» الفهرست

» التغيير ممكن
» 1. تقوية الرابطة مع الله
» 2. أصلِح ما بينك وبين الناس
» 3. الاهتمام بالكيف أكثر من الكمّ
» مقارنة مفيدة
» التكرار ينفع
» 4. الاهتمام بالخطابة والكتابة


» النَص

في ضوء الآية الكريمة:

 

«ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب»

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.
قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(1).
قيل: «لكل شيء آفة وللعلم آفات» وهذا القول يؤيّده الاعتبار، أي أنّه صحيح خارجاً، فإنّنا نلاحظ في الواقع الخارجي أنّ نسبة كبيرة ممّن بدأوا طريق العلم والدراسة بإصرار وصدق وإيمان لم يواصلوا الشوط حتى نهايته، بينما النسبة الأقلّ هم الذين استطاعوا التغلّب على المشكلات الكثيرة التي تحفُّ طريق طلب العلم.
فإذا كانت المشكلات ـ فيما مضى ـ في طريق طلب العلم كثيرة، فإنّها اليوم أكثر. فأكبر مشكلة في السابق كانت تتلخّص بعدم وجود الكتاب، وكون الكتب مخطوطة، فكان طالب العلم الذي يريد أن يقتني كتاباً كالشرائع مثلاً، أمام أحد خيارات: إمّا أن يستعير نسخة خطّية أو مستنسخة ثم يقوم بنسخها من أوّل الكتاب إلى آخره؛ أو أن يدفع ثمناً باهضاً لشراء نسخة من الكتاب، وهذا لم يكن ميسوراً لأكثر الطلاّب، فلا نبالغ إذا قلنا: إنّ تسعين بالمئة منهم لم يكونوا قادرين على توفير هذا الثمن؛ أو أن يجدوا مَن يتبرّع لهم بثمن الكتاب، وهذا أصعب الخيارات وأندرها تحقّقاً.
أمّا اليوم فبإمكان غالب طلبة العلوم الدينية شراء نسخة من الكتاب الذي يريدون دراسته. إذاً يمكن القول: إنّ مشكلة صعوبة الحصول على الكتاب لم تعد اليوم موجودة.
ومن المشاكل التي كانت موجودة في السابق، وقد قلّت اليوم إلى درجة كبيرة، الحصول على مدرّس، فقد زالت هذه الصعوبة اليوم إلى حدٍّ كبير وخاصّة في الحواضر العلمية التي نعيش فيها.
لكن هناك مشكلات استجدّت ولم تكن في السابق؛ مثلاً كثرة العطل، فلم تكن بهذه الكثرة، ولم تتجاوز ـ على ما أتذكّر ـ (غير الخميس والجمعة) الحالات الأربع الآتية: شهر رمضان كلّه، وثلاثة عشر يوماً الأولى من شهر محرّم، ووفيّات ومواليد المعصومين عليهم الصلاة والسلام والأعياد الثلاثة الغدير والفطر والأضحى، ولم تكن عندنا عطلة صيفية ولا عطلة أخرى غيرها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ بعض وفيّات ومواليد المعصومين كانت تقع في أيّام الجمع ما عدا تلك التي تقع في أيّام شهر رمضان فإنّ مجموع الأيام التي كنّا نعطّل فيها الدرس لم تزد على الشهرين في السنة، ومع كلّ ذلك لم نصل إلى شيء، مع أنّنا كنا نستغلّ حتى أيام العطل في تلقّي دروسٍ خارج المنهج الحوزوي المقرّر كدروس الأخلاق والتفسير والعقائد والرياضيات والخطابة والكتابة، ولم تكن حتى ليالي الجمع وأيّامها مستثناة من ذلك.
لقد عبّأنا كلّ طاقاتنا ولم يصل أغلبنا إلى الغاية المرجوّة، فكيف بالوضع اليوم، وقد نقل لي أحد المدرّسين أنّه أحصى كلّ الأيام التي درّس فيها خلال إحدى السنوات الأخيرة فوجدها لا تزيد على التسعين!
فإذا كانت المشكلات في طريق طالب العلم كثيرة، وكان طالب العلم لا يريد صرف عمره هكذا عبثاً ثم يكتشف بعد مرور ثلاثين سنة أو ربّما خمسين سنة أنّه لم يصل إلى شيء ولم يحصل على نتيجة، فما هو الحلّ العملي للتغلّب على هذه الصعاب؟
الحلّ الجذريّ يتمثّل بالآية الكريمة: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(2). والمقصود بذكر الله تعالى في الآية ـ كما قال المفسّرون ـ الذكر اللساني والقلبي معاً. والمقصود بالذكر القلبي هو التوجّه إلى الله تعالى، فإنّ الممارسات العبادية التي نؤديها لله تعالى ينبغي أن لا تكون طقوساً جامدة، لا روح فيها، بل علينا أن نتفاعل معها، ونشعر من خلالها أنّنا نقف بين يدي الله تعالى ونؤدّي حقّ العبوديّة على أتمّ وجه.
صحيح أنّ الواجب يسقط بالامتثال وفق الشروط المذكورة في كتب الفقه، حتى مع عدم حضور الذهن والتفاعل القلبي، وأنّه لا تجب الإعادة على الشخص الذي أدّى صلاته بصورة صحيحة ـ وذلك لطف وعفو من الله عزّ وجلّ ـ ولكن النتيجة المطلوبة من العبادة لا تحصل، ولهذا فهي لا تسجّل له صلاة وكذا سائر العبادات، كما في مستفيض الأحاديث.
أي إنّ مَن اكتفى بأداء العبادة كطقس وعادة دون توجّه القلب لله، لا يحصل على نتيجة لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل قد يصبح عمله هذا وبالاً عليه كما ورد في بعض الأحاديث.


:. التغيير ممكن

نُقل أنّ الشيخ علي القمّي(3) عندما أراد الزواج ـ يوم كان شابّاً ـ طلب نوعاً من القماش الفاخر الذي كان الشباب المتأنّق في تلك الأيّام يخيطون منه بذلة الزواج ـ أو لنقل: إنّه كان قماش اليوم ـ وكان هذا القماش يُستورد من الشام. وحيث إنّ طلبة العلوم الدينية كانوا أكثر تواضعاً وبساطة في زيّهم وملبسهم من سائر الشباب، لاعتبارهم قدوة للآخرين، حاول بعض زملاء الشيخ أن يثنيه عن هذا المطلب. ولكنّه كان مصرّاً لدرجة أنّه أجّل زواجه عدة أشهر لأنّ ذلك القماش لم يوجد آنذاك في الأسواق.
وما يثير العجب أكثر أنّ هذا لم يكن حال كلّ الشباب آنذاك فما كان يهتمّ بمثل هذه المظاهر إلاّ المنهمك في الدنيا. ولا نقول: إنّه كان حراماً ولكنّه كان يعبّر عن اهتمام زائد بالدنيا، وربما كان لمّاعاً أو ما أشبه مما لا يناسب طالب العلم الديني، ولذلك كان زملاؤه يحاولون ثنيه، ولكنه كان يجيبهم بالقول: مادام غير محرّم فهو زينة والله تعالى يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾(4). وصار يوصي المسافرين إلى المدن الأخرى في العراق ككربلاء والحلّة وبغداد ولكن بحثهم كان دون جدوى، حتى اتّفق أنّ بعض أصدقائه نوى السفر إلى الشام وبعد عودته أتى له بذلك القماش، ثم تزوّج بعد ذلك!
أذكر لكم هذه القصة لتعرفوا أنّ التغيير ممكن، فإنّ هذا الشيخ نفسه بعد أن كان مستوى اهتمامه في شبابه هكذا، تحوّل تحوّلاً عجيباً حتى صار مضرب المثل في الزهد والتقوى في عامّة العراق وإيران رغم وجود العشرات بل المئات من الزهّاد والمتّقين في ذلك الزمان! فلقد سمعت قصصاً عن الشيخ علي القمّي رحمه الله أكتفي هنا بنقل اثنتين منها:
• يقول والدي رحمه الله: إنّه كان في النجف الأشرف يومذاك تسعون رسالة عملية، وهذا يعني أنّ المجتهدين كانوا بالمئات، لأنّ الذين عندهم رسائل عملية لا يشكّلون في العادة عشرة بالمئة مثلاً من كلّ المجتهدين. فهكذا كان وضع النجف وحوزتها، إذا ما استثنينا مدينة قم وكربلاء ومشهد! ولا أعلم اليوم بوجود تسعين رسالة عملية في العالم الإسلامي كلّه.
يقول الوالد: إنّه بالرغم من وجود العشرات من المراجع في النجف الأشرف في ذلك اليوم، وبالرغم من وجود المئات من أئمّة الجماعة من المتّقين والزهّاد، كان كثير من الناس والعلماء لا يطمئنّون إلاّ بالصلاة خلف الشيخ علي القمّي، لأنّه كان مسلّم العدالة عند الكلّ.
فلو كان بعض الناس يصلّون خلف فلان لكنّهم يستشكلون بالصلاة خلف فلانٍ الآخر، وكان بعض آخر يُصلّي خلف الثاني ويستشكل بالصلاة خلف الأوّل، لكنّهم جميعاً كانوا يتّفقون على عدالة الشيخ علي القمّي ويطمئنّون بالائتمام به. فما أعظم التحوّل الذي حدث في حياة هذا الرجل حتى بلغ هذه الدرجة، بعد أن كان على ما سمعتم في شبابه!
• أمّا القصّة الأخرى من القصص التي تنقل عن الشيخ علي القمّي رحمه الله فهي أنّه أُصيب في أخريات عمره بمرض حصر البول، وهو مرض مؤلم جدّاً وقد لازمه هذا المرض ـ كما ذكر لي بعض أبنائه ـ زهاء عشر سنوات حتى توفّي رحمه الله. يقول ولده: طيلة المدّة التي كنت معه لم أسمع منه كلمة آه أبداً، وكان إذا اشتدّ به الألم قال: لا «حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم»، أي أنّه كان ينفّس عن نفسه بذكر الله، وكان يأسى أن يصرف هذه الثواني من عمره في قول كلمة تنمّ عن ضجر أو جزع ولا يستثمرها في ذكر الله عزّ وجلّ، بل كان بدلاً من ذلك يُعقّب تألّمه بالذكر.
إنّ الإنسان إذا تألّم لا يمكنه إلاّ أن يقول عبائر تكشف عن مدى تألّمه، ولكن إذا ربّى نفسه تمكّن أن لا يقولها بل يقول بدلاً منها: لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
لا شكّ(5) أنّ التأوّه بنفسه ليس مذموماً بل ورد في الأحاديث أنّ المريض إذا تأوّه كتب له فيه ثواب ، ولكن لا شكّ أيضاً أنّ قول: «لا إله إلاّ الله» أكثر ثواباً، إذاً لا ينبغي أن ننهى مريضاً من التأوّه، ولكن حبّذا أن يربّي نفسه بحيث يُهلّل الله ويَحمده ويُسبّحه ويُكبّره إذا نزل به مرض أو بلاء.
فالشيخ علي القمّي استطاع أن يغيّر نفسه حتى تحوّل ذلك التحوّل الذي جعل منه قدوة في عدالته وفي ذكره لله عزّ وجلّ.


