» الفهرست

» الكيف هو المطلوب
» الاعتبار ببعض العلماء
» أدب العالم يكشف عن إخلاصه
» قبس من سيرة العلمين الأنصاري والشوشتري
» الناقد بصير
» مثال على محاربة النفس
» النتيجة


» النَص

في ضوء حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: «ليس العلم بالتعلّم وإنّما هو نور يقع في قلب من يريد الله أن يهديه»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.

ورد في الحديث الشريف: «ليس العلم بالتعلّم وإنّما هو نور يقع في قلب مَن يريد الله أن يهديه»(1).


:. الكيف هو المطلوب

يتناسب حظّ الإنسان في الوصول إلى غاياته مع ما يبذله من جهد غالباً؛ فالساعي وراء المال يحصل على كمّية مضاعفة لو ضاعف من ساعات عمله، وهكذا الحال في الأمور المعنوية، فإنّ مَن يتعب نفسه أكثر في سبيل العلم والمعرفة فإنّ نصيبه يكون أكبر في ذلك السبيل.
غير أنّ المائز بينهما أنّ الأمور المعنوية يعتبر الكيف فيها أهمّ من الكمّ. فلو أراد شخص مثلاً أن يكون محبوباً لدى شخص آخر، وصار يطيل الجلوس عنده؛ طمعاً في لفت انتباهه ليقرّبه إليه، فإنه ربّما يواجه بردّ فعل معاكس من قبل ذلك الشخص؛ وقد يثير بذلك أو ببعض تصرّفاته نفوره منه فيزداد بذلك بعداً عنه. فلو أنّه جلس مدّة أقصر، لكان أفضل.
وهذا يعني أنّ الأمور المعنوية يكون المقياس الأهمّ فيها هو الكيفيّة لا التعب والكمّ.
لا شكّ أنّ على طلاّب العلوم الدينية أن يجدّوا ويجتهدوا ويتعبوا أنفسهم ويفرغوا طاقاتهم في سبيل العلم، حتى قيل: إنّ لسان حال العلم لطالب العلم هو: «أعطني كلّك أُعطك بعضي».
ولاكن حيث إنّ المطلوب هو العلم النافع (وهو العلم الذي ينتفع منه طالبه كما ينتفع منه غيره، في الدنيا والآخرة). لذا كان لا يقاس بالتعب وكثرة التعليم وإن كانا مطلوبين فيه أيضاً.


:. الاعتبار ببعض العلماء

الشيخ محمد شريف المازندراني الملقّب بشريف العلماء هو أحد علمائنا الأجلاّء، عاش قبل قرن ونصف، وقيل إنّه هو أوّل مَن أسّس (أو روّج) درس «بحث الخارج»(2) في الحوزات العلمية، بالنحو الذي نعهده اليوم، حيث يبحث الأستاذ المجتهد في القرآن الكريم والتفاسير وكتب الأحاديث والدراية وأصول الفقه وكتب الرجال وغيرها وأقوال الفقهاء المختلفة ثم ينقل ما وصل إليه بحثه الفقهي إلى الطلاب الذين يحضرون درسه.
وممّا يزيد في مقام هذا الرجل أنّه بلغ مرتبة عالية في العلم وهو في عمر الشباب، فلم يعمّر أكثر من خمس وثلاثين سنة، ومع ذلك كان يحضر درسه نحو ألف مجتهد، وتخرّج عليه تلاميذ فطاحل يكفي أن نعرف أنّ من بينهم الشيخ مرتضى الأنصاري رضوان الله عليه الذي ما زالت الدراسات الحوزوية في الفقه والأصول تدور على كتبه.
وكان من تلاميذه أيضاً عالِم آخر زميل للشيخ الأنصاري وبمستواه العلمي ـ على التقريب ـ لا أريد أن أذكر اسمه لأن به مدار الاعتبار في هذه القصّة، رغم أنّه بلغ في العلم والتحقيق درجة بحيث استخرج من رواية واحدة سبعمئة قاعدة في الفقه والأصول.
قد يُتعِب العلماء أنفسهم ويأتون لاستدلالهم بطائفة من الآيات القرآنية والأحاديث والروايات مع مناقشة صارمة لأقوال الفقهاء حتى يستخرجوا قاعدة واحدة من القواعد الفقهية أو الأصولية كأصل الاستصحاب، أو أصل الصحّة، أو قاعدة التجاوز أو قاعدة الفراغ، أو البراءة أو غير ذلك؛ في حين إنّ هذا الرجل استطاع أن يستنبط من رواية واحدة ـ حسب ما جاء في حالاته ـ سبعمئة قاعدة فقهية وليس قاعدة واحدة حسب.
أمّا الرواية التي استنبط منها سبعمئة قاعدة فهي: «رأى رسول الله صلى الله عليه وآله نخامة في المسجد فمشى إليها بعرجون من عراجين ابن طاب فحكّها ثم رجع القهقرى فبنى على صلاته»(3).
ولقد نظم السيد بحر العلوم قدس سره إجمال ما يُستفاد من هذه الرواية في منظومته الفقهية وقد جاء فيها:

