بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *
يقول الإمام سلام الله عليه:
« اللهم وفر بلطفك نيتي وصحح بما عندك يقيني ».
تقدم الحديث في المحاضرتين السابقتين عن توفير النية، وهنا نتحدث عن الفقرة الثانية في هذا المقطع من الدعاء وهو تصحيح اليقين.
إن أعلى درجات العلم عند الإنسان هو اليقين. فقد يسير الإنسان على طريق ما بهدف الوصول إلى غايته، ويكون شاكاً في سلامة هذا الطريق وصوابه، ويصل مع ذلك إلى مرامه ومقصوده إن استعمل الاحتياط. وقد يسير الإنسان على الظن، فيكون احتمال نجاحه أكبر. ولكن مهما قوي الظن فإنه لا يبلغ مرحلة اليقين، لأن اليقين أعلى مرتبة في العلم يمكن أن يبلغها الإنسان.
بيد أنه حتى اليقين كثيراً ما ينكشف أنه كان خلاف الواقع، فهناك حالات كثيرة من اليقين يتبين أن الإنسان كان مخطئاً فيها.
وهذا الانكشاف قد يكون بعد آن وقد يكون بعد مرور أشهر، وقد لا يتحقق إلا بعد مرور سنوات – وهناك أمثلة كثيرة على هذا الأمر – وأحياناً قد لا ينكشف زيف يقين ما إلا في الآخرة والعياذ بالله، وهذه هي الطامة الكبرى.
٭ أعرف شخصين كانا صديقين عشرات السنوات يثق كل منهما بالآخر تمام الثقة، ولكنهما اختلفا في كبر سنهما حتى انتهى بهما الأمر إلى أن اشتكى كل منهما على الآخر واستمرا علی الشكوى وصرفا الأموال ولم يتصالحا أو يصلا إلى نتيجة إلى أن ماتا. قال لي أحدهما مندهشاً ذات مرة: إنني أعرف فلاناً (يعني صاحبه) منذ أربعين سنة وكنت أثق به كثيراً، فكيف تصرف معي هكذا؟ وكان يتساءل: هل كانت ثقتي به كل هذه المدة في غير محلها؟
٭ مثال آخر: شخص يتعب نفسه سنين كثيرة في جمع ثروة كبيرة، ثم يبدو له أن يحوّلها إلى عملة قوية – كالدولار مثلاً – ويتبين له بعد فترة أن الأوراق النقدية التي استلمها مزورة، أو سجلت العملة التي كان يفكر في صعودها هبوطاً مريعاً بحيث ذهبت بأرباح سنين طويلة من التعب والعناء في التجارة والكسب.
٭ والأمثلة كثيرة في كل مجالات الحياة، كما لو يتزوج شخص بامرأة بعد البحث والسؤال ثم يتبين له أن الواقع يخالف ما قيل له؛ أو تلميذ يثق بأستاذ يتبين له بعد ذلك أنه لم يكن لائقاً، أو العكس…
إن اليقين الخاطئ هو ما يصطلح عليه بالجهل المركب. ومن يستطيع أن يصححه غير الله تعالى؟ فان الإنسان في شدة قوته هو في منتهی الضعف، ولذلك يقول الإمام صلوات الله عليه: إلهي أنت صحح بما عندك يقيني.
لو كان غير الإمام المعصوم سلام الله عليه يدعو طالباً تصحيح اليقين لقال: اللهم صحح يقيني، ولكن الإمام سلام الله عليه قال: «اللهم صحح بما عندك يقيني» فكان اختياره لكلمة «بما عندك» في غاية الدقة والروعة؛ ومعناه: يا إلهي أنا لا أعرف أسلوب تصحيح اليقين، لأن المرء عندما يكون متيقناً بشيء فمعناه أن متيقن بصحته فكيف يصححه؟ أجل إن الله قادر على أن يبدل يقين الإنسان من اليقين الزائف إلى اليقين الصحيح.
روي عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أنه قال: «إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار»(1).