:. 1. تقوية الرابطة مع الله

إذاً فلنحاول من الآن أن ندخل في عباداتنا روح التوجّه والصدق شيئاً فشيئاً، وذلك بأن نلتفت إلى معاني العبادة، فمثلاً إذا وقفتَ بين يدي الله في الصلاة، وشرعت بقراءة سورة الفاتحة، فكّر في معاني مفردات السورة واستحضر مفاهيمها، ولا تدَع فكرك يهرب هنا وهناك، ولو حصل ذلك عُد به سريعاً ولا تدَعه يسرح، ولا تيأس لو خاتلك ذهنك مرّة أو مرّتين بل حتّى خمسين مرّة، واحرص على أن ترجعه الى حضيرته حتى يصبح حضور الذهن مَلَكة عندك، لتعي ما تقرأ وتتدبّر في المعاني، فإذا قلت: «إيّاك نعبد» استحضرت في ذهنك أنّ العبادة لله وحده وأنّك في حال أدائها، وإذا قلت: «وإيّاك نستعين» جدّدت استعانتك به في كلّ أمورك وخاصة في عبادته.
ولا شكّ أنّ الإنسان العربي يفهم معاني هذه المفردات أفضل من غيره، لأنّها بلغته وعنده انطباع عنها، فكيف إذا كان من طلاّب العلوم الدينية وقد قرأ كتب النحو والصرف والبلاغة.
فهذا هو الأساس؛ قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، والتوفيق من الله تعالى، وبمقدار تقوّي الرابطة بين الإنسان وبين الله تعالى يأتي التوفيق بنفس النسبة.


:. 2. أصلِح ما بينك وبين الناس

وعلى الإنسان أن يحرص على تقوية علاقته مع المجتمع؛ وذلك عن طريق الالتزام بالأخلاق الإسلامية كالتواضع والوقار والبِشر والكرم والعفو والرحمة وصلة الرحم.
إنّ هذه الأخلاق معروفة للجميع لاسيّما أهل العلم وهي موجودة في المجتمع المتديّن بنسب متفاوتة، ولكن المطلوب تعميقها وترسيخها والاستزادة منها. فمثلاً: حاوِل أن تخالف هواك في كلّ الأمور، فإن كنت لا ترغب في أمر ما رغم اعتقادك بصوابه، حاوِل أن تخضع له بكلّ رحابة صدر. وإن كنت مختلفاً مع صديقك وواجداً عليه، حاول أن تصله بزيارة أو بإلقاء التحيّة عليه كلّما لقيته. ولا تبتئس إن لم يقابلك بالمثل ما دمت قد ادّيت ما عليك. فإن كنت تريد أن تصبح عالِماً ومرشداً ينبغي أن تكون قدوة في الخُلق من حلم وكظم غيظ وما شابه، لا أن تثور بسرعة أو تتوتر أعصابك لأتفه الأسباب.
تصرّف أنت بالنحو الصحيح واستفد من حياتك بصورة صحيحة ولا يهمّ بعد ذلك إن كان قد استفاد الآخرون منك ومن تعاملك معهم أو لا؛ فإنّ الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾(6). ولا توجد عبارة أكثر صراحة من هذه الآية في لزوم ترويض النفس على الأخلاق الحميدة فإنّ كلمة «عليكم» اسم فعل بمعنى «الزموا»، فإن بدأتَ بنفسك فربّما اهتدى العشرات بأسلوبك.


:. 3. الاهتمام بالكيف أكثر من الكمّ

أحد الطلبة في وقتٍ كان يقول: لديّ اثنا عشر درساً في اليوم. مثل هذا لا يتمكّن أن يستفيد من الجوانب الأخرى من حياته، ولا بإمكان غيره أن يستفيد منه في تلك الجوانب إلاّ أن يكون عبقرياً ولا يكون هذا الا لمن هو استثناء من الناس.
وعلى العكس من ذلك، نقل والدي رحمه الله أنّ أحد الطلبة كان يقول: لماذا أنتم الطلبة تدرسون كلّ يوم من الصبح إلى الظهر ثم من العصر حتى الليل، وأنتم في حركة ودويّ مستمرّين، إنّ الأمر لا يتطلّب هذا المقدار، بل يكفي أن يكون لطالب العلم درس واحد أو درسان في اليوم ولا يلزم أيضاً أكثر من يومين أو ثلاثة في الأسبوع.
وهذا أيضاً لا يمكن أن يصل إلى نتيجة، فأيّ كاسب يكتفي بالذهاب إلى السوق ساعة أو ساعتين في يومين أو ثلاثة من الأسبوع فقط، ثم يصير تاجراً ويحصل على المال الوفير؟ إلاّ أن يكون تاجراً قد بلغ مرحلة يعتمد في عمله على عوامل وخطوط معيّنة، وهذا أيضاً لم يأت اعتباطاً بل لابدّ أنّه عمل في أوّل أمره ست عشرة أو ثماني عشرة ساعة في اليوم على مدار ستة أيام في الأسبوع على الأقل.
لذا، ينبغي لطالب العلم أن يوزّع الوقت بصورة مناسبة بين تحصيله العلمي وقضاء باقي احتياجاته، وليعلم أن الأمر المهم هو الكيف وليس الكمّ، وأعني بالكيف: الإتقان.
فلو درستم تاريخ حياة العظماء من العلماء كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي والمحقق الحلّي والعلاّمة الحلّي والسيد بحر العلوم والشيخ الأنصاري رحمهم الله لرأيتم أنّ اهتمامهم بالكيف ونوعية الدراسة وإتقانها كان أكثر من اهتمامهم بالكمّ.
فلو أنّك خصصتَ وقتاً لدراسة كتابين فقط في الفقه ولكن بإتقان، ستستفيد أكثر مما لو بذلته في دراسة عشرة كتب دون إتقان، بل يمكن أن يصدق لمَن يتقن كتابين تخصّصيين في الفقه أن يكون حاملاً لفقه آل محمد صلى الله عليه وآله.


:. مقارنة مفيدة

المقارنة التالية تكشف لنا عن أهمية الدقّة والإتقان وتفضيل النوع والكيف على الكمّ.
المحقّق الحلّي والعلاّمة الحلي كلاهما من أعاظم فقهاء الإسلام. ـ والمحقّق هو خال العلاّمة ـ ولهذين العلَمين كليهما كتب في الفقه. ولكن المحقّق الحلّي صبّ جهده في ثلاثة كتب هي «شرائع الإسلام» و«المختصر النافع» وهو تلخيص للشرائع نفسه، وكتاب «المعتبر» وهو فقه استدلاليّ شرحاً للمختصر النافع. أي أنّ الماتن نفسه قام بشرح كتابه، كما للمحقّق كتاب في أجوبة المسائل التي استفتي فيها.
والآن عندما تنظرون إلى الدراسات الحوزوية تلاحظون أنّ الاستفادة من كتاب «شرائع الإسلام» للمحقّق الحلّي تفوق كثيراً الاستفادة من كلّ كتب ابن أخته العلاّمة الحلّي. فهناك المئات من الشروح على كتاب «شرائع الإسلام»، ولقد رأيتُ في مكتبة واحدة بقم أكثر من مئة شرح ـ بين مخطوط ومطبوع ـ على هذا الكتاب.
لا ننكر أهميّة كتب العلاّمة، فكلّها جيدة، وعلى بعضها شروح، ومن بينها كتابه «قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام»(7)، ولكن لا شروح «القواعد» تبلغ شروح «الشرائع» ولا سلاسة الشرائع موجودة في كتاب القواعد، ولا الالتزام بالفتاوى المتقنة الموجودة في الشرائع تجدها في القواعد(8).
نستنتج مما تقدم أنّه يجب الاهتمام بكيفية الدرس، ولا نعني بذلك أن يكتفي الطالب بدروس قليلة ويترك سائر أوقاته هكذا هملاً بلا استثمار، بل المقصود الإتقان أكثر.


