاقات، وهو ما نلاحظه ونراه في كلّ الحكومات والأنظمة القائمة.
أمّا الإلفاتة الموجودة في القرآن فهي أنّه عندما يتوجّه الخطاب للنبيّ الأكرم بالتبليغ، يأمره الله تعالى أن يقوم هو صلى الله عليه وآله به مباشرة وبلا واسطة مع عامّة الناس. يقول سبحانه وتعالى مخاطباً نبيّه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ...﴾(2)، و﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ...﴾(3)، و﴿قُل للَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون...﴾(4)، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾(5), وهكذا؛ وهذا يعني المباشرة في التبليغ.
فمع أنّ الله تعالى هو خالق كلّ شيء، وإله كلّ شيء وهو ربّ الأرباب وسيّد السادة، ومع أنّ النبي صلى الله عليه وآله هو أشرف المخلوقات وأفضلها وأعلاها، إلاّ أنّ الله سبحانه وتعالى يطلب من رسوله أن يقوم بمخاطبة كلّ الطبقات والمستويات من الناس حتى أدناها مباشرة، للحصول على الفائدة المرجوّة.


:. هدف الحوزات هو التبليغ

 وليعلم الإخوة الذين ينطلقون للتبليغ والإرشاد وهداية الناس في المدن والبلاد الأخرى والقرى والأرياف في شهر رمضان وغيره أنّ الهدف المقدّس والغاية الأسمى من دراستهم ومن كلّ ما تلقّوه من علوم دينية في الحوزات هو التبليغ، وحسب الاصطلاح العلمي: إنّ كلّ ما في الحوزات العلمية يعدّ بمثابة مقدّمات، والتبليغ هو ذو المقدّمة.
صحيح أنّ أدوار التبليغ ووسائله قد تختلف باختلاف الحاضرين وتنوّعهم؛ فالخطيب إذا تحدّث إلى جمهور من المثقّفين تحدّث بأسلوب يختلف عمّا إذا كان حديثه إلى أناس أمّيين، لكن يبقى التبليغ يحظى بالأهميّة في كلّ حالاته كما تفيدنا تلك الإلفاتة الرائعة في القرآن الكريم.


:. أهمية التبليغ في سيرة النبي وأهل بيته

هناك نقطة وإلفاتة أخرى تبيّن أهمية التبليغ نكتشفها من خلال سيرة رسول الله والأئمة من أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فكلّنا يعلم مدى اشتياق النبيّ الأكرم للعبادة والالتذاذ بها. فلقد كان صلى الله عليه وآله يشتاق إلى العبادة أكثر من أيّ إنسان آخر، ويلتذّ بها ما لا يلتذّ بأيّ عمل. فهو أعرف الناس بالله تعالى وأفضل مَن عرف الله عزّ وجل. ليس هذا فحسب بل لاشكّ أيضاً أنّ عبادته وذكره ودعاءه وتوجّهه إلى الله تعالى، تفوق في الفضل عبادة الناس كلّهم، وهو صلى الله عليه وآله يعلم بذلك أيضاً. ففي عقيدتنا لو أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «لا إله إلاّ الله» مرّة واحدة فهي تعدل عند الله تعالى مليارات الصلوات والدعوات من سائر الناس.
ولكنّا نرى أنّ هذا الرسول العابد الذي أبلتْه العبادة حتى خاطبه الله تعالى بقوله: ﴿طه ، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾(6) يرجّح في كثير من الأحيان النزول إلى الشوارع والطرقات أو المساجد أو البيوت للتبليغ ولهداية الناس، على العبادات المستحبّة ـ في حقّه ـ حتى لقد صرف صلى الله عليه وآله معظم وقته بعد البعثة بالتبليغ. ولقد كان يبلّغ في وسط أناس اُميّين بلغ الحال ببعضهم لأن يمدّ رجليه ويستلقي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول له: يا محمد حدّثنا!
كان الرسول صلى الله عليه وآله يصرف أوقاته مع أمثال هؤلاء، كما كان يصرفها مع أمير المؤمنين وفاطمة والحسنين سلام الله عليهم، ومع أمثال أبي ذرّ وعمار، ممن تقع على عاتقهم مسؤولية هداية الأمّة، وكان لهم شطر كبير من وقته صلى الله عليه وآله.
إنّ تبليغاً كهذا هو الذي صنع رجالاً عظاماً كأبي ذرّ وعمّار والمقداد وغيرهم من خيار الصحابة، فمن هذا الوسط تخرّج هؤلاء الخيار والمؤمنون. وهذا يعني أنّ على المبلّغ ألاّ يقْصِر تبليغه على فئة معيّنة من الناس كالمثقّفين مثلاً دون غيرهم، بل عليه أن ينزل إلى كلّ فئات المجتمع وطبقاته.
صحيح أنّ على الإنسان أن يستفيد من حياته ووقته أحسن الاستفادة وبأقصى ما يستطيع، ولكن ربّما يأتي اليوم الذي يصبح فيه هذا الأمّي أحد العظماء، أو أنّ ذلك المثقّف الذي يبدو مهمّاً في نظر الداعية اليوم من الناحية الاجتماعية أو العلمية، ويركّز عليه في تبليغه أكثر من غيره، قد لا ينفع في شيء، وربما ارتحل عن الدنيا قبل أن يقدّم شيئاً ما لينفع به الآخرين.
فما دام المبلّغ لا يدري أيّة أرض ستثمر فيها الكلمة الطيّبة أكثر، عليه أن يسعى لبذر الكلمة الطيّبة في كلّ مكان ومع كلّ إنسان، وأن يقتدي برسول الله في ذلك، فلقد كان صلى الله عليه وآلهُ يغتنم كلّ الفرص للتبليغ ويدع التفرّغ للعبادات المستحبّة إلى الأوقات التي لا فرصة للتبليغ فيها كمنتصف الليل مثلاً، ليخلو فيها مع ربّه يستمدّ منه العون والتأييد ويناجيه بقوله: «إلهي لا تكلنـي إلى نفسي طرفة عين أبداً»(7).


