بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *
«اللهمَّ صلِّ على محمد وآله، وحلّني بحلية الصالحين، وألبسني زينة المتقين... وقول الحقّ وإن عزّ»
واحدة من أهمّ مصاديق حلية الصالحين وزينة المتقين التي يسأل الإمام زين العابدين سلام الله عليه ربّه الجليل سبحانه وتعالى عنها قول الحق، وإن قلّ ناصروه وكثر مناوئوه وتبعته المخاطر والصعوبات.
قبل أن نشرع في البحث لا بد لنا أن نؤكّد نقطتين هامّتين في الموضوع، هما:
1ـ إنّ قول الحق يعدّ من أهمّ أسس الصلاح والتقوى للفرد المسلم، يؤيّد ذلك ما صدر عن أهل البيت سلام الله عليهم من القول بالحق دائماً، ولولاه لما كنّا اليوم مسلمين ولما بقي للإسلام والإيمان من أثر، خصوصاً في ظلّ محاولات الحكّام الظلمة، الهادفة إلى محو الدين وطمس أهمّ معالمه ورموزه.
2ـ لقد أمرنا الدين الحنيف مراراً وتكراراً أن نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق للصلاح والتقوى، وأن نشفع سؤالنا هذا بالعمل والتطبيق؛ قال تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)(1) في إطار التحريض على الدعاء وإدراك أهميته. وقال أيضاً:
(وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)(2) موضحاً أنه ينبغي أن يكون في ضمير الفرد وعقله توجّه خاصّ أو قناة خاصّة بالسلوك الصالح المصدّق لما يلهج به في الدعاء.
جرت العادة في القرآن الكريم والأحاديث والروايات الشريفة على حثّ الإنسان على العمل أكثر من القول، نظراً لأن العمل هو الركيزة الأساسية في الإنسان؛ باعتباره يمثّل انعكاساً لجوهره وحقيقته. فإنّ تلفّظ الفرد بشهادة (لا إله إلا الله) أسهل عليه ملايين المرّات من العمل وفق شروطها؛ إذ العمل بهذه الشهادة المقدّسة يستوجب في كثير من الأحيان تقديم التضحيات الجسيمة وتحمّل المصاعب العظيمة.
ولكي يهون الأمر علينا في سبيل ذلك فلابدّ لنا من نظرة إلى من نصّبهم المولى تعالى لنا قدوة، ليؤنس وحشتنا بعظيم رزئهم، ويشحذ هممنا بطول أناتهم وجميل صبرهم، فلقد كان الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه نموذجاً أوحد في العمل بمقتضى شرائط التوحيد، فكلّفه ذلك الأمر أن يكون جليس بيته لمدّة خمسة وعشرين عاماً، وهو الأعلم والأفضل والأتقى والأقضى من بين الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله!!
وكذلك كان شأن الكثير من عظماء الإسلام ممن شايعه واقتدى به صلوات الله عليه مثل الصحابيّ الجليل أبي ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه الذي التزم وعمل بشهادة التوحيد بكامل شروطها حتى وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه أصدق ذي لهجة(3)؛ فمات بسبب ذلك نفياً وغربة ووحدة وجوعاً، بعد أن كابد الفاقة والجوع قبل ذلك فترات طويلة.
ومن هنا قد يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: لماذا قال الإمام السجاد سلام الله عليه في هذا الدعاء: «قول الحق» ولم يقل العمل بالحق؟
مما لاشك فيه أن لمعاريض كلام أهل بيت النبوّة عليهم الصلاة والسلام جوانب عديدة وآفاقاً مديدة، وما غاب عنّا أكثر مما نستحضره، إلا أن جملة ما يمكن قوله بهذا الصدد هو أن المجتمع الإسلامي كما هو بحاجة إلى فعل يترجم أقواله ليصدق عليه أنه مجتمع إسلامي، كذلك هو بحاجة إلى قول وتصريح بالموقف الحقّ والحازم، ليكون كل فرد من أفراده المكلّفين بالمساهمة في بنائه على بيّنة من أمره.
أما إذا اقتصرت حياة الفرد على الجلوس في الدار أو أي مكان آخر يعنيه أو لا يعنيه، دون أن ينبس ببنت شفة فيما يقتضيه منه الحق، وتبعه الآخرون من أفراد المجتمع في الإحجام عن القول والتصريح الواضح به، فإنّ الهدف المتمثل ببناء مجتمع الصلاح والتقوى لن يتحقق أبداً.