ومشيُ خير الخلق بابنِ طاب

يُفـتـح مــنـه أكثــر الأبـــواب

أي أنّه يمكن الاستفادة من هذه الرواية عدة أمور؛ منها ـ مثلاً ـ أنّه يجوز للمصلّي أن يمشي وهو في حال الصلاة، ومنها أنّه يجوز له أن ينحني لا بقصد الركوع لحمل شيء أو وضع شيء وتبقى صلاته صحيحة، وهكذا.
فالسيد بحر العلوم هو أستاذ الشيخ جعفر كاشف الغطاء الذي تلمّذ عليه شريف العلماء أستاذ الشيخ الأنصاري وزميله (محلّ الاعتبار في القصّة) والذي يُذكر أنّه أخذ هذا المعنى من حديث الإمام الصادق عليه السلام الذي قال: «هذا يفتح من الصلاة أبواباً كثيرة» وأخذه السيد بحر العلوم في منظومته الفقهيّة، وأخذه هذا العالم ايضاً وتوسّع فيه وتعمّق زماناً حتى استخرج منه سبعمئة قاعدة في الفقه والأصول، فهل يُشكّ في علميّته بعد ذلك؟!
إنّنا لم نسمع مثل هذا التعمّق حتى عن الشيخ الأنصاري مع أنّهما كانا زميلين يحضران درس أستاذ واحد في وقت واحد ويجلسان معاً تحت منبر واحد. ولكن العجيب أنّ هذا العالِم وإن كان اسمه باقياً لكن علمه فُقد ولم نعرف له وجوداً بينما علوم الشيخ الأنصاري ملأت الحوزات العلمية يتلقّاها الطلاّب جيلاً بعد جيل.
وهنا محلّ العبرة. فأين التعب الذي تعبه ذلك العالِم؟ ولماذا لم يعُد له عين ولا أثر. أنا شخصياً عندما قرأت ذلك في سيرة حياته بحثت كثيراً لعلّي أعثر على كتابه أو إفاداته ولكن دون جدوى.
أمّا الشيخ الأنصاري رضوان الله عليه فحتى الكرّاس الصغير الذي كتبه في العدالة، قد لا تجد فقيهاً لا يشير إليه عند بحثه في باب العدالة رغم صغر حجمه ومرور أكثر من مئة سنة عليه، ولكن بقي مع ذلك مصدراً يشار إليه، بينما ذهب علم ذلك العالِم بذهابه! مع أنّه كان عبقرياً في فكره، وما أصعب أن يُستنبط من الحديث المذكور آنفاً سبعمئة مسألة فكيف بسبعمئة قاعدة، ولم يبلغنا أنّ أحداً من العلماء الكبار الذين نقلوا هذا الحديث إلينا منذ ألف سنة ـ كالشيخ المفيد والشيخ الكليني والشيخ الطوسي والعلاّمة الحلّي والمحقق الحلّي والعلاّمة المجلسي رضوان الله عليهم أجمعين ـ استنبط منه سبعمئة قاعدة.
فلماذا إذاً لم يبق هذا العلم وذهبت أتعاب ذلك العالِم دون أن تصل إلينا؟ إذا أردتم أن تعرفوا الجواب فسأذكر لكم قصّة أخرى عنه ذُكرت في سيرته أيضاً ولعلّها السبب في الحيلولة دون وصول علومه للأجيال التي تلته.
ممّا يروى في أحوال شريف العلماء رضوان الله عليه أنّه كان يستغلّ كلّ أوقاته في مجال العلم، بل حتى أوقات سفره لم تكن ترفيهية محضة، بل كان إذا أراد السفر أخبر تلاميذه ليرافقه جماعة منهم لكي يستثمروا الزمن الذي يقطعونه في السفر بالبحث والنقاش العلمي المثمر.
وفي إحدى سفراته لزيارة الإمامين العسكريين سلام الله عليهما ومقام الحجّة المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف في سامراء المشرّفة ـ مروراً بالإمامين الكاظمين سلام الله عليهما في بغداد ـ اكترى تلاميذه الدوابّ والخيام وأخذوا معهم الغذاء والماء استعداداً للسفر، وتحرّكوا في مجمع علميّ ـ أو قل مدرسة متنقّلة ـ من كربلاء المقدّسة(4) إلى الكاظمية ومنها إلى سامرّاء المشرّفتين. وكانوا كلّما نصبوا في الطريق خيامهم للاستراحة وتناول الغذاء وما أشبه، طرح شريف العلماء بحثاً بينهم للمناقشة.
يقول الراوي: عندما خيّموا في إحدى المناطق على طريق سامرّاء، وكانت الخيام قد بلغت العشرات، وكلّ جماعة في خيمة، يستفيدون من وقت استراحتهم في النقاش العلمي، وبينما هم كذلك إذ احتدم النقاش بين صاحب السبعمئة استنباط من رواية واحدة وبين تلميذ آخر من تلاميذ شريف العلماء، ولكن النقاش خرج عن الطور العلمي وتحوّل إلى صراخ فسباب فعراك، وفرّ محاوره من خيمته وجاء ليلوذ بخيمة أستاذهم شريف العلماء، لكن صاحبنا (العالِم!) حمل عليه بالسكين حيث ملاذه مما حدا بالأستاذ لأن ينهره ويردعه، وعند ذلك خجل وانسحب!
ربما لهذه الأسباب لم تعد قواعد هذا العالم وعلومه موجودة، أمّا آثار الشيخ الأنصاري فقد بقيت متلألئة وغير بالية؟!


