بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *
يقول إمامنا زين العابدين وسيد الساجدين سلام الله عليه في دعاء مكارم الأخلاق أيضاً: (ولين العريكة)
العريكة: تعني النفس والخلق، والمستفاد من استعمالاتها على لسان الروايات طبيعة المعاشرة مع الآخرين؛ لأن العرك هو الدلك والتحمل؛ يقال: عرك الأديم أي دلك الجلد.
وحسب هذا الدعاء الشريف، وكذلك من وجهة نظر الإسلام ومنطق أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فإن المطلوب من الإنسان المؤمن أن يكون ليّن العريكة، أي سلس الخُلق في المعاشرة مع الناس.
ولا شك أن هذه الفضيلة ـ حالها حال سائر الفضائل الأخلاقية ـ تكون على مراحل ودرجات ومراتب، منها الصعب ومنها السهل ومنها الصعب جداً أو السهل جداً. كما أن مراتبها عموماً تنقسم الى قسمين: فمنها ما هو بالطبع، أي ما جُبل عليه الانسان. ومنها ما هو بالتطبّع، أي بالأخذ والاكتساب، أو ما عُبّر عنه في بعض الروايات بالنيّة (أي أن يروّض ويحمّل الإنسان نفسه عليها ويتصنّعها حتى يكتسبها)(1).
فمن لم يكن ليّن العريكة أو كان في الدرجات النازلة من هذه الخصلة فهو كالصخرة التي يصعب التأثير فيها، أما ليّن العريكة أو من كان في الدرجات العليا منها فهو كالماء يأخذ شكل كلّ شيء يحتويه.
فمن الناس من يكون كالصخر شديداً، ومنهم من يكون كالماء سلساً منقاداً. ولا شك أن الذي يتمتع بنفس شديدة العريكة كالصخر يصعب عليه تحويلها إلى نفس ليّنة العريكة لحملها على تحقيق المعالي والمكارم والفضائل؛ ولكنها صعوبة يمكن تحمّلها والتغلّب عليها بالرياضة والتطبع في سبيل التوفر على هذه الخصال والاتصاف بها في الأقوال والأفعال، في السرّاء والضرّاء، والشباب والشيوخة، والسفر والحضر، مع الذات والأهل والجيران والأصدقاء بل حتى مع الأعداء.
لا جرم أن صقل الذات قضية صعبة للغاية، غير أنه لا بد للمؤمن من ذلك، ولا بديل له عن إنجاز هذه المهمة الضرورية؛ لأن كل إنسان تواجهه في الحياة عقبات وصعوبات قد يشيب الطفل من بعضها، ولكن لا بد له من تجاوزها لئلا يتحسر على عدم التحمل في يوم لا ينفع فيه حسرة ولا ندم.
لقد روي أن الحسرة تعمّ جميع الخلق في يوم القيامة بمن فيهم المؤمنون؛(2) لأنهم سيتحسرون على عدم مضاعفة جهودهم في الإكثار من العمل الصالح في الحياة الدنيا ليزدادوا الى أجرهم أجراً، لذا فواحدة من مسميات يوم القيامة هو يوم الحسرة والندامة.
وليست الحسرة في الآخرة كما هي في الدنيا؛ لأن حسرات الدنيا قليل مكثها، ولابد أن تنقضي على كل حالٍ حين تزول أسبابها، أما حسرات القيامة فطويل مكثها وقد تستغرق أحقاباً بل ربما تستمرّ إلى الأبد كما هو الحال مع الخالدين في النار.
فإذا كانت الحسرة على تفويت الفرصة تؤذي الإنسان في الحياة الدنيا فكيف به في يوم القيامة الذي وصفه الله تعالى بقوله: «يوم لا ينفعمال ولا بنون لا من أتى الله بقلب سليم» (3)؟
نقل لنا أحد العلماء ـ وقد ضمّنا وإياه مجلس حضره جمع من الفقهاء ومراجع التقليد ـ قال:
كنت جالساً في صحن مرقد أمير المؤمنين سلام الله عليه في النجف الأشرف مع زميل لي ـ كان مرجعاً دينياً كبيراً حينذاك، ثم توفّاه الله تعالى إلى رحمته ـ وكنّا نتداول بعض البحوث العلمية، إذ مرّ من أمامنا سقّاء يوزّع الماء من أجل الثواب وكسب بعض المال ممن يتطوّع بتقديمه له، وكان رجلاً كبير السنّ يحمل جرّة الماء بصعوبة.
فقال لي زميلي المرجع رحمه الله هل ترى هذا السقّاء؟ لقد كنّا معاً زميلين في الدراسة قبل ثلاثين عاماً، وكان يمتاز بالذكاء، ولكنه توقّف عن مواصلة الدراسة بسبب ضغوط الحياة، فلم يقاوم، فترك الدرس واتخذ مهنة السقاية للزائرين بدلاً عنه لعله يحرز جانباً من تكاليف معيشته!!
ثم قال الناقل:
فاصطحبني زميلي رحمه الله ونهضنا إليه لنسأله عن حاله، فقال لنا بعد أن تذكّر زميلي: إنني أتحسّر وأتأسف ليلي مع نهاري على قلّة صبري وعدم تحمّلي بضع سنوات من الصعوبة حتى استبدلت الأدنى بالذي هو خير!!
أقول: إن الحسرة في الحياة الدنيا تنتهي خلال سنة أو سنوات معدودة، ونادراً ما تستغرق العمر كله، ولكن حسرة الدار الآخرة قد تكون أبدية ولا حيلة للإنسان حينها في التخلص منها البتّة.
كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو القمّة في كلّ الفضائل والأخلاق، كيف لا، وقد وصفه ربّ العرش بقوله تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم»(4) وقال تعالى أيضاً: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك...»(5) ، وقال في وصفه الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «وألينهم عريكة»(6).
ولقد نقل التاريخ قصصاً كثيرة، تروي لنا عظمة رسول الله صلى الله عليه وآله ولين عريكته، منها على سبيل المثال:
• ما جرى بينه صلى الله عليه وآله وبين زوجته عائشة بنت أبي بكر، فرغم أنها تصغره بسنين كثيرة، وهو رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، وهو الذي وصفه الله تعالى من فوق عرشه العظيم بأنه «على خلق عظيم»، تروي عائشة عن نفسها أنه: حدث نوع من الخلاف بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وآله فحاكمته الى أبيها، وحينما اجتمعوا بادرته بالقول: «أقصد يا رسول الله»(7) أي أعدل.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يردّ على إساءتها تلك ولو بأبسط ردّ، وتحمّل منها ما تحمّل.
• وثمة حادثة أخرى ـ تعكس لنا عن هذه الخِلّة الكريمة لنبينا الأعظم صلى الله عليه وآله ـ عُرفت فيما بعد بحديث القطيفة الحمراء، فقد «روي أنه في غزوة بدر فقدت قطيفة حمراء من الغنائم فزعم رجل من الأصحاب أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذها. فأنزل الله تعالى هذه الآية: «وما كان لنبيّ أن يغلّ»(8) فجاء رجل فقال: إن فلاناً قد غلّ قطيفة واحتفرها هنالك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بحفر ذلك الموضع فأخرج القطيفة»(9).
وبرّأ الله تعالى رسوله الكريم. وكانت شهادة الله تعالى أعظم برهان على نزاهة النبي صلى الله عليه وآله(10) بعدم تنزّله الى مستوى سائر الحكام الذين يكشفون عن دناءة أنفسهم تجاه أبسط الأشياء فضلاً عن الخطير منها.
فمن لين عريكته صلى الله عليه وآله ستره للغالّ وعدم تعريفه للنّاس رغم علمه به، ولا آخذ من اتّهمه كذباً وزوراً.
الخلاصة: حريّ بنا أن ندعو الله سبحانه وتعالى بأن يمنحنا هذه الخصلة، ولا ينبغي أن يُتصور بأن الانسان إذا ما كان ليّن العريكة عُصر أو أكِل، أما إذا كان صلباً جلب احترام الناس وهيبتهم له؛ بل العكس فإن الإنسان إذا كان ليّن العريكة أمكنه امتصاص الأزمات، كما أن المؤمنين إذا تحلّوا بهذه الخصلة أمكنهم أيضاً أن يكونوا دعاة للدين بصورة عملية ويكونوا خير مصداق للحديث الشريف المروي عن الإمام الصادق سلام الله عليه: «كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم»(11) .
أجل إن الدعوة العملية قد لا تكون سريعة الاستجابة على الفور، ولكنها ستكون عميقة التأثير توتي أكلها ولو بعد حين، كما أن التوفر على خصلة لين العريكة قد يكون أمراً صعباً ويحتاج الى ترويض، ولكنها إذا توفرت فإنها تكون أضخم من الجبال في عظمتها وعمق تأثيرها في المجتمع.
نسأل الله سبحانه وتعالى برسوله وبأهل بيته الاطهار وبالإمام السجاد صلوات الله عليهم أجمعين أن يوفّقنا لأن نتحلى بهذه الخِلة قولاً وعملاً؛ متأسّين في ذلك برسول الله وأهل بيته سلام الله عليهم أجمعين.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين