» الفهرست

» التأسّي بالعلماء
» حدود المستحب
» أهمية العلم للواعظ
» مثال من التاريخ
» الخوف من الجواب دون علم
» ضرورة التعبئة في أصول الدين والأخلاق
» لننتهز كلّ فرصة في سبيل العلم


» النَص

في ضوء حديث رسول الله صلى الله عليه وآله:

 
 

«نوم مع علم خير من صلاةٍ مع جهل»

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.

روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «نوم مع علم خير من صلاة مع جهل»(1).
هذه الرواية من الروايات التي يجدر الوقوف عندها والتأمّل فيها. إنّ الهدف من خلق الإنسان هو العبادة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾(2)، والصلاة رأس كلّ العبادات وأهمّها، بل هي العبادة التي إن قُبلت قُبل ما سواها، وإن رُدّت ردّ ما سواها(3). فالطاعات والعبادات جميعها مرهونة بمدى قبول الصلاة أو ردّها، ومع ذلك نرى النبيّ صلّى الله عليه وآله ـ الذي به عرفت الصلاة وحقائق العبادة، وكان منطقه منطق القرآن والوحي، وحكمه الحقّ ـ يخبرنا أنّ نوم العالِم خير من الصلاة ـ وهي أهمّ الطاعات والعبادات ـ إن كانت مع جهل(4)، فكيف يكون ذلك؟
إنّ نوم العالِم ليس تركاً محضاً بل هو مقدّمة وجود؛ لأنّ العالِم إذا نام استراح، واستراحته هذه تمثّل مقدّمة للخدمة والهداية وإرشاد الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن الجحيم إلى الجنّة. فنوم العالِم حسنة إذاً.
أمّا الصلاة مع جهل فكثيراً ما تكون سيّئة، لأنّ الجاهل إذا لم يصلّ الصلاة الواجبة فتلك سيّئة، وإذا صلاها مع الجهل بها، يكون قد أذهب فضلها. حينها يستوي في ذلك مع من لم يأت بها.
صحيح أنّ القاصر لا شيء عليه، لأنّ من أصول الإسلام العدل، والله سبحانه وتعالى عادل، ومن عدله أن لا يعذّب القاصر، فمن وُلد في مكان أو زمان أو ظرف بحيث كان قاصراً، لم يتوجّه إليه خطاب ولا عقاب، أي لا يُعذَّب ولا يُعاقَب ولا تكتب له سيّئة، إلاّ أنّ صلاته تشبه صلاة المقصّر من حيث عدم القبول. لذا فنوم العالِم أفضل من صلاة الجاهل سواء كان قاصراً أو مقصراً؛ لغياب الثمرة من صلاتهما.
أمّا الجاهل المقصّر فقد ذهب المحقّقون الأعاظم من الفقهاء والأصوليين إلى أنّ حكمه حكم العالِم العامد خطاباً وعقاباً.
فكما أنّ العالِم العامد ـ أي الذي يعمل عملاً ويعلم أنّه حرام ـ قد توجّه الخطاب إليه أمراً ونهياً، فكذلك الجاهل المقصّر يتوجّه إليه الخطاب، ويستحقّ العقاب على المخالفة، دون أن يكون فيه إشكال عقلاً.
قد لا يوجد في صفوف أهل العلم جاهل قاصر، فإنّه لا يُقصد بالجاهل المقصّر مَن كان مستواه الدراسي أدنى أو كانت معلوماته أقلّ، بقدر ما ينطبق هذا الوصف على طالب العلم الذي يجهل بعض أحكام الله تعالى بسبب تقاعسه، فيعمل الحرام وهو لا يعلم ـ تقصيراً منه ـ أنّ عمله هذا حرام، وكان بمقدوره أن يعلم أنّه حرام فيجتنب عنه.
فمادام المؤمن باذلاً عمره في سبيل الله سبحانه وتعالى، منفقاً وقته وساعاته ودقائق حياته في طاعة الله، مصلّياً أو صائماً أو حاجّاً أو معتكفاً أو قارئاً للقرآن، فليخصّص حظّاً منه للعلم، وأعني به العلم بأصول الدين وأحكام الإسلام وأخلاقه وآدابه.
وعلينا بعلم الأخلاق أيضاً، فليست أخلاق الإسلام وآدابه كلّها لا اقتضائيّة ـ حسب الاصطلاح العلمي ـ أي مستحبّات ومكروهات، بل إنّ فيها الواجبات والمحرّمات أيضاً. فهذا كتاب جامع السعادات(5)، وهو كتاب أخلاقيّ، وذلك باب الأخلاق في كتاب بحار الأنوار(6) وتلك كتب الأخلاق الأخرى راجعوها تجدوها مليئة بالواجبات والمحرّمات.