:. أدب العالم يكشف عن إخلاصه

إذا أردتم أن تزدادوا معرفة بالأسباب التي ميّزت الشيخ الأنصاري عن غيره، فانظروا إلى عباراته في ردوده على مَن لا يتّفق معه في الرأي ـ كما تظهر في كتبه كالمكاسب والرسائل وغيرهما ـ وقارنوها بعبارات الردود الأخرى التي تلاحظونها عند غيره، سواء في ذلك علماء العربية أو الفقه والأصول أو سائر العلوم.
إنّ الشيخ رضوان الله عليه يردّ بأدب بالغ وتواضع جمّ، فتراه رغم قناعته التامّة بصواب رأيه وخطأ رأي المقابل، لا يستخدم ألفاظاً من قبيل: «خطأ» أو «اشتباه» أو «سوء فهم» أو «قبيح» أو ما أشبه بل يستعمل عبارات من قبيل: «هذا ما أفهمه»، أو «يرِد عليه كذا». أي كان يردّ على الرأي ولا يذكر صاحبه.
حدّثني أحد العلماء المعاصرين، قال: كنت في شبابي أحضر درس الأستاذ الفلاني ـ وسمّاه ـ لكنّي بعد مدّة انقطعتُ عن الحضور، ثم لقيني الأستاذ ذات مرّة وسألني عن سبب غيبتي، فقلت له: شبهة حصلت عندي. قال: وما هي؟ قلت: لأنّكم عندما تناقشون الرأي المخالف لرأيكم تناقشونه بأسلوب يترك لدى السامع انطباعاً أنّ صاحب ذلك الرأي رجل عاديّ وليس عالِماً أصلاً، أي يخلق عنده تشكيكاً بعلميّته؛ حتى لو كان الشيخ الطوسي أو الشيخ المفيد أو العلاّمة الحلّي أو الشيخ الأنصاري رحمهم الله. فخشيت أن يتزلزل اعتقادي بعلم كلّ العلماء جرّاء ذلك، ولذلك انسحبت وتخلّيت عن الحضور في مجلس درسك!
ثم أضاف ذلك العالم الذي حدّثني بهذه القضية، قائلاً: كنّا نحضر درس آية الله البروجردي رضوان الله عليه، فكان إذا أراد أن يردّ علَماً قال: لا أدري هل هذا ما يقصده الشيخ الفلاني ـ مثلاً ـ من عبارته؟ أو: لعلّ عبارة الشيخ قاصرة عن إفادة مطلبه، أو: لعلّي غير ملتفت لأبعاد رأيه.. وهكذا. فكان يعظّمه في نظرنا أوّلاً ثم يبيّن لنا رأيه المخالف بعبارات من قبيل: يبدو لي كذا، أو أرى أنّ الصحيح كذا، والعلم عند الله. فكنّا ننفضّ من مجلس آية الله البروجردي معتقدين بصواب رأيه، دون أن تتزعزع في أنظارنا المكانة العلمية للعلماء الآخرين.
فما أكثر القصص في هذا المجال وما أكثر العِبَر.
فعلى طالب العلم أن يتعب نفسه قدر الإمكان في سبيل الدراسة والعلم، ولا يكون كسولاً أو خاملاً بل يعبّئ كلّ طاقاته، كما يجب عليه ـ مع ذلك ـ أن لا يغفل عمّن يعطي لهذه الأتعاب قيمتها، وهو أن ينظر الله إليه بعين رعايته، فمن دون هذه النظرة لا فائدة من كثرة التعلّم. وليس المقصود ترك الدراسة، بل القصد أنّ الدراسة وحدها غير كافية وإنّما هي إحدى الأعمدة لرقيّ الإنسان وتقدّمه، مادام يصحبها بمكارم الأخلاق وحسن الأدب.


