بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *
«اللهمَّ صلِّ على محمد وآله، وحلّني بحلية الصالحين... وطيب المخالقة، والسبق إلى الفضيلة».
لاشك أن الإنسان المؤمن يطمح لأن يكون من عباد الله الصالحين والمتّقين، ولكن لا بد لذلك مقدّمات، ومراحل كفيلة بأن تؤدّي إليه. هذه المقدّمات أشار إليها الإمام السجّاد سلام الله عليه في هذا المقطع من الدعاء، ومن جملته قوله «وطيب المخالقة والسبق إلى الفضيلة»، فقد عدّهما سلام الله عليه مقدّمتين هامّتين من مقدّمات تحقّق التقوى والصلاح في الإنسان.
لم ألحظ في قصائد شعراء العرب أو كلمات فصحائهم أنهم قد أضافوا عبارة «الطيب» إلى «المخالقة» كما فعل الإمام سلام الله عليه في هذه الجملة. ومن ثم فإنّ هذا التفرّد في التعبير يعكس روحاً أدبية وعلمية ونفسية رفيعة للغاية. ولو تدبّر أدباء العرب في هذه الكلمة الرائعة لغاصوا في بحورها فأخرجوا بديع معانيها وجمال الذوق فيها. ولعلّ كلّ من له أدنى إلمامة بالأدب يكتشف بعض كنوز ما قاله الإمام سلام الله عليه في هذه الكلمة.
إن مفردة «طيب» هي نعت يشير في أصله إلى معنى حقيقي ذاتيّ غالباً، فيقال عادة: أطاب، إذا تكلّم بكلام طيب، لأن الطيب أمر حقيقي ذاتي وليس أمراً ظاهرياً، وإلا لكان المقتضي أن يقول الإمام سلام الله عليه: «حسن المعاشرة» لما بينهما من تناسب وانسجام، أما قوله سلام الله عليه:
«طيب المخالقة» فبحاجة إلى تأمّل.
ولتصوير المعنى المراد بشكل أوضح نمثّل لذلك فنقول:
يطلق عادة على الأكل اللذيذ بأنه طعام طيّب؛ نظراً لوجود المقبّلات ذات النكهة الطيّبة فيه مع الطهي الجيّد، كما يطلق على المسك والعنبر مثلاً أنهما من الطيب.
إن موارد الاستعمال لهذه الكلمة، سواء في القرآن الكريم ـ الذي هو القمّة في البلاغة العربية جمالاً ودقّة ـ أو في كلمات نهج البلاغة وسائر مرويّات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام أو في قصائد فطاحل الشعراء مثل البحتري وأبي تمام والمتنبّي ومن سبقهم كامرئ القيس وغيرهم، غالباً ما كانت تأتي بكلمة «طيب» لتستعملها في أحد موردين:
الأول: في الأمر الذاتي كما في المسك وسائر الأنواع الطبيعية حيث تسمى طيباً. (1)
الثاني: في الأمر الواقعي كما في الأطعمة الطيبة بسبب ممازجتها بما يجعلها كذلك.
أما استعماله لإرادة معنى جديد عبر الجمع بين كلمة الطيب وإضافتها إلى مفردة أخرى للخروج بمعنى ثالث يوحي بذاتية الأمر، فلعلّه مما تفرّد به الإمام السجاد سلام الله عليه في هذا الدعاء، إذ جمع سلام الله عليه بين هاتين الكلمتين، فلم يقل: حسن المخالقة، لأن ذلك كان سيدلّل على رغبته سلام الله عليه في أن يكرمه الله تعالى بحالة خارجية، قد يكون باطنها غير ظاهرها ولكنه بقوله: «طيب المخالقة» يكون قد طلب من ربه تبارك اسمه حاجة داخلية يتكافأ فيها الباطن مع الظاهر.