:. التأسّي بالعلماء

ولكي ندرك أهمّية العلم أكثر وأنّه كيف صار الـنوم مع علم خير من صلاة مع جهل، أنقل لكم هذه الحكاية وقد سمعتها من أحد العلماء الذين عاصروا الشيخ عبد الكريم الحائري(7)؛ فلا يزال بين ظهرانينا اليوم جملة من الذين عاصروه، وممّن تجاوزت أعمارهم السبعين، وينقل بعضهم عنه قصصاً من دون واسطة.
هذه القصة وأمثالها تنفع أهل العلم بصورة أخصّ.
حدّثني ذلك العالِم قائلاً: نزل أحد أصدقاء الشيخ عبد الكريم الحائري ضيفاً عنده في أحد الأيام، ولم يكن معهما ثالث(8).
ومُدّ خوان متواضع وجاء الشيخ بما كان عنده من طعام عادي وبسيط في بيته، وأخذ الضيف يأكل والشيخ كذلك. ولكن فجأة سحب الشيخ يده للحظات وتأمّل، ثم مدّ يده ثانية إلى الطعام واقتطع قطعة من اللحم، وقام ودخل إلى غرفة في الدار ثم عاد بعد ذلك واعتذر للضيف قائلاً: لقد انتبهت فجأة أنّ كلّ اللحم الذي اشتريته اليوم قد طهته زوجتي ووضعتْه أمامنا، ولما كانت الزوجة واجبة النفقة عليَّ، فقد أحسستُ أنّي ربّما وقعت في مشكلة شرعية، فقلت لنفسي: أن أعتذر للضيف خير لي من أن أقع في إشكال شرعيّ؛ كان الخوف الذي تملّكني من الناحية الشرعية، هو أن أترك زوجتي هكذا من دون طعام، لأنّ هذا العمل خلاف للمروءة، بل لعله ترك واجب. خاصّة وهي التي قامت بذلك العمل بنفسها وهيّأت لنا هذا الطعام، فينبغي لي أن أكون منصفاً.
فربّ قائل يقول: إنّ هذا تصرّف مشين، فمن غير المناسب أن يرفع أحدنا شيئاً من الطعام المقدّم أمام ضيفه ليذهب به إلى أهله. ولكن انظروا إلى ورع الشيخ وكيف أنقذه علمه!