:. التكرار ينفع

• هناك أبيات شعرية باللغة الفارسية في النحو تسمّى العوامل المنظومة.. حفظتها في الصغر وحيث إنّ حفظي لها كان حفظاً جيداً فإلى اليوم أتذكّرها رغم مرور أكثر من خمسين سنة على ذلك.
• يوصي الشهيد الثاني رحمه الله في كتابه «منية المريد» طلاّب العلوم الدينية أن يكرّروا الدرس سبع مرات. وأنا أضمّ صوتي لما أوصى به، وإن لم تقدروا أقول لكم: كرّروا كلّ درس أربع مرّات على الأقلّ، وعلى النحو التالي:
- مرة بمطالعته والتحضير له قبل طرحه من قِبل الأستاذ، ولو مطالعة إجمالية بحيث يعلق في الذهن ولو بنسبة خمسين بالمئة، فإنّ ذلك يوجب إعطاء الفكر حرية أكثر لكي يتفرّغ للخمسين بالمئة الأخرى، بدلاً من أن يتوزّع خلال مدة الدرس على كلّ المادة. فما فُهم من خلال التحضير يمكن استسهال فهمه عند إلقاء المحاضرة، وما لم يفهم يمكن التركيز على محاولة فهمه بشكل جيّد.
- أمّا المرّة الثانية فهو الحضور في الدرس مع اليقظة والمشاركة الفعّالة في النقاش والمحاورة المستمرَّين مع الأستاذ.
- والمرة الثالثة بمراجعة الدرس الذي تلقّيته لمرّة أو أكثر حتى تستوعبه.
- أمّا المرّة الرابعة فبالمواظبة على مباحثة مادة الدرس مع زميل لك.
ينقل عن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ـ صاحب العروة الوثقى ـ أنّه راجع كتاب «الجواهر» عدّة مرّات، وذلك أنّه كان يباحث الكتاب مع زميل له مرّتين في اليوم، فكانا يتباحثان صباحاً مثلاً ثمّ يبحثان الصفحة أو الصفحات نفسها مرّة ثانية عصر ذلك اليوم.
وكان السيّد يطالع المادة نفسها مرة قبل المباحثة الأولى، ومرّة بين المباحثتين، ومرة بعد المباحثة الأخيرة.
أتدرون ماذا أثمرت هذه المطالعة السداسية لكتاب الجواهر من قِبل السيد اليزدي رحمه الله؟ لقد أثمرت كتاب «العروة الوثقى» الذي قلّ أن تجد فقيهاً له رسالة عملية دون أن يكون له إلى جانبها تعليقة على العروة. هذا مع أنّ «العروة» ليس دورة كاملة في الفقه، بل ربّما لا يحتوي على أكثر من ربع مادّة الفقه، ففيه كتاب الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والخمس وحوالي عشرة بالمئة من كتاب الحجّ، ثم كتاب المضاربة، وشذرات من باقي الكتب الأخرى، فكتاب النكاح مثلاً لا يوجد منه سوى زهاء عشرة بالمئة، أمّا كتاب البيع فلم يتطرّق إليه، كما أنّ كتب المعاملات أغلبها غير موجودة وكذا الديات والقضاء، فربّما ثلاثة أرباع الفقه غير موجودة فيه، ومع ذلك لا ترى مرجعاً لم يعلّق أو يهمّش عليه حتى المختلفين مع صاحبه من الناحية السياسية منذ ذلك الزمان وحتّى اليوم، وما ذلك إلاّ لإتقانه.
وهكذا نلاحظ أنّ كلّ مرجع يموت تموت رسالته العملية معه وكذلك تعليقته على العروة الوثقى، بينما العروة الوثقى باقية يعلّق عليها العلماء رغم مرور هذه المدّة الزمنية على وفاة صاحبها، فتكون بذلك متميّزة عن سائر الرسائل العملية.
هذه نتيجة دراسة المواد العلميّة بكيفيّة متقنة. أمّا القراءة العابرة فلا تنتج شيئاً من هذا القبيل.
قد يتعب الطالب نفسه أربع سنوات في المباحثة في كتاب الجواهر ولكنها لا تشكّل له سوى خلفية فقهية، أمّا تلك الاستفادة التي حصل عليها السيد اليزدي فلا يمكن تحصيلها إلاّ بذلك التكرار قبل المباحثة وبعدها مع الإتقان.


4. الاهتمام بالخطابة والكتابة

على طلاّب العلوم الدينية أن يهتمّوا بهذين البعدين المهمّين مبكّراً. فكلّ الأنبياء والقادة والمصلحين يتمتّعون بموهبة الخطابة، كما أنّك قلّما تجد عالِماً مبرّزاً لم يعنَ بالكتابة منذ شبابه. فالإنسان في شبابه أكثر قدرة على التركيز، والمجال مفتوح أمامه أكثر، والمشكلات التي يعاني منها أقلّ في الغالب، فغير المتزوّج مشكلاته أقلّ من المتزوّج، والمتزوّج أقلّ مشكلات ممن ليس عنده أولاد، وذو الولد الواحد مسؤوليته أقلّ من ذي الولدين، وهكذا كلّما يتقدم الإنسان بالعمر تقلّ الفرص أمامه وتكون مسؤولياته أكثر، ولهذا ينبغي المبادرة إلى تنمية هذين البعدين ـ الخطابة والكتابة ـ قبل فوات الأوان. وهاهنا ثلاث نقاط جديرة بالاهتمام:
أ. تقبّّل النقد البنّاء
بعض الأشخاص يستاء لو وُجّه نقدٌ لعمله أو إنتاجه، كما لو نُبّه على وجود أخطاء في كتابه أو أمور غير سائغة في خطابته، وبعض آخر وإن كان يتقبّل النقد إلا أنّه لا يأخذ به في تطوير قدراته، وهناك طائفة ثالثة تطالب الآخرين بالنقد وترحّب به من أجل تطوير عملها.
يُنقل أنّ صاحب «الجواهر» رحمه الله كان يطلب من تلاميذه أن يذكروا له كلّ نقد أو إشكال يأتي إلى أذهانهم على المادّة التي يلقيها عليهم في درس الخارج يومياً، ولهذا كانت دروسه تتميّز بالفاعلية والنشاط، فكان من طلاّبه من يناقش في سند الرواية التي ذكرها أستاذه، وآخر يستفسر عن صحّة اللفظ، وثالث يعترض على مداليله، ورابع يشكّك في الإجماع المدّعى مثلاً، وبهذا الأسلوب كان الشيخ الأستاذ يجمع علوم الطلبة إلى علمه.
وفي أحد الأيام لاحظ أنّ أحداً من طلابه لم يستشكل في الدرس الذي ألقاه، فتعجّب وقال لهم: لم أسمع اليوم مَن يوجّه إشكالاً أو نحوه، فهل كان ما ذكرناه اليوم وحياً منزّلاً أم ماذا؟! فأجابه بعض الطلاب: كلا، ولكنا لم نطالع الدرس ونحضّر له أمس بسبب ارتفاع درجة الحرارة وكثرة الهوامّ والحشرات؛ لذا لا علم لنا بمدى ثبوت ما ذكرت اليوم.
لم تكن كلّ الإشكالات التي توجّه لصاحب الجواهر صحيحة، لكن حتى لو كان بعضها ـ مهما قلّ ـ صحيحاً، كان ذلك فائدة للشيخ؛ إذاً فأن يسمح الإنسان للآخرين، في نقده، يوجب استفادته من وجهات النظر الصحيحة من بينها، في الاستفادة من قابليّاته وتطوير أعماله.
ب. البحث عن مدرّسين أو دورات للخطابة والكتابة
إنّ الاعتماد على الأستاذ والاستفادة من خبرته وإرشاداته والتدرّب لديه، يوجب الوصول إلى الهدف بصورة أفضل وأسرع. وينبغي عدم اليأس بسرعة من الحصول على أستاذ جيّد، فإنّه: مَن جدّ وجد.
ج‍. تخصيص جزء من الوقت لحفظ النصوص
إن حفظ الأبيات الشعرية والمنظومات القصائدية في علم من العلوم الدراسيّة، فضلاً عن الخطابة والتأليف يُبقي المطالب في الذهن أكثر، فإنّك حتى لو درست الشرائع ـ مثلاً ـ ودرّستها مرّات، قد تنسى قسماً كبيراً منها بعد مرور عشرين سنة، أمّا إذا حفظت منظومة فقهية إلى جانب ذلك، فإنّ ما يبقى في الذهن سيكون أدوم، وهكذا الحال مع الموادّ الأخرى كألفية ابن مالك في النحو، وغيرها.
أعرف مرجعاً بارزاً، لو قسّمنا الناس إلى أذكياء ومتوسّطي الذكاء ونازلي الذّكاء، ثم قسّمنا متوسّطي الذكاء إلى درجات، فلا أخاله يُعدّ ضمن الدرجات العُليا لمتوسّطي الذكاء ولكنّه مع ذلك كان مرجع تقليد معترف به، بلا إشكال، وقد بلغ هذه المرتبة بفضل حفظه المتقن للمسائل الشرعية، فهو مثلاً يحفظ أحكام الإرث وطبقاتها والمقادير والنسب التي يخصّ كلاًّ منها، وعدد الحاجبين ومَن هم، رغم أنّها متشعّبة كثيراً.. وهكذا الحال مع كلّ الفروع الفقهية حتى ذات الفروع والتشعبات الكثيرة كالزكاة والحجّ وغيرهما.
فحفظ أمّهات المسائل والأصول والخطوط العامّة حفظاً جيّداً بحيث يمكن للمرء استحضارها متى شاء، يعينه على أمره كثيراً.
على أي: إنّ ما ذُكر من هذه المطالب، إذا عمل بها طالب العلم، استطاع ـ رغم كلّ المشكلات ـ أن يحصل على نتائج في الدنيا والآخرة، وعلى رأس تلك الأمور ذكر الله تعالى باللسان والقلب، أعني التوجّه الدائم إلى الله سبحانه وتعالى، ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
أسأل الله تعالى أن يوفّقنا لذلك. وصلَّى الله على محمد وآله الطاهرين.


