» الفهرست

» الفرق بين الطاعة والمتابعة
» الفرق بين السداد والرشد
» في رحاب الغدير


» النص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *

تناولنا في المحاضرة السابقة فقرات من دعاء مكارم الأخلاق ووصلنا إلى قول الإمام سلام الله عليه: «ووفّقني اللهمّ لطاعة من سدّدني ومتابعة من أرشدني» فلنقف عند هذه الكلمات.


:. الفرق بين الطاعة والمتابعة

صحيح أنّه يمكن التوسّع في هذه الكلمات وأشباهها واستعمال بعضها مكان بعض مجازاً، مثل جعل كلمة الطاعة مكان المتابعة أو العكس، وكذا بالنسبة للتسديد والإرشاد؛ ولكن إذا أخذنا بنظر الاعتبار مجيء هذه الكلمات معاً في سياق واحد فإنّ الدقّة تقتضي اختلاف معانيها، خاصّة وأنّ الأئمّة الأطهار سلام الله عليهم هم أُمراء الكلام وأسياد البلاغة وأرومة الفصاحة. ومن يراجع كتب اللغة يجد فرقاً في استعمال هذه الكلمات وبحثاً مستقلاً لهذه الكلمات الأربع خاصّة.

فمن موارد استعمال الطاعة الامتثال بلا تأمّل، والعكس صحيح، فإنّ الامتثال دون تأمّل هو الطاعة بعينها، أمّا المتابعة فهي تعني دوام الامتثال. ولعلّ هذا يفسّر معنى الحديث المروي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: «إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوىً متّبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العامّة»(1) لأنّ للبخل جذوراً في كلّ نفس تجعل صاحبها يبخل إمّا بماله أو وقته أو كرامته أو علمه ... لذلك ترى البخيل يتأثّر إذا أعطى من ألفه مئة، وما ذلك إلاّ لجذور البخل في نفسه، فكأنّ البخيل يغمض عينيه ويتبع ما يملي عليه الشحّ في نفسه فيقوده إلى النار.


:. الفرق بين السداد والرشد

أمّا الفرق بين السداد والرشد فالظاهر من الرجوع إلى كتب اللغة أنّ السداد يعني الصواب الذي لا يعاب عليه.
وقد يسأل هنا: هل يوجد صواب يعاب عليه الإنسان ليقال: هو الصواب الذي لا يعاب عليه.
الجواب: إنّ الصواب يعني الصحيح، ولكلّ صحيح مورد، فإذا خرج عنه عيب عليه، وللسداد مصاديق عديدة كالصدق مثلاً الذي يكون قبيحاً فيما إذا أدّى إلى فتنة فعندها لا يكون من مصاديق السداد؛ لخروجه عن المورد الذي ينبغي أن يكون فيه. أمّا إذا كان الصدق في مورد إصلاح ذات البين فإنّه يكون سداداً دون شكّ؛ ومن هنا قال أمير المؤمنين سلام الله عليه: «وما زال أحدكم يكذب حتى لا يبقى في قلبه موضع إبرة صدق فيسمى عند الله كذّاباً»(2).

إذاً فالمراد من المسدّد في دعاء الإمام زين العابدين سلام الله عليه هو الدالّ على الصواب الذي لا يعاب عليه.
ولا يخفى أنّ الإنسان قد لا يدقّق أحياناً في أمر ما فيطمئن به ويبني عليه لاعتقاده بصوابه ثمّ ينكشف له أنّه كان مخطئاً. أمّا الذين يتحقّقون بالقدر اللازم فعادة ما لا يعاب عليهم ولا يندمون في حياتهم. ولذلك فطاعة المسدّد بلا شكّ كفيلة بانتشال الصنف الأوّل وانقاذه من الوقوع في الخطأ.
أمّا الرشد فهو الأمر الذي لا زيغ فيه ولا غواية وهو أقرب إلى الحقّ منه إلى الهداية، لأنّ كلمة الهداية، مثل كلمة الصواب مطلقة؛ فإنّ أصحاب الأفكار الباطلة يهدون إلى الباطل، أمّا الرشد فلا يستعمل إلاّ في الموارد التي تنعدم فيها نسبة الزيغ والغوى. ولذا فمتابعة المرشد سبيل نحو الصلاح.

بعد هذه المقدّمة نقول: إنّ الإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالى أن يجعله مطيعاً لمن سدّده لا يناقشه في تسديده، متابعاً لمن أرشده لا يعصي له أمراً، مثله كمثل طاعة المريض للطبيب الثقة الحاذق فيما إذا أشار عليه بتناول الدواء أو اجتناب بعض الأُمور لأنّه مطمئن إلى أنّه إنّما يسدّده إلى ما ينفعه، ويرشده لما يصلحه.
والملفت للنظر هنا أنّ الإمام سلام الله عليه لم يستعمل صيغة المضارع في الجملتين بل استعمل صيغة الماضي فقال «طاعة من سدّدني ومتابعة من أرشدني»، ولا شكّ أنّ في ذلك نكتة خاصّة وإن كان العرف لا يلتفت عادةً إلى الفرق في الاستعمال بين الماضي والمستقبل.
على كلٍّ فإنّ الإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالى أن يوفّقه لامتثال أمر من يسدّده سواء عرف المصلحة فيما يأمره أم لا. والسؤال هنا: من هم المصداق الواقعي لهذه الجملة؟

الجواب: إنّهم أهل البيت سلام الله عليهم. فلا يوجد أحد على مرّ التاريخ تبع أهل البيت سلام الله عليهم ثمّ عيب عليه، بل لا يوجد أحد تبع أهل البيت سلام الله عليهم ولم يتبيّن له وجه الحق. إنّهم صلوات الله عليهم يرشدوننا إلى ما ينبغي لنا فعله ويسدّدوننا لما فيه الصلاح.


:. في رحاب الغدير

تطلّ علينا بعد أيّام مناسبة عيد الغدير .. غدير أمير المؤمنين سلام الله عليه بل غدير الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله لأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وأهل بيته سلام الله عليهم هم طوع أمر الله ونهيه، والله سبحانه هو المتولّي لهدايتهم وعصمتهم. فهل نطق أمير المؤمنين سلام الله عليه بكلام خلاف كلام الله عزّوجلّ!! بل أي كلام لأمير المؤمنين لا تجد له جذراً في القرآن الكريم أو الأحاديث القدسية؟!
ولو أردنا تلخيص ما ورد في الغدير وقبله نجد أنّ بدايته كانت عبر جبرئيل عليه السلام في عرفات وبعدها عند غدير خم حيث امتثل رسول الله صلّى الله عليه وآله أمر ربّه الكريم حين قال له: «بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك»(3).

وممّا لا شكّ فيه أنّ الله تعالى خلق الخلق ليرحمهم، وهذا صريح قوله تعالى: «إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم»(4) أي ليرحمهم، فإنّ الله تعالى رحم فخلق كما هو الظاهر من الآية.
وأعظم رحمة على الإنسانية هو ميثاق غدير خم، وما الغدير إلاّ تحصين للدين، وكلّ خطّ لا ينتهي إلى الغدير فهو ردّ على الدين والردّ عليه ردّ على الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وأهل بيت رسوله سلام الله عليهم، وإنّ كلّ القيم والفضائل ومكارم الأخلاق تختزل في الغدير وتنبع منه.
ولكي يتّضح الأمر نذكر بعض النماذج لما لا يحصى من المواقف التي سجّلها التاريخ إبان حكومة أمير المؤمنين سلام الله عليه.

فقد روي أنّ الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه لمّا حكم تلك الحكومة الظاهرية التي امتدّت قرابة خمس سنوات، لم يكن يأكل اللحم خلالها سوى خمس مرّات فقط، مع أنّه كان رئيس أكبر حكومة على وجه الأرض آنذاك! فإنّه كان لا يأكل اللحم إلاّ يوماً واحداً في السنة وهو يوم عيد الأضحى ربما لأنه يعلم أنّ جميع المسلمين يأكلون اللحم في هذا اليوم.
نعم، هذا هو منطق حكومة الغدير، فحاكم المسلمين ورئيسهم لا يأكل اللحم إلاّ في اليوم الذي يعلم أنّ جميع المسلمين يأكلون منه.

وهذا أمر حقيق بالتأمّل، ليس فقط من جانب اقتصار الإمام على أكل اللحم في يوم واحد في السنة، بل كذلك من جانب علمه أنّ كل مسلم في ذلك اليوم هو قادر على أكل اللحم لكثرة الأضاحي التي تذبح فيه.
هل يستطيع أحد اليوم أن يدّعي ذلك ولو على مستوى قرية واحدة ليقول أنا أعلم أنّ كلّ أهل القرية يأكلون اللحم في عيد الأضحى؟!
بل إنّي ذكرت لبعض الإخوة أنّ القضية بالعكس فإنّني أعلم أنّ في المدينة التي أعيش فيها اليوم هناك من لم يحصل على اللحم حتّى في يوم عيد الأضحى، علاوة على أنّه كم جائعاً يوجد اليوم في العالم؟
استمعوا للإحصاءات لتعرفوا عددهم. أمّا إذا حكم الغدير فلا أعتقد أنّ أحداً يجوع أو يضام.

● في رسالة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف: «ولعلّ بالحجاز واليمامة من لا عهد له بالشبع»(5). والسؤال هنا: لماذا عبّر الإمام سلام الله عليه بـ «لعلّ» ولم يؤكّد الأمر؟ ولماذا قال بالحجاز أو اليمامة اللتين كانتا بعيدتين عن مركز حكمه ولم يقل في الكوفة أو الحيرة أو البصرة مثلاً؟ إنّ هذا يبيّن أنّ الوضع المعاشي للمسلمين يومذاك لم يكن سيّئاً.
لقد كان أعداء الإمام سلام الله عليه ينتقدونه في كلّ شيء حتّى فيما فضّله الله تعالى في القرآن الكريم ويحاولون صرفه عنه، ولكن مع ذلك لم نسمع أنّ أحداً من أعدائه قال: لقد أخطأ الإمام عندما قال: «لعلّ» .. مع أنّه كان من المؤكّد وجود بعض الفقراء في الحجاز واليمامة.
● وإذا حكم الغدير يكون لسان حال الحاكم فيه: «والله لو أُعطيت الأقاليم السبع على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت»(6).

لم يقل الإمام: «إن أُعطيت» أو «إذا أُعطيت» بل قال: «لو» مع أنّ هذه الحروف الثلاثة (إن، إذا، لو) كلّها تفيد الشرط، ولكنّه استعمل «لو» لأنّها حرف تفيد أنّ ما بعدها لا يقع. قال تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا﴾(7)، وهذا كما تقول: «لو كان لي جناحان لطرت بهما في السماء». ولو نظرنا إلى عالم اليوم لوجدنا عشرات الملايين من البشر قد قتلوا وأُريقت دماؤهم من أجل الطمع بأشبار من الأرض، والحال أنّ الإمام سلام الله عليه يقول إنّه لو أُعطي الأقاليم السبعة أي الكرة الأرضية كلّها مقابل أن يسلب نملة واحدة جلب – أي غطاء – شعيرة واحدة، ما فعل! فمن يقول هذه الكلمة صادقاً بعد عليّ سلام الله عليه سوى أهل بيته صلوات الله عليهم؟

هذا هو الحاكم في منطق الغدير، إنّه غير مستعدّ لسلب غطاء شعيرة واحدة من نملة! فتعال وانظر إلى حكّام العصور بما فيها عصرنا الحاضر، فكم من المظالم سوّدت وجه التاريخ – وربّ بعضها حدثت لمجرّد أنّ المواطن لم يناد حاكم زمانه بما اغتصبه من لقب واختصّ به نفسه! – فقد روى الطبري وابن الأثير وغيرهما أنّ أبا بكر بعث خالد بن الوليد في ما يسمّونه بحروب الردّة، فأبى أن يقبل من أحد من أسد وغطفان وطي وسليم وعامر إلا أن يأتوه بجماعة، فأتوه بهم، فمثّل بهم، وحرّقهم، ورضخهم بالحجارة.(8)
لقد فعل بهم هذا، والحال أنّ جميعهم مسلمون واثقون بأمير المؤمنين الذي نصّ عليه وسمّاه لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله ولا يقبلون بسواه.
ونقل الطبري ذلك أيضاً، وهو نفسه الذي روى ما اشتهر عن أمير المؤمنين سلام الله عليه في قوله: (والله لو أُعطيت ...).

وإذا انتقلنا إلى عصرنا الراهن الذي يُهتف فيه بحقوق الإنسان بل الحيوان أيضاً، فهل يوجد فيه شيء ممّا صنعه أمير المؤمنين سلام الله عليه؟ أم إنّهم روّجوا لحكمهم بالشعارات فقط؟
● روي أنّ الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه – اقتداءً بأخيه وابن عمّه رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يوصي أنصاره ومواليه بالأسرى وأن يؤثروهم على أنفسهم حتّى في المأكل والملبس!
ولا يروعك بعد المقارنة بين تلك الوصية وبين ما يفعل اليوم بالأسرى في الحروب المعاصرة؟!

● وروي أيضاً أنّ الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه استشهد ولم يترك صفراء ولا بيضاء سوى 700 درهم ادّخرها من عطائه لشراء خادم لأهله(9).
من هنا كان لزاماً علينا أن نسعى لنشر ثقافة الغدير ومثله على مختلف المستويات، كلٌّ حسب طاقته، علّنا نحقّق شيئاً ولو بسيطاً من صبغة الغدير التي تمثّل حكومة الله تعالى على أرضه،

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.


ألقيت هذه المحاضرة بتاريخ 11 ذي الحجة عام 1421 هـ .
(1) مصباح الشريعة الإمام الصادق سلام الله عليه: 19
(2) روضة الواعظين للفتال النيشابوري: 2/ 468.
(3) المائدة: 67.
(4) هود: 119.
(5) نهج البلاغة: 416 ـ 420 رقم 45.
(6) نهج البلاغة: 346 ـ 347 رقم 224 ـ يتبرأ من الظلم ـ .
(7) الأنبياء: 22.
(8) الكامل في التاريخ: 2/ 211 ذكر ردة بني عامل وهوازن وسليم.
(9) بحار الأنوار: 25/ 214 ح5 كتاب الإمامة.