» الفهرست

» الهدى الصالح
» الاستبدال
» طريق الحقّ
» الخير من الله والشر من الإنسان نفسه
» نيّة الرشد
» كيف نحصّن نيّاتنا؟
» عليّ معيار الحق
» النجاة في التوسل بأهل البيت سلام الله عليهم
» شخص يترك دينه لأجل بالوعة!!


» النص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *

«اللهم صلّ على محمد وآل محمد، ومتّعني بهدىً صالح لا أستبدل به، وطريقة حقّ لا أزيع عنها، ونيّة رشد لا أشكّ فيها».


:. الهدى الصالح

الهدى في اللغة يُذكّر ويؤنّث فتقول هدىً صالح وهدىً صالحة، وورد بالصيغتين في فصيح الكلام، وربما جاء هنا مذكّراً مراعاة لنكتة أدبية كما لو يكون مراعاةً للنسق الذي يقتضيه الترتيب.
أما قوله سلام الله عليه (صالح) فهو:
إما باعتبار أن للهداية مراتب.
فيكون المراد من «الهدى الصالح»: تلك المرتبة من الهداية التي تكون صالحة للداعي، أو المرتبة التي يستحقِّها؛ لأنه لا شك أن للبشر حتى المؤمنين منهم بل الأخيار والأبرار مراتب من الهداية، وكلّ مرتبة يبلغها الفرد فهي المرتبة الصالحة له، ولكن لا يصحّ للإنسان أن يقتصر على المرتبة الدنيا من الهداية، بل عليه أن يسعى لأن يجعله الله تعالى أهلاً لبلوغ مراتبها العليا، ومن لا يكون مستحقّاً لها، فإن الله سبحانه وتعالى لايمنحها إيّاه تكوينياً؛ لأنه غير صالح لها؛ فلا تصلح له، ومن ثم لا يستطيع الصعود أعلى من المرتبة التي هو عليها.
وإما أن يكون (صالح) وصفاً توضيحياً أو تفسيرياً لـ (هدى)، أو احترازياً - حسب الاصطلاح العلمي - .


:. الاستبدال

أما قوله سلام الله عليه (لا أستبدل به) فهو صفة ثانية لـ (هدىً)، ومعناه: اللهم وهذا الهدى الصالح الذي سألتك أن تمتّعني به، فاجعله مستمرّاً دائماً معي، وليس كالوديعة التي تبقى عند الإنسان مدّة من الزمن ثم تُستردّ بعد ذلك. فلا يكفي أن يتمتّع الإنسان بالهدى والصلاح في كلّ آن من آنات حياته ووجوده على هذه الأرض، بل لابدّ أن تختتم حياته وهو كذلك وأن لا يستبدل بالهدى الضلالة.
إنّ همّ الشيطان وجهده منصبّان على هذه النقطة وهي دفع الإنسان لأن يبدل الهدى بالضلالة، والخير بالشرّ، والصلاح بالفساد، وما أكثر من ينجح في إغوائهم! قال الله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾(1) وقال أيضاً: ﴿وقليل ما هم﴾(2)، والقليل هو ما يقابل الكثير، فيكون المعنى أن الكثير غير شاكرين.


:. طريق الحقّ

الحق والصالح مفهومان لمصداق واحد، أي هما في الذهن معنيان ولكن الوجود الخارجي لهما واحد؛ فيكون قوله سلام الله عليه: «طريقة حق» من باب العطف التفسيري والتوضيحي لقوله سلام الله عليه: «هدى صالح».
بيد أنه يمكن أن يكون المراد بالهدى الدين والعقيدة، وأن يكون المراد بالطريقة العادات والسنن؛ فيكون معنى قوله سلام الله عليه «متّعني بهدى صالح لا أستبدل به» الثبات على الإيمان والمبدأ؛ لأنه قد لا يبقى الفرد المسلم - والعياذ بالله - على الإيمان والإسلام بل يستبدل بالإيمان غيره ويرتدّ عن دينه، وما أكثرهم حتى فى صدر الإسلام، فمن يقرأ التاريخ يجد أن عشرات بل مئات ارتدّوا ورجعوا عن الإسلام حتى في زمن النبي صلّى الله عليه وآله، فهؤلاء لم يتمتعوا بهدى صالح دائم بل استبدلوا به الكفر. وكان هناك أقوام بقوا مع الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه حتى السنين الأخيرة من عمره الشريف، ولكنهم شهروا سيوفهم في وجهه في السنتين الأخيرتين من حياته المباركة، كالخوارج، وكانوا قبل ذلك مسلمين مؤمنين ولم يكونوا منافقين ولكنهم ارتدّوا عن إيمانهم.

وقد يبقى الفرد مسلماً مؤمناً، ولكن عنده عادات وتقاليد باطلة لا تتناسب مع إيمانه، فهذا لا يتمتّع بطريقة حقّ، وقد يكون على طريقة حق وتقاليد صحيحة ولكنه يزيغ وينحرف عنها، كما هو حال كثير من المسلمين اليوم حيث نراهم يصلّون ويصومون ولكن لديهم عادات محرّمة أو مكروهة شرعاً، وخير مثال على ذلك ما نراه في تقاليد الزواج؛ فبعض الآباء يزوّج ابنته من دون أن يستشيرها، وهذا خلاف الشرع والسنّة - حسب المشهور بين الفقهاء - أما إذا تسرّع وأعطى كلمة ثم جعلها ترضى بعد ذلك فلا إشكال، ولكن لابدّ من رضاها على كلّ حال. ومما ينقل في هذا الصدد أن رجلاً - وكان من المؤمنين - كان كلّما تقدّم إليه أحد في طلب ابنته للزواج رفضه، حتى تقدم إليه أحد الأشخاص فوافق عليه، فقال ذلك الشخص: هل أفهم أنك أعطيتني كلاماً عليها وانتهى كلّ شيء؟ قال الأب: نعم. قال الخاطب: هلا تسأل البنت؟ قال: هذا لا يعنيها، إنما أمرها يعود إليّ !
ولا تقتصر الطرق الباطلة على المحرّمات والواجبات بل تصدق في المستحبات والمكروهات أيضاً؛ ولذلك ينبغي للمسلم أن يكون على طريقة حق فيهما أيضاً؛ ومثاله: البدء بالتحية والسلام، فترى بعض الأشخاص لا يسلّم على أحد أبداً، وإذا سلّم عليه أحد اكتفى بالردّ أما هو فلا يبدأ أحداً بالسلام، فهذه الطريقة ليست طريقة حق.

إذن يمكن أن يكون المراد من قول الإمام سلام الله عليه «هدى صالح»: الإيمان الصالح، والمراد من «طريقة حق»: السنن الصحيحة، كما يمكن أن يكون الثاني عطفاً تفسيرياً للأوّل.
وعلى كلّ حال، فإن المهمّ في الأمر هو الثبات عليهما؛ ولذلك قال الإمام سلام الله عليه: «وطريقة حقّ لا أزيغ عنها». فما أكثر الذين كانوا على طريقة الحق ولكنهم لم يستمرّوا عليها إما نتيجة مشكلات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو عائلية أو نفسية أو تأثّراً بغيرهم. وفي كلّ الأحوال لا ضمان لأيّ أحد بالثبات على طريقة الحقّ إلا بالدعاء والاستعانة بالله تعالى والسعي معاً؛ كما قلنا في المحاضرات السابقة. فالأمر بحاجةٍ إلى دعاء وخشوع وتضرّع، إضافة إلى السعي والجدّ.


:.الخير من الله والشر من الإنسان نفسه

ما يلفت النظر أنّ الإمام سلام الله عليه كان في الفقرات السابقة من الدعاء يعزي تغيّر الحالات كلّها لله تعالى، مثل قوله سلام الله عليه: «ولا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزّاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلّة باطنة عند نفسي بقدرها» إلا أنّه سلام الله عليه في هذه الفقرة من الدعاء نسب الجانب السلبيّ (أي الاستبدال والزيغ والشكّ) للإنسان نفسه، فقال: «ومتّعني بهدى صالح لا أستبدل به، وطريقة حق لا أزيغ عنها، ونيّة رشد لا أشكّ فيها»، فما هو السبب في ذلك؟