إذن؛ لكي يتحقّق المجتمع الصالح، فهو بحاجة إلى القول أيضاً كما هو بحاجة إلى العمل، ولعلّ الإمام استعمل هنا كلمة (قول) لإرادة هذا الأمر، وإن كان ثمة تناوب بين هاتين المفردتين لغة وشرعاً، حيث قد يُطلق أحدهما ويراد به الآخر، كقولهم: قال بيده هكذا أي عمل هكذا، إلا أن الأمر الثابت أنه لا يكفي من أجل حصول التغيير في المجتمع أن يعمل الإنسان بالحقّ وحده، بل لابد له من الدعوة إليه، وقول الحق، وعدم مداهنة الباطل.
بعد أن تناولنا المفردة الأولى بشيء من التوضيح، نأتي إلى بيان معنى المفردة الثانية وهي الحقّ، فنقول:
عندما يقرأ الإنسان القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت سلام الله عليهم أو يتابع كتب اللغة، يجد أن لمفردة الحق معاني متشابكة ومتداخلة، وكلّ معنى له مفردته الخاصّة به، ولكن الحقّ ـ من خلال زاوية وشعاع خاصّ ـ يعني العدل تكويناً أو تشريعاً أو وصفاً. فمن كان يرعى خروفاً وحمامة مثلاً، فإنه لا يسعه أن يعطيهما من الطعام والشراب بقدر واحد، بل لابد من إعطاء كلّ منهما ما يناسبه، ولو أعطى الخروف بقدر ما يعطي الحمامة مات الخروف جوعاً، كما أنه لو أعطى الحمامة بقدر ما يعطي الخروف ماتت الحمامة تخمةً.
وعلى ذلك فإن العدل شيء والمساواة شيء آخر، فليس كلّ عدل يقتضي مساواة، ولا كلّ مساواة تكون عدلاً.
هذا عن معنى الحق من هذه الزاوية، وذكروا أن من معانيه هو الصحيح، فيكون القولُ الحقّ، هو الصحيح من الأقوال، وأمثال ذلك من المعاني والأبعاد، ولكن ما يعبّر تعبيراً أصدق هو القول بأن الجامع لهذه المعاني هو تصوّر الحق تصوّراً خاصّاً بالمجال المتعلّق به والحيّز المستعمل فيه. فالحقّ في الفتوى يحدّده الفقيه، والحقّ في البناء يعلمه المهندس، والحقّ في الصحّة يميّزه الطبيب، والحقّ في التاريخ والسيرة من اختصاص المؤرّخ، وهكذا..
إن قول الحق قد يصدر عن الفاسقين أيضاً أحياناً، ولكنه لا يعبّر عن زينة التقوى ولا حلية الصالحين، إنما الذي يعبّر عنهما قول الحقّ حينما يعزّ.
ترى كيف يعزّ قول الحق؟
يقول أهل اللغة: إن العزّة تطلق مادّتها حينما يجتمع شرطان في مورد واحد، وذلك بمختلف اشتقاقاتها، الأول: أن يكون هذا المورد نافعاً، والثاني: أن يكون نادراً. فمثلاً نجد الناس جميعاً وبمختلف حالاتهم وأوضاعهم بحاجة إلى الاوكسجين، وإذا انقطع عنهم تعرّضوا للموت، ولكن الأوكسجين لا يسمّى عزيزاً رغم نفعه، لأنه ليس نادراً، وهكذا الشيء النادر عندما يكون قليلاً أو عديم الفائدة لا يسمّى عزيزاً، لضآلة دوره في الحياة قياساً بغيره.
بينما الماء الذي تتوقّف عليه الحياة، وهو الذي جُعل منه كل شيءٍ حي، يصبح عزيزاً، بل ولعله يكون أعزّ شيء إذا ما ندر توافره أو حيل بين طالبه وبين حصوله كما حدث ذلك للإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه عليهم صلوات الله وسلامه في واقعة الطف الفظيعة.
والقول بالحقّ، أمر جيّد ونافع، ولكن ما يجعله حلية للصالحين وزينة للمتقين ـ كما أوضح ذلك الإمام السجاد سلام الله عليه من خلال دعائه ـ عزّته وحينما يكون التفوّه به نادراً بسبب المخاوف والمخاطر، كالتعذيب والحرمان والاعتقال وسائر الصنوف الأخرى التي يستخدمها الظالم لإرهاب من يجترئ فيقول الحق بوجهه.