ولعلّ من النكات الخاصّة بهذا الاستخدام، أنه صلوات الله عليه أراد أن يضمّن مفردته أو يشربها معنىً آخر، حيث يأتي بتعبير واسع ثم يربطه بكلمة ما، ليستخرج من هذا الربط معنى جديداً.
أما المخالقة فتعني لغةً: التعامل الخلقي أي المعاشرة، فالمعاشرة أمر ظاهري يعكس تعاملاً خلقياً مع الآخرين، فمن المخالقة مثلاً إجابة الدعوة إلى الطعام وغيره من الأمور الحسنة والتكلّم مع الناس والإصغاء إليهم، والتعامل معهم عموماً، فهي إذن أمرٌ أكثر ما يرتبط بالحواس الخمس؛ العين والأنف واللسان والأذن والبشرة، ولذلك قيل في المخالقة: المخالطة والاستيناس.
فتارة ينظر المرء إلى أخيه بعين المحبّة وأخرى بعين الغضب، وقد يصغي إليه وقد يسمعه فقط، وقد يصافحه بحرارة، وقد يقدّم يده إليه ببرود ليجامله وهكذا.
فهذه جملة من مصاديق المخالقة ذات العلاقة بالجانب المرئيّ من الإنسان والذي يطلق عليه اسم المخالطة أو المعاشرة، ولعلّ ما نسبته تسع وتسعون بالمئة من مصاديق المعاشرة ـ على اعتبار أن المعاشرة أعمّ من المخالقة ـ مرتبط بهذا الجانب.
فإذا قرنت المخالقة مع الطيب حصلت صورة جديدة تؤدّي إلى تصوّر الصدق في العلاقة بين الإنسان ومن حوله، وكأنّ هذه العلاقة طيّبة ذاتاً ومنذ البداية وأنها من الصميم. فالابتسامة الصادرة عبر طيب المخالقة توحي بأنها قد خرجت من القلب، ولا يراد بها المجاملة، وتعرف الكلمة الجارية على اللسان بأنها كلمة صدق وليست مراوغة يراد بها المكيدة والخداع.
فطيب المخالقة ـ إذن ـ تعني إحراز الصدق وإبرازه في التعامل مع الناس.
فلنسع إلى غرس طيب المخالقة في نفوسنا، وهذا يعني صفاء ذواتنا ونقاء سرائرنا وسلامة قلوبنا من الكدورة. وليس ثمة شيء يمكن أن يحققه الإنسان أكثر من هذا الأمر.
يشهد المخالف قبل المؤالف أن أهل البيت سلام الله عليهم كانوا يتمتعون بطيب المخالقة على أعلى ما يمكن تصوّره من المستويات بل إن ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله «نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد»(2) قد أشار إلى عدم إمكانية تصوّر مستوياتهم، بما في ذلك مستوياتهم الخلقية، ولذلك فإنهم كانوا صادقين في علاقاتهم مع الناس، فسموا عن كلّ ما من شأنه أن يغضب الله عز وجل، في كل المواقف وتحت وطأة مختلف الظروف؛ سواء كانوا حاكمين أو محكومين، كباراً أو صغاراً ظاهرين أو مستترين.
فالإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه هو نفسه في عهد مولاه النبي المصطفى صلى الله عليه وآله، وهو نفسه بعد وفاته صلى الله عليه وآله، وكذلك في أيام حكمه سلام الله عليه، لم يتغيّر في خلقه شيء.
فقد روى العامة والخاصة بل غير المسلمين أيضاً، قصّة شراء الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه قميصين أعطى أفضلهما خادمه قنبراً(3)، مع أنه سلام الله عليه كان يرأس أكبر حكومة على وجه الأرض ويرتقي المنبر ويلتقي كبار الرجال من مختلف الديانات والمذاهب والأقوام، ولم يتصرّف سلام الله عليه ذلك التصرّف إلا لأن خلقه من سنخ خلق الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، فقالها سلام الله عليه مدويّة: «إن الله عز وجل قد فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ (أي يهيج) بالفقير فقره»(4).
بل إن سيرة آل البيت سلام الله عليهم كانت ذات صبغة واحدة، سواء كان الإمام منهم حاكماً قائماً بالأمر أو مقصىً عنه، فقد روى يونس بن ظبيان عن سيرة الإمام الصادق سلام الله عليه قال:
كنت عند أبي عبد الله عليه السلام بالحيرة أيام مقدمه على أبي جعفر في ليلة صحيانة مقمرة، قال: فنظر إلى السماء فقال: «يا يونس، أما ترى هذه الكواكب ما أحسنها! أما إنها أمان لأهل السماء ونحن أمان لأهل الأرض».
ثم قال: «يا يونس، فمر بإسراج البغل والحمار».
فلما أسرجا قال: «يا يونس أيهما أحبّ إليك البغل أو الحمار؟».
قال: فظننت أن البغل أحبّ إليه لقوّته، فقلت: الحمار.
فقال: «أحبّ أن تؤتوني به».
قلت: قد فعلت.
فركب وركبت.
ولما خرجنا من الحيرة قال: «تقدم يا يونس».
قال: فأقبل يقول: « تيامن.. تياسر ».
فلما انتهينا إلى الذكوات الحمر قال: « هو المكان؟ ».
قلت: نعم.
فتيامن ثم قصد إلى موضع فيه ماء وعين، فتوضّأ، ثم دنا من أكمة فصلّى عندها ثم مال عليها وبكى، ثم مال إلى أكمة دونها ففعل مثل ذلك، ثم قال: «يا يونس افعل مثل ما فعلت».
ففعلت ذلك، فلما تفرّغت قال لي: «يا يونس تعرف هذا المكان؟».
فقلت: لا.
فقال: « الموضع الذي صلّيت عنده أوّلاً هو قبر أمير المؤمنين عليه السلام، والأكمة الأخرى رأس الحسين بن علي بن أبي طالب »(5).
وهناك قضية يجب الانتباه لها، وهي أن المخالقة إن لم تكن نابعة من داخل الإنسان، فإنه سيبتلي بالتعرّض للضغوط النفسية الشديدة، جرّاء تصعنه ونفاقه وتذبذبه، الأمر الذي يؤدي الى عجزه في المحافظة على سلامته وصحّته، بينما إذا كان الفرد مؤمناً صادقاً بمخالقته ـ أي كان طيّب المخالقة ـ فإنه سوف ينطلق الى آفاق الحياة بكل أمن وسلامة.
إن من مميزات طيب المخالقة أنها تساعد الإنسان على مقاومة المشاكل، والصمود بوجه المشاكسين والمغالطين والمعاندين ومحاولة الوصول إلى برّ الأمان رغم كل الظروف.
ولقد رأيت شخصين لكلّ منهما قصّة، إذ ابتلي كلّ منهما بمشكلة مالية، فكان الأول مختلفاً مع شخص على نسبة حصّته من أرض يتنازعان فيها، فكان يدّعى أن نسبته 80% في حين كان لا يقرّ له خصمه بأكثر من 40% وكان لكلّ منهما أدلّته وشواهده، فكان الأول يتظاهر بحسن المخالقة ويقول: رغم ثقتي بكسبي للدعوى ـ فيما لو ترافعنا للمحكمة ـ إلا أني لا أقوم بذلك لأن الترافع ليس من شأني، كما أني لا أريد تعريض غريمي للهزيمة القضائية. ولكن هذا الشخص نفسه أصيب على أثر هذا الخلاف بانهيار أعصابه وهو ما أدّى إلى إصابته بالسكتة القلبية ومات على أثرها، وما ذلك إلاّ لأنه كان يتصنّع ويتظاهر بحسن السلوك وعدم الاكتراث، ولم تكن مخالقته نابعة من الداخل حتى أجهد نفسه وأتلف أعصابه.
أما الشخص الثاني الذي له قصّة مشابهة، فكان مثالاً حقيقياً لمن لا يكترث بالنواحي المادية، وكان طيّب المخالقة مع الناس، وذلك لأنه عندما أُخبر بأن بيته قد صودر، لم يكترث؛ وقال: إن الأمر ليس من شأنه أن يقلقني بالمستوى الذي يمكن أن يسوء فيه خلقي مع الناس، بل لا يمكنه أن يؤخّرني حتى عن موعد نومي الليلة.
ولعلّ من عمدة الأسباب في تفاوت سلوك الشخصين المذكورين، هو أن أحدهما لم يكلّف نفسه عناء ترويض ذاته وتأديبها وتعويدها على الصلاح الحقيقي، بينما الثاني ـ كما بدا من سلوكه ـ كان أكبر همّه صقل شخصيته من خلال تهذيب نفسه بالقدر الذي يجعلها طيّعة لأمر بارئها سبحانه وتعالى.
إذن يتبيّن من ذلك أنّ طيب المخالقة ينتفع بها صاحبها قبل أيّ شخص آخر، سواء على صعيد الدنيا أو الآخرة.
وعلى كلّ التقادير فإذا كان لدى المرء لسان جميل، أو نظرة إيجابية، أو مصافحة حارّة، أو ظنّ حسن، أو عمل صالح فإنّ هذه وغيرها من مظاهر طيب المخالقة وإن كانت ستعود عليه بالنفع أوّلاً، إلا أنها ستشمل غيره أيضاً بمنافعها ومردوداتها الإيجابية.
من روائع البلاغة في تعبير الإمام السجاد سلام الله عليه أنه ضمّ الى طلبه من ربّه المتعال، في طيب المخالقة، السبق إلى الفضيلة. أي بعد أن يتأكد الإنسان من طيبه الداخلي وحسنه الذاتي، له أن يتقدّم خطوة نحو الأمام، ليشرع في ممارسة الفضائل، ثم يسمو إلى مرحلة التسابق أو السبق فيها.
فالمرء إذا كان طيّباً في داخله فإنه لا يتوقع الفضل والإحسان من الآخرين، بقدر ما يكون دَيدَنُه الإسراع في عمل الخير وإنجاز الصالحات فيزور قبل أن يزار، ويحاسب نفسه قبل أن يُحاسب غيره، ويبدأ بالسلام قبل أن يضطرّ إلى ردّه، ويَحترم قبل أن يُحترم، إلى غير ذلك من شواهد الإسراع في الخيرات وطيب التعامل الذي يمثّل الأرضية الصالحة لرغبة الفوز في ممارسة الفضائل.
وعلى ما ذكر من الابتدار في السلام، لقد أكّدت الروايات بأنه من المستحبّ أن يبدأ الإنسان بالسلام على كلّ من يلقاه بل حتى على زوجته وأطفاله عند دخوله البيت، كما في قوله صلى الله عليه وآله: «إن أولى الناس بالله وبرسوله من بدأ بالسلام»(6) وقوله صلى الله عليه وآله: «وإذا دخل أحدكم بيته فليسلّم فإنه ينزل البركة وتؤنسه الملائكة»(7).
ولطالما استولى عليّ العجب عندما كنت أرى السيد المرجع المرحوم والدي(8) يبدؤنا بالسلام وكنت من ضمن الصبية!! وعندما كبرت، تأكّدت بأن من وراء ابتداره بالسلام على من هم أدون منه قناعة تامّة لديه، مفادها بأنه يحرز بذلك كثيراً من الفضل والدرجة وتربية الذات، فضلاً عن تعليم الآخرين هذا السلوك الرصين.
نسأل الله تعالى أن يهبنا طيب المخالقة والسبق إلى الفضيلة، ببركة الإمام السجّاد وأجداده وأبنائه المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين