بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *
تقدّم أن الإمام السجاد سلام الله عليه ـ وهو الإمام المعصوم الذي يُفترض بنا الاقتداء به ـ يطلب من ربه الكريم أن يحلّيه بحلية الصالحين ويلبسه زينة المتقين، عبر خصال توقّفنا عند بعضها في الجمل المتقدّمة من هذه الفقرة من الدعاء الذي يترجم ترجمة صادقة ما أمر الله سبحانه وتعالى به عباده في الصلاح و التقوى.
ومن جملة ما يطلب الإمام السجاد سلام الله عليه من الله تبارك اسمه من الأخلاق الفاضلة التي تعدّ من حلية الصالحين وزينة المتّقين:
حسن السيرة وسكون الريح.
يقول سلام الله عليه في دعائه: (وحسنِ السيرة وسُكونِ الرّيح).
وحسن السيرة إنما يتحقق بحسن السريرة. فإذا كان باطن المرء طيباً طاهراً كان ظاهره كذلك أيضاً. أي أن السريرة الطيبة تعكس على شخصية الفرد وتصرفاته مصاديق طيبة، والعكس بالعكس، حتى أن الإنسان ليلمسها في نفسه ويراها رأي العين.
فمن كانت سريرته طيبة، لا تصدر عنه تصرّفات تنمّ عن الكبر والغضب والعنف، سواء كان ذلك من خلال العين أو اللسان أو سائر جوارحه، حين تعامله مع أسرته، أو ما يحيط به من أفراد المجتمع على مختلف أطيافهم وأصنافهم.
وبما أنّ قضية حسن السيرة مهمة ومصيرية في حياة الفرد، لذا فمن الجدير بالإنسان المؤمن أن يدعو الله تعالى لينعم عليه بهذه الصفة الخيّرة، ويكون دعاؤه دعاء المضطر، فيدعو من كلّ قلبه وبكلّ صدق وثقة ليحصل على ما يريد.
أما عبارة «سكون الريح» فقد تعددت تفاسيرها العلمية والأدبية، ولكن الأرجح هو أن كلمة «سكون» تعني الثبوت أو الثبات. أما استعارة كلمة «الريح» فهي لغرض التعبير عن شخصية الإنسان، فيكون معنى سكون الريح ثبات الشخصية وعدم تزعزعها، كما قال سبحانه وتعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)(1) أي تتبخر قوة شخصيتكم ويتفتت كيانكم وتباح حرمتكم؛ بفعل التنازع والاختلاف القائمَين على قواعد غير أخلاقية.
وعليه؛ فحريّ بالإنسان أن يعرف بأن حسن السيرة وسكون الريح من صفات الصالحين وحلية المتقين، أي أن التصرف اللائق وقوة الشخصية، والاتزان في المواقف والسلوك تأخذ بالإنسان نحو التقوى والصلاح. فإنك لن تجد صالحاً تقياً يميل مع الرياح أينما تميل، أو يعتنق اليوم مذهباً وغداً يؤمن بآخر، أو يدافع عن جهة أو شخص ما دون أن يزن موقفه وفق موازين التقوى والصلاح المذكورة في كتاب الله وسيرة النبي وآل بيته عليهم الصلاة والسلام.
بينما الضعيف الإيمان يتحرك وفق هواه وما تركن إليه نفسه، لذلك تراه وبدافع حب المال مثلاً، يضطرّ إلى مدح هذا أو ذاك للحصول على قدرٍ من المال، بمعنى أنه لا يرى شخصه ولا يهتمّ لكرامته بقدر اهتمامه بمن حوله وشدّة حرصه على تحصيل المكاسب الآنية الزائلة، فهو لا يهتمّ فيما إذا كان هذا الموقف حقاً أم باطلاً، لأنه لا يجد متسعاً - تحت وطأة ميوله وهوى نفسه - لاحترام هذه القاعدة الشرعية والإنسانية التي تحثّه على صيانة حرمة نفسه، لأن نفسه قد استولت على شخصيته وكرامته حتى أعمته عن الرؤية الثاقبة للحياة تلك الرؤية التي يجب عليه أن يرى من خلالها الواقع بمنظار الصلاح والتقوى.. حتى أصبح كائناً مجرداً عن قوة الشخصية؛ تلك التي تختزل بين طياتها الوعي والبصيرة والإدراك.
ولعل القارئ قد وصل إلى سمعه إسم (شبث بن ربعي)، هذا الشخص الذي ينبغي للتأريخ أن يتوقف عنده، باعتباره النموذج الأبرز للشخصية المتزلزلة، حيث ينقل عنه أنه قد بدّل معتقده قرابة خمس أو ست مرات أو أكثر من ذلك!! فهو الذي كان يقاتل في ركاب الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، وكان يوصف بالذكاء الانتفاعي، أو ما يطلق عليه في الوقت الحاضر بالواقعية، أي يتصرف وفق ما يمليه عليه الواقع بغض النظر عن مدى حسنه أو بشاعته، حتى بلغ من أمره أن أمير المؤمنين سلام الله عليه اختاره من بين عشرات الآلاف من جنوده بمعية بشر بن عمرو وسعيد بن قيس للتفاوض والمحاججة مع معاوية علّه يؤوب الى الطاعة والجماعة وإلى إتباع أمر الله سبحانه قبيل واقعة صفين. كما أنه كان من الذين كتبوا للإمام الحسين سلام الله عليه الكتب التي تحثه ليقدم إلى الكوفة، بعد أن أعلن ورفاقه نقض بيعة يزيد بن معاوية. ولكنه حيث كان ميّالاً مع كلّ ريح، فقد انتهى به الأمر للاشتراك بمباشرة ذبح سيد الشهداء سلام الله عليه، فضلاً عن قتاله والتأليب عليه، فكان مثال العالم الفاسد المتذبذب، الذي كان قد مدح أمير المؤمنين سلام الله عليه يوماً، وذمّه يوماً، وكاتب الإمام الحسين سلام الله عليه يوماً، وقتله وهو يعلم أنه ابن رسول الله ووصيّه يوماً. وفي مرسلة صفوان عن أبي عبد الله قال: «إنّ أمير المؤمنين عليه السلام نهى بالكوفة عن الصلاة في خمسة مساجد... ومسجد شبث بن ربعي...»(2).
وعن سالم عن أبي جعفر سلام الله عليه قال:«جدّدت أربعة مساجد بالكوفة فرحاً لقتل الحسين... ومسجد شبث بن ربعي»(3).
وقبله كان أبو هريرة نموذجاً لعدم الثبات في المعتقد والشخصية، فهذا الرجل الذي يوصف بأنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، ويرد اسمه كثيراً في كتب العامة وإذاعاتهم وكأنه حامل لواء الإسلام والمدافع عن حياضه، ينقل عنه التاريخ، أنه قال: الصلاة خلف عليّ أتم، وسماط معاوية أدسم، والوقوف على التل أسلم(4) ... أي أنه كان يصلي خلف علي ويأكل عند معاوية، وإذا نشبت الحرب تنحّى ووقف متفرّجاً على بعد!!
روي عن سلام الله عليه أنه قال: إن من يكذب؛ يكذب مرتين؛ لأن الكذب ليس مجرد مخالفة المعتقد، وإنما هو مخالفة الواقع أيضاً.
قال سبحانه وتعالى بشأن المنافقين: «إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون»(6) فقولهم «إنك لرسول الله» كذب محض من وجهة نظرهم لكونهم كافرين بالله قبل كفرهم بالرسالة، فلسانهم ينطق بما لا يعتقدون، كذلك كان أبو هريرة ومثله شبث بن ربعي، الذي كان يكذب حتى في قتاله إلى جانب أمير المؤمنين سلام الله عليه، لأن قتاله كان نابعاً عن قلب متزلزل مضطرب، فكان شأنهما ومن مثلهما في ذلك مصداقاً لقوله تعالى: «مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء»(7).
لذا يجدر بالإنسان أن يهتمّ كل الاهتمام بحسن سريرته كما يهتمّ بحسن سيرته لأنه مهما حاول التظاهر بالصلاح فإنه لا محالة سينكشف إن كانت سريرته طالحة، وإذ ذاك يكون الغبن عليه أفدح وأفظع.
روي أنه: كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وآله مُؤْمنٌ فَقيرٌ شَديدُ الْحَاجَة منْ أَهْل الصُّفَّة وكَان مُلازماً لرَسُول اللَّه صلى الله عليه وآله عنْدَ مَوَاقيت الصَّلاة كُلِّها لا يَفْقدُهُ في شَيْء منْها وكَان رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله يَرقُّ لَهُ ويَنْظُرُ إلَى حَاجَته وغُرْبَته فَيَقُولُ: يَا سَعْدُ لَوْ قَدْ جَاءَني شَيْءٌ لأَغْنَيْتُكَ. فَأَبْطَأَ ذَلِكَ عَلَى رَسُول اللَّه صلى الله عليه وآله فَاشْتَدَّ غَمُّ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وآله لسَعْد، فَعَلمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّه منْ غَمِّه لسَعْد، فَأَهْبَطَ عَلَيْه جَبْرَئيلَ عليه السلام ومَعَهُ درْهَمَان، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَلمَ مَا قَدْ دَخَلَكَ منَ الْغَمِّ لِسَعْد، أَفَتُحبُّ أَنْ تُغْنيَهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ: فَهَاكَ هَذَيْن الدِّرْهَمَيْن فَأَعْطهمَا إيَّاهُ ومُرْهُ أَنْ يَتَّجرَ بهمَا.
فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله ثُمَّ خَرَجَ إِلَى صَلاةِ الظُّهْر وسَعْدٌ قَائمٌ عَلَى بَاب حُجُرَات رَسُول اللَّه صلى الله عليه وآله يَنْتَظرُهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله قَالَ: يَا سَعْدُ أَ تُحْسِنُ التِّجَارَةَ؟ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: واللَّه مَا أَصْبَحْتُ أَمْلكُ مَالاً أَتَّجِرُ به. فَأَعْطَاهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وآله الدِّرْهَمَيْنِ وقَالَ لَهُ: اتَّجِرْ بهمَا وتَصَرَّفْ لِرِزْقِ اللَّه.
فَأَخَذَهُمَا سَعْدٌ وَ مَضَى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله حَتَّى صَلَّى مَعَهُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وآله: قُمْ فَاطْلُبِ الرِّزْقَ فَقَدْ كُنْتُ بِحَالكَ مُغْتَمّاً يَا سَعْدُ.
فَأَقْبَلَ سَعْدٌ لاَ يَشْتَرِي بدِرْهَمٍ شَيْئاً إلاَّ بَاعَهُ بِدِرْهَمَيْنِ وَلا يَشْتَري شَيْئاً بدرْهَمَيْن إلاّ بَاعَهُ بأَرْبَعَة دَرَاهِمَ. فَأَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى سَعْد، فَكَثُرَ مَتَاعُهُ وَمَالُهُ وَعَظُمَتْ تجَارَتُهُ، فَاتَّخَذَ عَلَى بَاب الْمَسْجِدِ مَوْضعاً وَجَلَسَ فيه فَجَمَعَ تِجَارَتَهُ إلَيْه، وَكَانَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله إذَا أَقَامَ بلالٌ للصَّلاة يَخْرُجُ وسَعْدٌ مَشْغُولٌ بالدُّنْيَا لَمْ يَتَطَهَّرْ وَلَمْ يَتَهَيَّأْ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ أَنْ يَتَشَاغَلَ بِالدُّنْيَا، فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله يَقُولُ: يَا سَعْدُ شَغَلَتْكَ الدُّنْيَا عَنِ الصَّلاةِ؟ فَكَانَ يَقُولُ: مَا أَصْنَعُ؟ أُضَيِّعُ مَالِي؟ هَذَا رَجُلٌ قَدْ بِعْتُهُ فَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَوْفِيَ منْهُ، وَهَذَا رَجُلٌ قَد اشْتَرَيْتُ منْهُ فَأُريدُ أَنْ أُوفِيَهُ.
فَدَخَلَ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وآله منْ أَمْر سَعْد غَمٌّ أَشَدُّ منْ غَمِّه بفَقْره.
فَهَبَطَ عَلَيْه جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ غَمَّكَ بسَعْدٍ، فَأَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ حَالُهُ الأُولَى أَوْ حَالُهُ هَذِهِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله: يَا جَبْرَئِلُ بَلْ حَالُهُ الأُولَى. قَدْ أَذْهَبَتْ دُنْيَاهُ بآخرَته.
فَقَالَ لَهُ جَبْرَئيلُ عليه السلام: إنَّ حُبَّ الدُّنْيَا وَالأمْوَال فتْنَةٌ وَمَشْغَلَةٌ عَن الآخِرَةِ، قُلْ لسَعْدٍ: يَرُدُّ عَلَيْكَ الدِّرْهَمَيْنِ اللَّذَيْنِ دَفَعْتَهُمَا إِلَيْه، فَإنَّ أَمْرَهُ سَيَصيرُ إلَى الْحَالَة الَّتي كَانَ عَلَيْهَا أَوَّلاً.
فَخَرَجَ النَّبيُّ صلى الله عليه وآله فَمَرَّ بسَعْد، فَقَالَ لَهُ: يَا سَعْدُ أَ مَا تُريدُ أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ الدِّرْهَمَيْن اللَّذَيْن أَعْطَيْتُكَهُمَا؟
فَقَالَ سَعْدٌ: بَلَى وَمِائَتَيْنِ.
فَقَالَ لَهُ صلى الله عليه وآله: لَسْتُ أُريدُ مِنْكَ يَا سَعْدُ إِلاَّ الدِّرْهَمَيْن.
فَأَعْطَاهُ سَعْدٌ درْهَمَيْن، فَأَدْبَرَتِ الدُّنْيَا عَلَى سَعْدٍ حَتَّى ذَهَبَ مَا كَانَ جَمَعَ وَ عَادَ إِلَى حَاله الَّتي كَانَ عَلَيْها.(8)
وهكذا يتضح أن من الممكن انكشاف السريرة عبر عوامل وحالات عديدة، كالمال والشهرة والعلم والذرية والمنصب والغضب والأمانة. وعليه فإن تأكد المرء من طوية سريرته ومدى معرفته لمستوى حسنها أو قبحها يمكنه من انتخاب السلوك الأمثل لسيرته بين الناس لتحاشي أي خسارة أو فضيحة من جهة، وضمان أكبر قدر ممكن من الثقة والاعتداد بنفسه من جهة أخرى.
فحريّ بالإنسان المؤمن أن يجاهد نفسه حق الجهاد لتحسين سريرته وصقلها وفق الالتزام بالأوامر والنواهي الشرعية، لكي يعلم حقيقتها وما ترمي إليه، فيتفادى السقوط، ويضمن النجاح.
لقد وعى المقدس الأردبيلي مرجع الشيعة في زمانه هذه الحقيقة الرائعة فطبّقها مبتدئاً بنفسه، حتى أنه نقل عن حسن سريرته وسيرته ما يقف له الإنسان حائراً متعجباً؛ إذ قيل إنه كان ذات يوم يمشي في صحن مرقد الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، فسأله أحد الزائرين ـ دون علمه بمن يكون ـ عما إذا كان يعرف محلاً خاصاً بغسل الملابس، فقال له المقدس الأردبيلي: أنا أغسلها لك بنفسي! ضارباً بذلك كل ما يمكن أن يكون عذراً قد يحول ما بين الإنسان وبين أداء الخدمة للمؤمنين والزائرين، الأمر الذي يكشف عن حقيقة السريرة الطاهرة لهذا الرجل النادر المثال، فقام بغسل ملابس الرجل الزائر، وعاد إليه بها في الوقت المحدد لتسليمها، فشاهده بعض من يعرفه، فقال للزائر: هل تعرف من غسل ملابسك؟ إنه المرجع الأعلى! فأخذ الرجل يبدي كل الاعتذار، فردّه المقدس الأردبيلي قائلاً: إنما أنت صاحب الفضل عليّ، لأنك من زوار أمير المؤمنين سلام الله عليه..
يُنقل أنّ الإمام سلام الله عليه، كان قد كافأه بأن كان يرحّب به في أيّ وقت أراد الزيارة حيث كانت الأبواب تفتح له دون مفتاح. وما أعظم ذلك من قدسية وفضل!
نسأل الله سبحانه وتعالى ببركة أهل البيت سلام الله عليهم أن يوفّقنا لحسن السيرة وسكون الريح.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.