:. قبس من سيرة العلمين الأنصاري والشوشتري

كان السيد على الشوشتري من تلاميذ الشيخ الأنصاري، وفي كلّ أسبوع كان له يوم يلقي فيه درسَ أخلاق، فكان الشيخ الأنصاري يحضر درسه الأخلاقي! فما أعظم تواضع الشيخ! ابحثوا في كلّ كتب التاريخ هل تجدون مثل هذا الأدب ومثل هذا النكران للذات؟ ولو وُجدت حالة مشابهة فتظلّ مع ذلك من الحالات النادرة؛ فعلى الرغم من أنّ الشيخ الأنصاري كان مرجعاً عامّاً للشيعة، مع ذلك كان يحضر درس الأخلاق لدى تلميذه السيد الشوشتري، ممّا يدلّ على أنّه وضع «الأنا» جانباً، الأمر الذي نفهم من خلاله أنّ الشيخ الأنصاري لم يكن ليُعرف بالشيخ الأعظم اعتباطاً ولا صار كذلك بعلمه فقط، بل بالتسديد الذي يكون لأمثاله، من الملأ الأعلى نتيجة لما روّض نفسه.
كما ينقل التاريخ أنّه حلّ وباء حينذاك بمدينة النجف الأشرف، وكان مَن يُبتلى به يموت عادة، وكان السيد الشوشتري واحداً من الذين أصابهم الوباء، فأعجزه عن حضور درسه الأخلاقي، وبعد أن أنهى الشيخ الأنصاري درسه في أحد الأيام قيل له: إنّ السيد علي الشوشتري قد ابتلي بالوباء، فعزم مع بعض تلاميذه على زيارته وعيادته. وعندما استقرّ بهم المقام عند السيد الشوشتري ـ وكان أستاذاً أخلاقياً ألزم الشيخ الأنصاري نفسه بحضور درسه مع أنّه كان أستاذه في الفقه ومرجع عصره، كما ذكرنا ـ التفت السيد الشوشتري للشيخ الأنصاري وقال له: إنّي ميّت اليوم أو غداً ولي عندك رجاء وطلب، وهو أن تتولّى أنت الصلاة على جنازتي إذا أنا متُّ.
فحاول الشيخ أن يطمْئنَ السيد ويطيّب خاطره قائلاً له: لا تقل ذلك، ستشفى إن شاء الله وتعود للدرس فنحضر درسك ثانية.
ولكن السيّد عاد في طلبه قائلاً: لا تبتعد عن الموضوع، إنّ هذه وصيّتي لك وأطلب منك تنفيذها.
لم يقبل الشيخ الأنصاري بالوصية وظلّ يتعلّل، ويؤمّله ويدعو له ويقول ملاطفاً: ليس كلّ مَن يُبتلى بالوباء يموت حتماً. ولكن السيد الشوشتري رغم ذلك كان يصرّ على الشيخ ولم يتخلّ عن طلبه.
حقّاً عندما ينظر المرء إلى هذين العظيمين ثم ينظر إلى نفسه، يدرك السرّ في لطف الله بهما وإفاضته ما أفاض عليهما.
لقد كان الشيخ الأنصاري يصلّي ـ في العادة ـ على الأموات، فما الذي يمنعه من استجابة طلب السيد الشوشتري؟
عندما أصرّ السيد الشوشتري، قال الشيخ الأنصاري في جوابه: لقد سألتُ الله تعالى أن تكون أنت الذي تصلّي على جنازتي، واستجاب الله دعائي!
لا غرابة في دعاء الشيخ الأنصاري سائلاً من الله تعالى ما سأل، فهذا أمر مفهوم بالنسبة لنا، ولكن المثير للتأمّل هو قوله: «واستجاب الله دعائي»؛ فكيف عرف ذلك؟
من الواضح أنّ هذا لا يحصل بالتعب وحده وصرف مزيد من الوقت، ولا يأتي نتيجة الدراسة وحدها مهما بلغت، بقدر ما يأتي باقتلاع صفة الـ «أنا» من النفس وأن يحاول الإنسان إصلاح نيّته، لا أن يكون باعثُه الحقيقي من العمل والسعي أن يُنشر اسمه في الأرجاء أو تتناقله الألسن، أو تُجبى إليه الأموال أو تُقبَّل يداه أو يقوم له الناس في حلّه وترحاله، وإن خطر إلى ذهنه شيء من ذلك القبيل أنَّب نفسه وعاد إلى ربّه.


:. الناقد بصير

قد ينجح الإنسان في غشّ من لم يعرف نواياه وما يدور في ذهنه، ولكن هيهات أن يغشَّ من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور(5).
وإذا كنّا نتعامل فيما بيننا حسب قناعتنا الشخصية فلا نساوي بين مَن يخلص إلينا ومَن يغشّنا، فلماذا نعترض على الله تعالى أن يعاملنا كذلك؟!
فمثلاً: لو أقسم لك شخصٌ أنّي مخلص لك، ولكنّك لم تكن مقتنعاً بصدقه؛ لما ترى من سلوكه أو ما تخبره من نواياه، أفتعامله معاملة مَن تعتقد إخلاصه؟ كلاّ، قد تتظاهر معه وتجامله وتعامله بالمثل، ولكنّك في اللحظات المصيرية والمواقف الحسّاسة سوف تعامله حسب قناعتك، فإن كنت شاكّاً به، فإنّك لا تودعه أسرارك، ولو سألك عن السبب، فستحوّل مجرى الكلام، فالحقيقة هي أنّك لا تثق به.
فإذا كانت هذه موازيننا في تعامل بعضنا مع بعض ونرى أنّها حق، فلماذا نعترض على الله في الحقّ نفسه، فنتوقّع أن يعاملنا معاملة المخلِصين ونحن لم نخلص له في نوايانا؟! لا شكّ أنّ الله لا يساوي بين المخلص وغيره، فهل يستوي مَن يعمل وهدفه منافع دنيوية ـ أعمّ من أن تكون مالاً أو شهرة وسمعة أو شيئاً آخرـ ومَن يكون عمله خالصاً لله وحده، ولا يفكّر في سواه؟
وقد يُسأل: إذا كان العلم نوراً ـ كما ورد في الحديث(6) ـ فلماذا لا يقذفه الله في قلوب العباد كافّة، مع أنّ الله سبحانه وتعالى لا ينقصه الفيض ويداه مبسوطتان؟ إنّ أيّاً منا إذا أنفق، نقص منه شيء لا محالة، حتى لو أنّه بذل نصف ساعة من الوقت في تدريس أو محاضرة فإنّ ذلك يعني نقصان نصف ساعة من عمره، وكذا لو أعطى مالاً مهما قلّ فإنّه يعني نقصان أمواله بذلك المقدار، أمّا الله سبحانه وتعالى فلا ينقص من ملكه شيء مهما أعطى. إذاً لماذا لا يقذف نور العلم في قلوب كلّ عباده؟
لأنّ «الناقد (أي الذي يتولّى النقد) بصير»(7) أي يميّز بين المخلص وغيره، فيعطي مَن يخلص له ما لا يعطي غيره.
و«البصير» صيغة مبالغة لأنّه على وزن «فعيل» كما في ألفية ابن مالك:

