بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *
«وحلّني بحلية الصالحين، وألبسني زينة المتّقين في بسط العدل وكظم الغيظ وإطفاء النائرة وضمّ أهل الفُرقة وإصلاح ذات البين».
الفرقة تعني الانفصال، فالناس إذا كانوا مجتمعين على أمر واحد يقال إنّه لا توجد فرقة فيما بينهم، ولكن إذا اعتزل بعضٌ وانفصل عن الآخرين فهنا نقول إنّه حدثت الفرقة. وأهل الفرقة هم الذين ديدنهم الاختلاف والافتراق، ومن حلية الصالح وزينة المتّقي أنّه يحاول أن يجمع ويضمّ حتّى أهل الفرقة أي يعيدهم إلى الصفّ العامّ، والإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالى ويعلّمنا بدوره أن نطلب منه سبحانه الإعانة في هذا الأمر وهو ضمّ أُولئك الذين يفصلون أنفسهم عن الآخرين. هذه الخصلة الاولى.
أمّا الخصلة الثانية التي يطلبها الإمام سلام الله عليه فهي إصلاح ذات البين، أي بين الإخوة، والزوجين، والأصدقاء، أو بين الأُستاذ وتلميذه، والأب وابنه، والشخص وقريبه ... .
أمّا الذات ففسّرت في الكتب اللغوية بالحقيقة. فبذلك يعني إصلاح حقيقة البين. وقال بعض الأُدباء: إنّ «ذات» كلمة زائدة ككثير من الكلمات التي تزاد في التعابير اللغوية، خاصّة في اللغة العربية لغرض التأكيد وغيره.
ربّ سائل يسأل: ألا ترجع هاتان الجملتان إلى خصلة واحدة أم يطلب الإمام سلام الله عليه من الله تعالى خصلتين هنا؟
يقول اللغويون وتبعاً لهم الأُصوليون والفقهاء: إنّ الأصل في الواو المغايرةُ، إلا أذا كانت هناك قرينة على وحدة الأمرين. فمثلاً: لو قيل: جاء زيد وأبو عمر، فالمتبادر للذهن أنّ شخصين جاءا، وليس المقصود أنّ الجائي واحد وهو زيد الذي كنيته أبو عمرو. نعم قد تأتي الواو لبيان المعطوف عليه نفسه بتعبير آخر ولكن الأمر بحاجة إلى قرينة.
إذن يقتضي أن يكون «ضمّ أهل الفرقة» و «إصلاح ذات البين» أمرين متغايرين، ولكن هذا لا يمنع أن يكون بينهما عموم وخصوص من وجه، ولكن بعض العلماء قالوا: إن «ضمّ أهل الفرقة» يتناول الدائرة الواسعة أي المجتمع، أمّا «إصلاح ذات البين» فالمقصود به الدائرة الضيّقة وهي الأُسرة والعشيرة والأقرباء، وهذا له وجه لا بأس به في نفسه، وقد يستوحى ذلك من كلمة «فرقة» و «بين». وعلى كلّ حال فإنّ من الأُمور التي ينبغي للإنسان المؤمن أن يعنى بها في المجتمع، أي على الصعيد العامّ والواسع، أن يكون ديدنه الحيلولة دون حدوث الفرقة والاختلاف، كما عليه أن يسعى أيضاً من أجل الإصلاح على صعيد العلاقات الاجتماعية الأضيق كالعلاقات بين الإخوة والأقارب والزملاء، فهاتان الخصلتان تعدّان من حلية الصالحين وزينة المتّقين.
هنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال، وهو: هل الإمام السجّاد سلام الله عليه يدعو للاجتماع وعدم الفرقة دائماً ولنفسيهما من دون نظر إلى الحقّ والباطل؟ حاشا أن يكون الإمام سلام الله عليه يريد ذلك؛ لأنّ الإمام السجّاد عدل القرآن، والقرآن يقول: ﴿كان الناس أُمّة واحدة فبعث الله النبيين مبشّرين ومنذرين﴾(1) وهذا معناه أنّ الأنبياء هم الذين صاروا سبباً لحدوث الاختلاف والفرقة في المجتمع ولكنّه اختلاف من أجل الحقّ، لأنّ الناس كانوا مجتمعين على الضلال والباطل. أجل، الوحدة من الفضائل ولكن إذا كانت في إطار الحقّ والفضيلة وليس في إطار الباطل والرذيلة.
ثمة عبارة للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه بحقّ أهل الشام ينبغي الوقوف عندها - كما هو الحال مع كلّ كلمات المعصومين سلام الله عليهم - فهو يقول مخاطباً أهل العراق: «... والله لقد أحببت أن يدال هؤلاء القوم عليكم، بإصلاحهم في أرضهم، وفسادكم في أرضكم، وأدائهم الأمانة لمعاوية، وخيانتكم، وبطاعتهم له، ومعصيتكم لي، واجتماعهم على باطلهم، وتفرّقكم عن حقكم...» (2). فلا يقال للإمام سلام الله عليه: ما دام الاجتماع أمراً حسناً فهل يلامون عليه؟ لأنّ التوجّه للباطل إذا كان من فرد واحد فهو ضلالة واحدة، فإذا اتّجه اثنان إلى الباطل فهذه ضلالتان، فإن اتّجهوا ثلاثة صارت ثلاث ضلالات، وهكذا كلّما زيد اجتماع أهل الباطل زاد عدد الضالّين، فأين هو الحسن فيه؟!
فضمّ أهل الفرقة ممدوح ومطلوب إذا كان إلى الحقّ، لأنّ الاجتماع على الحقّ ضروريّ ولو حاد إنسان واحد عنه، فعلى المؤمن أن يسعى لإرجاعه وضمّه، وليس المطلوب الضمّ على أيّة حال.
ولنمثّل بمثال في هذا المجال من سيرة أهل البيت سلام الله عليهم: هناك رسالة مهمّة من الإمام السجّاد سلام الله عليه إلى الزهري(3) مرويّة في كتب الخاصّة والعامّة(4).
وهي رسالة مهمّة جدّاً تستحقّ تأليف كتاب في شرح كلّ كلمة منها - فقد رواها العامّة لأهميّتها فلم يشأوا أن تخلو كتبهم من رسالة بهذه الأهميّة، ولكنّهم لم يذكروا أنّها من الإمام السجّاد سلام الله عليه بل قالوا: كتب إليه بعض الصالحين!
يقول الإمام سلام الله عليه في رسالته إلى الزهري: «وأن تُسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظُلمة... جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم وجسراً يعبرون عليك الى بلاياهم»(5). فعمل الإمام هذا هو بحدّ ذاته ضمّ أهل الفرقة مع أنّه يريد تفريقه عن جمع أهل الباطل.
● ولنا في أبيه الإمام الحسين سلام الله عليه مثل آخر، فإنّ علماء السوء قالوا عنه إنّه شقّ عصا المسلمين، لأنّ يزيد كان حاكماً مسلماً وكان المسلمون يمارسون حياتهم وطقوسهم الدينية ولا وجود لخلاف فيما بينهم ولكن الحسين سلام الله عليه – بزعمهم - هو الذي أوجد الخلاف، ونقول في جوابهم: إنّ هذا الخلاف والافتراق الذي أوجده الإمام الحسين سلام الله عليه هو من أهمّ الواجبات بل كان أهمّ الواجبات في زمانه سلام الله عليه، فإنّ الافتراق عن حكومة الحقّ - كحكومة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه - هو الضلال بعينه، وههنا يجب السعي لضمّ أهل الفرقة، أمّا إحداث الفرقة في صفوف أهل الباطل فهو من الفضائل والواجبات.
● لقد كان صفوان الجمّال من خيرة أصحاب الإمام الكاظم سلام الله عليه، فأكرى جماله لهارون العبّاسي لسفر الحجّ، فبلغ ذلك الإمام سلام الله عليه فقال له كلمة عظيمة؛ قال:«كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً». ولاشكّ أنّ هذا تقريظ عظيم من الإمام المعصوم سلام الله عليه، ممّا يكشف عن عظمة منزلة صفوان، ولكن الإمام استنكر عليه إكراءه جماله لهارون. فقال صفوان: يابن رسول الله، هذا يريدها للحجّ. فقال له الإمام: أتحبّ بقاءهم حتى يخرج كراك؟ قلت: نعم. قال سلام الله عليه: فمن أحبّ بقاءَهم فهو منهم(6).
هذا والإمام كان يعلم أنّ هارون سيعرف السبب، وبالفعل جاء هارون في اليوم الثاني فاعتذر له صفوان بأنّه باعها كلّها.
● وقد نقل عن الإمام الصادق سلام الله عليه قوله: لا تبنِ لهم مسجداً! مع أنّ الإمام يعلم عظمة المسجد والصلاة فيه ولكنه كان يعلم كذلك أنّهم سيتّخذون منه شعاراً لتقوية ظلمهم من خلال إشعار الناس بأنهم اهل تقوى وصلاح؛ فيلتفّون حولهم في تقوية سلطانهم والدين منهم براء، وإلاّ فإنّ الإمام الصادق سلام الله عليه هو القائل: «من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنّة»(7).
تقدّم أنّ ضمّ أهل الفرقة يقع في الدائرة العامّة من المجتمع، أمّا إصلاح ذات البين فالمقصود به الدائرة الأصغر كالعائلة والعشيرة .. .
فلقد روي عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أنّه قال في وصاياه: «أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله، ونظم أموركم، وصلاح ذات بينكم فإنّي سمعت جدكما صلّى الله عليه وآله، يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام»(8) أي المستحبّة. وهذه الوصية رويت باستفاضة إن لم نقل إنّها من المتواترات، ولقد رويت بأسانيد متعدّدة.
وهنا نكتة أدبية لا بأس بالإشارة إليها، وهي أنّه وردت في بعض الأدعية أو الأحاديث عبارة «إصلاح ذات البين» فيما وردت في بعض آخر منها عبارة «صلاح ذات البين» والمؤدّى واحد؛ لأنّ الصلاح إمّا أنّه نتيجة الإصلاح، لأنّك إذا رفعت الفساد وأصلحت بين اثنين فإنّ نتيجة هذا الرفع هو الصلاح، وإمّا أنّه يراد دفع الفساد قبل وقوعه، كما لو أحسست أنّ خلافاً ما سيحدث بين زيد وعمرو فبادرت إلى عمل ما من شأنه الحيلولة دون وقوع هذا الاختلاف المؤدّي حتماً إلى النزاع وفساد العلاقة فيما بينهما، فقد يطلق على عملك هذا صلاحاً وليس إصلاحاً لأنّه لم يكن ثمّة فساد لتصلحه وإنّما حُلت دون وقوعه من قبيل: الوقاية خير من العلاج.
للإمام الحسن سلام الله عليه جملة رائعة تنفعنا في مجال «إصلاح ذات البين»(9)، يقول الإمام سلام الله عليه لجنادة: «واعلم أنّه تطلب الدنيا والموت يطلبك»(10). فلو آمن الإنسان بهذه الكلمة وكانت حاضرة عنده دوماً لسهل عليه السعي في طلب الفضائل، ولا يتصارع من أجل حفنة من ركام الدنيا، لأنّه يعلم أنّ كلّ ما يطلبه من الدنيا لا محالة زائل، فإنّ ذكر الموت وحده كفيل بأن يحدّ من الشهوات.
جاءني شخص وسألني عن الحجّ فقال: لقد كنت مستطيعاً منذ عشرة أعوام ولم أحجّ، ولكنّي كتبت في وصيتي أن يحجّ أولادي بالنيابة عنّي، فقلت له: إنّ تسويف الحجّ من المحرّمات الكبيرة، وأقنعته بأن يحجّ هو بنفسه، وإن لزمه أن يقترض المال، لأنّه كان مستطيعاً كما تبيّن لي، وأبدى استعداده ـ وكنّا في شهر ذى القعدة ـ وودّعته وانصرف.
وبعد أسبوع دعيت للصلاة على جنازته، وعندما وصلت المكان لاحظت أبناءه موجودين هناك وتبيّن لي أنّ الأجل لم يمهله، وقال أبناؤه: لم يكن به شيء ولكن أُصيب بسكتة قلبية. فهمست في أُذن أحدهم أنّ عليهم أن ينفّذوا ما كتبه لهم في وصيته التي أخبرني عنها قبل موته بأسبوع، وذلك بأن يبعثوا شخصاً خلال هذه السنة أي في غضون أيّام أو أسابيع لكي يحجّ نيابة عنه، فهذا يعدّ من أوجب الواجبات.
إن على الإنسان أن يضع الموت نصب عينيه دائماً، فإذا فعل ذلك خفّت حدّة شهواته واستطاع أن يعمل على ضمّ أهل الفرقة وإصلاح ذات البين بنحو أحسن، ولا يكترث للأعذار الواهية. روي في الحديث الشريف: «... فإنّك لا تدري ما اسمك غداً»(11)
نسأل الله تعالى ببركة أهل البيت سلام الله عليهم أن يوفّقنا للفضائل وتجنّب الرذائل وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.