في ضوء حديث النبـي الأكرم صلى الله عليه وآله: |
|
«العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء من الأخيار» |
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: العلم نور
يقذفه الله في قلب مَن يشاء من الأخيار(1).
ينبغي لأهل العلم أن يعرفوا أنّ الدراسة شيء والعلم
شيء آخر، فإنّ الدراسة مهما كانت واسعة وعميقة
ومستوعبة فإنّما تصلح بحدّ ذاتها أن تكون مقدّمة للعلم
فقط. فلو أنّ شخصاً درس عشرات السنوات وتعلّم العربية
والمنطق والفقه والأصول والفلسفة والبلاغة و… فقد حصل
على معلومات، أمّا العلم الذي يريده الله وتواترت
الأحاديث الشريفة في فضله، فهو ذلك النور الذي يقذفه
الله في قلب مَن يشاء؛ والله تعالى يقول: ﴿وَمَن
لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن
نُّورٍ﴾(2).
قد يكون شخص عالي الذكاء وكثير الدراسة ويعرف أموراً
كثيرة، أمّا أن يُكتب عالِماً عند الله ـ وحسب ما وردت
به الأحاديث الشريفة ـ فليس بالضرورة؛ فقد نقل في
الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «فضل
العالم على العابد كفضلي على أدناكم»(3)، فهل يعقل
أن يكون هذا الفضل العظيم لصاحب المعلومات الكثيرة
فقط؟!
إنّ التحصيل العلمي مقدّمة لحصول الإنسان على مطلق
العلم. أمّا ذلك النور نفسه ـ وهو ما تريده الأحاديث
الشريفة ـ فهو شيء آخر، وهو من قبيل ما يدرَك ولا
يوصف، ويمكن تقريبه للذهن من خلال هذا المثال: وهو
الفرق بين المأكل اللذيذ واللذّة؛ فإنّ الأوّل مقدّمة
للثاني، وليس بالضرورة أن تتحقق اللذّة كلّما توفر
الأكل اللذيذ. كما لو جلس شخص إلى مائدة فيها ألذّ
أنواع الطعام ولكنّه كان مشغول البال أو يعصره ألم
شديد لدرجة أنّه لا يدري ما يأكل، فهل مثل هذا الشخص
تتحقق له لذّة من تناول الأكل، مهما كانت لذّته؟ في
حين إنّ الإنسان قد يلتذّ أحياناً بتناول طعام بسيط
كالخبز والملح، ويشعر نتيجة ذلك بلذّة عظيمة إذا كان
جائعاً ومرتاح البال.
فكما أنّ هذه اللذّة قد تتحقّق عن طريق الطعام اللذيذ
وقد لا تتحقّق، بل قد تتحقّق في طعام بسيط، فكذلك حال
العلم. فربّ إنسان أصبح عالِماً من خلال معلومات أقلّ
من تلك التي انطوى عليها شخص آخر ولم يصبح الآخر كذلك،
بل ربّما كان هناك شخص عنده معلومات كثيرة جداً ولكن
لا يصدق عليه أنّه عالم؛ ممّا ركبه من هوى نفسه
فاستلبه كلّ علمه، فلا عاد يشعر به، فكان من الغاوين؛
قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ
آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ
الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾(4).
إذاً، العلم ـ كما يستفاد من الأحاديث ـ هو أن يلتزم
الإنسان بما عَلِمه جيّداً «من عمل بما يعلم ورّثه
الله علم ما لا يعلم»(5)، فإن لم يحصل هذا عند
الإنسان فذلك النور لا يحصل، وتبقى معلوماته مجرّد
قدرة وإمكانية محدودتين كالمال والسلطة و…
فكما أنّ السلطة والمال يكسبان صاحبهما مكانة وشخصية
خاصّة فكذلك حال صاحب المعلومات ـ ومَن يُصطلح عليه بـ
«عالم» تجوّزاً ـ إذا لم يكن عنده ذلك النور الذي
عبّرت عنه الأحاديث بأنّه «يقذفه الله في قلب مَن
يشاء»، ومشيئة الله سبحانه ليست اعتباطية، فإنّ
الله تعالى لا يشاء شيئاً من غير مرجّح، لأنه محيط
بكلّ الجهات وقادر على كلّ شيء.