فعـال أو مــفعال أو فـــعول

في كثــرة عن فاعل بديل

فيستحقّ ما له من عمل

وفــي فعيـــل قل ذا وفعل

ومع ذلك وردت الكلمة مكرّرة؛ زيادة في التوكيد والمبالغة. فكيف نغفل عن هذه الحقائق ونتصوّر أنّا نخلص عندما نتظاهر بأنّ أعمالنا لله، مع أنّنا نخدع أنفسنا في الواقع ولم نعمل لله؟!
ومن هنا نستطيع أن نفهم السرّ الذي انتشرت به كتب الشيخ الأنصاري، وبقي اسمه، وكذلك سرّ ما قاله للسيد الشوشتري: إنّ الله استجاب دعائي، والكيفية التي أدرك بواسطتها أنّ الله قد استجاب دعاءه.
وبالفعل قد وقع ما قاله الشيخ الأنصاري، فقد شفى الله السيد الشوشتري وتحسّنت حالته واستأنف الدرس والتدريس، فحضر الشيخ الأنصاري محاضراته الأخلاقية، واستمرّ يدرس عند الشيخ الأنصاري إلى أن توفّي الشيخ بعد مدّة وصلّى السيّد على جنازته، كما أخبر الشيخ قدس سره.
فهل لله تعالى صداقة تربطه مع بعض عباده كالشيخ الأنصاري ليميّزه هكذا اعتباطاً؟ أم أنّ الشيخ الأنصاري ـ وهذا هو الصحيح ـ أخلص لله تعالى فكافأه الله كذلك؟ وبتعبير آخر: إنّ الشيخ الأنصاري عرف الطريق المؤدّي إلى الله تعالى وسلكه، وهو طريق الإخلاص، المقترن بنكران الذات والتخلّي عن الأنا وتوابعها. وكلّ مَن أراد أن يصل إلى ما وصل إليه الشيخ الأنصاري فعليه أن يسلك الطريق نفسه، فكما أنّ مَن يريد كسب المال ينظر إلى الناجحين في هذا المضمار فيذهب إلى السوق ويبيع ويشتري ويتعب نفسه في هذا الطريق فيصل إلى مقصوده، أو مَن يريد أن يكون مدرّساً ناجحاً أو طبيباً حاذقاً أو خطيباً مفوّهاً وهكذا في كلّ شؤون الحياة يقتفي أثر الناجحين في ذلك المضمار ويسلك طريقهم لكي يصل إلى ما وصلوا إليه، هكذا مَن أراد أن يكون مستجاب الدعوة ويعرف ذلك من نفسه فليحذُ حذو الشيخ الأنصاري فيقرأ سيرته ويطبّقها على نفسه، فلقد كان رحمه الله النموذج الناجح في هذا المجال.
وحياة الشيخ الأنصاري ـ كما تظهر لمن تتبعها ـ فيها بندان؛ البند الأوّل: العلم، والبند الثاني الصدق مع الله، المتمثّل بصدق الفطرة وصدق الوجدان وصدق القلب وصدق النية.
فما أدرانا ـ والله تعالى العالم ـ بعدد الدعوات التي دعا بها الشيخ الأنصاري وعلِمَ من الله استجابتها، ولكنّ الشيخ الأنصاري لم يصرّح بها، بل لولا اضطراره في المورد المذكور آنفاً لما ذكر ذلك أيضاً، ولكن إصرار السيد الشوشتري وهو في حالة خاصّة ألجأت الشيخ الأنصاري للتصريح بهذه الحقيقة.
أمّا لماذا لم يخبر الله عامّة الناس في حال استجابته دعوتهم كما أخبر الشيخ الأنصاري؟ فلعلّه لو أنّ شخصاً من أمثالنا كان يعلم عن طريق الغيب بحادثة ستقع في المستقبل لما استطاع الكتمان بل من المرجّح أنّه كان سيجعل من الأمر سوقاً رائجة لنفسه، فلا يدَع أحداً إلاّ وأخبره، طمعاً في اشتهاره بين الناس، بينما لا يكترث مثل الشيخ الأنصاري إن عرفه الناس أم لم يعرفوه، فلا تزيده معرفة مَن لم يعرفه عزّة ولا جهل مَن جهله وحشة.
أمّا البند الثاني في حياة الشيخ الأنصاري فهو ذاك الذي ضيّعهُ زميله ذو السبعمئة قاعدة؛ فضيّع بإضاعته له كلّ تعبه وآثاره وبقيت آثار الشيخ الأنصاري بحيث لا تجد كتاباً في الفقه والأصول إلاّ وفيه ذكر للشيخ الأنصاري، ولا تحضر درس الخارج في الفقه والأصول لدى أيّ أستاذ إلاّ وتسمع فيه اسم الشيخ الأنصاري يُذكر مقروناً بالإجلال والاحترام.
إنّ للفقه والأصول والنحو والصرف والبلاغة والمنطق والفلسفة وغيرها من العلوم كتباً خاصة، أمّا الصدق مع الله فلا يدرَّس في الكتب، وإنّما يتلخّص في شيء واحد، وهو التخلّص من عقدة الـ «أنا» وهذا أمر لا يخلو من صعوبة ولكنه في الوقت نفسه ممكن تطبيقه، ولا يعني ذلك أن تذلّ نفسك عند هذا أو ذاك، بل المطلوب أن تُشعر قلبك أنّك محتاج إلى الله دوماً وأنّ الآخرين غير قادرين على أن ينفعوك بشيء لم يُرده الله، ولا أن يضرّوك إلاّ بإذن الله، فتقطع أمَلك عمّا سوى الله، وبعدها لا تعود تفكّر في نيل الحظوة عند الناس، وأن تحذر الشيطان دوماً فإنّك قد تريد الخلاص من هاوية فيرديك في هاوية أخرى، فمثلاً تريد أن تتواضع وتتخلّى عن الكبر فإذا به يوقعك في الذلّ والهوان.
إذاً، ليس المقصود من التخلّي عن «الأنا» امتهان الذات، بل المقصود أن لا يكون العمل لله وحده. فلو أصبح مدرّساً أو خطيباً أو إمام جماعة في يوم من الأيام، فعليه أن يضع «الأنا» جانباً وبقناعة، لا أن يتظاهر بذلك وقلبه ممتلئ تكبّراً وحُبّاً للظهور.