ولقد كانت السيدة الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها أول المبارزين في قول الحقّ بعد وفاة أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله حين فشا الباطل فأصبح الحق عزيزاً، فكان من أولويات مبادرتها عليها الصلاة والسلام هو فضحها للمؤامرة - أو قل المؤامرات - التي حيكت ضد الإسلام واستهدفت جوهره وصميمه، حتى تسنّى بفضل قولها الحق أن حفظت الدين عن الدمار التامّ، وأبقت للمسلمين ما يتمسّكون به، وإلا لأفلح الشياطين في إرجاع الناس إلى الجاهلية الأولى.
ومن هنا؛ ينبغي لنا أن نفهم وندرك عمق تصريح النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حينما أجاب من سأله عن أفضل الجهاد، فقال صلى الله عليه وآله: «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر»(4)؛
الأولى: أن الإمام سلام الله عليه قال في الدعاء: «وقول الحق وإن عزّ» وهو ينطبق مع النص النبويّ الشريف الذي ذكرناه آنفاً حيث قال صلى الله عليه وآله: «كلمة حق».
الثانية: اعتبار قول الحق بوجه الظلمة جهاداً بل أفضل الجهاد كما في النبوي الشريف، إنما هو إشارة إلى مدى أهميّته وخطورته، فضلاً عن ندرة المتصدّي له. وفي هذا مساوقة بينة تؤكد ما ورد في قول الإمام السجاد سلام الله عليه: «وإن عزّ».
ثمّ إن هذا الحديث الشريف ورد بلفظ «عند إمام جائر» أيضاً، وهذا يستدعي التأمّل أيضا؛ نظراً لأن مفردة (سلطان) ذات مفهوم أو استعمال أوسع من مفردة (إمام). ففي المصطلح الإسلامي، إذا جار الحاكم غير المسلم سمّي سلطاناً جائراً، أما إذا جار الحاكم المسلم وظلم، فيسمّى إماماً جائراً.
والجهاد ضدّ إمام الجور ـ الحاكم المسلم الظالم ـ بقول كلمة الحقّ بوجهه، يعدّ أعظم حتى من الجهاد ضد سلطان الجور ـ الحاكم الظالم غير المسلم ـ لأن ما يضعف الإسلام ويؤدّي إلى تآكله من الصميم وفي نفوس المستضعفين من المسلمين ويدفع بغيرهم إلى الإعراض عنه، هو ما يقترفه إمام الجور، مثل يزيد بن معاوية لعنهما الله، الذي حكم باسم القرآن والرسول، ولكنه كان أعدى أعدائهما، ولقد اختطّ خطاً في الجريمة والتجاوز على مقدّسات الدين ورموزه، لا تزال مظاهره فاعلة في جسد الدين والأمّة، ظاهرة في كلّ من تقمّصها من بين الحكّام الذين توالوا بعده وهم يحملون معاول التحريف بالدين والتنكيل بالأمّة كلّما تهيّأ الظرف لهم.
ومن هنا أكّدت الأحاديث الشريفة بأن ظالمي آل محمد لو كانوا قد امتنعوا عن الظلم والاضطهاد، وفسحوا المجال لأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بممارسة دوره بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، لما بقي على وجه الأرض كافر، لأن الإسلام الذي يحكم علي بن أبي طالب ويحكمه(5) ضياء ورحمة للعالمين، وكلّ من لم يكن جاهلاً أو معانداً، فمن طبيعته أن يبحث عن الضياء ليلتزمه ويهتدي به، كما أن إسلام الإمام سلام الله عليه إسلام جميل، وكلّ من لم يكن معقّداً أو معانداً، فمن ديدنه البحث عن الجمال، وكذلك إسلامه سلام الله عليه إسلام لين وعطف وحسن ورفق، ومن ذا الذي لا يبحث عن مصاديق هذه المفردات الرائعة؟!
أما إسلام يزيد ـ كنموذج ورمز للجور ـ فهو إسلام مزيّف تتنفّر منه النفوس وتأباه.
إن كلمة الحق العزيزة غالباً ما تقدّم قائلها إلى مذبحها، كما فعلت مع الشاعر الصنديد دعبل الخزاعي. كيف لا، وما قاله في إمام الجور هارون العبّاسي يكفي وحده لتعريض حياته للخطر؟! فاضطرّ إلى التشرّد والتخفّي بين البلدان(6)، وكان مما قال:
قبران(7) في طوس خير النـاس كلهـم وقـبـر شـرّهـم، هـذا مـن الـعـبـرِ
لا ينفع الرجس من قرب الزكي ولا على الزكيّ بقرب الرجس من ضررِ
روى أصحاب الحديث ومن مختلف الطرق إسرار رسول الله صلى الله عليه وآله بضعته الصدّيقة الطاهرة سلام الله عليها حين دنت وفاته وقوله لها: «ليس أحد من نساء المسلمين أعظم رزية منك»(8).