(1) سورة الرعد، الآية: 28.
(2) سورة الرعد، الآية: 28.
(3) كان من العلماء المعروفين في النجف، توفّي قبل أكثر من نصف قرن.
(4) سورة الأعراف، الآية: 32.
(5) عن أبي اسحاق الخزاعي، عن أبيه قال: دخلت مع أبي عبد الله عليه السلام على بعض مواليه يعوده، فرأيت الرجل يكثر من قول: آه. فقلت له: يا أخي اذكر ربك واستغث به!!
فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنّ آه اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. فمن قال: آه، فقد استغاث بالله تبارك وتعالى. بحار الأنوار: ج90، ص393، ح3.
(6) سورة المائدة، الآية: 105.
(7) «القواعد» كتاب فقهيّ كامل من كتاب الطهارة إلى كتاب الديات، وهو بحجم «الشرائع» تقريباً.
(8) هناك مدرسة في طهران اشترط واقفها على طالب العلم الذي يُعطى حجرة فيها، أن يعنى بكتاب القواعد للعلاّمة الحلّي، أي يكون جزءاً من اهتماماته وضمن منهاجه سواءً درساً أو تدريساً أو مباحثة أو شرحاً.
وعندما سئل الواقف عن سبب اشتراطه هذا الشرط، قال: رأيت أنّ هذا الكتاب الجيد مهمل والطلبة كلهم متّجهون إلى الشرائع، فأحببت أن أروّج له ليكون كالشرائع.
وهكذا يأتي اليوم بعد مرور ستمئة سنة أو أكثر ليروّج للقواعد عن طريق وقف مدرسة وإعطاء امتياز ساكنيها لمن يهتمّ بهذا الكتاب، ومع ذلك بقيت تلك الجهود بلا فائدة وبقي كتاب القواعد دون الشرائع في التداول غير منكرين أنّ القواعد هو الآخر كتاب جيّد، ولكن الشرائع أحسن منه إذا ما قارنّا بينهما، ولم يكن ذلك اعتباطاً، وستلمسون ذلك في المستقبل إن شاء الله تعالى.