فمن يعبد عبادة العبيد يدفعه خوفه من النار للامتثال، فلا يكذب ولا يظلم ولا يرتكب ما حرم الله تعالى خوفاً من نار جهنم، ويقوم بالطاعات والواجبات للسبب نفسه، فهو يصلّي ويصوم ويتصدق على الفقراء لتحاشي الوقوع في العذاب. وهذه مرتبة من اليقين أيضاً وإن كان سببها الخوف، ولكنها مقبولة على كل حال، والالتزام بهذا الحد جيد جداً، وما أسعد الناس لو التزموا بهذا الحد وبهذا المقدار. ولكن إذا ما قورنت هذه الحالة وهذا المقدار بمن يعبد الله لأنه أهل للعبادة فإنها ستبدو ناقصة أو كالأعور في مقابل من له عينان. فالأعور لا يمثل الحالة الفضلى ولكنه أحسن من الأعمى على كل حال، ولا مناقشة في الأمثال.
وهناك من يعبد الله تعالى طلباً لثوابه وطمعاً في الجنة التي حشوها البركة؛ نقرأ في الدعاء بعد صلاة النافلة في يوم الجمعة: اللهم اجعلني من أهل الجنة التي حشوها البركة(2) أي ملئها بركة وكل ما في داخلها بركة، فما من شيء فيها إلا وهو مبارك، والبركة تعني النعمة الدائمة ولا توجد نعمة دائمة في الدنيا لأنها لا محالة تنتهي بموت الإنسان مهما طال به العمر. أما الجنة فنعيمها دائم. وأكبر النعم في الجنة رضوان الله تعالى؛ يقول تعالى: ﴿ورضوان من الله اكبر﴾(3) أي علم أهل الجنة بأن الله راض عنهم هو من أكبر النعم.
لتوضيحٍ أكثر نقرّب الموضوع بمثال:
لو أنك كنت تقدّس شخصاً ما ولنفرض مرجعك الديني، وقمت بزيارته فأكرمك وأنعمك وأطعمك وأعطاك مالاً بل أعطاك من وقته واهتمامه بعض الشيء، ولكنك لا تعلم هل هو في قلبه راض عنك أم لا، فإنك لا تشعر بقيمة كل الأمور التي قدمها لك، ولكن إذا كنت تعلم بأنه راض عنك فسيكون رضاه أهم شيء وأكبر مكسب عندك. ومرجع التقليد مثال في المقام وإلا فقد يكون من تحب أباك أو صديقاً عزيزاً أو زوجاً ولكننا ضربنا بمرجع التقليد مثالاً للأمور المعنوية.
وهكذا الحال في شعور المؤمن باللذة في الجنة، فإن أكبر مكافاة له هي شعوره برضا الرب تعالى عنه.
ولكن تبقى هذه الحالة أيضاً على سموها عبادة تجار – كما عبّر عنها الإمام سلام الله عليه – وهي أدنى مرتبة من عبادة الأحرار التي لا تنبع من خوف ولا طمع بل من يقين بأن الله تعالى يستحق العبادة.
سئل الإمام زين العابدين سلام الله عليه: يابن رسول الله إذا كنت لا تعبد الله خوفاً ولا طمعاً فلماذا تعبده إذن؟ فقال سلام الله عليه – ما مضمونه - : أعبده لأنه أهل لأن يُعبد.
لتوضيح هذه الحالة أيضاً نستعين بالمثال الذي ذكرناه آنفاً عن علاقة المكلف بمرجعه الديني:
هب أن لأحد المراجع خادماً وصديقاً ومقلداً. أما الخادم فتراه مجدّاً في عمله مخافة أن يطرده المرجع ويبدله بآخر إن لاحظ أنه لا يؤدي مهمته على الوجه المطلوب؛ ليس لأن المرجع عدو له بل لأن الهدف الذي كان يتوخاه المرجع منه لم يتحقق. فهو يعمل بجد ولا يتخلف عن الحضور في الأوقات المطلوبة للخدمة مخافة الطرد أو الاستغناء عنه.
أما الصديق فتراه هو الآخر يحاول أن يحبّب - أو يقرّب - نفسه للمرجع ولكن بدافع مختلف عن دافع الخادم، لأنه لا يبتغي مالاً من وراء ظهوره أمام المرجع بالمظهر اللائق الذي يجعل المرجع يرتاح إليه.
بيد أنه هو الآخر يبحث عن منفعة ولا شك وإن لم تكن المنفعة مادية مباشرة، كما لو كان يحاول أن يكسب ثقة المرجع ليكون من مقربيه ومن حاشيته فقط، فينال حظوة أو مكانة اجتماعية فيكون مؤثراً في المجتمع أو ذا كلمة مسموعة. وربما يحصل على فوائد مادية بسبب تلك الحظوة كما لو احتاج يوماً إلى المال وكان عند المرجع أموال لاستئجار قضاء عبادات مثلاً، فيعطيها المرجع له لأنه من الذين يثق بصلاحهم بزعمه، أو يقبل شفاعته ووساطته وما أشبه.
وأما المقلد فإنه لم يقلد هذا المرجع خوفاً ولا طمعاً بأي نفع مادي أو اجتماعي وإنما قلده لأنه رآه أهلاً لذلك. فإذا قال المرجع إن الصلاة كذا قال سمعاً وطاعة، وإذا قال الخمس كذا نفّذ مقالته بلا منّة.
فهذا المقلد إنما يطيع أقوال المرجع ويتمثل أوامره لأنه في نظره ممن يجب تنفيذ أقواله وامتثال أوامره فهو مرجعه المتخصص في الشؤون الشرعية، وليس خوفاً من طرده كالخادم ولا طمعاً في كسب ثقته كالصديق.
وهكذا هي حال الأئمة سلام الله عليهم في علاقتهم بالله تعالى فهم لا يعيدونه خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته وإنما لأنه أهل للعبادة.
الإنسان المؤمن بالغيب وبأن المقادير كلها بيد الله تعالى ينعم براحة بال دائمة وطمأنينة واستقرار، لأنه يعتقد أن كل ما يصيبه إنما هو بقضاء من الله وقدر؛ يقول تعالى: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾(4).
ولكن هذا لا يعني أن لا يعمل المؤمن بالشروط والأسباب الطبيعية (التي كتبها الله تعالى أيضاً) مبرراً فشله بعد ذلك بأنه مكتوب عليه من الله سبحانه. فلو أن طالباً تقاعس عن الدراسة ولم يصبح عالماً رغم مرور السنين، فهذا لا يمكنه القول إن الله عز وجل كتب عليه الجهل والتخلف. أجل يمكننا القول إن الله تعالى كتب أن طريق الرقي العلمي هو الجد والاجتهاد، ولابد من سلوكه للوصول إلى الهدف، ولا شك أن من لا يسلك الطريق لا يصل إلى الغاية. والشيء نفسه يصدق على كل مجالات الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية، فكما أن الله تعالى سن قوانين تشريعية مثل
﴿كتب عليكم الصيام﴾(5) وغير ذلك من الفروض والواجبات أو النواهي والمحرمات مثل ﴿حُرِّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير…﴾(6) وغيرها، فكذلك هنالك لله عز وجل سنن كونية وقوانين تكوينية يستتبع التخلف عنها شقاءً لازماً.
أجل إذا عمل الإنسان بالأسباب الظاهرية ولم يوفق حق له القول: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ الآية.
من يصحح اليقين غير الله عز وجل؟
اعرف شخصين كانا صديقين حميمين توفي أحدهما والآخر ما زال حياً، وقد أساء الأخير الظن بالأول في حياته بسبب بعض القرائن وصرّح له بذلك أيضاً، لأنه كان يزعم أنه متيقّن من الأمر، وبعد موته انكشف له أن ظنه كان خاطئاً وأن صديقه كان بريئاً! فتألم كثيراً لذلك، ولقد رأيته يبكي بحرقة، وعندما سألته عن السبب قال لي: أنا لا أبكي لموته ولكن لما صارحته به من فقدان ثقتي به، مع أن الأمر كان خلاف الواقع. ومثل هذا الشخص يبقى معذباً إذا كان صاحب وجدان وضمير حي.
والعكس بالعكس، فرب شخص اعتمد علی صديق ووثق به ثقة مطلقة، فأودعه أسراره وكشف له عن أموره الخاصة، ثم تبين له بعد ذلك أنه كان جاسوساً عليه ينقل أخباره إلى أعدائه!
فمن الذي يصحح يقين الإنسان؟ لا يوجد أحد غير الله عز وجل، ولا طريق لذلك إلا الدعاء! قال تعالی: ﴿قل ما يعبا بكم ربي لو لا دعاؤكم﴾(7).
إن الإنسان الذي لا يدعو الله تعالى لا يستحق العناية الإلهية، ومن لا يستحق العناية فليس من الحكمة أن يُعطاها. إن الطفل مهما كان عزيزاً عند أبويه فإنهما لا يعطيانه شيكاً نقدياً كبيراً ليلعب به مع الصبية في الطرقات، لأنه غير مدرك لقيمته، وقد يباغته شخص ويسرقه منه. فإذا كان الأبوان حكيمين فإنهما لا يعطيانه الشيك مهما بكى وألحّ، إذ ليس من الحكمة إعطاؤه. وهكذا الإنسان غير المستحق لعناية الله تعالى، ليس من الحكمة أن يعطاها، ولذلك يبقى على حاله ﴿قل ما يعبا بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ الآية.
التاجر يركض ليل نهار خلف المال وطالب العلم خلف العلم أما الطفل فلا يركض خلف العلم ولا خلف المال لأنه لا يعرف قيمة العلم ولا قيمة المال!
ولذلك نرى الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين يتضرعون إلى الله عزل وجل في دعائهم، تضرعاً لا نبلغه، وهم الذين خلقهم الله تعالى في الذروة وطهرهم من كل رجس مادي ومعنوي، وهم يعلمون أحسن منا أنهم أكرم البشر على الله تعالى. والروايات في هذا المجال كثيرة وما وصلنا لا يشكل إلا نزراً يسيراً لأنهم سلام الله عليهم كانوا يعبدون الله في الخفاء أكثر من العلن، وهذا هو المتوقع ممن يعبد الله عز وجل لأنه وجده أهلاً للعبادة.
ولا بأس بأن نعيد التذكير بالمثال المتقدم عن علاقة المكلف بمرجع التقليد لكي يتضح لنا الحال هنا أيضاً مع الفارق، فنقول: أليس المكلف يطبق أعماله على فتوى المرجع الذي يقلده ولا يهمه إن كان يراه الآخرون أم لا، فإن المطابقة هي المطلوبة وليس المشاهدة؟ أليس المكلف إذا نهض إلى صلاة الليل توضأ وصلى وفق فتاوي مجتهده مع أنه قد لا يراه أحد؟ وهكذا عندما يحج وفق فتواه ويخرج خمس أمواله ويعطيها من يعول دون أن يجد في نفسه غضاضة، وما ذلك كله إلا لأنه وجده أهلاً للتقليد فقلّده أمور دينه.
وهكذا الحال مع المعصومين سلام الله عليهم فإنهم لما رأوا أن الله أهل للعبادة، بالغوا في عبادته ودعائه والتضرع إليه، وما ظهر لنا في هذا المجال لا يمثل إلا القليل القليل مما لم يظهر أو لم يُنقل.
الظاهر من عبارات الإمام السجاد سلام الله عليه في هذه الجمل أنه عندما طلب توفير النية ذكر سببه أيضاً وهو لطف الله تعالى فقال: اللهم وفر بلطفك نيتي، وعندما طلب استصلاح الفاسد اعتبر أن ذلك لا يمكن إلا بقدرة الله تعالى فقال: واستصلح بقدرتك ما فسد مني، ولكنه عندما طلب تصحيح اليقين، وهو كما قلنا أهم ما يبني عليه الإنسان العاقل حياته - فهو أهم شيء عنده وهو أساس كل أساس وجذر كل جذر- ههنا أوكل الإمام حتى تعيين السبب والوسيلة إلى الله، فلم يقل بلطفك أو قدرتك أو أي صفة من صفات الله تعالى بل قال: "بما عندك" أي بالصفة التي تراها أنت يا إلهي؛ ما يکشف أن موضوع تصحيح اليقين مشكل جداً، لأن الإنسان إذا كانت نيته غير صالحة فهو يعلم بذلك بل الإنسان على نفسه بصيرة(8) وإذا كان أمره فاسداً فهو أيضاً عالم بذلك، ولكن أنی له أن يعلم أن يقينه غير صحيح وهو علی يقين!
ولفظة «ما» الموصولة - كما نعلم - تستعمل للعاقل وغير العاقل، للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث على السواء، فهي أعم لفظة.
