بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *
«اللهم صلِّ على محمد وآله، وحلني بحلية الصالحين، وألبسني، زينة المتقين في بسط العدل، وكظم الغيظ، وإطفاء النائرة، وضمّ أهل الفرقة، وإصلاح ذات البين، وإفشاء العارفة، وستر العائبة، ولين العريكة، وخفض الجناح، وحسن السيرة، وسكون الريح».
قد يحسّ الإنسان بالاحتياج من أعماقه فيكون طلبه حين يدعو الله تعالى طلباً حقيقياً، وقد لا يحسّ بالاحتياج، فلا يكون طلبه حقيقيّاً، أي ليس صادراً من الأعماق.
فالمبتلى بمرض خطير – أو ألم شديد في بدنه – مثلاً إذا دعا الله تعالى وطلب منه الشفاء، يكون دعاؤه بكلّ وجوده لأنّه يحسّ بالاحتياج، وكذلك الذي يعاني من تثاقل الديون عليه أو زحمة الهموم، فهذا أيضاً عندما يدعو الله تعالى ويلتمس منه الخلاص في قضاء ديونه وجلي همّه فإنّما يدعو عن إحساس بالاحتياج فيكون دعاؤه حقيقياً، لأنّه يصدر من أعماقه.
ولنقرّب الموضوع بمثال آخر: فلو فرضنا شخصين كلّ منهما مدين لغيره بالمال، ولكن المدين الأوّل لم يكن دائنه يضغط عليه، لأي سبب كان، كما لو كان قريبه أو صديقه، خلافاً للثاني، فإنّ الدائن كان يهدّده إن لم يسدّد المبلغ حتّى غدٍ ربما يضطرّه لأن يرفع ضدّه شكوى تؤدّي به إلى السجن، فكلا الشخصين يدعو ويقول: «اللهم اقضِ عنّا الدَّين» ولكن دعاء الثاني أعمق لأنّه يصدر عن الإحساس بالحاجة ولا حيلة له لقضائها إلاّ عن طريق الدعاء، فيلحّ في الدعاء والطلب.
والإلحاح في الطلب من أسباب استجابة الدعاء، والمستفاد من الروايات بل صريح بعضها أنّه كلّما كان الدعاء صادراً من أعماق القلب كان أقرب إلى الإجابة، فلنحاول أن نوجد في أنفسنا إذاً حالة الإحساس بالاحتياج دائماً؛ ليكون دعاؤنا صادراً من أعماق قلوبنا، فيكون قريباً من الإجابة.
يقول الإمام: «وألبسني زينة المتّقين» أي ما يلبسونه، فما هو لباس المتّقين؟ ليس المقصود اللباس الذي يستر البدن، لأنّ اللباس الواقعي هو لباس التقوى. وكما أنّ اللباس المادّي يستر البدن ويغطّي عيوب الجسم، فإنّ لباس المتّقين هو اللباس الذي يستر الشهوات فلا تبرز إلى الوجود، فهي تمثّل مركز المشكلات والقبائح في النفس الإنسانية، فإنّ المتّقي له شهوات أيضاً كبقية الناس إلا أنه يعيش في تجاذب دائم بينها وبين عقله، بيد أنّ غير المتّقي شهواته وقبائحه ظاهرة والسوء منه بادٍ في عينيه ولسانه وعمله، أمّا المتّقي فشهواته وسوءاته مستورة قد سترها بلباس التقوى وهو لباس متين ورصين وليس رثّاً ولا وسخاً ولا ممزّقاً بل هو لباس كلّه زينة. وكأن الإمام سلام الله عليه يشير إلى هذا المعنى موافقاً لما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: «ولباس التقوى ذلك خير»(1).
ثمّ يستطرد الإمام سلام الله عليه لبيان مفردات حلية الصالحين وزينة المتّقين فيعدّد مجموعة من الصفات، وكلّ واحدة من هذه المفردات تنطوي على عالم من المعاني التي لا يستوعبها أمثالنا إلاّ بمقدار، الأمر الذي يحتّم على أهل العلم المتابعة الجادّة والتأمل والتدقيق في ما تنطوي عليه هذه الكلمات الخالدة، وواحدة من طرق التدقيق تكمن في تتبّع آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والتدبّر فيها، بحثاً عن الموارد التي استعملت فيها لتكون الاستفادة أعمق.