ولنذكر هنا بعض قصص العلماء الماضين لنعتبر:
«جواهر الكلام» كتاب لا يستغني عنه أيّ فقيه حتى
اليوم، فهو دورة كاملة وواسعة، أي مفصّلة في الفقه
الاستدلالي. هناك كثير من الدورات الفقهية. فشرح
اللمعة مثلاً، دورة كاملة في الفقه الاستدلالي، وكذلك
كتاب رياض المسائل وغيرهما، ولكن كتاب الجواهر إضافة
إلى كونه دورة كاملة فهو يمتاز بالسعة والتفصيل، وقد
بذل مؤلّفه قرابة ثلاثين سنة من عمره في تأليفه ـ كما
يظهر من بعض التواريخ التي سجّلها في نهايات فصول
الكتاب ـ .
وكان صاحب الجواهر عالِماً متبحّراً ذكيّاً حافظاً
متقناً، وكان هو المرجع الديني في النجف الأشرف،
واتّفق يوماً أن جرى الحديث في مجلس يضمّه وعلماء
آخرين عن مسألة فقهية، فأدلى كلُّ عالِم بدلوه وأعطى
كلّ صاحب رأي رأيه، لكنّ صاحب الجواهر اكتفى بالقول
أنّه قد ذكر المسألة في كتاب الجواهر، وأنّ رأيه موجود
هناك.
وكان في المجلس عالِم ـ أو بالأحرى: دارس! ـ فالتفت
إلى صاحب الجواهر وقال: لو تعطي جواهرك للعطّارين
ليستفيدوا من أوراقه في لفّ التوابل، يستفيد المجتمع
منه أكثر!
وكان يريد بقوله هذا: إنّ كتاب الجواهر لا يستحقّ
القراءة أو أن يُنقل عنه شيء، وأنّ الأوراق التي كُتبت
عليه خسارة وتبديد للثروة، لأنّ ما كُتب عليها لا
ينفع.
لقد ذهب صاحب الجواهر ولكن بقي اسمه وكتابه الجواهر
يدلّ على نور علمه، أمّا ذلك الرجل فقد ذهب اسمه
بذهابه، ولا يعرفه اليوم إلاّ من ينبش الكتب التي
أرّخت لحياة العلماء، مع أنّه كان عالِماً ـ وبتعبير
أدق: دارساً ـ هو الآخر، ولكنه كان يفتقد لذلك العلم
الذي عبّر عنه الحديث بأنّه نور يقذفه الله في قلب مَن
يشاء؛ لأنّ ذلك العلم يكون مصاحباً للفضيلة، وصاحب
الفضيلة لا يبخس الناس أشياءهم ولا يقول مثل هذا القول
لعالم أتعب نفسه ثلاثين سنة حتى كتب ذلك الكتاب النادر
في تاريخ الفقه.
دار في أحد الأيام نقاش بين أحد العلماء المجتهدين
وبين أحد تلاميذه حول نصّ من النصوص كان الأستاذ يعتقد
أنّه ليس روايةً، وأنّه لم يجده في كتب الأحاديث، وكان
تلميذه يقول: إنّه مرويّ(6).
لم يتوقّف الأمر عند إبداء كلّ من الأستاذ والتلميذ
لوجهتي نظرهما، بل أصرّ الأستاذ على أنّه غير موجود
وأنّه أتعب نفسه في كتب الحديث ولم يعثر عليه وأنّه لو
كان لوجده، فيما أصرّ التلميذ أنّه موجود وأنّه وجده
بنفسه، وردّ على أستاذه بالقول: إذا لم تجد شيئاً
فإنّه لا ينبغي أن تقول أنّه غير موجود، بل ينبغي أن
تقول أنّك لم تجده. وعاد الأستاذ للقول: لا بل إنّه
غير موجود وإنّي أتحدّاك في ذلك. وهكذا حدثت مشادّة
كلامية بينهما. فما كان من التلميذ إلاّ أن ذهب على
الفور وجاء بالكتاب الذي يوجد فيه الحديث وأخرجه
للأستاذ والتلاميذ!