يقول العلماء إن الله تعالى هو مسبّب الأسباب كلها؛ ولذلك فكلّ فعل يصدر من الإنسان يكون منسوباً إلى الله تعالى من هذه الجهة؛ قال تعالى: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. قل كلّ من عند الله ﴾(3) ومن ثم كان نسبة فعل الخير وما يصيب الإنسان من حسنات، إلى الله تعالى، ولكن حيث إن الإنسان هو الذي يهيّئ السبب باختياره، وأن الله يغيّر حال الإنسان تبعاً للاختيار الذي منحه الله له، فإن صدور الشرّ وما يصيب الإنسان من سيئة ينسب للإنسان نفسه؛ قال تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾(4) ولذلك نسبت الضلالة في القرآن الكريم إلى الله كما في قوله تعالى:﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾(5) ونسبت إلى الإنسان، في حين نسبت الهداية إلى الله تعالى وحده كما في قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾(6)، والسبب كما قلنا يعود للإنسان الذي جعله الله تعالى مختاراً ليختار أحد الطريقين، قال تعالى: ﴿وهديناه النجدين﴾(7)، فبلحاظ أن الله تعالى منح الإنسان حقّ الاختيار نسبت الضلالة والهداية معاً إلى الله؛ كما أن الأب الذي يعطي ابنه نقوداً وينصحه أن يصرفها في سبيل الخير ويحذّره من طرق الشر، ثم يخيّره ولكن الابن لا يعمل بوصية الأب ونصحه، فينفق النقود في طريق الشرّ فإن الأب لا يكون مسؤولاً عن تصرّف الابن، ومع ذلك يقول له: أنا السبب في ما عملته لأنني مكّنتك وخيّرتك ولكنّك لم تعمل بنصحي!

إنّ الله تعالى منح الإنسان حقّ الاختيار من جهة، ومكّنه من جهة أخرى من فعل الخير والشر معاً، ولكنّه شجّعه على فعل الخير والإقلاع عن الشر، كما دعاه للتوبة والأوب إليه، فأرسل إليه الأنبياء والكتب، وجعل الأئمة الذين يهدونه ويعلّمونه، ومن جملة تعليمهم هو الدعاء إلى الله وطلب الثبات منه.


:. نيّة الرشد

لقد طلب الإمام سلام الله عليه من الله تعالى الهدى الصالح وعدم الاستبدال به، وهو الدين والإيمان، وطلب الطريقة الحقة وعدم الزيغ عنها، وهي الطريقة والسنّة، ثم طلب نية الرشد وهي إطارهما، فربما تكون الظروف والأجواء بحيث يكون الهدى الصالح وطريقة الحقّ هما الغالبان، فينضمّ إليهما أغلب الناس كما قال تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً﴾(8)، لأن الدخول في الإيمان سهل والكفة الدنيوية الراجحة بيد أهل الحق، ففي مثل هذه الحالة لا تعرف حقيقة النوايا، عند أولئك الأفواج، خلافاً لنوايا أولئك الذين أسلموا في مكة عندما كانت بيد المشركين حيث أذاقوا الداخلين للإيمان صنوف العذاب؛ ولذلك يقول الله تعالى:﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾(9).

كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يذهب بشخصه الكريم إلى القبائل والوفود الذين يأتون إلى مكة في موسم الحج - وكان الحج موجوداً قبل الإسلام ولكن الإسلام خلّصه من الطقوس الوثنية - فكان صلّى الله عليه وآله يعرض عليهم الإسلام فكان بعضهم يرفض وقسم قليل يقبل دعوته، وكان بعضهم يسيء الأدب مع النبي صلّى الله عليه وآله وربما لا يدعه يتكلم، وفي إحدى المرات أقبل رهط وأسلم ستة منهم (10).
تصوّر كم كان الأمر صعباً في البداية، وكم كان يعني الدخول في الإسلام؛ فالرسول صلّى الله عليه وآله ينتظر سنة كاملة حتى يأتي الوفود والحجاج ليعرض عليهم دعوته ثم تكون الحصيلة إيمان ستة أشخاص فقط! وهذا يعني أن الهدى الصالح والطريقة الحقّة التي كان عليها هذه الثلّة المؤمنة لم تكن تقليداً أو من باب «حشر مع الناس عيد» بل كان إطارها النية الصادقة والراشدة.


:. كيف نحصّن نيّاتنا؟

يقول الإمام سلام الله عليه«ومتّعني... بنية رشد لا أشك فيها»، والشك في النية مسألة مهمة جداً تتطلب انتباهاً كبيراً من الإنسان؛ لأن الشيطان يركّز كلّ جهوده عليها من أجل أن يزلّ الإنسان ويحرفه عن الهدى الصالح والطريقة الحقة. ولكي ندرك أبعـاد حملة الشيطان علينـا، فلنتأمّل في الآية التالية فهي تحكي عزم إبليس وإصراره على إغواء البشر، وهو يقسم لله تعالى، بالله تعالى، على ذلك؛ كما حكاه القرآن الكريم: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)(11) أي لا أدعهم يصلون إليك بل أقف في طريقهم فكلما أتوك من جهة واجهتهم وحاولت صرفهم عنك، ومن لا تنفع معه المصارحة أي الاتيان من أمام أتيته من خلفه، أي ألبست له الحقّ بالباطل، أو قلت له: انظر إلى فلان وفلان ارتكب كذا وهو أعظم منك شأناً أو أحسن منك حالاً ومعاشاً.

فلنكن على حذر من ألاعيب الشيطان الرجيم وأساليبه، ونطلب من الله تعالى نيّة الرشد والثبات عليها.
وقبال هذا، جعل الله تعالى لنا العروة الوثقى إن تمسّكنا بها لم نزِغ ولم ننحرف، ذلكم هو القرآن وعترة النبي صلّى الله عليه وآله، فهما العروة وهما المعيار الذي نعرف من خلالهما - أي بتمسكنا والتزامنا بهما وعدم الابتعاد عنهما - عدم انحرافنا عن الطريقة الحقّة وعدم استبدالنا شيئاً بالهدى الصالح والطريقة الحقّة، فلا نشكّ في نيّاتنا.

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين، قالوا يا رسول الله و ما الثقلان؟ قال: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض كإصبعيّ هاتين، وجمع بين سبابتيه ولا أقول كهاتين وجمع سبّابته والوسطى، فتفضل هذه على هذه»(12). فههنا نكتة جديرة بالتأمّل، وهي أن الناس - عادةً - إذا أرادوا وصف شيئين بأنّهما لن يفترقا مثّلا لهما بجمع السبّابة والوسطى، ولكنا نلاحظ أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله جمع بين سبّابتيه، فلماذا فعل ذلك، وهو القائل: «إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم»(13)؟
لقد أراد صلّى الله عليه وآله أن يبيّن - إضافة إلى أنهما لا يفترقان - أنهما عدلان، فإن الوسطى أطول من السبابة قليلاً، ولكن حيث إن النبي صلّى الله عليه وآله جمع سبّابتيه فهذا معناه أنه لا القرآن أطول من أهل البيت سلام الله عليهم ولا أهل البيت أطول من القرآن الكريم.


:. عليّ معيار الحق

وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار»(14). وإذ أخبر رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّ عليّاً مع الحق، فمعلوم أن الحقّ مع عليّ أيضاً؛ لأن هذا ما يفيده قياس المساواة، فلو كان عمرو مع زيد فهذا يعني أنّ زيداً مع عمرو أيضاً، ولكن الرسول صلّى الله عليه وآله أراد بذلك التأكيد ومزيد الإلفات.
وهنا أيضاً نكتة أخرى جديرة بالالتفات وهي أن الرسول صلّى الله عليه وآله قال «علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيثما دار»، ولم يقل يدور حوله، مع أن ذلك هو مقتضى الدوران، ولكن النبي صلّى الله عليه وآله يريد أن يقول: إن عليّاً هو ملاك الحق وميزانه ومعياره ومركزه؛ ولذلك فإنّ الحق يدور مع علي، وليس العكس. فهذه نكات بليغة ينبغي لنا أن نتوقّف عندها ونكتشف مضامينها الرائعة.

ومما نفهمه من مضمون هذه الأحاديث أن الأشخاص مهما عظموا لا يكونون معياراً للحقّ أبداً، إلا أهل البيت سلام الله عليهم.
دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين سلام الله عليه في نفر من الشيعة... وقال: نال الدهر مني و زادني أوداً وغليلاً اختصام أصحابك ببابك. قال سلام الله عليه: فيم؟ قال: في شأنك والبلية من قبلك، فمن مفرط غالٍ ومبغض قالٍ ومن متردّدٍ مرتاب، فلا يدري أيقدم أم يحجم! قال سلام الله عليه: «فحسبك يا أخا همدان فإنك امرؤ ملبوس عليك إن دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق، اعرف الحقّ تعرف أهله»(15).

وهذه كلمة يخضع لها كل التاريخ ويجدر أن يقف بسببها حتى أعداء الإمام سلام الله عليه إجلالاً له! فما أغناها في المعاني رغم قلّة الألفاظ! إن حياة كل إنسان واعٍ من بدايتها إلى نهايتها رهينة هذه الكلمة الخالدة، فمن عرف الحق (وهو ما قاله الرسول صلّى الله عليه وآله في حديثه المتواتر: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً) لا يتزلزل إيمانه بعد ذلك وإن تغيّر زيد من الناس أو عمرو، أو رأى رجالاً انحرفوا وكانوا قبل ذلك صالحين قضوا أعمارهم في الصلاح ثم انحرفوا في آخر ساعة من حياتهم!

فإن لم نتخذ أهل البيت سلام الله عليهم ملاكاً وعروة فلا ضامن لنا من الاستبدال، لأن عدوّنا الشيطان متخصص في الإغراء والإغواء ومتفرّغ لنا ولا شغل له غير ذلك ولا مشكلة عنده تلهيه عنّا، وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه - كما في الحديث - ولكن الله جعل لنا أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم وأمرنا بالاعتصام بهم والتقوّي على الشيطان وتسويلاته. فلنتمسك بهم ونزن مواقفنا بمعاييرهم، نضمن استقامتنا وثباتنا ونؤوب إلى الحق والهدى أبداً.


:. النجاة في التوسل بأهل البيت سلام الله عليهم

لقد ابتلي شخص - أعرفه أيام كنّا شباباً في كربلاء - بتسويلات الشيطان ووساوسه حتى بلغ به الحال إلى أن يتوضأ ببوله، بعد أن كان من الأتقياء الأخيار، ولكنه في الآخر عرف أنه مبتلى ابتلاء شديداً وأنه يصعب عليه التخلّص من الحالة التي هو فيها، فتوسّل إلى الله تعالى بأهل البيت سلام الله عليهم وخاطبهم قائلاً: انقذوني وخلصوني مما أنا فيه فأنتم القادرون على ذلك. وبالفعل نجا الرجل من مرضه ببركة توسله بأهل البيت سلام الله عليهم.
فأهل البيت سلام الله عليهم هم العروة الوثقى والميزان والملاك لمعرفة الحق، ولا يشاركهم في ذلك غيرهم بالغاً ما بلغ، لأنهم وحدهم المعصومون وقد جعلهم النبي صلّى الله عليه وآله عدلاً للقرآن ومعياراً لمعرفة الحق، فالآخرون يعرضون على هذا المعيار، فيعرف إن كانوا على حق أم لا، أما أهل البيت فلا يعرضون على أحد؛ «لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد»(16).

ولذلك نحن لا نتخذ حتى من أمثال سلمان وأبي ذر وزرارة ملاكاً، مع أنه وردت بشأنهم أحاديث من أهل البيت سلام الله عليهم أنفسهم تقول: «سلمان منا أهل البيت»(17) وأشباهها بحقّ أبي ذر وزرارة رضوان الله عليهم جميعاً، ولكنهم غير مشمولين بحديث الثقلين الذي يجعل من أهل البيت خاصة ( وهم علي وفاطمة والمعصومون من ذرّيتهما ) ملاك الحق ومعياره وعروته إلى جانب القرآن العظيم.

لقد التحق بالإمام الحسين سلام الله عليه زهاء ألف وخمسمائة منذ اليوم الثاني من محرم عام 60هـ حتى اليوم التاسع منه، وكان هؤلاء الذين التحقوا به مسلمين ومؤمنين، ومصلّين وصائمين، بل عرّضوا أنفسهم للخطر؛ لإيمانهم بإمامة الحسين سلام الله عليه، ولكن كم بقي منهم في اليوم العاشر؟ تقول المقاتل: لم يبقَ مع الإمام سوى اثنين وسبعين، فيما انهزم الباقون! وهذا معناه أنه هرب أكثر من ألف وأربعمائة وهذا نوع من الاستبدال والزيغ؛ فما هي الضمانة أن لا نزيغ ولا نستبدل بالهدى الضلال؟ لا ضمانة إلا الدعاء والسؤال من الله بأهل البيت سلام الله عليه، فلنكثر من الدعاء خاصة في مواسم الدعاء.


