» الفهرست

» الغنى والرزق
» الغنى والفقر درجات
» الإمام يطلب الكفاف
» أدعية الأئمة على نحوين
» نكات أدبية أخرى في كلام الإمام سلام الله عليه
» الفقر المذموم والفقر الممدوح
» لابد من السعي والتوكل معاً


» النص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *

نتناول في هذه المحاضرة مقطعاً آخر من دعاء الإمام زين العابدين سلام الله عليه يقول فيه: « وأغنني وأوسع عليّ في رزقك ».
في هاتين الجملتين نقاط ينبغي التوقف عندها، نمرّ عليها باختصار:


:. الغنى والرزق

الغنی ما يقابل الفقر، ولقد استعملا غالباً في لسان الأدعية والروايات لما هو الأصل فيهما، وهو غنی النفس وفقرها؛ فغنی النفس أصل کل غنی وسببه، ومبعث غنی کل حواس الانسان ومعقولاته، ولا خير في غنی البدن إذا لم يصاحبه غنی النفس.
أما السعة في الرزق فهو جزئی أو مصداق من مصاديق الغنی. ومن ثم فإن قول الإمام سلام الله عليه «أوسع عليّ في رزقك» في المقام هو من قبيل ذكر الخاص بعد العام، لأن سعة الرزق من مصاديق الغنی ومفرداته. والغنى مفهوم أوسع.
أما احتمال أن يكون قوله سلام الله عليه «وأوسع علي...» عطفاً تفسيرياً علی قوله سلام الله عليه «وأغنني»، وإن صحّ في موارد أخری فإنه قد لا يصحّ في المقام، ويبدو بعيداً عن مقام البلاغة والأدب الرفيع لأهل البيت سلام الله عليهم؛ لأن الظاهر أن السؤال الأول للإمام هو في غنی النفس، أما سؤاله الثاني فهو في سعة الرزق خاصة. والإمام سلام الله عليه وإن كان في مقام الدعاء، لكن من حيث إنه إمام فهو في مقام تعليمنا أيضاً، فهو يعلّمنا أن نطلب من الله تعالى غنی النفس والسعة في الرزق معاً.

وإذا كان الأمر كذلك فلا يهمّ المرء سواء كان غنياً في ماله أم فقيراً ما دامت نفسه غنية، فهو في الحالين في معرض الامتحان والابتلاء، وكلا الامتحانين صعب سواء أكان في غنی المال أو فقره، بيد أن الامام سلام الله عليه مع ذلك يطلب من الله عز وجل السعة ويقول: «الهي أغنني وأوسع علي في رزقك»، أما قوله «أغنني» فلِما قلنا أنه أعم من غنی المال، وأما «وأوسع عليّ من رزقك» فلما سيأتي أن الفقر ليس مطلوباً وممدوحاً لنفسه بل علی الإنسان أن يسعی لدفعه عن نفسه، فإن كان مقدّراً له من الله مع ذلك عُدّ محبوباً، وفي ذلك وردت الروايات التي تمدح الفقر؛ هذا مضافاً إلی أن كلمة الرزق استعملت هي الأخری في الروايات للأعم من المال.


:. الغنى والفقر درجات

الغنی والفقر موضوعان مشكّكان- علی حد التعبير المنطقي- أي لكل منهما مراتب مختلفة تبدأ بالضعيفة ثم تزداد وصولاً إلی أعلی المراتب.
عن عبد الله بن مسعود قال: «دخلت أنا وخمسة رهط من أصحابنا يوماً على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أصابتنا مجاعة شديدة ولم نكن ذقنا منذ أربعة أشهر إلا الماء واللبن وورق الشجر؛ قلنا: يا رسول الله إلى متى نحن على هذه المجاعة الشديدة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تزالون فيها ما عشتم فأحدثوا لله شكراً فإني قرأت كتاب الله الذي أنزل علي وعلى من كان قبلي فما وجدت من يدخلون الجنة إلا الصابرون».(1)
فهذه مرتبة نازلة من الفقر بحيث لا يملك الفرد قوت يومه حتى في أدنى مستويات المعيشة، وهناك مرتبة أعلى بأن يملك الإنسان قوت يومه ولكن بمستوى دانٍ أو لا يليق بشأنه، أو يكون كذلك وهو أحسن ممن سبق ولكن لا يملك قوت سنته. فهذه الأقسام الثلاثة كلهم فقراء بالاصطلاح الشرعي وإن اختلفت مستوياتهم. والشيء نفسه يصدق بالنسبة للغنى، لأن الفقر والغنى متقابلان كما هو واضح. إذن فالفقر والغنى مفهومان مشككان كما قلنا.

ومن ثم نلاحظ أن الإمام المعصوم سلام الله عليه مع أنه متصل بمصدر الفيض والعطاء، وهو الله تعالی، ومهما يعطيه سبحانه من الغنی في النفس لكنه يطلب المزيد قائلاً «وأغنني» لأن الأمر لا يقف عند حدّ فهناك مجال للمزيد، والغنی مفهوم مشكك ذو مراتب كما أسلفنا، وعطاء الله تعالی ليس محدوداً أيضاً.
أجل إن المعصومين سلام الله عليهم هم أكثر المخلوقات (علی الاطلاق) استدراراً لفضل الله تعالی في مختلف المجالات والميادين، ولكن مع ذلك، هذا لايعني أن الإمام المعصوم لايری نفسه بحاجة إلی استعطاء الله تعالی وإلی سؤاله المزيد واستزادته في غنی النفس، وإن كان هو الأغنی والأرقی والأعظم والأعلی والأكبر والأقدر بالنسبة لنا، ولكن ذلك كله بقدرة الله وفضله، ولا يقاس بما عند الله سبحانه وتعالی.


:. الإمام يطلب الكفاف

من يدقق في كلمات أهل البيت سلام الله عليهم يجد الكثير من الدقائق واللطائف سواء في الأدعية والزيارات أو في خطبهم ورسائلهم وكلماتهم الأخری.
في هذه النقطة أودّ الإشارة إلی نكتة لطيفة، وهي لماذا لم يقل الإمام «وسّع عليّ في رزقك» بل قال: «أوسع عليّ في رزقك»؟
وفي الجواب نقول: إن من أوليات علم الصرف أن صيغتي «فعّل» و«أفعل» كليهما لتعدية الفعل اللازم، ولكن علماء الأدب يقولون: إن الصيغتين تختلفان في المعنی.
وفي المقام نقول: إن أصل التوسعة يستفاد من باب الإفعال (أوسع) أما باب التفعيل (وسّع)، فيستفاد منه التكثير والزيادة وما أشبه في الغالب، كما ذكر ذلك وفصّله الشيخ الرضي(رضي الله عنه) في شرحه علی الكافية، وورد البحث في كتب اللغة إجمالاً .

فالمستفاد من كلمة (وسّع) زيادة التوسعة. أما أصل تحقيق السعة إن لم تكن، فتفيدها كلمة (أوسع).
إذا اتضحت هذه المقدمة نفهم لماذا قال الإمام سلام الله عليه (أوسع) ولم يقل (وسّع) في دعائه، لأن الإمام سلام الله عليه يطلب الكفاف، ولا يبحث عما هو أكثر من ذلك. هذا بالطبع إذا كان المراد بالرزق المأكل والملبس وسائر الحوائج المادية فقط.
مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بِرَاعِي إِبِلٍ، فَبَعَثَ يَسْتَسْقِيهِ، فَقَال: أَمَّا مَا فِي ضُرُوعِهَا فَصَبُوحُ الْحَيِّ، وأَمَّا مَا فِي آنِيَتِنَا فَغَبُوقُهُمْ. فَقَال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ ووُلْدَهُ. ثُمَّ مَرَّ بِرَاعِي غَنَمٍ فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَسْتَسْقِيهِ فَحَلَبَ لَهُ مَا فِي ضُرُوعِهَا وأَكْفَأَ ما فِي إِنَائِهِ فِي إِنَاءِ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وآله وبَعَثَ إِلَيْهِ بِشَاةٍ وقَال: هَذَا ما عِنْدنا وإِنْ أَحْبَبْت أَن نَزِيدكَ زِدناك؟ فَقَال: رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ الْكَفَاف. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعَوْتَ لِلَّذِي رَدَّكَ بِدُعَاءٍ عَامَّتُنَا نُحِبُّهُ، ودَعَوْتَ لِلَّذِي أَسْعَفَكَ بِحَاجَتِكَ بِدُعَاءٍ كُلُّنَا نَكْرَهُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله: إِنَّ مَا قَلَّ وكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وأَلْهَى، اللَّهُمَّ ارْزُقْ مُحَمَّداً وآلَ مُحَمَّدٍ الكَفَاف.(2)


:. أدعية الأئمة على نحوين

زيادة في توضيح المطلب نقول:
إن هناك موارد يدعو فيها الإمام سلام الله عليه ويكون الدعاء خاصاً به أو بالمعصوم فقط، وهناك موارد يكون الإمام سلام الله عليه بصدد تعليمنا أيضاً، ومن ذلك تعليم الأئمة سلام الله عليهم المباشر لبعض أصحابهم، كقولهم سلام الله عليهم مثلاً: (قل بعد كل فريضة) وما أشبه، وكما هو الحال في الزيارات أيضاً، فثمة زيارات أداها الإمام المعصوم للإمام المعصوم الذي سبقه كزيارة الإمام السجاد لأبيه الإمام الحسين سلام الله عليهما أو زيارة الإمام الصادق لجده الإمام أميرالمؤمنين أو الإمام الحسين سلام الله عليهم، وهناك زيارات علّموها بعض أصحابهم، فنقرأ في رواية أن الإمام سلام الله عليه قال لأحدهم (زر بهذه الزيارة) وأمثال ذلك.

إذا تمعنتم في كلمات الزيارة التي يزورها الإمام خاصة وتلك التي يعلمها الأصحاب والشيعة لرأيتم بعض الفرق، فمثلاً توجد في زيارة أنصار الإمام الحسين سلام الله عليه في آخر زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه المعروفة بزيارة «وارث» عبارة: «بأبي أنتم وأُمي» ولو دققتم في سند هذه الزيارة لرأيتم أنها الزيارة التي علّمها الإمام الصادق سلام الله عليه صفوان وقال له: زر بهذه الزيارة (يعني زيارة وارث). أما الإمام الصادق سلام الله عليه وهو المعصوم فلا يُعقل أن يخاطب غير المعصوم - مهما عظم قدره- بقوله «بأبي أنت وأُمي»، فلا شك إذن أنه سلام الله عليه قد زار جده الحسين سلام الله عليه بزيارة أُخری. وهذه نكات لطيفة جداً لا بد من الالتفات إليها.
إذا اتضحت هذه المقدمة نعود الآن للمطلب ونقول:
لعلّ الإمام سلام الله عليه لم يقل (وسّع) بل قال (أوسع) مع أن في أدعية أُخری وردت بصيغة (وسّع) لأنه كان يدعو لنفسه وهو سلام الله عليه يكتفي بأصل السعة، إلا إذا كان المال ينتفع به لخدمة الدين وسائر الأمور الخيرية كصلة الرحم ومساعدة الفقراء وما أشبه، فذلك بحث آخر.


:. نكات أدبية أخرى في كلام الإمام سلام الله عليه

السبب في قوله «أوسع عليّ»:
هناك تأمل آخر في قول الإمام سلام الله عليه (وأوسع عليّ)، فإن «علی» تستعمل للضرر إلا لنكتة بلاغية، فكأن الإمام سلام الله عليه أشربها وضمّنها معنی الفوقية والنزول من الله وانصبابها علی الإنسان وإحاطتها به، كالرحمة مُثِّل لها بالمطر الذي ينزل من السماء ولم يُمثّل لها بالينبوع، مع أن الماء ينبع من باطن الأرض أيضاً، لأن المطر إذا نزل يغمر الانسان الذي يقف تحته، أما الماءالخارج من النبع فإنه لا يغمر الانسان وإن ذهب إليه واستفاد منه. وحيث إن سعة الرزق صادرة من الله تعالی فقد ضُمّنت وأشربت معنی الفوقية، ولذلك قال الإمام سلام الله عليه: وأوسع عليّ.
من أسباب قوله سلام الله عليه «في رزقك»:
لماذا استعمل الإمام حرف الجر «في» فقال: «وأوسع علي في رزقك» ولم يقل (من رزقك) كما في أدعية أُخری؟ الجواب: حرف الجر (مِن) إما تبعيضية أو للبيان. فلو رفعنا «في» ووضعنا «مِن» مكانها فإما أن يكون المعنی «أوسع عليّ بعض رزقك» أو «أوسع عليّ رزقك» لأن وجود (من) في الحالة الثانية يكون وجوداً لمحياً أو لجمال التعبير، أما من حيث المعنی فوجوده وعدمه سواء.

أما لو قلنا إن "في" تحمل معنی ظرفياً فيمكن أن نفهم منه نكتة أدبية أُخری وهي التشبيه، فكأن الرزق ظرف ووعاء يعيش فيه الانسان، والإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالی أن يوسّعه، فلوكان متراً مربعاً مثلاً يجعله مترين، ولو كان ثلاثة يجعله عشرين وهكذا. وهذا أبلغ مما لو قال: «من رزقك».
وهكذا يتبين لنا أن الأئمة سلام الله عليهم مع أنهم كانوا منصرفين كمال الانصراف - بما للكلمة من معنی وسعة - إلی الله سبحانه وتعالی، خاصة عند تكلمهم معه، نراهم في الوقت نفسه لا تفوتهم هذه الدقائق البلاغية، وهي لا تصرفهم عن توجههم إلی الله عز وجل، لأنها ملكة عندهم وهم سلام الله عليهم أمراء الكلام، كما أن شعورهم بحضور الله ملكة، وإنما نحن بحاجة إلی تأمل وتفكر من أجل الالتفات إلی هذه الدقائق.


:. الفقر المذموم والفقر الممدوح

نأتي الآن إلى مسألة مهمة ونقول: تطالعنا روايات كثيرة تمدح الفقر وأُخری تذمّه، وهذا يبدو تناقضاً أو تعارضاً للوهلة الأولی، ولكن لاشك أنه لا تناقض ولا تعارض في البين لأن الموارد تختلف.
بدءاً لا بد من الإشارة إلی أن هناك المئات من الآيات والروايات التي تحثّ وتندب - وأحياناً توجب وتفرض - علی الانسان السعي والعمل من أجل الحصول علی الرزق، فلا بد أن يعمل الناس ليكسبوا أرزاقهم، كلّ حسب مكنته ومقدرته. وهذا الأمر يكشف أن الفقر في الأصل مذموم، لإن السعي والعمل يوجبان الحصول علی الرزق وكسب المال وطرد الفقر.
أمّا، إذا بذل الفرد كلّ ما بوسعه ولكنه لم يغنَ مع ذلك إما لضعف مواهبه وإمكاناته وإما لأمور مقدرة أُخری أبقته فقيراً، فهذا الفقر ليس مذموماً لاشك، وهو مورد الروايات التي يُفهم منها المدح.
أما إذا قصّر الفرد في السعي ولم يخرج إلی العمل وبقي فقيراً لذلك، فهذا هو الفقر المذموم، الذي قيل عنه أنه : «سواد الدارين»، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «ملعون من ألقی كلّه علی الناس»(3). وهناك رواية أُخری فيها توكيد: « ملعون ملعون من ألقی كلّه...» (4).

نُقل أن أحد العلماء مرّ بفقير مفترشٍ الأرض يستعطي الناس، فقال له : مدّ يدك لأعطيك مقداراً من المال وإن كان زهيداً، فمدّ الشخص يده واستلم المال فقال له العالِم: مدّ يدك الأخری واستلم مقداراً آخر، ومدّ الشخص يده الأخری واستلم مرة أُخری. ثم قال له العالِم: هناك مقدار آخر، مُدّ إحدی رجليك لأناولها لك. وهكذا فعل المستعطي. ومرة أُخری طلب العالِم منه أن يمدّ رجله الأخری وأعطاه مقداراً آخر. وأخيراً قال له: قم وقف علی قدميك وتقدم نحوي لأُناولك آخر ما تبقّی. وهكذا كان. وهنا توجه العالِم إليه وقال له: إذا كانت يدك اليمنی سالمة ويدك اليسری كذلك، وهكذا قدماك وبدنك، فلماذا تستعطي إذن؟ اذهب وكدّ في طلب الرزق!
قال الإمام الباقر: «سلام الله عليه سأل موسى ربه: أي عبادك أبغض إليك؟ فقال: جيفة بالليل بطال بالنهار»(5).

ويمكن أن يكون لهذا الحديث مصاديق متعددة المراتب- فليس الأمر دائراً بين الوجود والعدم- فقد يكون من المصاديق من هو كلّ الليل جيفة وكلّ النهار بطال، فلا تأمّل عنده ولا استغفار ولا تفكّر في الليل، ولا كسب ولا عمل ولا جهاد في النهار، وهذا أبغض المراتب. ومنهم من هو بعض الليل جيفة وبعض النهار بطّال.
إن الراحة مطلوبة للإنسان سواء في الليل أو في النهار، (وإن لبدنك عليك حقاً) وهذه الراحة بالمقدار المطلوب لا تعدّ من البطالة أصلاً بل هي مطلوبة للتقوّي علی العمل والعبادة. أما ماعدا ذلك فلا ينبغي للإنسان أن يضّّيع حتی دقيقة واحدة من حياته.
عَنْ زُرَارَةَ قَال: إِنَّ رَجُلاً أَتَى أَبَا عَبْدِ اللَّه (الصادق) عليه السلام فَقَال: إِنِّي لا أُحْسِنُ أَنْ أَعْمَلَ عَمَلاً بِيَدِي ولا أُحْسِنُ أَنْ أَتَّجِرَ وأَنَا مُحَارَفٌ مُحْتَاجٌ. فَقَال: اعْمَلْ فَاحْمِلْ عَلَى رَأْسكَ (أي اعمل حمّالاً) واسْتَغْنِ عَنِ النَّاسِ(6).

فالفقير الذي لا يعمل وهو قادر علی العمل هو الذي يقال عن فقره أنه سواد الدارين، أما أولئك الذين لا يتكاسلون ولا يتقاعسون عن الجد والاجتهاد والسعي والعمل، وهم مع ذلك فقراء فأولئك المقرّبون عند الله تعالى وهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء في يوم القيامة.
روي أن النبي صلى الله عليه وآله دعا فقال: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، فسُئل: يا رسول الله أيعدلان؟ قال صلى الله عليه وآله: نعم(7).
إذن الفقر في نفسه مذموم لدرجة أن النبي صلى الله عليه وآله يتعوّذ منه ويقرنه بالكفر في دعاء واحد، ومنه يظهر أن الفقر قد يؤدي إلی الكفر، بل روي عن الإمام أميرالمؤمنين سلام الله عليه قوله: كاد الفقر أن يكون كفراً(8).


:. لابد من السعي والتوكل معاً

قد يقال لماذا قال الإمام «رزقك» ولم يقل «رزقي»؟
وفي الجواب نقول:
الرزق مصدر، والمصدر قد يضاف إلی فاعله وقد يضاف إلی مورده. فإن قلنا «رزقك» فمعناه الرزق النازل منك، أي من الله تعالی، وإن قلنا «رزقي» فمعناه الرزق الواصل إليّ، أي إلی العبد.
وهنا علاقة تضايف، ودائماً لا يعقل تصور أحد المتضايفين من دون تصور المضاف الآخر. فإذا قلنا «رزقي» فلا بد أن يتصور مَن صدر عنه الرزق وهو الله تعالى، وإن قلنا «رزقك» فلا بد أيضاً من تصور من ينزل الرزق إليه، وهو العبد. ولذلك نلاحظ ورود التعبيرين كليهما في الأدعية.
وعندما يرد تعبير رزقك فإنما يراد الإلفات إلی أن الله تعالی هو مصدر الرزق وهو الذي بيده كل شيء، فيلحّ العبد في الدعاء ويطلب من الله أن يوسع رزقه إن كان مقتراً، وأما عندما يرد لفظ «رزقي» فإنما يشير إلی الحصة الخاصة بالمرزوق، وقد يكون في ذلك لمح إلى وجوب السعي والجد والاجتهاد؛ لأن طلب الرزق كسائر الأمور لا بد له من الركنين معاً: السعي استناداً لقوله تعالی: ﴿وأن ليس للانسان إلا ما سعی﴾   (9) والدعاء والتوكل علی الله لقوله تعالی:﴿قل مايعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾(10).

لاشك أن الدعاء وحده لا يكفي بل لا بد من السعي مع ذلك، كما أن السعي وحده غير مضمون النتائج، فلا بد من السعي والدعاء معاً.
أجل إذا سعی غنيّ النفس في رزقه ولم يكن بطّالاً، ولكن كتب عليه أن يكون معسراً، فإنه لا يمدّ عينيه إلی من متعهم الله بنعم الحياة الدنيا والمال الوفير، ولا يتحسر ولا يأسی بل يرضی بما قدّر الله تعالى وكتب له.
وخلاصة القول: إن غنی النفس هي الأساس ومن حاز علی غنی النفس في مراتبه العالية فقد حصل علی كل شيء وانفتح له باب كل خير في الدنيا، وهذا الأمر بالغ الصعوبة إلا أنه ممكن.
نسأل الله سبحانه وتعالی أن يوفقنا للسعي في تحصيل مراتب عليا من غنی النفس والسعة في الرزق، وأن يستجيب لنا هذين الدعاءَين (واغنني وأوسع عليّ في رزقك) ومن أراد المزيد من الرزق فلا بأس بأن يقول ولكن علی نحو مستقل عن هذا الدعاء : ووسّع علي في رزقي.
وصلی الله علی محمد وآله الطاهرين.


* ألقيت هذه المحاضرة في 10 ربيع الثاني 1421 هـ.
(1) بحار الأنوار: 74 / 95.
(2) الكافي: 140 /2 باب الكفاف.
(3) الكافي: 5 /72 .
(4) وسائل الشيعة: 21 / 543.
(5) بحار الأنوار: 13 / 354.
(6) الكافي: 5 / 77.
(8) عوالي اللآلئ، ج2، ص71.
(9) النجم ، الآية 32 .
(10) الفرقان، الآية 77 .