هذه القصّة شهدتها بنفسي، وعدم ذكري لاسم الأستاذ
والتلميذ لئلاّ يكون تشهيراً بهما، ولكنّي أستطيع
القول: إنّ نور العلم الذي جاء في الحديث لم يكن
متوافراً ـ كما ينبغي ـ لا عند الأستاذ ولا عند
تلميذه!
فما كان ينبغي للأستاذ أن يتحدّى تلميذه ويقطع بعدم
وجود الحديث هكذا ولو فرضنا أنّه أمضى عشرات السنين في
البحث والتحقيق دون أن يعثر على ذلك الحديث، وكذلك ما
كان ينبغي للتلميذ أن يعامل أستاذه بهذه الكيفية وعلى
مرأى ومسمع من الآخرين!
إنّ حقّ المعلّم يقول عنه الإمام أمير المؤمنين عليه
السلام: «مَن تعلّمتَ منه حرفاً صرتَ له عبداً»(7)،
وكذا للتلميذ حق ينبغي لمعلّمه ألاّ يوهن رأيه أو يردّ
استنتاجه بتهكّم؟
علينا أن نتعلّم من رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل
بيته عليهم السلام ونتأدّب بآدابهم، لنحصل على نور
العلم، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا
فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾(8). وما لم يكن ذلك النور
موجوداً فلا فائدة ترتجى وإن كانت الدراسة متحقّقة عند
الشخص وكان يجيد الكلام والمنطق ويتقن الخطابة أو
التأليف ويملك معلومات كثيرة وجيدة.
هناك أمثلة كثيرة لمَن درسوا ومَن بلغوا مراحل عالية
في الاجتهاد، ومن جملتهم أحد مراجع التقليد ممّن
أدركتُهم في النجف الأشرف، والذي كان قد ألّف ونشر في
أيام مرجعيّته كتاباً لا غبار عليه من الناحية
العلمية.
طالع الكتاب شخص كان طالباً آنذاك فرأى نقاط ضعف في
الكتاب حسب نظره وربما تصوّر أنّه يمكنه إثارتها كنقاط
ضعف في علمية ذلك المرجع، فانتهز فرصة جلوس المرجع في
بيته لاستقبال الوافدين، إذ حضر هو أيضاً، ثم انبرى
بعد أن استقرّ به المجلس مخاطباً المرجع بلهجة تهكّم،
قائلاً: أتدري أيّ جناية ارتكبتَ بنشرك هذا الكتاب؟
لقد شوّهت سمعة مدينة النجف الأشرف ومكانتها العلميّة
التي اكتسبْتها من كتب الشيخ الأنصاري وأمثاله!
يريد بذلك: أنّ الذي حصّل في حوزة النجف ينبغي أن تكون
مؤلفاته بمستوى مؤلّفات الشيخ الأنصاري، أمّا هذا
الكتاب فسوف يحطّ من مستوى النجف لعدم مجاراة كتب
الشيخ الأنصاري!
وأضاف: لقد تلاعبتَ ـ بكتابك هذا ـ بكرامة النجف
العلمية وحوزتها الدينية.
أتدرون ماذا كان ردّ فعل ذلك المرجع؟
أجابه قائلاً: وأين أنا من الشيخ الأنصاري، بل إنّي
لأفخر أن أفهم كلمات الشيخ الأنصاري رحمه الله،
وأستطيع أن أشرحها. لقد كان الشيخ الأنصاري أستاذ
الفقهاء، أمّا أنا فأتمنّى لو كنت تلميذاً للشيخ
الأنصاري، وفي مثل هذه الحالة ـ خاصّة وأنّي إنسان
ولكلّ إنسان زلاّت ـ ربما صدرت منّي هفوات ونقاط ضعف
لم أنتبه لها. أرجو منكم أن تنبّهوني عليها وإنّي أكون
شاكراً لكم.
تأمّلوا فيما حدث: لقد ذهب هذا الرجل إلى المرجع لكي
يخزيه ويقلّل من شأنه ولكنه خرج وهو يغبطه.