وليس سبب هذه الرزية كما يشهد بذلك الجوانب والوقائع التاريخية كافة إلا قولها كلمة الحق في باكورة التتويج الذي أفرزته شوراهم، وقبل ذلك قد علم مناوئوها باستعدادها وإصرارها على قول كلمة الحق وعدم اكتراثها بمن يتنازل أو ينهزم؛ خوفاً أو طمعاً بمن صيّر نفسه إماماً للمسلمين وهو الذي صرّح بنفسه في أكثر من مناسبة «وُلّيتكم ولست بخيركم»(9)، ناهيك عن صنوه وقرينه الذي كشف عوراته للناس عندما أعلن سرّاً وجهراً بأن جميع الناس بمن فيهم النساء أفقه منه(10)، وهو الذي أصدر حكم الإعدام الجماعي ضدّ من كان طوله يقلّ عن خمسة أشار من أشباره اللعينة في إحدى الفتوحات، حيث استعلمه قائده عمّن يقتل ومن يذر... (11).
ترى، لماذا رزئت الصديقة الزهراء سلام الله عليها وهي الأعلم والأفقه والأتقى والأزهد، بل كيف ولماذا تكون رزيّتها الأعظم من بين سائر النساء المسلمات؟
يتّضح الجواب عن هذا السؤال في كونها سلام الله عليها تحمّلت مسؤولية الحفاظ على الإسلام مع زوجها الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، عملاً بوصية أبيها نبيّ الإسلام محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وذلك عبر كلمة الحقّ التي قرعت بها سمع حشود المسلمين، حيث فرّ الأكثرون وولّوا الدبر، حتى أنها اضطرت سلام الله عليها إلى مكاشفة عدوّها بالحرف الواحد حين قالت له: «والله لأدعونّ الله عليك في كل صلاة»(12).
ما أشد بيان عظم رزيتها سلام الله عليه وهي تتخطى الرقاب لتدلي بخطبتها سلام الله عليها ! وما أروعها من كلمة حقّ عند إمام جائر، تصدر ممن يغضب الله لغضبها ويرضى الله لرضاها(13)، لترسم لنا خطّ الإسلام الأبيّ، وتقول للتاريخ والأجيال: هذا هو الإسلام الأصيل الذي بُعث به أبي صلى الله عليه وآله.
ولذلك؛ فإن التوفيق لقول الحق وإن عزّ وندر، يعدّ من علامات اتقوى وزينتها والصلاح وحليته، كما قال الإمام السجاد سلام الله عليه، ويتحقّق ذلك بالطبع ضمن شروط وحالات حدّدتها كتب الفقه في مظانّها.
ثم ليعلم المعرضون عن إظهار قول الحقّ بوجه الجبابرة والطغاة، بأنهم ليسوا من الصالحين ولا المتّقين، وإن كانوا يصلّون ويصومون، لأنهم بإعراضهم هذا إنما يداهنون الظالمين الجائرين الذين لا يهمّهم صلاة من صلى أو صوم من صام، بقدر اهتمامهم بتلقّي فروض الطاعة وإبداء الصمت والتسليم من قبل رعاياهم.
الا أنّ مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها آلت على نفسها إلا قول الحقّ بوجه إمام الجور بل أئمة الجور، وإن كان يستجلب لها الإمعان في ظلاماتها من قِبلهم وسلبها راحة العيش. والأمر هكذا قد تم فعلاً بعدما أنهت الإعلان في خطبتها حتى وصل الحال بهم أن سلبوها حق توديعها وتشييعها من قبل المسلمين.
وهذا حريّ بأن يدفعنا إلى الاقتناع بأننا إن أردنا التخلّق بالأخلاق الحميدة ونبذ ذمائم الأخلاق، فعلينا أن نتمسّك بقول الحق الذي هو أساس التقوى والصلاح، حينما يقلّ ناصروه ويكثر مناوئوه ويعزّ قائله ويكثر الصامت عنه.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا للاقتداء بالصديقة الزهراء وسائر الأئمة المعصومين عليهم الصلاة والسلام في التحلّي بحلية المتقين ومنه قول الحقّ وإن عزّ.
وصلى الله على سيّنا ونبيّنا محمد وآله الطاهرين.