:. شخص يترك دينه لأجل بالوعة!!

نقل عن السيد الميلاني - من مراجع التقليد في كربلاء - أنه قال:
كان هناك شخص مواظباً على حضور صلاة الجماعة التي أقيمها، وكان يحترمني كثيراً، فاتفق أن حدث في يوم من الأيام شجار بينه وبين جار له على مخزن للقاذورات - أجلّكم الله - لأن داريهما كانتا متلاصقتين وكان المخزن مشتركاً، فادعى كل منهما أنها عائدة له، فحضرا معاً للتحاكم عندي، وبعد أن استمعت إلى أقوالهما وأقوال الشهود رأيت حسب الموازين الشرعية أن الحقّ لجار صاحبي الذي يحضر صلاتي فحكمت له، وعندما لاحظ صاحبي أني لم أحكم له بل حكمت بالأمر لصالح خصمه غضب وقال: «الدين الذي لا يعطيني بالوعتي لا أريده» ولم أره بعد ذلك في صلاة ولا غيرها.

فقد يخدع الشيطان الإنسان ببالوعة فيشتري منه دينه، وقد يخدعه بشيء آخر أكبر أو أصغر، وكلّ شيء نخدع به في هذه الدنيا بالوعة أخرى ولكن السعة مختلفة، فحتى ملك يزيد بن معاوية كانت بالوعة أيضاً؛ بل إن الدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة! ومن ثم فلا فرق بين ألف مليار والفلس الواحد من المال الحرام إلا في الحجم. روي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروى أن هذه الآية﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الْحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ نزلت في علي عليه السلام، وأن الآية الثانية ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ نزلت في ابن ملجم، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل أربعمائة فقبل(18).

ولكن مهما كان المبلغ الذي أخذه سمرة فهو خاسر على كلّ حال، ولكنه كان يتصور أنه إذا زاد الرقم حقّق ربحاً؛ في حين أن المال الحرام حتى لو بلغ المليارات يبقى عند الله لا يساوي بعوضة، وتبقى البالوعة بالوعة مهما كبرت، ولا تتحول إلى شيء مشرّف!
لقد مات أبو ذر رحمه الله وهو جائع بينما كان يمكنه أن يخلّف الملايين كما خلّف صاحبه عثمان بن عفان، - كما روى ابن خلدون - .
لقد كان أبو ذر وعثمان صديقين طيلة عشرين عاماً يصليان معاً خلف رسول الله صلّى الله عليه وآله، وشاهداه معاً تأتيه الملايين ولكنه صلّى الله عليه وآله عندما يموت يقول لعلي: ياعلي أنت قاضي ديني(19)، فيموت مديناً؛ واتبع أبو ذر سيرة رسول الله صلّى الله عليه وآله ولم يستبدل كغيره. نسأل الله تعالى الثبات على الهدى والحق والرشد.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


· ألقيت هذه المحاضرة بتاريخ 14 جمادى الثانية 1421 هـ .
(1) سورة سبأ، الآية 13 .
(2) سورة ص، الآية 24 .
(3) سورة النساء، الآية 78.
(4) سورة النساء، الآية 79.
(5) سورة الزمر، الآية 23.
(6) سورة القصص، الآية 56 .
(7) سورة البلد، الآية 10 .
(8) سورة النصر، الآية 1.
(9) سورة الحديد، الآية 10.
(10) أقبل تسعة رهط من حضرموت حتى دنوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلّموا فردّ عليهم السلام وقالوا: يا محمد اعرض علينا الإسلام. فأسلم منهم ستة ولم يسلم الثلاثة فانصرفوا... (بحار الأنوار: 214 / 38 ، باب 65).
(11) سورة الأعراف، الآية 17.
(12) تفسيرالقمي: 1 / 180.
(13) أصول الكافي / ج 1 / كتاب العقل والجهل / ص 23 / ح 15 .
(14) بحار الأنوار / ج 28 / ص 368 .
(15) بحارالأنوار: 159 / 27 باب 6- ما ينفع حبهم فيه من المواطن.
(16) نهج البلاغة / الخطبة 2 / ص 46 .
(17) بحار الأنوار / ج 17 الباب 1 / ص 170 .
(18) بحار الأنوار: 33 / 215، باب 17.
(19) بحار الأنوار: 38 / 74، باب 60.