بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.*
«واستقلال الخير؛ وإن كثر من قولي وفعلي، واستكثار الشر؛ وإنّ قلّ من قولي وفعلي، وأكملْ ذلك لي بدوام الطاعة...».
من المسائل التربوية الأساسية والأصلية التي تتفرّع عنها معالم الصلاح والخير ضرورة أن يستقلّ الإنسان الخير الصادر عنه، وأن يستحضر هذا المعنى دائماً ويلقّن نفسه به باستمرار، وأن يلاحظ اللوازم والتلازمات التي أدّت إلى صدور فعل الخير منه، فلا يعتبر سهمه في إنجازه هذا ذا خطر عظيم.
وحريّ بالإنسان المؤمن المستقلّ لفعل الخير في نفسه أن يوكل أمر تقييم ما أنجزه إلى الله عزّ وجلّ، فهو خير الحاسبين وأكرم المعطين.
إن استقلال الخير لا يعني تجاهله واحتقاره أبداً، لأن تجاهل عمل الخير واحتقاره يفضي إلى تجاهل الوجه المقصود به، وهو الله سبحانه وتعالى.
ينبغي الوصول بفعل الخير من خلال استقلاله إلى حدٍ يجد الإنسان فيه أنه لا يستطيع أن يستغني عن الاستمرار بفعل الخير والمواصلة فيه، لئلا يكون مصداقاً لقوله تبارك اسمه: (كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى)(1).
أي أن الإنسان يمكن أن ينحرف فيما لو أصابه بعض الغنى المادّي، والغريب أنك تجد بعض الناس ينحرفون المجرّد توافرهم على بعض الصالحات من الأعمال! فتراهم مغرورين مزهوّين، ولذلك يجب على الفرد أن يعرف بأن استقلاله للخير يعني إيجاده للدافع نحو ممارسة العمل الصالح والإكثار منه وعدم الاكتفاء بما قدّم.
لذا نرى من خلال طلب الإمام السجاد سلام الله عليه بروز جملة نقاط جوهرية؛ وهي:
1. يعلّمنا أن نحذو حذوه في كيفية إستدرار المدد الإلهي.
2. يكشف لنا الطبيعة الإنسانية الخاصة بهذا الصدد.
3. يؤكد قدرة الإنسان على تحقيق هذه المهمة.
4. يساعدنا على أن نخلق في داخل نفوسنا صفة استكثار الشرّ وإن كان قليلاً، قولاً أو فعلاً.
وذلك لأنّ استكثار قليل الشر يعني إيجاد الرادع الذي يحول دون ممارسة المزيد من الأخطاء، فضلاً عن عدم التجرؤ على الله عزّ وجلّ عبر استصغار السيئات والتغافل عنها.
إن خطورة الذنب قد يكون لها بعدان:
الأول: الخطورة المادية، وهي التي تمسّ كلاً من الفاعل للذنب والمرتكب بحقّه.
البعد الثاني: الخطورة المعنوية، فينبغي للعبد أن يلاحظ الرب الجليل والإله العلي العظيم الذي يُعصى، بغضّ النظر عن كمية المعصية ونوعيتها.. ولعل خطورة الذنب وفقاً للبعد الثاني لها من النتائج ما هو أسوأ مما للبعد الأوّل.
قد تمزح مزحة بسيطة أو غير مقصودة، ولكن أحدهم قد يتألّم بها دون أن تشعر.. وقد تمسّ بيدك وجه شخص ما وأنت تحاول طرد حشرة من الحشرات، فينزعج لذلك.. في مثل هذه الحالات أيضاً يجب عليك أن تستكثر خطأك وتستعظمه وإن كان غير مقصود، فتتقدّم بالاعتذار لمن وقع الخطأ بحقّه..
وهذا الحثّ على مثل هذه الملاحظات يعكس أسلوباً تربوياً فذّاً، يصنع من الإنسان موجوداً رهيف الحسّ يشعر بالمسؤولية الدائمة عما يبدر منه من تصرّفات وإن كانت صغيرة أو قليلة، فيتنبه؛ بينما الغفلة عن الصغائر وعدم الاكتراث بها وإهمالها يمكن أن يُحوّلها إلى كتل كبيرة ـ كما هو الحال في كرة الثلج التي تبدأ في تدحرجها من قمّة المرتفع بحبات أو ذرات بسيطة من الثلج لتفاجئ من هم في الأسفل بوجودها الضخم المؤذي ـ ولذا يجب أن يتنبّه الفرد عبر هذا السلوك التربويّ المشار إليه بأنّ عدم استكثار قليل الشرّ يعني استصغاره، والحال أن الاستصغار بحدّ ذاته يعتبر من الكبائر، وهو ماتمّ التحذير منه في كثير من الروايات(2) باعتباره تجرّياً على الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله.
إنّ للمؤمن مع نفسه حالات يمكن من خلالها أن يستقرى مدى ارتباطه بساحة القرب المولوي، يمكن تصويرها بما يلي:
أولاً: لو قدّر للإنسان المؤمن أن يصلّي صلاة الليل في ليلة باردة، فذاك فعل خير متميّز يستحق عليه جزيل الثواب، ولكي يتعوّد على ديمومته والإكثار من فعله، فعليه أن يستقلّه عبر إيمانه ويعلم بأن ليس له سوى نيّته في عملية إنجاز هذه الصلاة، وأن القسط الأوفر فيها هو توفيق الله سبحانه وتعالى، ثم نعمه الكثيرة التي هيّأت له إمكانية الأداء، وحينما ينظر المرء بعين العدل الإنصاف يجد أنه ليس له من فعله ذاك سوى جزء بسيط للغاية، وإن كان قد ترجم واقعاً متعدّد الأطراف واسع الآفاق.
وكذلك الحال لو بدأ بالسلام على أخيه المسلم أو صام صوماً استحبابياً إلى غير ذلك من الصالحات، فلا ينبغي له استكثاره أبداً، وإن باهى الله تعالى به ملائكته أجمعين، لأنه يجب أن يعي الإنسان بأن الله تبارك وتعالى غنيّ عن العالمين.
ثانياً: إن ارتكاب الفرد لأيّ سيئة، مهما كان حجمها وبعدها، يعدّ بحدّ ذاته إصراً كبيراً، ولو شاء الله عزّ اسمه لآخذه على ذلك وأذاقه وبال نقمته، لأن ممارسة الخطيئة بغضّ النظر عن حجمها وطبيعتها، هي بمثابة التحدي والجرئة على الله عزّ وجلّ، من خلال الاستحفاف والطعن في تشريعه، وكأن الإنسان لدى ممارسته للذنب يريد أن يثبت ـ بطريق باطل ـ وجوده بإزاء وجود الله وجبروته وأوحديّته في حقّ التشريع وفرض الإرادة وبسط المشيئة.
ترى ما هي قيمة الإنسان الذليل الفقير حين يضع نفسه بإزاء خالقه العزيز الغني، كي يسوّغ لنفسه بأن يرتكب ما يرتكب من الخطايا والذنوب، ثم لا يستكثرها ويصرّ عليها مستكبراً مرحاً وكأنه قد بلغ الجبال طولاً وخرق الأرض قوةً!! وأنّى له التناوش وهو الكائن الضعيف لولا عقله الذي زيّنه به البارئ تبارك وتعالى، وأوجب عليه إعماله لمعرفة قيمته من خلال الاطلاع على خبايا نفسه، ثم ليتسنى له بعد ذلك معرفة ربه.
لهذا وغيره يجدر بالفرد المؤمن أن يكون حذراً للغاية في موقفه من الخطأ، فيحصي على نفسه كلّ زلةٍ وهفوة، ضمن برنامج دقيق يقضي بمحاسبة النفس، لئلا يتسع عليه الخرق، ولات حين مناص.
روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله نزل بأرض قرعاء، فقال لاصحابه: ائتوا بحطب. فقالوا: يا رسول الله، نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب. قال: فليأت كل انسان بما قدر عليه. فجاؤوا به حتى رموا بين يديه، بعضه على بعض.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هكذا تجتمع الذنوب. ثم قال اياكم والمحقرات من الذنوب، فإن لكل شيء طالب، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيءٍ أحصيناه في إمام مبين(3).
وبما أن الإنسان مبتلىً بالنفس الأمّارة بالسوء ووسوسة الشيطان اللعين، فإنه يغفل عن هذا الواجب الذي من شأنه تحديد هذه العملية المصيرية التي يفترض لها أن تكون أداة مؤشرة لطبيعة حياته في الدنيا وبيان موقعه في الدار الآخرة.
ولأجل أن يخلّص المرء نفسه وإلى الأبد من هذا دفعة واحدة، تراه بحاجة إلى تصميم قاطع الشعور الشيطاني المتحدّي، تبعاً لأهمية الموضوع وجسامته.
ويتخرّج على تلك الفريضة الأخلاقية في استقلال الخير واستكثار الشر أن نبحث بكلّ دقّة عن أنواع الواجبات الملقاة على عواتقنا، وبالأخص تلك التي لا نعيرها أهمية بداعي جهلنا أو تجاهلنا، لتداركها والعمل بمقتضاها، مثل واجب أداء حقوق الجار وما ينبغي له علينا من العلاقة الطيبة وتفقد أوضاعه والدعاء له، كما كانت تفعل السيدة الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها حيث رآها ولدها الإمام الحسن المجتبى عليه الصلاة والسلام في مصلاها تعبد ربّها وتدعو للجيران حتى طال بها المقام إلى الفجر، فسألها عن سبب اهتمامها الكبير بالجيران وعدم ذكرها لنفسها أو أفراد أسرتها، فأجابته قائلة: «الجار ثم الدار»(4)
هذا فضلاً عن كثير من الواجبات المنسية التي يتوقّع من الإنسان التركيز عليها لكي لا يفاجأ يوم القيامة بكتاب يحوي ما غاب عنه أو غيبته عامداً بنفسه فيتضاعف لديه الإحساس بالندم والحسرة، وقد صورت الآية القرآنية الكريمة هذه الحقيقة بقول الله تعالى:(وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)(5). حين يرى الناس أنفسهم صفر اليدين بسبب ما نسوا من الواجبات أو تناسوه، أو بما استكثروا من فعل الخيرات، فحبطت أعمالهم وهم لا يشعرون، حين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، حتي غفلوا عن حقيقة أن ما كانوا قد فعلوه من الخير إنّما هو بهداية الله تعالى ومن فضله، فهو الذي زوّدهم بنعمه الجزيلة، وهو الذي هداهم ومهّد لهم السبل وسهّل عليهم فعل الخير.
ولقد روى لنا التاريخ ما قام به أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله في هذا الإطار لنتّخذه نبراساً تسير وفقه حياتنا الإيمانية.
كما روي عن الإمام الحسين صلوات الله عليه حيث قصده فقير، فقدّم له أربعة آلاف دينار، أي ما يعادل عشرة كيلوات من الذهب، واعتذر منه من وراء الباب على أنه لو كان باستطاعته تقديم الأكثر لفعل(6).
منها ما روي عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: أنّه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده، ويتصدق بالأجرة، ويشدّ على بطنه حجراً(7). ولم يعتبر ما قام به شيئاً كبيراً.
وكذلك روي عن الإمام السجاد سلام الله عليه هذا السلوك:
عن أبي جعفر سلام الله عليهما أن أباه كانت عنده امرأة من الخوارج ـ اظنه قال: من بني حنيفة ـ فقال له مولى له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، إن عندك إمرأة تبرأعن جدك. فقضى لابي أنه طلقها، فادعت عليه صداقها فجاءت به الى أمير المدينة تستعديه؛ فقال له أمير المدينة: يا علي إمّا ان تخلف وإما أت تعطيها. فقال لي: يا بني قم فأعطها أربعمئة دينار. فقلت له: يا أبة جعلت فداك، ألست محقاً؟
قال: بلى يا بني، ولكني أجللت الله أن أحلف به يمين صبر (8).
هؤلاء هم أئمّتنا الذين يجب أن نقتدي بهم، وهكذا كان علماؤنا وفقهاؤنا، فقد كانوا على مستوىً رفيعٍ للغاية من الأدب مع ربّهم، مما يشير إلى وعيهم وإدراكهم حقيقة الحياة ودورهم فيها، فكانوا يستقلّون الخير الصادر عنهم ويستكثرون الشر الصادر عنهم ويقدّمون إيمانهم وورعهم وخدمتهم للآخرين على طبق من الإخلاص، ولا يلحقون بما قدّموا منّاً ولا أذىً ولا عجباً ولا رياءً، كما كانت عباداتهم الغاية في اليقين، ومع ذلك فإنهم لم يكونوا ليستكثروها، وإن كانت كثيرة، فكانوا النموذج الصالح الذي ينزوي المرء على نفسه استحياءً وإجلالاً لما قدّموه، قياساً قدّمناه نحن من أعمال تكاد لا تذكر.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا للعمل بهاتين الصفتين، الفاضلتين، الكريمتين اللتين تحملاننا إلى شاطئ الاطمئنان الروحي والنفسي، لنهتدي بفضله ومنّه إلى الالتزام بسائر السجايا الأخلاقية والتربوية الحميدة، إنه ولي التوفيق.
وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.