ولا يقال إن الإمام لم يذكر السبب هنا لأنه قد لا يكون بمستوى أفهامنا.
لأنه سلام الله عليه ليس بصدد التفسير والبيان لنا، بل هو في حالة سؤال من الله تعالى.
المطلوب تصحيح اليقين في الدنيا
إن تصحيح اليقين بعد انكشاف الأمر في الآخرة لا يجدي بل المطلوب أن ننتبه إلى واقع حالنا قبل الموت والآخرة، فلا نكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا﴾(9) فهؤلاء سيكتشفون يوم القيامة أن عملهم كان هباء منثوراً!
أرأيت إلى الهباء؟! إنها الذرات المتطايرة في الهواء التي لا يمكن مشاهدتها بالعين المجردة ولكن إذا دخلت حجرة ما في النهار ضحىً وكان فيها ثقب تدخل منه أشعة الشمس إلى الحجرة فسترى ذرات تتطاير في نور الشمس المتدفق إلى الحجرة.. هذه الذرات المتطايرة هي الهباء، إنها تتطاير بسرعة مع أنه لا رياح قوية طبيعية أو صناعية تدفعها، وباب الحجرة قد يكون مسدوداً أيضاً، ولا حاجة لأن تنفخ حتى تتطاير هذه الذرات وتتناثر بل يكفي أن تضع كفك في موضع منها لترى كيف تفرّ الذرات جانباً، فحركة الأصابع وحدها تموّج الهواء وتجعل الذرات تتطاير. يقول الله تعالى عن أعمال الكفار أنها كالهباء المنثور. والهباء منثور بطبعه، فوصف الله عز وجل أعمال الكافرين بأنها كالهباء المنثور زيادة في بيان تفاهتها وعدميتها.
صحيح أن الآية في سياق بيان عمل الكفار، ولا تشمل المؤمنين - إن شاء الله - ولكن هناك أحاديث مستفيضة عن رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهما، ومنها: أَنَّ أَميرَ الْمُؤمنينَ عَليّاً سلام الله عليه أُتيَ بخَبيصٍ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ. قَالُوا: تُحَرِّمُهُ؟ قال: لا ولكني أَخْشَى أَن تَتَوَّقَ إليه نَفْسي. ثُمَّ تَلا: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتكُمْ في حَياتكُمُ الدُّنْيا»(10). فإذا كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والإمام سلام الله عليه يخشيان أن يحرما من بعض حلاوات الآخرة بسبب انسياقهما لحلاوة دنيوية وإن كانت محللة فيكونا مشمولين - ولو بنسبة مهما كانت ضئيلة - للآية المباركة والنبي صلى الله عليه وآله أشرف الأولين والآخرين، والإمام أمير المؤمنين سيد الوصيين وخليفة رسول رب العالمين، فكيف لا نحس نحن أنه قد نُشمل بالملاك نفسه لقوله تعالى ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً﴾(11) بسبب اليقين الخاطئ الذي انطوينا عليه والعياذ بالله؟
إن الشيطان جاهز دائماً، وبمجرد ما يرى الإنسان يخرج من الإفراط يدفعه نحو التفريط، وبالعكس أي ما إن يراه خرج من التفريط حتى يسوقه إلى الإفراط. ولذلك لا ينبغي لنا أن نوسوس في كل يقيننا لمكان تأثرنا بهذا المقطع من دعاء الإمام زين العابدين سلام الله عليه. ولكن ينبغي لنا أن نعرف أيضاً أن الشيطان لا يدخل إذا ما وجد الأبواب موصدة في وجهه، لأنه لا يمكن أن يدخل من الباب الموصدة – كما روي – وإنما الشيطان كاللص لا يستطيع أن يقتحم الدار إذا كانت الأبواب مقفلة. والشيطان لا يتسلّق عادة بل يأتي من الباب المفتوحة مهما كانت الفتحة صغيرة، فهو يدفع بقوة ليفتح الباب غير المقفلة وغير المسدودة بإحكام. فلنكن يقظين دائماً ولا نترك مجالاً ولا فتحة يستغلّها الشيطان. أسأل الله ببركة أهل البيت سلام الله عليهمأن يصحح يقيننا کله.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.