:. كيف حوّل التبليغ بلداناً بأكملها!

إنّ للتبليغ أهمية كبرى وتأثيراً عظيماً. فإيران والعراق اللتان تعدّان اليوم مواليتين لأهل البيت سلام الله عليهم بأغلبية ساحقة، لم تكونا كذلك في السابق، بل تحوّلتا إليه بفضل التبليغ الذي نهض به رجال أفذاذ نذروا أنفسهم له وعقدوا العزم عليه.
ينقل المحدّث النوري رضوان الله عليه في خاتمة «مستدرك الوسائل» أنّ المرحوم السيد مهدي القزويني ـ من علماء الشيعة ومراجعها، نزيل الحلّة في العراق، وزميل الشيخ مرتضى الأنصاري رحمهما الله ـ أخذ في أواخر حياته بالتبليغ وهدَى عشائر كانت برمّتها غير موالية لأهل البيت سلام الله عليهم؛ إذ كان يذهب إلى إحدى العشائر ويمكث في مضيفها سنة كاملة يخالطهم فيها ويصلّي بهم ويحكي لهم قصصاً حتى يغيّر معظمهم ويجعلهم موالين لأهل البيت سلام الله عليهم ثم يغادرهم إلى عشيرة ثانية ويمكث فيهم سنة أو أكثر حتى يهديهم الله إلى الحقّ وهكذا… حتى اهتدى على يديه زهاء مئة ألف إنسان.
فبعزم أمثال هذا الرجل اهتدت الشعوب وصار العراق وإيران دولتين ذاتي أغلبية شيعية، وإلاّ فإنّ إيران مثلاً كانت سنّية أنجبت زهاء ثمانين في المئة من كبار علماء العامّة ـ الذين ليسوا على خطّ أهل البيت ـ ثم تغيّر الوضع بفضل التبليغ حتى آل الأمر إلى أن تنجب إيران الألوف من العلماء المسلمين السائرين على خطّ أهل البيت سلام الله عليهم.
نعم، لقد كانت إيران سنّية، وكانت إحدى مدنها متعصّبة لدرجة كبيرة حتى أنّه عندما منع عمر بن عبد العزيز سبّ الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه من على المنابر جاء أهل تلك المدينة إلى واليهم وقالوا له: إنّنا على استعداد لدفع الضرائب غير المستحقّة على أن يسمح لنا بالاستمرار في سبّ علي بن أبي طالب لمدّة ستّة أشهر أخرى.
فهكذا كانت بعض المدن الإيرانية في يوم من الأيام.. ولكن أتدرون أنّ تلك المدينة نفسها تحوّلت تحوّلاً عظيماً بحيث احتضنت في عصر مّا أكبر حوزة علمية للشيعة لعشرات السنين، أي انقلبت من مدينة معادية لأهل البيت إلى مدينة منجبة للعلماء السائرين على نهج أهل البيت سلام الله عليهم والملايين من محبّيهم.
ولو تفحّصت في التاريخ والسير، وبحثت في أنساب كثير من المؤمنين وأجدادهم لرأيت أنّ كثيراً منم ينحدر من أجداد لم يكونوا على خطّ أهل البيت سلام الله عليهم ولكنهم تحوّلوا إليه بفضل التبليغ، واستمرّ الخطّ في أولادهم وأعقابهم إلى يومنا هذا.
أنا شخصياً أعرف أشخاصاً من أهل العلم والوعّاظ وأئمّة الجماعة نقل لي أحدهم أنّ جدّه السادس لم يكن موالياً لأهل البيت سلام الله عليهم، ثم كان من جملة الذين اهتدوا على يد المرحوم السيد مهدي القزويني فصار من الموالين والمؤمنين وعلى ذلك جرى نسله وذرّيته. وهكذا نشهد اليوم جماعة من المبلّغين للمذهب من سلالة الذين هداهم الله على يد السيد القزويني رحمه الله.


:. أفضلية التبليغ

من المستحبّات الأكيدة الصلاة في أوّل الوقت. فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا حلّ وقت الصلاة انقطع إليها ولم يعبأ بشيء دونها. يُنقل عن عائشة أنه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدّثنا ونحدّثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه(8).
هب أنّ لك صديقاً عزيزاً تطلب لقاءه كلّ الطلب، لم تره منذ سنوات وقيل لك فجأة إنّه ينتظرك الآن على الباب، فكيف تسرع للقائه تاركاً كلّ حديث أو عمل؛ فهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا حضرت الصلاة ترك كلّ شيء متّجهاً للقاء الله تعالى.
إذا عرفت أهمية الصلاة في أوّل الوقت تعال إذاً لنلاحظ الرواية التالية:
عن داود الصَّرمي قال: كنت عند أبي الحسن الثالث سلام الله عليه يوماً فجلس يحدّث حتى غابت الشمس، ثم دعا بشمع وهو جالس يتحدّث. فلما خرجت من البيت نظرت وقد غاب الشفق قبل أن يصلّي المغرب ثم دعا بالماء فتوضّأ وصلّى(9). يبدو أنّ الإمام كان يتحدّث مع بعض المتأثّرين بالخطوط الانحرافية في عصره، فاستمرّ على عمله التبليغي حتى فات وقت الفضيلة. وهذا يعني أنّ التبليغ مقدّم على سائر المستحبّات.
وهكذا فيما إذا اتّفقت ليلة القدر أو ليلة الجمعة أو ليلة النصف من شعبان أو المواسم الأخرى التي تكثر فيها الأدعية والمستحبّات، وزاحمت التبليغ فقدّموا التبليغ.
مثلاً: في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان يستحبّ قراءة سورة القدر ألف مرّة، وصلاة مئة وثلاثين ركعة (من الألف ركعة في كلّ شهر رمضان) وتستحبّ أمور أخرى كثيرة، ولكن إذا زاحمت هذه المستحبّات التبليغ وأردت الحصول على ثواب أكثر فقدّم التبليغ لأنّ الأنبياء والأئمّة سلام الله عليهم كانوا يعملون كذلك.
ويمكنك القيام بالأمرين معاً، فمثلاً: إذا كان هناك شباب مستعدون للتلقّي والهداية والتوجّه للدعاء ـ وكانت ليلة القدر ـ أمكنك أن تشترك معهم في قراءة دعاء الجوشن الكبير ورفع المصاحف… فهذا نوع من التبليغ العملي وهو مطلوب أيضاً. ولكن إذا دار الأمر بين أن تنهض بمهمّة التبليغ أو تخلو بنفسك وتقرأ سورة القدر ألف مرّة أو تصلّي المئة والثلاثين ركعة المستحبة وما أشبه، فالتبليغ لاشكّ يكون أفضل. والعاقل يحاول الأخذ بالأفضل دائماً.


:. التأهّب للتبليغ

فعلى الإخوة الذين يتوجّهون إلى التبليغ أن يعلموا أوّلاً أنّ مهمّتهم هي مهمّة الأنبياء عليهم السلام الذين صرفوا معظم وقتهم، من أجل إرساء دعائم التبليغ.
كما عليهم أن يتهيّأوا للأمر وللأسئلة المتنوّعة التي قد يواجَهون بها، ولا ينزعجوا من الأسئلة الساذجة بل حتى السفيهة التي قد يواجهون بها أحياناً، بل عليهم أن يفتحوا صدورهم للناس، ويعلموا أنّه ليس كلّ الناس على حدٍّ سواء.
جاءني يوماً أحد المبلّغين وقال: لقد سُئلت اليوم أغرب مسألة. قلت: وما هي؟ قال: كلّ شيء فكّرت فيه إلاّ هذا السؤال. قلت: وما هو؟ قال: جاءني أحد الناس وسألني عن أمّ بعض الأصحاب ما اسمها؟ فقلت له: دعني أراجع المصادر، ثم عدت إليه وأجبته.
صحيح أنّ معرفة اسم أمّ بعض الأصحاب ليس من أصول الدين ولا من فروعه ولا من الأخلاقيات ولا من آداب الإسلام ولا ولا… إلا أنّ المبلّغ ينبغي أن يكون رحب الصدر حليماً. فلا فائدة في علم دون حلم بل قد يكون العلم وبالاً على صاحبه ـ لا سمح الله ـ. ونحن نقول في الدعاء: «كريم حليم ذو أناة»(10).
لا تردّ أحداً مهما كان سؤاله، بل استقبل الجميع، واحرص على أن تجيب كلاًّ بمستوى عقله.
وإذا كان الأصل في أعمالنا الاقتداء بالأئمّة المعصومين سلام الله عليهم وأنّ المتقدّم لهم مارق والمتأخّر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق ـ كما نقرأ في أدعيتنا هذه الأيّام من شهر شعبان بعد الصلوات ـ فلنفتح صدورنا إذاً لكل الناس ونشجّعهم على طرح ما يختلج في صدورهم وما يدور في أذهانهم، فهكذا كانت سيرة النبي الأعظم والأئمّة المعصومين من أهل بيته سلام الله عليهم.


:. كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم

إنّ لأسلوب المبلّغ وسلوكه أكبر الأثر في التبليغ. فمن الطبيعي أن يتناسب تأثّر الناس بنا مع أعمالنا وتصرّفاتنا وصدقنا ومطابقة عملنا لقولنا.
وليكن تعاملنا حتى مع أضعف الناس إيماناً، بنحو لا يترك لديه انطباعاً عنّا بالتكبّر. قد لا يكون الإنسان متكبّراً ولكن هذا وحده لا يكفي، بل ينبغي أن لا يترك انطباعاً يوحي بذلك أيضاً. فإنّ لطلاقة الوجه والبِشر والتواضع كما لجمال التعبير وحسن الاستماع وهكذا الحلم أثراً كبيراً في نفوس الناس يفوق تأثير الأقوال التي تنطلق عبر اللسان، وكما في المرويّ عن أبي عبدالله سلام الله عليه كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم(11).