ومن يسمع بالقصّة يقول: إنّ تصرف هذا المرجع يعكس
نورانية لا توجد عند بعض من بلغوا مراحل عالية من
العلم دون أن يحصلوا على نوره، فإنّه كان بإمكان هذا
المرجع أن يردّ ذلك الطالب ردّاً علمياً يؤهّله مستواه
وردّاً اجتماعياً بسبب المنزلة التي يحظى بها بين
الناس، كأن يقول له: ومَن أنت لكي تزكّيني؟ أو هل فهمت
كتابي لكي تنتقده هذا الانتقاد؟ ولكنّه مع ذلك لم يقل
له شيئاً من هذا القبيل، لأنّ ذلك النور الذي غمره
جعله يترفّع عن مثل هذه الميول.
وكان الأَولى بذلك الطالب أيضاً أن يعرض ما بدا له من
نقاط ضعف في الكتاب عرض المستفهم المؤدّب، كأن يدوّنها
مثلاً ثم يطلب من المرجع أن يلاحظها ليجيبه عليها،
فذلك خير من الاستخفاف بجهود مرجع أتعب نفسه عشرات
السنين حتى توصّل إلى هذه الآراء ثم طرحها في كتاب
رجاءً للقبول! هب أنّ الحقّ مع المعترض في كثير من
الموارد التي اعترض عليها، ولكن هل اعتبر نفسه معصوماً
أو حاكياً عن اللوح المحفوظ، ليصدر حكمه بحقّ آراء
الآخرين ابتداءً! مع أنّه كان الأَولى به أن يعرض
إشكالاته ويناقشها معه حتى يتبيّن له وجه الصواب في
كلّ نقطة على حدة. ولكن يبدو أنّه لم يكن متنوّراً
بنور العلم، الذي لا يأتي مع كثرة الدراسة ولا بكثرة
التعلّم بل بالتحلّي بالفضائل والعمل بمقتضاه.
وليس المقصود أن لا يبذل الطالب جهداً في الدرس بل
المقصود أن يؤطّر دراسته بمجمل الفضائل التي ترقى به
لأن يحصل على نور العلم.
كان الشيخ علي القميّ رحمه الله عالِماً زاهداً يعيش
في النجف الأشرف، توفّي قبل زهاء نصف قرن. ولم يكن
مرجعاً لكنّه عُرف بالعدالة لدى كلّ العلماء وعامّة
الناس حتّى أنّ والدي رحمه الله نقل: أنّه مَن كان
يتحفّظ في الصلاة خلف أيّ عالِم، كان لا يتردّد في
الصلاة خلف الشيخ علي القمّي، لما عُرف عنه من ورع
وتقوى. فكان مسلَّماً بعدالته لدى الجميع، ويظهر من
كلمات السيّد الوالد رحمه الله أنّه كان ملتزماً
بالصلاة خلفه.
يقول الرجالي المعروف الشيخ آقا بزرگ الطهراني: لقد
زاملت الشيخ علي القمّي رحمه الله عشر سنوات ودرسنا
معاً عند السيد محمد كاظم الطباطبائي (صاحب العروة
الوثقى) والشيخ محمد كاظم الخراساني (صاحب الكفاية)
والشيخ محمد تقي الشيرازي رضوان الله عليهم جميعاً.
وكنت أعرفه فقيهاً متبحّراً ومحقّقاً ولكنّه كان
يتعمّد أن لا يشترك في النقاشات التي تطرح في المجالس
العامّة لكي لا يُظهر درجته العلمية ـ وهذا أمر صعب
جداً، حاولوا أن تجرّبوه بأنفسكم ـ فكان إذا سئل عن
شيء أجاب، وإذا عرضتْ مسألة ودار حولها النقاش بقي
ساكتاً يظنّه الرائي أنّه إنسان عادي لا يعرف شيئاً
ممّا يدور(9).
يقول آقا بزرگ: كان الشيخ علي القمّي عالماً متبحّراً
وأنا على معرفة تامّة به، فهو زميلي، ولكنه لم يكن
يتكلّم في مثل هذه المجالس حتى أنّ علماء النجف كانوا
يتصوّرون أنّه رجل عادل وزاهد ولكنّه ليس عالماً،
لأنّه كان لا يُظهر من علمه شيئاً إلاّ عند الضرورة.