البسط في اللغة مقابل القبض؛ قال الله تعالى: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط»(2). وهذا تعبير أدبيّ رفيع جدّاً؛ في إشارة إلى أن عنق الإنسان مساوٍ لحياته. قال تعالى: «فكّ رقبة»(3) والمقصود تحرير إنسان. والكريم يصوّر البخيل عندما يريد أن ينفق أنه يكون كمن يراد قطع عنقه، وهذا يعني أنّ البخيل يجعل المال كلّ حياته. روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنّه سئل عن تفسير قوله تعالى: «ولا تبسطها كلّ البسط» ففتح كفّه وفرّج بين أصابعه وقال: لا تفعل هكذا. ثمّ ضمّ سلام الله عليه أصابعه بعضها إلى بعض وقال: بل اجعلها هكذا، فلا تقبض أصابعك إلى كفّك حتّى لا يخرج منها شيء ولا تفتح كفّيك وتفرج بين أصابعك حتّى لا يبقى لك فيها شيء، فلا إفراط ولا تفريط، بل حدّ وسط، فما وقع من كفّك أو خرج فدعه يخرج، وما بقي فيه فدعه يبقى لك ولا تفرّط به(4).
إذا اتّضح ذلك نقول: إذا كانت الآية الكريمة تقول في الإنفاق: «ولا تبسطها كلّ البسط» فإنّ الإمام هنا ـ في العدل ـ مع البسط كلّ البسط، فقال: «في بسط العدل» أي مطلقاً؛ لأنّ العدل ليس فيه إفراط وتفريط بل كلّه ممدوح مأجور فعله، ومن ثم فعلى الإنسان أن يسعى لبسط العدل ونشره مهما وسعه. والعدل يعني وضع الشيء في موضعه، والله سبحانه وتعالى قد سنّ العدل في الأمور التكوينية من الأرض والسماء والماء والهواء والحيوان والنبات و... ولكن جعل نسبة ضئيلة من العدل اختيارياً بيد الإنسان، أي أنّ الإنسان بإمكانه أن يعدل فيها أو لا يعدل، وإن كان المطلوب منه شرعاً أن يعدل بل يقيم العدل أينما استوجب، ومع ذلك نرى الذين يعدلون قليلين.
أجل، إنّ العدل قائم في الأُمور التكوينية كلّها، ففي الحديث: «بالعدل قامت السماوات»(5). فهذه الشمس الهائلة والأرض والنجوم والسدم بل الوجود كله يجري بتمام العدل، فلا إفراط ولا تفريط ولو بمقدار أنملة واحدة، وهكذا الامر لو نظرنا الى أبداننا نجد ملايين الخلايا كلّها تسير بالعدل. ومعروف في الطب القديم والحديث أنّ الإنسان إذا كان متوازن المزاج لا يمرض؛ لمتانة القوة الدفاعية فيه، ورفع المقتضي لإصابته بالمرض. علاوة على ما تقدم فإن في العدل تتجلى زينة المتقين بأبهى صورها؛ لذلك عدّه الامام سلام الله عليه من مفرداتها.
فمن يبسط العدل؟ نحن المؤمنين ينبغي أن نبسط العدل، وأن نبدأ بأنفسنا، فنعدل في أكلنا وشربنا ونعدل مع ذوينا وأصدقائنا وأقربائنا، قولاً وعملاً، فقد روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال: «كونوا دعاة الناس بأعمالكم ولا تكونوا دعاة بألسنتكم»(6) وفي حديث آخر: «كونوا دعاة بغير ألسنتكم»(7)، وهناك حديث خاصّ بأهل العلم، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «أزهد الناس في العالِم بنوه ثم قرابته»(8) وقد يكون ذلك في بعض الموارد؛ لما يشاهدون من الفجوة بين قوله وعمله فيزهدون فيه، لهذا ترى أن أهل البيت سلام الله عليهم أوْلوا أبلغ العناية في ضرورة مطابقة الأعمال للأقوال، فتجد من كان قريباً منهم مشدوداً في السعي نحو ما يرشدون اليه أكثر؛ لما يرى من صدقهم ومطابقة سيرتهم العملية والقولية ووفرة سعيهم لله تعالى.
ومن مفردات زينة المتّقين أيضاً كظم الغيظ، ففي النفس شهوات لها ألسنة من لهب، تستعر نيرانها بمجرّد أن تثار بأدنى إثارة. فلو قال شخص لغير المتّقي كلمات وظنّها لا تناسبه فإنّ أثر الغيظ وألسنة نار الغضب تظهر على وجهه ولسانه وتصرّفاته، أمّا المتّقي فيستر غيظه ويكظمه بلباس التقوى.