:. مثال على محاربة النفس

يحكى أنّ أحد العلماء الزهّاد سافر إلى بلد ما، وكان معروفاً فطلب منه أهل ذلك البلد أن يؤمّهم في الجماعة طيلة المدّة التي يقيمها عندهم، فلبّى طلبهم وذهب ليصلّي في المكان المقرّر، وكان المصلّى بعيداً عن بيته فاستقلّ دابّته واتّجه لأداء الصلاة، ولكن الدابّة عثرت به وسط الطريق فسقط وشجّ رأسه، فعادوا به إلى البيت، وضمّدوا رأسه، ومكث في البيت مدّة لا يستطيع الخروج فيؤمّ المصلين.
وبلغه خلال هذه المدّة أنّ الحسّاد الذين كانوا منزعجين ومتضايقين أن يكون هو الإمام قد أشاعوا بين الناس أنّ الشيخ قد جُنّ على أثر الضربة التي أصابت رأسه عندما عثرت به الدابّة!
وخبر كهذا عادةً ما يكون ثقيلاً على الشخص؛ فبعد خمسين سنة من التعب والدراسة وعناء الاستقامة ثم يقال عنه: مجنون، وانطلاء التهمة على كثير من الناس، لأنّ بعض صور الحدث كالسقوط وشجّ الرأس إضافة إلى عدم حضوره للصلاة، يقوّي ميل بعض الناس للتصديق بمثل هذه الإشاعات.
وتماثل الشيخ للشفاء فعاده بعض أصدقائه وعرضوا عليه أن يعود ويلبّي طلبهم في امامة الجماعة، وطمأنوه أنّ الإشاعة لم تؤثّر في الناس. واستجاب الشيخ وركب دابّته متّجهاً إلى المقصد، فرأى الناس مجتمعين بأعداد غفيرة على جانبي الطريق لاستقباله، فتوقّف قليلاً ثم طلب من مرافقيه أن يسمحوا له بالعودة إلى بيته لأنّه انصرف عن عزمه في إمامة المصلّين، ولم تنفع معه توسّلات المتوسّلين وقولهم له أنّ الناس ينتظرونه ولا يصحّ منه التراجع، واكتفى بالقول أنّ حاله ليس على ما يرام وأنّه لا يستطيع الاستجابة.
وبعد أن عاد إلى البيت جاءه بعض أصدقائه المقرّبين وسألوه عن السبب الذي دعاه للانصراف، وأصرّوا عليه في ذلك. فقال في جوابهم: عندما خرجت من البيت متّجهاً لأداء الصلاة، ورأيت الألوف من الناس بانتظاري قلت مع نفسي: أين أولئك الذين أشاعوا أنّني صرت مجنوناً؟ فليأتوا ويروا بأمّ أعينهم كيف أنّ الجماهير لم تصدّق بأكاذيبهم ولم تؤثّر فيها إشاعاتهم، وها هي تستقبلني بالألوف.
يقول: انتبهتُ فجأة وخاطبتُ نفسي قائلاً: يا شيخ! أتصلّي لله أم للناس؟! فقرّرت أن لا أحضر تلك الصلاة.
إنّ نكران الذات والإخلاص لله تعالى هو الانتباه لمثل هذه الحالات، فإنّ هذا العالم رفض أن يؤمّ المصلّين الذين كانوا بانتظاره لمجرّد أنّ خاطراً شيطانياً خطر إلى ذهنه، فحاربه لأنّه كان يدرك أنّ هذا هو الذي يهدم كلَّ ما بناه.
ومن هنا نفهم قول الإمام السجاد سلام الله عليه: «إنّ العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه من الله إلاّ بعداً»(8). فإن كان العلم موجوداً ـ وهو نتيجة أتعاب خمسين سنة أو أكثر ـ ولكنّه كان من دون عمل فإنّه سيكون وبالاً على صاحبه. ولا نعني بالعمل أداء المستحبّات ـ فضلاً عن الواجبات ـ كصلاة الليل وزيارة المعصوم وإن كانت مطلوبة أيضاً، وإنّما المقصود اتّخاذ الموقف الصحيح المستند إلى العلم، كما في المثال المذكور آنفاً، وإلاّ لو خُلّينا والفهم السطحي للحديث فإنّ ذلك العالم كان تاركاً للعمل المستحبّ وهو إمامة الجماعة، ولكن الحقيقة أنّه كان يعرف أنّ في عدم الذهاب محاربة لنفسه وعدم الاستجابة لخواطرها الشيطانية، وهذا هو المقصود بالعمل في قول الإمام سلام الله عليه. فليكن الإنسان الحكم على نفسه ـ وكلّ إنسان على نفسه بصيرة(9)ـ وليفكّر بعقله ويستنبط الموقف الصحيح ويحاول أن يُطبّقه على نفسه، على قدر تشخيصه ووسعه ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ مَا آتَاهَا(10) ـ فإنّ الله لم يُرد من الشيخ الأنصاري مثلاً إلاّ بالمقدار الذي كان يشعر به ويتوصّل إليه، وكذلك لا يريد منكم إلاّ المقدار الذي تتوصّلون إليه ـ إنّما المهمّ أن يطبّق على نفسه متحرّياً الإخلاص في كلّ حال وأن لا يكون همّه الناس وما سوى الله، وأن يَعلم بعد ذلك «أنّ الله يغفر للجاهل سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالِم ذنباً واحداً»(11). وليس المقصود بالعالِم أن يكون مرجعاً للتقليد بل كلٌّ مشمول بهذا الحديث على قدره.


:. النتيجة

لقد ترك كلّ منكم وراءه العشرات بل المئات من القضايا والاحتياجات المالية والعائلية والاجتماعية وغيرها، وغضّ النظر عن أمور مختلفة، كلّ ذلك في سبيل العلم، ونِعم ما تفعلون، وأبارك لكم هذا التوفيق، وحقّاً إنّه لتوفيق عظيم. فما أكثر الناس المحرومين من هذا التوفيق الذي وفّقكم الله له، ولكن حاولوا أن تستفيدوا من هذا العناء وهذه التضحيات، واعلموا أنّ ذلك لا يتأتّى عن طريق العلم وحده، فليس بالعلم الاكتسابي فقط تُنال الدرجات، بل العلم الحقيقي هو ذلك النور الذي يقذفه الله عزّ وجلّ في قلب من أراد الله أن يهديه.
المطلوب أن لا يستعظم الإنسان نفسه إذا ازداد علماً، بل يكون في اليوم الذي يدرس فيه كتب المقدّمات، نفسه في اليوم الذي يصبح فيه مرجعاً للتقليد أو مدرّساً كبيراً في الحوزة العلمية أو غير ذلك.
قد يكون الإنسان ذكيّاً ولا يدَع أحداً من الناس يعلم أنّ فيه كبراً مثلاً، لكنّه هو يعلم ذلك من نفسه لو كان، والله أعلم بما في نفوسنا، وكما ورد في وصية لقمان لابنه: «الناقد بصير» وإنّه سيكافَأ كلٌّ منّا على قدر إخلاصه الذي يثبت عند الله وليس الذي يدّعيه الشخص، ولذلك اُعطِي الشيخ الأنصاري ما اضطرّ إلى التصريح ببعضه مرّة ـ في قصة السيد علي الشوشتري كما تقدّم ـ فهل نكون كذلك أم نصاب ـ لا سمح الله ـ بالغرور الذي يُنسي ذكر الله تعالى.


(1) منية المريد للشهيد الثاني، ص167.
(2) درس البحث الخارج هو مرحلة عليا، في الدراسات الحوزويّة.
(3) وسائل الشيعة: ج5، ص191. وابن طاب: نوع من تمر المدينة، والعرجون عذق النخلة اليابس.
(4) كان شريف العلماء يسكن في مدينة كربلاء المقدّسة، وكانت كربلاء في ذلك العصر ـ على ما روى الشيخ المظفّر رحمه الله ـ تحتضن أكبر حوزة علمية للشيعة على وجه الأرض، وبعد وفاة شريف العلماء انتقلت الحوزة إلى مدينة النجف الأشرف، وكان الشيخ الأنصاري ممّن هاجر إليها.
(5) اقتباس من قوله تعالى: «يعلم خائنة الأعين...» سورة غافر، الآية 19.
(6) انظر خلاصة عبقات الأنوار: ج1، ص114.
(7) انظر الاختصاص للمفيد، ص341، من وصايا لقمان الحكيم لإبنه.
(8) بحار الأنوار: ج14، ص319.
(9) اقتباس من قوله تعالى: «بل الإنسان على نفسه بصيرة» سورة القيامة، الآية: 14.
(10) سورة الطلاق، الآية: 7.
(11) سعد السعود، علي بن طاووس الحلي، ص78.