وهذا الأمر يتطلّب نورانيّة خاصّة تمكّن الإنسان أن
يضبط نفسه هكذا. أمّا حالات الجدل العقيم والمراهنات
وصرف الوقت والجهد على أمور لا ثمرة فيها، سوى رغبة
كلّ طرف في إظهار نفسه من خلال إثبات صحة مدّعاه، كأن
يقول شخص: إنّ النصّ الفلاني موجود في الكتاب الفلاني،
فيحاول الآخر أن يثبت أنّه موجود في غيره، مع أنّ
الأمر لا يغيّر من الواقع شيئاً، فهذا ممّا يكشف عن
عدم وجود نور العلم وفضيلته. والله تعالى لا يعطي هذا
النور هكذا من دون استحقاق، وكما في المرويّ عن
أميرالمؤمنين عليه السلام: «يهات لا يُخدع الله عن
جنّته» (10).
وليس المقصود في الاعتبار من قصّة الشيخ القمّي أن لا
نشارك في الحديث الذي يجري في النوادي العلمية، إذا
كان غايته إحياءً لأمر الشريعة، أو بقصد التمرّن ليعرف
الطالب مواطن الخطأ والضعف من مواطن القوّة والصواب،
الذي تكشفه كثرة المناقشات والمباحثات، إنّما المقصود
أن لا يكون الهدف إظهاراً للذات أو إثبات خطأ المقابل
بأيّ ثمن. فهذا هو المراء بعينه والمشهور في فتاوى
الفقهاء أنّه حرام، وإذا كان الشيء حراماً فارتكابه
مخلّ بالعدالة كسائر المحرّمات.
ومثاله: أنّك تقرأ مسألةً في كتاب ما كـ (العروة
الوثقى) مثلاً، وتسمع بعد ذلك زميلاً لك ينسب المسألة
إلى كتاب آخر كـ (توضيح المسائل) فتقول له: إنّ هذه
المسألة موجودة في كتاب العروة وليس توضيح المسائل،
ولكنّه يؤكّد لك أنّه قرأها في توضيح المسائل فتأتيه
بنسخة من الكتاب وتطالبه بأن يدلّك على موضع المسألة؛
فإن كان هدفك في مثل هذه الحالة نبيلاً ـ كبيان حقيقة
تتعلّق بذلك ـ فهذا مما لا إشكال فيه، أمّا إذا كنت
تريد في ذلك تسجيل فوز ونصر لذاتك على المقابل، فذلك
هو المراء السيّئ المشهور بين العلماء أنّه من
المحرّمات.
لا شكّ أنّنا لا يمكننا أن نتّهم كلَّ مَن يريد إثبات
شيء ما بالمراء؛ لأنّ هدفه قد يكون صحيحاً، ولكن
المهمّ أن نربّي أنفسنا على تجنّب المراء والجدال الذي
لا يراد به وجه الله تعالى. وهذا الأمر لا يتطلّب
دراسة عميقة بل تكفيه لحظات تأمّل والتفات مع مراقبة
النفس وضبطها.
هذه قضيّة اُخرى أنقلها عن السيد الوالد رحمه الله:
فقد تلمذ المرحوم والدي عند خاله الشيخ محمد تقي
الشيرازي رحمه الله، وبعد وفاة خاله انتقل إلى النجف
الأشرف وحضر عند جملة من العلماء منهم الميرزا
النائيني.
وعندما أصدر الوالد رسالته العملية استجابة لإصرار بعض
مقلّديه، تعجب بعض علماء النجف الأشرف ممن كان يحضر
درس الميرزا النائيني أيضاً عندما رأى رسالة السيد
الوالد قائلاً: لم نكن نتصوّر أنّ هذا الشخص عالِم،
فقد كنّا نراه يحضر درس الميرزا النائيني يومياً ولكنه
لم يكن يتكلّم بشيء من أوّل الدرس حتى آخره، بل كان
يجلس ويستمع فقط، فكنّا نتصوّره أحد قرّاء القرآن على
القبور وقد آثر أن يحضر الدرس للتبرّك مثلاً، فكيف
استطاع أن يضبط نفسه كلّ هذه المدّة ولم يظهر شخصيته
العلمية مع أنّه كان في مستوى المراجع!
