بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *
«اللهم لا تدع لي خصلة تعاب مني إلا أصلحتها، ولا عائبة أؤنّب عليها إلا حسّنتها، ولا أكرومة فـيَّ ناقصة إلا أتممتها».
قد تكون في الإنسان خصلة ولكنه لا يعلم بوجودها، وقد يعلم بها ولكنه لا يعلم أنها عيب وأنها توجب التعيير والإعابة، وقد يعلم بها ويعلم أنها عيب ولكنه قاصر عن إصلاح نفسه والتخلص من هذه الخصلة المعيبة، وقد يكون مقصّراً، ومثاله الجهل، فإن الإنسان يعاب عليه ولكن قد يكون جهله عن قصور لأنه لم يسعه أن يتعلم، وقد يكون مقصّراً كما لو كان يمكنه التعلّم ولكنه قصّر في الأمر؛ فعلى أيّ من هذه الحالات يعاب الإنسان؟ الجواب: إنه يعاب عليها كلها لأن الإنسان لا يعاب على التقصير فقط بل قد يعاب على القصور أيضاً، كما أنه لا يعاب على شيء يعلم أنه عيب فقط بل قد يعاب على شيء لا يعلم بوجوده فضلاً عن علمه بوجوده ولكنه لا يعلم أنه معيب؛ ولذلك يقول الإمام: لا تدع خصلة تُعاب مني، أي أيّة خصلة، لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم كما هو معلوم.
وقد يكون العيب شرعياً كارتكاب الحرام والمكروه، أو أخلاقياً يعيب الشرع عليه أيضاً مثل العجلة وعدم التأنّي في الأمور، والغضب، والتكاسل، وقد يكون العيب اجتماعياً، فالمفهوم يشملها جميعاً، ومن ثم تكون مشمولة بإطلاق الدعاء والطلب من الله أن يصلحها مهما كان نوعها وفى أية حالة كانت؛ فإن الإمام سلام الله عليه لم يقل: (لا تدع خصلة تعيبها مني) بل قال: «تُعاب مني» وصيغة المبنيّ للمجهول تعطي سعة من ناحية الفاعل، فيكون معنى قول الإمام: اللهم أصلح أيّة خصلة تُعاب مني، سواء كان التعييب شرعياً أم عرفياً، وفى أية حالة اتّصفتُ بها، سواء كنت جاهلاً بها وبكونها عيباً أم لا.
في صحيحة عبد الله بن يعفور أن الإمام الصادق سلام الله عليه يفسّر العدالة بقوله: «والساتر لجميع عيوبه»(1).
وعندما يأتي الفقهاء - المشهور منهم طبعاً - إلى تعريف العادل يقولون: أن يكون تاركاً للمحرمات ولمنافيات المروّة.
أما ترك المحرمات فواضح، أما تركه لمنافيات المروّة فقد استفادوه من قول الإمام (أن يكون ساتراً لعيوبه)، وفهموا أن مراد الإمام سلام الله عليه ليس العيوب الشرعية فقط بل العيوب الاجتماعية أيضاً، ولذلك قالوا إن العادل هو الذي يترك المحرّمات ومنافيات المروّة أيضاً.
لقد اعتبر الشارع العيوب الاجتماعية نقائص وأوصى أتباعه بالتخلّص منها. وخير مثال على ذلك رفضه للباس الشهرة، فلقد أورد الفقهاء هذه المسألة وذكروا رواياتها في كتاب الصلاة في باب لباس المصلّي، وفي مواضع أخرى.
فقد حرّم معظم الفقهاء رضوان الله عليهم على المؤمن أن يخرج بلباس الشهرة إلى المحالّ العامة، وهو اللباس الذي يوجب أن يعيّره الناس بسببه، ومن لم يحرِّمه منهم عدَّه مكروهاً على الأقلّ.
ومن الفقهاء من أفتى بحرمة بعض المستحبّات إذا صارت مدعاة لسخرية عاملها. وهذه مسألة مختلف بشأنها طبعاً، ولا تشمل الواجبات والمحرّمات؛ لأنّ أحكام الله تعالى لا تتغيّر بسبب سخرية الناس. وحتى في حالة المستحبّ الذي قد يقال بتركه في حال حصول السخرية من فاعله؛ فإن ذلك لا يعدّ تغييراً لحكم الله تعالى وتعطيلاً له، بل إنه يُترك من باب تعارضه مع ارتكاب الحرام؛ لأن المؤمن لا يجوز أن يعرّض نفسه للسخرية والإهانة؛ فإن فعل ذلك يكون قد ارتكب حراماً، فإذا دار الأمر بين عمل المستحبّ وترك الحرام فلا شكّ يكون ترك الحرام مقدّماً على الإتيان بالمستحب؛ إذ لا إلزام في المستحبّ، بينما هناك إلزام بترك الحرام.
ومما يؤكّد حرمة الشهرة روايات عديدة عن المعصومين سلام الله عليهم منها رواية الإمام الصادق سلام الله عليه حيث يقول: «الشهرة خيرها وشرُّها في النار»(2).
قد تكون عند الفرد خصلة أو خصال يعاب عليها شرعاً أو عرفاً ولكنه لا يعلم بوجودها أو بأنّها معيبة، وهذا من الجهل المركّب ويعدّ صاحبها قاصراً؛ وهذا من ضعف الإنسان (وخُلق الإنسان ضعيفاً)(3)، فربّما ينتبه المرء بعد خمسين سنة أو أكثر إلى أنه كان مبتلى بخصلة معيبة طيلة العقود الماضية من عمره، فيندم ويتألّم، وحقّ له ذلك، لأن القصور والجهل المركّب بالعيب ليس مانعاً من الحسرة والندامة، ولا يعني عدم وجود العيب أو النقص والحرمان.
فلو تصوّرنا أن شخصاً كان يريد السفر بالطائرة وقيل له إنها تقلع في الساعة التاسعة مثلاً، وظنّ أن المقصود التاسعة مساءً، ولم يذهب إلى المطار حتى العصر، رغم أنه لم يكن بسبب أمر مهمّ شغله، بل لأنه كان يتصوّر أن ساعة الاقلاع هي التاسعة بعد الظهر، وعندما ذهب إلى المطار تبيّن له أن الطائرة قد أقلعت التاسعة صباحاً وأن من أخبره بساعة الإقلاع غفل أن يذكر له أن الإقلاع يكون فى التاسعة صباحاً بل قال التاسعة وحسب.. فهل هذا الشخص لا يلوم نفسه ولا يتألّم خاصة لو فاته موعد مهم أو مسألة مهمة بسبب جهله وغفلته، ألا يرى أنه كان من الواجب عليه أن يتأكّد قبل ذلك؟
فهكذا الحال مع الإنسان المبتلى بالعيوب، لا يعذر نفسه إذا تبيّن له ذلك وإن كان قاصراً، ومن ثم علينا أن ننتبه جيداً ونحذر من الوقوع في الجهل المركب والغفلة والقصور فضلاً عن التقصير! ونشعر بأهمية النصيحة والنقد البناء الموجّه لنا، ونشكر من يدلّينا على عيوبنا لإصلاحها ونقول:
«رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي»(4)، ونكون ليّنيين مع الناس ونشجّعهم في تعاملنا معهم على أن يهدوا إلينا عيوبنا!
روى الفضل بن شاذان - وهو من أعاظم علماء الطائفة القدامى ومحدثيها الثقات - عن علي بن محمد بن حمزة بن الحسين بن عبد الله ابن «أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين سلام الله عليهما» أن الإمام العسكري سلام الله عليه قال له: «لقد وُلد وليّ الله وحجّته على عباده»(5).
و(على) هنا قد تكون بمعنى أنه إذا قصّر العباد، فبه يحتجّ الله «على» العباد، وقد تكون بمعنى العلو وسموّ المقام، ولا مانع من الجمع بينهما. فلنكن منتبهين لأنفسنا داعين الله تعالى أن يخلّصنا من العيوب الشرعية والاجتماعية، لنحظى برضا إمامنا الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإن رضاه يعني رضا الله تعالى؛ لأن رضاه عنا منوط بإطاعتنا لأوامر الله سبحانه والازدجار عن نواهيه عزّ وجلّ.
كان الشيخ محمد طه نجف، أحد كبار فقهاء الشيعة ومراجع التقليد في أوائل القرن السابق (الرابع عشر الهجري)، وقد تلمّذ على الشيخ الأنصاري ومن بعده تلمّذ هو ومجموعة زملاء له - منهم الآخوند الخراساني- على المجدّد الشيرازي، وصاروا كلهم مراجع، وبقي الشيخ محمد طه نجف مرجعاً للتقليد حتى وفاته حيث انتقلت المرجعية بعد ذلك إلى الآخوند الخراساني.
فقد الشيخ نجف بصره أواخر عمره، وله قصة أذكرها باختصار؛ لأن على طالب العلم الديني - بل الإنسان المؤمن عموماً - أن يستلهم الدروس من قصص هؤلاء الأعاظم، وينظر هل سيتخذ الموقف المشابه لمواقفهم إن عرضت له حالة مماثلة أم لا.
يقول الشيخ: بدر في ذهني يوماً تساؤل مفاده: كيف أضمن أن يكون كلّ ما أقوم به من أعمال مطابقاً للموازين الشرعية الواقعية؟ وكان الشيخ حينذاك مرجعاً للتقليد والفتوى والحلّ والفصل وقبض الأموال ودفعها ونصب المتولّين في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية و... .
ولاشكّ أن الشيخ كان يراعي في تلك الأعمال الموازين الشرعية وكان محتاطاً فيها، وكانت صحيحة حسب ما تقوده الأدلّة، ولكنه كان يخشى أن تنكشف له بعد الموت أنّ بعضها كان باطلاً بسبب قصوره، وإن كان معذوراً لأنه لم يكن مقصّراً في استفراغ الجهد للوصول إلى وظيفته الشرعية وتكليفه.
يقول الشيخ: كنت أخشى مثلاً أني أعطيت ما لزيد لعمرو، أو حكمت بوقفية ملك وحرمت أصحابها منه - ولم يكن كذلك مثلاً - أو العكس، فستطول حسرتي، فماذا ينبغي لي أن أعمل لكي أتخلّص من هذه المشكلة؟ وفكّرت مع من أطرح هذه القضية؟ هل أطرحها على بعض العلماء الأتقياء الزهّاد الموجودين في النجف الأشرف؟ ولكني أجبت نفسي بالقول إن أيّاً منهم لا يشفي غليلي لأنه مثلي يعرف نفس الأدلّة المتداولة التي أعرفها وهي الكتاب والسنّة والعقل والإجماع، ولو طرحت إشكالي على أيّ منهم لأجابني بالجواب الذي أعرفه أيضاً: وهو أن الواجب استفراغ الجهد وأن أحكامنا ظنّية و... .
فقرّرت التوسّل بالإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، ومرّت مدة طويلة لم تنقطع توسّلاتي بالإمام سلام الله عليه ولكني لم أحصل على نتيجة وجواب، حتى بصورة غير مباشرة كأن يحصل في داخلي نور أو التفت إلى شيء، أو أحدٍ فأفهم أن أعمالي صحيحة فأطمئنّ، أم ليست بصحيحة فأتوقّف. ولكني لم أقطع الأمل من الإمام فتوسّلت للمرة الثانية والثالثة والعاشرة والعشرين والخمسين والمئة... ولا نتيجة؟
وقلت مع نفسي: لعلّ هناك مصلحة في التأخير فلا ينبغي أن أيأس بل اللازم أن أواصل الدعاء والإلحاح في الطلب، وبقيت على ذلك زماناً حتى أصِبت بلوعة في أحد الأيام وكنت في روضة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه عند ضريحه المقدّس، فخاطبته عاتباً: سيدي لقد طال توسّلي بكم ولم تجيبوني، وأنا لم أطلب منكم المال لأني تعلّمت من رواياتكم أن من يريد شيئاً فعليه أن يطلبه من مظانّه وعلى طالب المال أن يتاجر ويكتسب.
ولم أطلب العلم الظاهري فإني أعرف أن جوابكم لمسألتي حسب العلم الظاهري هو أن عليك أن تذهب وتتعلّم حتى تزداد علماً. ولم أطلب منكم شفاء مرض في بدني لترشدوني إلى طبيب يعالجني أو تمنّوا علي بالشفاء، إن لي حاجة لا يستطيع قضاءها إلا أنتم أهل البيت، فلقد أفنيت عمري على أعتابكم أدرس أحاديثكم، واليوم تمرّ عليّ ثلاث سنوات أطلب منكم جواباً لسؤالي وأريد أن أعرف أنّي مرضيٌ عندكم أم لا، فلماذا لا أحصل على جواب منكم.
يقول الشيخ: وانفعلت كثيراً حتى لقد أصابتني حمى شديدة وعدت إلى البيت ولم أستطع تناول العشاء، وكنت ما زلت رغم إحساسي بالمرض والإعياء، أعيش حالة التضرع والتوسل إلى الله تعالى وكان دعائي يخرج من القلب وليس من اللسان، حتى غلبني النوم، فرأيت في عالم الرؤيا الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه وقال لي: أطلب حاجتك من ابني المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
يقول الشيخ: فاستيقظت وتذكّرت أنه كان ينبغي لي من البداية أن أتوجّه بحاجتي إلى الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف لأنه إمام عصرنا، فتوجّهت إليه بالزيارة والدعاء، ولم تمرّ عليّ ثلاثة أيام حتى حضر عندي شخص أدركت بعد ذهابه أنه إمامي الحجة عجّل الله تعالى فرجه الشريف، سألني أسئلة فأجبته عليها، ثم التفت إليّ وقال: أنت «مرضيّ عندنا».
صحيح إن الشيخ كان معذوراً لأنه لم يكن مقصّراً، ولكن هل يُعطى المعذور ما يُعطى البصير العارف المطيع الممتثل من الدرجات؟!
فإذا كان الشيخ محمد طه نجف قد بلغ درجة بحيث تشرّف بلقاء الإمام عجّل الله تعالى فرجه الشريف وسمع منه هذا الكلام، فعلينا أن نراجع أنفسنا لئلا نكون مبتلين بخصال نعاب عليها فتحول بيننا وبين درجة القرب من الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
فربّ خصال معيبة فينا ولا نعلم بها أو نعلم بوجودها ولكن لا نعلم أنها معيبة، نسأل الله تعالى أن يخلّصنا منها، وأن نكون - قبل ذلك - أهلاً لإجابة الدعاء؛ لأن هناك شروطاً كثيرة لابدّ أن تتوفّر في الداعي حتى يكون أهلاً لأن تستجاب دعوته، وقد عدّ السيد ابن طاووس ستة عشر شرطاً لاستجابة الدعاء؛ فربّ شخص لا توجد مصلحة في إجابة دعوته.
لو استعطى فقير منك كمية من المال، وكنت تعلم أنه صادق في طلبه وأنه محتاج إليها فعلاً، ولكن كنت تعلم أيضاً أنك لو أعطيته المال فإن ذلك سيصير سبباً لهلاكه، فمثلاً كنت تعلم أن لصّاً سيحاول سرقته ما إن يعلم بحصوله على المال، ولكنه سيمانع، فيقتله اللص!
وقد تعلم أيضاً أن النصح لا ينفع معه أو لا يصدّق إن أخبرته بما سيحدث له، فهل ستعطي مثل هذا الشخص المال رغم حاجته إليه؟ فهكذا الحال بالنسبة للداعي، فإن دعوته لا تجاب إلا إذا توفّرت على شروط الاجابة.
إذن علينا أن نعمل ونسعى لكسب رضا إمامنا المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف وأن نكون من الممتثلين لأوامره ليس في زمن ظهوره فحسب بل في عصر غيبته أيضاً؛ لأن أوامره هي أوامر آبائه الطاهرين وأوامر جدّه الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله بل أوامر الله تعالى.
صحيح إن القيام بالطاعات والانتهاء عن المعاصي والصبر عليها ليس بالأمر السهل دائماً، ولكن من دون ذلك لا يتحقق رضا الإمام عجّل الله تعالى فرجه الشريف ولا تستجاب الدعوات.
فلابدّ للمؤمن أن يخصّص ساعات كل يوم للاستغفار ومحاسبة النفس لئلاّ يتعدّى حالة القصور إلى التقصير والعياذ بالله؛ فقد تصدر من الإنسان معصية ولكنه لا يلتفت إليها وتفوته إما لحسن ظنه بنفسه أو لكثرة مشاغله أو إنساء الشيطان له لئلا يتوب ويستغفر، كما أنه قد ينسيه الطاعة لئلا يبادر إليها، فهذا هو شغل الشيطان، كما ورد في قصة موسى والخضر: ]وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره[ وهذا ليس مقتصراً على الحوت بل هو ديدن الشيطان فكيف يقدر الإنسان أن يقاوم إن لم يحاسب نفسه كلَّ يوم، كما أوصى بذلك الأئمة الأطهار سلام الله عليهم. فثمة روايات مستفيضة في هذا الباب منها: عنهم سلام الله عليهم: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم...»(6).
ولابدّ للمؤمن أن يكون يقظاً حذراً دائماً ويسعى لرفع الحواجز من حوله، وأن يكون دعاؤه من الأعماق، وليس من الذين «يقرأون القرآن لا تجاوز تراقيهم»(7) والترقوتان هما العظمان المكتنفان بالحلقوم!
ولا من الذين يقرأون القرآن والقرآن يلعنهم؛ ففي الحديث: «ربّ تال للقرآن والقرآن يلعنه»(8).
ولا من الذين يغمضون أعينهم في طلب المال ولا يعيرون اهتماماً في كيفية كسبه وإن كان حراماً! كما كان حال ذلك الذي قال للإمام...: «وأغمضت....»(9).
وهؤلاء الذين ذكرناهم ليسوا كفاراً لأن الكفار لا يقرأون القرآن! فعلينا أن نكون يقظين حذرين ناشدين رضا الإمام الحجة عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وعلينا بالتأسي بعلمائنا الأبرار رضوان الله عليهم في هذا المجال.
كان الميرزا حسين الخليلي والسيد إسماعيل الصدر رحمهما الله من تلاميذ المجدد الشيرازي رضوان الله عليه، وكلاهما بلغا مقام المرجعية الدينية، وكانا أيام تلمّذهما على السيد المجدد زميلين يتباحثان معاً، واتفق إحدى الليالي أن بات السيد الصدر عند الشيخ الخليلي، فأيقظه الشيخ ساعتين قبل الفجر ودعاه للذهاب إلى حرم الإمامين الهادي والعسكري سلام الله عليهما، قال السيد الصدر: ولكن باب الصحن مسدود في مثل هذا الوقت. فقال الشيخ: لا عليك، سيفتحونها ريثما نصل.
وبعد أن أدّيا نوافل الليل في صحن الإمام الهادي سلام الله عليه خلف المرقد الشريف، قال الشيخ: لنذهب إلى السرداب المقدس لزيارة الإمام الحجة عجّل الله تعالى فرجه الشريف ثم نعود بعد الأذان إلى روضة الإمام الهادي سلام الله عليه لأداء فريضة الصبح.
قال السيد في جوابه: لكن السرداب مغلق الآن. فأجابه الشيخ: لا بأس نزور الإمام من عند الشباك المطلّ على السرداب، والموجود في صحن الإمام الهادي سلام الله عليه.
وبالفعل ذهبا عند الشبّاك وشرعا بزيارة الإمام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وكانت أضوية السرداب مطفأة، ولم تكن المصابيح الكهربائية موجودة في ذلك الزمان، بل كانت المصابيح النفطية أو الشموع هي التي تستعمل للإضاءة.
يقول السيد الصدر: لقد لاحظت أثناء زيارتي نوراً لا يشبه نور المصابيح متنقلاً في السرداب؛ ففركت عيني لاحتمال أن يكون قد غشيني نعاس أو خيال وما أشبه، ولكني كنت متأكّداً من رؤيتي نوراً يتحرّك داخل السرداب وكان ضوءه أنور من ضوء المصابيح.
يقول السيد: أخبرت الشيخ بذلك فقال: هذا النور هو الذي أيقظني وهو يأتي بي كلّ ليلة إلى هذا المكان!
فهنيئاً لمن يرى هذا النور، ومن لا يراه منّا فعليه أن يراجع نفسه ليعرف السبب الذي يحول دون رؤيته.
نسأل الله سبحانه وتعالى ببركة صاحب الأمر وبعظمة أجداده الطاهرين سلام الله عليهم أن يصلح عيوبنا ويوفّقنا لكسب رضاه واستجابة دعواتنا،
وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.