:. الاعتدال مطلوب

صحيح، ينبغي للمبلّغ أن يكون بشّاً طلق الوجه، ولكن هذا لا يعني أن يضحك دائماً ويقهقه لأتفه الأسباب، لأنّه كما ينبغي للمبلّغ أن لا يكون عبوساً، ينبغي له أيضاً أن يكون وقوراً ولا يكون مبتذلاً. فلو أنّ شخصاً عاميّاً استخدم في عبارته إحدى العبارات السوقية الهابطة، فلا تقطّب وجهك أمامه فينفضّ من حولك، ولا تشترك معه وتضحك ضحكة طويلة وعريضة فينقلب مجلسك إلى نادٍ يُتبارى فيه بإطلاق مثل هذا النوع من الكلمات غير اللائقة.
حاول أن تنسجم مع كلّ مَن يوجّه إليك سؤالاً، فربّ شخص لا يكون له شأن أو ثقافة يهديه الله تعالى على يديك، بل ربّما يأتي يوم ترى مسجداً أو مدرسة دينية فيها حوزة علمية تخرّج منها علماء يكون قد أسّسها ذلك الشخص الذي كانت هدايته على يديك.
وكما قلت آنفاً فالعديد من العلماء والأخيار ينحدرون من أصول غير موالية لأهل البيت سلام الله عليهم وغير مؤمنة ولكن هداهم الله فأصبحوا اليوم نجوماً في سماء العقيدة والإيمان؛ ومن الأمثلة على ذلك أحد علمائنا القدامى الذين يفخر الشيخ الأنصاري رضوان الله عليه بالتلمّذ على يديه عدّة سنوات، قيل: إنّ جدّه كان شخصاً غير لائق، ولكن ابنه هداه الله على يد أحد المبلّغين، ورزق بولد صار فيما بعد أحد المراجع والعلماء الكبار، فكتابه الفقهي مازال يحظى بأهميّة بالغة في الأوساط العلميّة. فقد اُلِّفت بعده الكثير من الكتب من قِبل علمائنا كالشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.. وبعده جاء صاحب الفصول (الشيخ محمد حسين الأصفهاني) وكان معاصراً لصاحب القوانين (المحقق الميرزا أبو القاسم بن الحسن الشفتي القمّي) ومازال كتابه في القمّة.
فلو جاء إليكم شخص وكان أبوه ضالاًّ أو ظالماً في حياته ثم مات أو قُتل، فلا ترفضوا استقباله فلعلّه يهتدي على أيديكم. فإنّه لم يُسمع أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله طرد أحداً أبداً، بل حتى وحشيّ قاتل حمزة لم يزد أن قال صلى الله عليه وآله له: «غيّب وجهك عنّي»(12).


:. الخلاصة

حاولوا أن تستفيدوا من التبليغ بالأسلوب والقول جميعاً لكي تحصلوا على نتائج جيّدة. ولا تنسوا الإخلاص منذ الآن؛ فإنّ الشيطان قد يأتي أحدكم ويقول له: إذا ما أصبحتَ مبلّغاً جيّداً ونجحت في عملك فسيصبح لك مريدون مخلصون يقبّلون يديك ويرفعون الصلوات عند قدومك.
نعم، ربّما سيكون ذلك لو نجح حقّاً، ولكن لا ينبغي له أن يقوم بالتبليغ لذلك السبب، وليحاول أن لا يستحضر هذا المعنى في ذهنه أبداً، لأنّ الشيطان يحاول أن يقحم هذا الهاجس بأن يجعله كهدف في الذهن، فليحاول أن يزيحه ليربح.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا جميعاً لما هو المطلوب ولما هو مطابق لسيرة الأنبياء وأهل البيت سلام الله عليهم.

وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين


(1) سورة الأحزاب، الآية: 39.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 59.
(3) سورة الأنفال، الآية: 38.
(4) سورة الجاثية، الآية: 14.
(5) سورة الكافرون، الآية: 1.
(6) سورة طه، الآية: 1.
(7) الكافي للكليني: ج2، ص524، ح10.
(8) مستدرك الوسائل: ج4، ح17، باب تأكّد استحباب الخشوع في الصلاة، واستحضار عظمة الله، واستشعار هيبته، وأن يصلّي صلاه مودّع.
(9) وسائل الشيعة، ج4، ص196، ح10، باب جواز تأخير المغرب حتى يغيب الشفق، بل بعده لعذر، وكراهته لغير عذر.
(10) بحار الأنوار، ج37، ص204 الخطبة التي خطبها صلى الله عليه وآله في يوم الغدير بتمامها.
(11) الكافي، ج2، ص78، رقم14.
(12) شرح الأخبار للقاضي النعمان، ج3، ص231.