كانت تلك قصص مَن مضوا، ونحن أيضاً سوف نكون قصصاً في
يوم من الأيام، فلننظر كيف سنكون، ولنعلم أنّ العلم لا
يأتي من فراغ، ولا من كثرة الدراسة وحدها. نعم، قد
تصلح الدراسة لجعلك متفوّقاً على أقرانك في المباحثة،
ولكنها لا تمنحك ـ منفردة ـ ذلك النور الإلهي المنشود،
بل قد تكون في بعض الأحيان وبالاً على الإنسان والعياذ
بالله.
لو نصحت أحداً يوماً ما، فحاول أن تطبّق ما نصحته به
على نفسك أيضاً، بل حاول أن تطبّق ما تعتقده فضيلة على
نفسك ولا تيأس مهما فشلت في ذلك.
رأيت كتاباً مطبوعاً في الأصول واستفدت منه أيّام
دراستي، ولكن ما لفت انتباهي فيه أنّ مؤلّفه إذا جاء
بابتكار من نفسه ـ أو تصوّر أنّه كذلك ـ يشيد به
كثيراً ويقول: إنّ هذا من ابتكاراتي التي حصلت عليها
على أثر سهر الليالي، ثم يدعو بالويل والثبور واللعنات
وأن يفعل الله كذا وكذا بكلّ مَن ينقله دون أن يذكر
اسمه (أي اسم المؤلِّف)!
هب أن الإنسان قد ابتكر فكرة أو أفكاراً، فما الداعي
لأن يتعامل معها هكذا، في حين أنّ الشيخ الأنصاري قدس
سره كان يطرح ابتكارات عظيمة ضمن بقيّة كلماته دون أن
يتباهى بها، ودون أن يُشعر القارئ بأنّها من ثاقب
أفكاره، مع أنّها كانت تمثّل عصارة علمه، وقد أتعب
نفسه حتى وصل إليها، حتى أنّ الشيخ لم يضمّن كتاباته
بكلمات من قبيل: اغتنِم ونحوها
والآن عندما نلاحظ الواقع نرى أنّ كتب الشيخ الأنصاري
تملأ الحوزات والمكتبات وما تزال تُطبع كلّ عام في
مختلف الأماكن بينما ذلك الكتاب الذي ذكرتُ لم يسمع به
كثير من أهل العلم مع أنّه حقيق بالدراسة أيضاً.
إنّ النور الذي أضاء جوانح الشيخ الأنصاري قد يكون من
الأسباب التي جعلت كلماته تدور على ألسن العلماء،
وكتبه تدرّس في كلّ مدرسة، وذكره سائراً بين الناس.
ونور العلم ليس حكراً على الأسر العلمية، بل قد يكون
الشخص سليل عائلة علمية ولكن الله لا يمنحه هذا النور،
وقد يقذف الله نور العلم في قلب ابن عطّار أو مزارع أو
بقّال أو تاجر أو حمّال! وهذا يتّضح لمن طالع تاريخ
العلماء.
انظروا إلى كتب الشيخ الأنصاري وأمثاله كثير من
العلماء الماضين قُدست أسرارهم فهي عبرة لنا وحجّة
عندالله تعالى فهم يبدأون كتبهم بالبسملة والحمد
والصلاة على النبي وآله واللعن على أعدائهم، ثم
ينتقلون مباشرة إلى المطالب ويختمون الكتب بها دون أن
يذكروا أنّها لمن.
والآن يمرّ أكثر من قرن على وفاة الشيخ الأنصاري وها
هي كتبه في الفقه والأصول تدور عليها كلّ الحوزات
العلمية الشيعية وكذا غيره كتب.
إذاً علينا أن نسعى لتحصيل ذلك النور إلى جانب تلقّي
الدروس ومطالعة الكتب والحضور عند الأساتذة؛ فإنّ
المعلومات وحدها قد تجلب الغرور للإنسان، ولنعرف أنّ
الغرور ونور العلم لا يجتمعان، فلنحارب الغرور في
أنفسنا ونتواضع لله سائلين منه أن يجعل لنا لسان صدق
في الآخرين.
وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.