وإذا قيل لزيد من الناس: لِمَ لَم تكظم غيظك؟ يقول: لكلّ شيء حدود، فكم أصبر، وإلى متى أكظم غيظي؟
نقول في جوابه: صحيح أنّ لكل: شيء حدوداً، ولكن من الذي يعيّن الحدود؟ هل نحن الذين نعيّن الحدود أم الأئمّة المعصومون من أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين؟
أليس الإمام السجّاد سلام الله عليه إمامنا؟ أوليس المفترض أن يقتدي كلّ مأموم بإمامه؟ إذاً فلنصمّم على أن نقتدي بالإمام السجّاد سلام الله عليه ونتعلّم منه حدود كظم الغيظ من خلال سيرته سلام الله عليه.
روي : (إن قوماً كانوا عند علي بن الحسين عليهما السلام فاستعجل خادماً بشواء في
التنور، فأقبل به مسرعاً، فسقط السفود(9) من يده على ولد علي بن الحسين عليه السلام فأصاب رأسه فقتله، فوثب علي بن الحسين عليهما السلام، فلما رأى ابنه ميتاً قال للغلام: أنت حر لوجه الله تعالى، أما إنك لم تتعمّده. ثم أخذ في جهاز ابنه)(10).
حقّاً ما أسعد الناس لو ولي حكمهم هؤلاء الأطهار؟! وكم كانوا سيتعلّمون منهم؟!
أوليست هذه القصّة أعظم من جبل ذهب لأنّ جبل الذهب ينفد ويفنى أمّا مضامين هذه القصّة ودورها في بناء الذات فلا تفنى.
ولننظر إلى أنفسنا هل نحن مقتدون بهم سلام الله عليهم أم نقول: إلى متى نكظم غيظنا؟ ونحن مختلفون مع بعضنا على مبلغ من المال أو على مشكلة صغيرة أو شيء تافه.
إنّ هذه السفاسف التي يختلف عليها الناس غالباً لا سوق لها في الآخرة بل لا سوق لكثير منها في الدنيا أيضاً، ولنعلم أنّ من لا يكظم غيظه تتحطّم أعصابه أكثر ممّن يكظم غيظه، ثمّ يخسر الدنيا والآخرة، أمّا كظم الغيظ ففيه ربح الدنيا والآخرة وهو أمر ممكن وإن كان لا يخلو من صعوبة.
ومن زينة المتّقين أيضاً إطفاء النائرة، فإنّ غير المتّقي إذا عاداه أحد، إمّا أن يردّ العداء بالعداء، وإمّا أن يسكت في أحسن الأحوال، أمّا المتّقي الذي يرسم الإمام السجّاد سلام الله عليه لنا صورته فهو لا يكتفي حتّى بالسكوت على من اعتدى عليه، بل يحاول إرضاءه، لأنّه يسعى جاهداً أن لا يدخل شخص مسلم بسببه النار، فيحاول إطفاء ناره ويسرع بإسداء الخير إليه.
روي أنه وقف على الإمام علي بن الحسين سلام الله عليهما رجل من أهل بيته فأسمعه وشتمه، فلم يكلّمه، فلما انصرف قال لجلسائه: قد سمعتم ما قال هذا الرجل، وأنا أحبّ أن تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا ردّي عليه.
قال: فقالوا له: نفعل، ولقد كنا نحب أن تقول له ونقول.
قال: فأخذ نعليه ومشى وهو يقول: «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ والْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» فعلمنا أنه لا يقول له شيئاً.
قال: فخرج حتى أتى منزل الرجل فصرخ به. فقال: قولوا له: هذا علي بن الحسين.
قال: فخرج إلينا متوثّباً للشرّ وهو لا يشكّ أنه إنما جاءه مكافئاً له على بعض ما كان منه. فقال له علي بن الحسين عليهما السلام: يا أخي إنك كنت قد وقفت عليّ آنفاً فقلت وقلت، فإن كنتَ قلتَ ما فيَّ فأستغفرُ الله منه، وإن كنتَ قلتَ ما ليس فيَّ فغفر اللهُ لك.
قال: فقبّل الرجل ما بين عينيه وقال: بل قلتُ فيك ما ليس فيك، وأنا أحقّ به(11).
فهل هذا العمل والتصرف من الإمام أفضل أم ترك الفرد يموت ناصبياً ويدخل نار جهنّم؟
لا تقل: وما شأني به فليدخل جهنّم، فهذا لا يعدّ اقتداءً بالإمام سلام الله عليه.
إذاً فلنسأل الله تعالى أن يثبّت أنفسنا على الاقتداء بمن اصطفاهم على خلقه محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ونسأله أن يلبسنا زينة المتّقين، فندعو ونعمل ونطبّق ونبدأ أوّلاً بأنفسنا.
أسأل الله تبارك وتعالى ببركة الإمام السجّاد سلام الله عليه أن يوفّقنا للتحلّي بهذه الحلية وأن يلبسنا زينة المتّقين،
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.