:. حدود المستحب

إنّ الكرم خصلة محمودة، وكذا السخاء والإنفاق وإقراء الضيف، فكلّ ذلك عمل محبّب ومقبول، ولكن إلى حيث لا يؤدّي إلى ترك واجب أو ارتكاب محرّم. ولعلّ كثيراً منّا لا يعلم أنّ مثل التصرّف الذي قام به الشيخ الحائري قد يكون واجباً. فها هنا يأتي دور العلم لينفع صاحبه ويقول له: إنّ إقراء الضيف محدود بعدم ترك الواجب، ولو أنّ أحداً نزل به ضيف ثم قام بجلب طعام مَن تجب نفقته عليه وقدّمه بين يدي الضيف من دون رضا واجب النفقة مع وجود طعام فائض، فإنّ إقراءه هذا غير جائز، إجماعاً.
إذاً: علم الشيخ الحائري قد نفعه. فهذا هو الذي صلاته مع العلم لا يعادلها شيء، لأنّ الإنسان الذي عنده علم لا يعمل الحرام في سبيل ترك مكروه، ولا يترك واجباً من أجل الإتيان بعمل مستحبّ، وهو يتحمّل ما يُخجل ولا يعمل ما يُسخط الله تعالى. ولاشكّ أنّ الشيخ عبد الكريم قد خجل وشعر بالحرج ومن المؤكّد أنّ الأمر لم يكن عليه يسيراً، ولكنه مع ذلك لم يبال بهذه الأمور، لأنّ ما هو أخطر منها في نظره أن يقع في معصية مولاه عزّ وجلّ، وكان لعلمه الأثر المهمّ في ذلك، وإلاّ فلو كان جاهلاً بالقضية لما تصرّف هكذا.
وقد ينطبق على الجاهلين بالأحكام الشرعية قول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾(9). صحيح أنّ صدر الآية ورد في الظالمين، ولكن ثمّة تفاسير تقول: إنّها في فريق من الناس أيضاً، يظنّون أعمالهم في الدنيا حسنات لكنّها تظهر لهم في الآخرة سيّئات. ومن الأمثلة على ذلك إقراء الضيف بطعام واجب النفقة من دون رضاه.


:. أهمية العلم للواعظ

كان هذا مثالاً واحداً تبرز فيه أهمية العلم وتفضيل نوم صاحبه على الصلاة مع جهل، وإلاّ فإنّ أكثر أعمال الجاهل المقصّر سيّئات. فلو أخذنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من باب المثال أيضاً، لرأينا الشيء نفسه؛ لأنّ الجاهل إذا لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر ـ وكان واجباً عليه ـ فقد ارتكب سيّئة، وإن أمَر ونهى فلا يبعد أن يكون أمره ونهيه سيّئة، لأنّه لا يعلم الكيفية والوقت والأسلوب اللازم للأمر والنهي الواجبين عليه، بل قد يقول عن المكروه: إنّه حرام، أو عن المستحبّ: إنّه واجب، فيصدر منه ـ والعياذ بالله ـ الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه.
لقد شاهدتُ أحد الأشخاص يعظُ في محضر أحد مراجع التقليد، فذكر مكروهاً من المكروهات وقال عنه أنّه حرام؛ اعتماداً على رواية طالعها. فكان من بين الحضور رجل كبير السنّ يعرف شيئاً من المسائل الشرعية انتابه الشكّ، فذهب إلى المرجع وسأله عن الموضوع، فقال له المرجع: كلاّ إنّ هذا الأمر مكروه وليس حراماً. فجاء الرجل إلى الواعظ الذي كان يرشد الناس وقال له: لقد سألت المرجع وأخبرني أنّ ما حدّثت عنه أنّه حرام ليس حراماً بل مكروه.
فتأثّر ذلك الواعظ وجاء إلى المرجع وعاتبه بأنّ كرامته هدرت أمام ذلك الشخص لإخباره بخلاف حديثه.
فأجابه المرجع قائلاً: لقد فكّرت في كلامك ورأيت أنّه خلاف الإجماع، أي إنّ المسألة لم تكن خلافيّة؛ يقول أحد العلماء بكراهيتها والآخر بحرمتها، وإنّما أُجمع على جوازها ولم يقل أحد بالحرمة فيها على الإطلاق.
فردّ عليه الواعظ: لكنّي وجدت رواية تنهى عن ذلك.
فقال له المرجع: ليست كلّ رواية فيها نهي، دالّة على الحرمة. إنّ المجتهدين يُتعبون أنفسهم عدّة سنين لأجل أن يعرفوا هل النهي الفلاني يدلّ على الحرمة، وهل الأمر الفلاني دالّ على الاستحباب أو الوجوب؟
فهدا مثال أيضاً لمن يتصوّر أنّه محسن دون أن يعي أن عمله عين الإساءة.
وعليه فلا أتصوّر أن يوجد بيننا جاهل قاصر إلاّ قليل، والجاهل المقصّر ـ كما قلنا ـ كالعالِم العامد خطاباً وعقاباً، إن لم يأت بالواجب فتلك سيّئة، وإن أتى به ولكن مع المنافيات ـ مقصّراً غير عالم بها ـ فتلك سيّئة أيضاً.


:. مثال من التاريخ

تأمّل في هذا الحديث الصحيح الأعلائي(10) يقول الراوي: «كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل ـ وكان يتولّى له الوقف بقم ـ فقال: يا سيّدي اجعلني من عشرة آلاف في حلّ، فإنّي أنفقتها. فقال له: أنت في حلّ، فلمّا خرج صالح قال أبو جعفر عليه السلام:
أحدهم يثب على أموال حقّ آل محمد وأيتامهم ومساكينهم وفقرائهم وأبناء سبيلهم فيأخذه ثم يجيء فيقول: اجعلنـي في حلّ، أتراه ظن أنّي أقول لا أفعل، والله ليسألنّهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالاً حثيثاً»(11).
انظر كيف أنّ الإمام المعصوم يقول: «أنت في حلّ» ثم يخبر أصحابه أنّه لا فائدة من ذلك. وسببه أنّ الرجل لا يخلو إمّا أن يكون عالِماً عامداً أو جاهلاً مقصّراً، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، وما أخذه من الإمام إنّما أخذه حياءً؛ لقوله عليه السلام: «أتراه ظن أنّي أقول لا أفعل».
المهم أنّ المطلوب هو العلم، فإنّ الإنسان لا يدري بماذا سيُبتلى وكيف ينبغي له أن يتصرّف وكيف يتحدّث لئلاّ يكون من الذين ﴿بَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾(12) فينفق ويتصوّر إنفاقه حسنة، أو يكتب أو يخطب ويتصوّرهما حسنة ثمّ ينكشف له بعد ذلك أنّ أعماله كلّها كانت سيّئات، لذا فأهل العلم أَولى بالانتباه إلى هذا الأمر الخطير.


:. الخوف من الجواب دون علم

عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: «كنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رحمه الله مع جماعة فيهم علي بن عيسى القصري، فقام إليه رجل فقال له: إني أريد أن أسألك عن شي‏ء؟...».
فقام الرجل فسأله عن أشياء. فقال له أبو القاسم الحسين بن روح: «افهم عنّي ما أقول لك...» وأجابه إجابات مفصّلة شافية.
قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق: «فعُدت إلى الشيخ أبي القاسم بن روح من الغد وأنا أقول في نفسي: أتراه ذكر ما ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه؟
فابتدأني فقال لي: يا محمّد بن إبراهيم، لأن أخرّ من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبّ إليّ من أن أقول في دين الله عزّوجلّ برأيي أو من عند نفسي(13)، بل ذلك عن الأصل ومسموع عن الحجّة»(14).
 

:. ضرورة التعبئة في أصول الدين والأخلاق

إنّ المطالب المهمّة من أصول الدين لابدّ أن نعرفها جميعاً.
نقل لي أحد طلبة العلم قال: سألني أحد الناس في مكان ما قائلاً: ما هو الدليل على وجود الله سبحانه وتعالى؟ يقول: فكّرت قليلاً ثمّ رأيت أنّه لا ينبغي أن أتحدّث هكذا من دون علم ثمّ يظهر للشخص أنّني لم أكن أعرف شيئاً، فخلّصت نفسي من البداية وقلت: إنّ هذا ليس من اختصاصي!
فهل هذا يليق برجل علم؟ أليس من واجباته إرشاد الجاهل؟ أو ليس وجود الله تعالى و توحيده أساس كلّ الدين وأصل أصوله؟
إنّ كثيراً من مطالب أصول الدين يحتاج حتى كثير من أهل العلم إلى تعلّمها سواء بالدراسة أو المطالعة أو المباحثة، وكذا الحال بالنسبة لكثير من الأحكام الشرعية.
إنّنا بأمسّ الحاجة إلى تعبئة علمية لمعرفة كثير من الأحكام الشرعية وبالأخصّ تلك التي محلّ ابتلائنا، وهكذا في مقام الهداية والإرشاد وتعليم الأحكام، ومواجهة أصحاب الديانات والمذاهب الباطلة والأفكار المنحرفة.. فهذا كلّه يعدّ من الواجبات العينية.
لقد ورد في الحديث المأثور عن النبيّ صلّى الله عليه وآله قوله: «اطلبوا العلم ولو بالصين»(15). وتعلمون كم هي المسافة بين الحجاز والصين، وصعوبة قطعها خاصّة في مثل تلك الأيام؛ وغايته الوصف بأبعد مسافة متصوّرة حينذاك، لما لطلب العلم من أهمية شرعية وعرفية في حياة الإنسان.
ولا ينبغي لطالب العلم ـ لكي يصدق عليه أنّه طالب علم ـ أن يقتصر على الدرس أو التدريس برهة من الزمن حسب، وإن كان هذا لا بأس فيه، بل على المرء أن يتعلّم إلى جنب دروسه، كلّ أحكام الحلال والحرام بالإضافة إلى أصول الدين والأخلاق والآداب الإسلامية.
فلا يتصوّر أحد أنّ الأخلاق الإسلامية كلها علوم لااقتضائية، فكثير مما يعبّر عنه اصطلاحاً بالأخلاق إنّما هو من الواجبات، وضدّه من المحرّمات، فإنّ التكبّر والعُجب مثلاً ليسا من المكروهات، بل هما من المحرّمات، وكذلك المراء ـ وهو الجدال بالباطل ـ وغير ذلك ممّا يوصف بالأخلاق الذميمة.
فمثلاً لو قال أحدنا كلمة وكانت مطابقة لما عناه حقّاً وكان يعلم أنّها كذلك، ثم عارضه أحد، فنوى ردّه، فإن كان ردّه لمجرد إثبات الغلبة أو الفضيلة، فهذا هو المراء، الذي ورد التأكيد في النصوص والأخبار على حرمته، والذي يكون ولو لإثبات الحقّ حراماً إن كان مصحوباً بهذه النيّة، إلاّ أن يكون الردّ بهدف إثبات الحقّ لأجل الحق نفسه، فلا خلاف في صحّته، بل قد يكون واجباً عينياً.
وهنا تتبيّن أهمية العلم وكيف أنّ النوم مع علم خير من صلاة على جهل. فهذه صورة من المسائل الأخلاقية؛ ولذا لا ينبغي أن نضع درس الأخلاق جانباً بذريعة أنّه لا يعدو عن مستحبّات ومكروهات.
لقد ذكرت لأحدهم مرّة، عن كتب الأخلاق، فقال لي: أنا مشغول بالفرائض. فقلت له: وكتب الأخلاق مشحونة بالفرائض.

 

:. لننتهز كلّ فرصة في سبيل العلم

فلنخصّص بعض أوقاتنا وراحتنا وفائض الوقت المخصص لأعمالنا الأخرى وبأقصى ما نستطيع لتعبئة أنفسنا بالعلم في أيّ مجال مشروع كان، وإنّ موسم الدرس مناسبة جيّدة، والتسهيل من الله تعالى.
لننتهز كلّ فرصة ولا نضيّع حتى دقيقة واحدة، ولنحمل معنا الرسالة العملية التي قرأناها في أيّام شبابنا من أولها إلى آخرها، فربّ كثير منّا لا يتذكّر كثيراً منها، أو ربّ أمور لم يعد كثير منّا ملتفتاً إليها، فإذا ما أُتيحت له فرصة ولو بمقدار خمس دقائق، قرأ ولو صفحة واحدة منها، حتى إذا تكرّرت لا يكون فيما بعد يقف على أنّه كان عنده جهل مركّب في بعض المسائل، حيث كان يتصوّر أنّه يعرفها مع أنّه لم يكن يعرفها على الوجه الصحيح.
نقل لي أحد الذين يبيّنون المسائل العلمية قال: كنت ذاهباً إلى الحجّ وكان الناس يسألونني مسائل فأجيب عليها.
ثم قال: تصوّرت أنّ إجابتي لبعض المسائل صحيحة، لكنّني لم أكن مطمئنّاً فيها، غير أنّي استحييت أن لا أجيب، فأجبت ثم كتبت الإجابات على ورقة لكي أراجعها بعد عودتي من الحجّ.
يقول: عندما راجعت المسائل لاحظت أني أخطأت في اثنتي عشرة مسألة؛ كانت خلاف الإجماع، أي أنّني قمت بتعليم الناس خطأ ! .
إنّ كلّ طالب علم دينيّ معرّض ـ اليوم وغداً وفي أيّ وقت ـ لهذه الأمور والحالات، فليهتمّ بتحصيل العلم أكثر.
صحيح أنّ لديكم اهتماماً بالعلم، ولكن ليزدد اهتمامكم، واعلموا أنّ العلم يعني النجاة من كلّ طارئ، فإنّ الزمان قصير حقّاً نسبة لتلك الأمور. ولو أنّ أحدنا يعمّر مئة سنة، فهو قليل تجاه ما يجب عليه، فكيف وأعمارنا أقصر من ذلك؟!
نسأل الله سبحانه ببركة النبيّ الأكرم وأهل بيته الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أن يبصّرنا في هذا المجال أكثر من ذي قبل، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.


(1) بحار الأنوار: ج1، ص185، ح102، باب1، فرض العلم... .
(2) سورة الذاريات، الآية: 56.
(3) فلاح السائل لابن طاووس: ص127.
(4) حقّاً لو أنّ هذا التعبير لم يرد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وعلى لسانه، لما أمكن لأيّ عالِم ـ غير أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم ـ أن يتفوّه بمثله أبداً؛ إذ كيف يكون النوم ـ مع أنّ النائم لا يعمل شيئاً ـ خيراً من الصلاة، وهي رأس العبادات وأهمّها؟ نعم لو كانت الصلاة باطلة، كان عدمها خير من وجودها، والنوم تركٌ أي عدم، ولكنّ الحديث لم يقيّدها بالبطلان أو عدم القبول وما أشبه، بل فضّل النوم إن كان مع علم، على مطلق الصلاة ـ صحيحة أو باطلة ـ إذا كانت مع جهل.
(5) للشيخ النراقي (ت: 1209هـ).
(6) هو بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، للعلامة المجلسي (1037 ـ 1110هـ).
(7) مؤسّس الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة.
(8) ولذلك فإنّ ناقل القصة الأوّل يحتمل أن يكون الشيخ أو ضيفه.
(9) سورة الزمر، الآية: 47.
(10) ـ على حدّ تعبير بعض العلماء ـ فإنّ الكليني يروي هذا الحديث عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، فالسلسلة تقتصر على هؤلاء الثلاثة فقط: الكليني، وعليّ بن إبراهيم، وأبوه إبراهيم الذي ينقل القصّة التي شهدها بنفسه في مجلس الإمام الجواد عليه السلام.
(11) الكافي: ج1، ص548، ح27.
(12) سورة الزمر، الآية: 47.
(13) وهذا هو بيت القصيد وشاهدنا من هذه القصة.
(14) كمال الدين وتمام النعمة: ص507 ح37.
(15) روضة الواعظين للنيسابوري: ص11 في فضل العلم.