» الفهرست

» مسؤوليات الإنسان نوعان
» عم نُسأل يوم القيامة
» سيرة النبي صلى الله عليه وآله مما يُسأل العبد عنه يوم القيامة
» سر عظمة النبي صلى الله عليه وآله كما يراها كاتب مسيحي
» معنى التأسي بالرسول صلّى الله عليه وآله
» التعريف بسيرة النبي صلى الله عليه وآله من خلال أئمة أهل البيت سلام الله عليهم
» لو عرضت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله على العالم!
» وضوء السيد البروجردي قدس سره


» النص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *

ومن كلام الإمام زين العابدين سلام الله عليه في دعاء مكارم الأخلاق: «اللهم صلّ على محمد وآله، واكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعملني فيما تسألني غداً عنه».


:. مسؤوليات الإنسان نوعان

هناك أمور ومسؤوليات يجب أن يقوم بها الفرد بنفسه، كالصلاة والصوم، فلا يمكن لشخص أن ينيب من يقوم بها عنه وهو حي. وهناك أمور تجب على الفرد ولكن لا يشترط فيها أن يقوم بها بنفسه، بل يكفي منه أن يدفع لتحققها في الخارج، ونضرب لها مثالاً: هب أن شخصاً قدم من بلاد نائية إلى الحوزة العلمية من أجل تلقي العلوم الدينية والحصول على الاجتهاد الفقهي مثلاً، ليوفَّق بعد سنوات لنشر الدين وخدمة المتدينين في بلده. وبينا هو منغمس في الدراسة ومترقب للامتحانات إذ يأتيه الخبر أن أباه قد ابتلي بمرض ما وأنه بحاجة ماسة إلى دواء يجب أن يبحث عنه مهما كلف الأمر ويوصله إليه بأسرع ما يمكن.
ههنا لا شك ولا شبهة أن هذا الأمر سيشغل بال هذا الطالب واهتمامه، لأنه أوجبُ عليه حتى من تحصيل العلم ومن كل العبادات، ولكن لا شك أيضاً أن المطلوب منه تحقيق الأمر وإيصال الدواء المعيّن إلى أبيه على أي نحو كان، حتى لو استأجر شخصاً أو التمس من صديق أن يقوم بذلك ولا يشترط أن يقوم الطالب بالبحث عن الدواء وحمله إلى بلاده وأبيه بنفسه.

في مثل هذه الحالة إذا كان الفرد حائراً لا يجد من يكلفه للقيام بهذه المهمة، فهو من جهة يشعر بأن ما عرض له هو أمر لابد من استجابته لأنه واجب عليه شرعاً وعرفاً وعقلاً وعاطفة، ومن جهة أخرى يرى أنه إن قام بالواجب بنفسه فسوف يتأخر عن دراسته ربما لمدة عام كامل.. وبينما هو مهتم ومنشغل في هذا الأمر ومتأثر لأنه سيتأخر عن دراسته، يتجه إلى الله تعالى فيقول: إلهي أنت أدرى بنيتي وبحالي فاكفني هذا الأمر الذي يشغلني الاهتمام به عن أمر هو الآخر محبوب لديك وهو تلقي العلم الديني الذي قطعت من أجله كل هذه المسافات، فقيض لي من يكفني أمر الدواء حتى لا أنشغل بسببه عن دراستي.

فقد يتفق أن يلاقى شخصاً من أبناء منطقته قد حجز تذكرة السفر ولم يبق له من الوقت سوى ساعتين، فيوافق على إيصال الدواء، وقد يغفل لحظة فلا يراه وهو يمر من أمامه فيضطر لأن يقوم هو بالمهمة، ويتأخر عن درسه وتحصيله، والأمر في الحالين متعلق بإرادة الله تعالى، ولذلك ينبغي للإنسان أن يتوجه بالدعاء إلى الله تعالى في مثل هذه الحالات، وما أكثرها في الحياة وفي مختلف المجالات العائلية والفردية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية والنفسية، فإن الإنسان - كل إنسان - مبتلى طيلة حياته بطريقين - في الغالب - بينهما تزاحم وكلاهما مهمان ولكن أحدهما على النحو الأول أي الذي لابد من أن يقوم الشخص بنفسه به كالدراسة وطلب العلم، (فهل يمكن أن تنيب شخصاً في الدراسة عنك ثم تصير عالماً؟ لا يمكن هذا بالطبع)، ولكن هناك أمور يمكن لشخص آخر أن يقوم بها بالوكالة.
وبما أن الله تعالى مسبب الأسباب، يطلب منه الإمام سلام الله عليه أن يكفيه الأمر الذي يشغله بأي نحو شاء، حتی يتفرغ هو للأمور الضرورية التي لابد من قيامه بشخصه بها، ولا يبقى منشغلاً عنها بالأمور التي يمكن لغيره أن يقوم بها، فضلاً عن الأمور التي لم يُخلق من أجلها ولا يُسأل عنها يوم القيامة.

فبعد أن طلب الإمام من الله تعالى أن يكفيه ما يشغله الاهتمام به، توجه إليه بالسؤال مباشرة أن يعينه لكي يصرف الوقت الذي حصل له بسبب ذلك في الأمور التي سيُسأل عنها يوم القيامة.
وإذا ما عرفنا أن الدعاء وحده لا يكفي بل لابد للإنسان من السعي نحو ما يدعو ويسأل من الله ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾(1)، كما أن السعي من دون الدعاء لا ينفع ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لو لا دعاؤكم﴾(2)، إذا عرفنا ذلك تبين لنا أن علينا التفكير والسعي – إلى جانب الدعاء – دائماً لأن نصرف أعمارنا في ما خلقنا الله تعالى من أجله وما هو سائلنا غداً عنه.


:. عم نُسأل يوم القيامة

ومعلوم ما هي المسائل التي يجب أن نعنى بها والتي سنُسأل عنها غداً. فلن تُسأل غداً لماذا لم تأكل غداءك حاراً؟ أو لماذا لم يكن معه المشهيات والمطعمات؟ ولا لماذا لم تأكل الأطيب وتلبس الأنعم وتركب الأسرع وتختار ما هو أغلى للعيش وأحلى؟ إني لم أر في الأدلة الشرعية أنا سنُسأل يوم القيامة أسئلة من هذا القبيل.
يقول الإمام سلام الله عليه في دعائه: «اللهم استعملني فيما تسألني غداً عنه» أي وفقني لأن أتفرغ للأعمال التي ستسألني عنها غداً. ويبدأ الغد عند كل إنسان من ساعة موته ويستمر حتى الآخرة والدار التي يقول الله تعالى عنها «هم فيها خالدون».

هناك حديث عن الإمام الرضا سلام الله عليه يقول فيه: «لو وجدتُ شاباً من شبّان الشيعة لا يتفقه في دينه لضربته»(3). والفقه في تعابير أهل البيت سلام الله عليهم أوسع وأشمل من المعنى الاصطلاحي المعاصر للفقه، لأنه في الاصطلاح الأخير هو العلم الذي يعنى بالأحكام الفرعية والعملية، أما في اصطلاح الروايات فيقصد به تعلّم الإسلام الذي تمثل الأحكام العملية جزءاً منه.
كما أنّ قول الإمام (لضربته) تعبير كنائي، وإلا فلم يعهد أن الإمام الرضا أو أحداً من الأئمة سلام الله عليهم ضرب أحداً لذلك، وإنما استخدم الإمام سلام الله عليه هذا التعبير كناية عن أهمية هذا الأمر وأنه مما يُسأل عنه العبد يوم القيامة


:. سيرة النبي صلى الله عليه وآله مما يُسأل العبد عنه يوم القيامة

ومن التفقه ومما يسأل عنه العبد المسلم يوم القيامة معرفة سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله والاقتداء به والعمل وفق سيرته؛ يقول الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾(4).
ومن الواجبات على المسلم أيضاً الدفاع عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله . فما أكثر المتطاولين على قداسته صلى الله عليه وآله والمفترين الأكاذيب بحقه.
لقد رأيت أخيراً كتاباً لأحد المستشرقين مترجماً في أحد البلاد الإسلامية، وكانت الترجمة مطبوعة طبعات متعددة حتى أن النسخة التي حصلت عليها كانت من الطبعة السابعة أو الثامنة. ينقل الكتاب بل يختلق على رسول الله صلى الله عليه وآله أموراً حتى تصل به الوقاحة أن يتهم رسول الله صلّى الله عليه وآله - والعياذ بالله - بالشذوذ الأخلاقي!!! مع أن كل كتب التاريخ تشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان أطهر إنسان على وجه البسيطة.

فمن الذي يجب أن يتصدى للرد (الفكري طبعاً) على هذه الافتراءات وهي تحدث في بلد إسلامي حتى أنها طبعت في هذا البلد وفي مدينة واحدة أكثر من سبع طبعات؟!
إن معرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وتاريخ حياته وسنته هي من أهم ما نُسأل عنها يوم القيامة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ فكيف يتسنى للمرء أن يقتدي ويتأسى بالرسول صلى الله عليه وآله وهو لا يعرف سيرته وسنته، وكيف كان يتعامل مع أصحابه وكيف واجه أعداءه، وكيف تصرف مع المنافقين، وما كانت معاملته مع زوجاته؟ وهكذا في سائر المعاملات، ومنها علاقته مع الله تعالى وكيف كان يعبده؟ وهكذا أكله وشربه ونومه ويقظته وصلاته وصيامه.
لاشك أن ما وصلنا من تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرته قليل جداً، وما لم يصلنا أكثر بكثير، بل لعلي أستطيع القول إنه لو جمعتم كل ما في كتب التاريخ ومدوّنات مثل بحار الأنوار والوسائل والمستدرك وغيرها لما حصلتم علی معشار سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ! بيد أننا ينبغي لنا أن نصمم على الاقتداء به صلى الله عليه وآله في كل ما وصلنا مهما قلّ قياساً لما لم يصلنا.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وآله قمة في الأخلاق حتى أن الله تعالى مدحه بنفسه وقال ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾(5) فكيف يُتهم بما يندى له الجبين؟!
يصرّح القرآن الكريم في مورد واحد قد يكون استثنائياً بخيار ضرب المرأة - وهذا ليس محل البحث في تفاصيل هذا الموضوع - ولكن لم يُسمع أن النبي صلى الله عليه وآله صدر منه هذا الفعل بحق أي من زوجاته التسع مع أنه كان فيهن من هي من خيرة النساء بل الناس جميعاً كخديجة رضوان الله عليها، وكان منهن المتوسطات، وكان فيهن من هن أشرّ النساء، على ما صرّح به القرآن الكريم في آيات عديدة منها قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ فهما مالتا عن النبي صلّى الله عليه وآله ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ أي تشدّ إحداكما ظهرها بالثانية وتتآزران ضدّه صلّى الله عليه وآله، ﴿فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾(6). ومع كل ذلك لم يُنقل أن رسول الله صلّى الله عليه وآله استعمل الضرب مع أي من زوجاته ولا مرة واحدة.
ومما روي عن سيرة النبي صلّى الله عليه وآله في التاريخ: أن امرأة جاءت إلى النبي بولدها كي ينهاه عن أكل التمر فأوکلها صلّى الله عليه وآله إلى الغد، ثم نهاه غداً! وعندما سألته المرأة عن السبب بيّن لها صلّى الله عليه وآله أنه كان قد تناول التمر يوم أمس فما أحب أن ينهى أحداً عن شيء هو أتى به. هذا مع العلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله عندما أكل التمر كان في مصلحته خلافاً لولدها.


:. سر عظمة النبي صلى الله عليه وآله كما يراها كاتب مسيحي

هناك كتاب طالعته قبل أكثر من عشرين سنة، مؤلفه كاتب مسيحي، جمع في كتابه هذا بين الغث والسمين وأرّخ فيه لأعظم مئة شخصية في التاريخ على زعمه. وذكر في المقدمة أنه رتّب الشخصيات حسب الأهمية، فالشخصية الأولى في كتابه هي أعظم من الشخصيات التي ترد بعده، أي أعظم من التسعة والتسعين الباقين، وهكذا الثاني يكون أعظم من الثمانية والتسعين الباقين وهكذا، وإن شئت قل إن الشخصية رقم (99) أعظم من الشخصية الأخيرة (رقم 100) في الكتاب، والتي تحمل الرقم (98) أعظم من الشخصية (99) وهكذا وصولاً إلى الشخصية الأولى في الكتاب فهي أهم وأعظم الشخصيات في نظره على الإطلاق. ولكن الملفت للانتباه أنه أورد اسم السيد المسيح سلام الله عليه في التسلسل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. وعندما سئل عن السبب مع كونه رجلاً مسيحياً قال: أنا لم أرتّب التسلسل حسب عقيدتي بل حسب قناعتي بأهمية الأشخاص وإني أرى أن محمداً صلى الله عليه وآله أعظم من السيد المسيح سلام الله عليه لسببين: الأول أن محمداً صلى الله عليه وآله وُفق لتطبيق دينه في حياته، في حين لم يوفَّق السيد المسيح لذلك (فهم يعتقدون أنه قُتل كما أشار القرآن الكريم إلى اعتقادهم ونفاه).

أما السبب الثاني: فهو أن محمداً صلى الله عليه وآله نفخ في أتباعه روحاً امتدت عبر القرون المتعاقبة كلما ضعف الإسلام في الدنيا كان هناك أشخاص من أتباعه ممن اتصلوا بتلك الروح العظيمة يقومون بتجديد الإسلام. ولعل هذا يتطابق مع ما هو موجود في الأحاديث النبوية من أنه «قَالَ رَسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وآله: يَحْملُ هَذَا الدِّينَ في كُلِّ قَرْن عُدُولٌ يَنْفُون عَنْهُ تَأْويلَ الْمُبْطلينَ وتحْريفَ الْغَالينَ وانْتحَالَ الْجَاهلينَ كَمَا يَنْفي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَديد»(8).


:. معنى التأسي بالرسول صلّى الله عليه وآله

وهذه الروح ينبغي أن تكون اليوم فينا نحن، وهذا معنى التأسي الحقّ برسول الله صلى الله عليه وآله . ولا ينبغي للمتأسي برسول الله صلى الله عليه وآله أن يتصرف كما يحلو له وكما تملي عليه شهواته أو كما توجّهه بيئته فيميل يميناً ويساراً، ولا أن يبتدع سلوكاً ما من عنده، بل عليه أن يطبّق سنة رسول الله صلى الله عليه وآله .
«روي أنَّ جَمَاعَةً منَ الصَّحَابَة كَانُوا قَد حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ النِّسَاءَ والإفطَارَ بالنَّهَار والنَّوْمَ باللَّيْلِ. فَأَخْبَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّه صلّى الله عليه وآله، فَخَرَجَ إلى أَصْحَابه فَقَال: أ تَرْغَبُونَ عَنِ النِّسَاء؟ إنِّي آتِي النِّسَاءَ وآكُلُ بِالنَّهَارِ وأَنَامُ باللَّيْلِ. فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ منِّي»(9)
إن من يقضي كل نهاره صائماً وكل ليله قائماً أنى سيتمكن من القيام بواجباته الاجتماعية؟ وإذا كان طالب علم فمتى سيدرس؟ لا شك أن التعب سيهدّ مثل هذا الإنسان في النهار فيضطر إلى النوم وترك العمل.


:. التعريف بسيرة النبي صلى الله عليه وآله من خلال أئمة أهل البيت سلام الله عليهم

هناك كتب في التاريخ - ويروَّج لها حديثاً - تمجّد بأشخاص منحرفين عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وتطرحهم لشباب المسلمين على أنهم القدوة والأمثلة على التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله ، مع أن أئمة آل البيت سلام الله عليهم هم خير من يمثل النبي صلى الله عليه وآله ويقتفي أثره وينبغي للمسلمين ولكلّ العالم التنور بسيرتهم والاطلاع على تاريخ حياتهم المباركة.
روى الشيخ الطبرسيُّ في الاحتجاج، عن ثابت البنانيِّ قال:
«كُنْتُ حَاجّاً وجَمَاعَةَ عُبَّاد الْبَصْرَة مثل أَيُّوب السِّجسْتَانيِّ وصَالحٍ الْمُرِّيِّ وعُتْبَةَ العلام وحبيبٍ الْفَارسيِّ ومَالك بن دينارٍ، فَلَمَّا أن دَخَلنا مَكَّةَ رَأَينَا الْمَاءَ ضَيْقاً وقَد اشْتَدَّ بالنَّاسِ العَطَشُ لقلَّة الْغَيْثِ، فَفَزِعَ إِلَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ والْحُجَّاجُ يَسْأَلُونَا أَن نَسْتَسْقِيَ لَهُم. فَأَتَيْنَا الْكَعْبَةَ وطُفْنَا بِهَا ثُمَّ سَأَلْنَا اللَّهَ خَاضعينَ مُتَضَرِّعينَ بهَا، فَمُنِعْنَا الإجابَةَ. فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إذَا نَحْنُ بِفَتى قَدْ أَقْبَلَ وقَدْ أَكْرَبَتْهُ أَحْزَانُهُ وأَقْلَقَتْهُ أَشْجَانُهُ، فَطَافَ بِالْكَعْبَةِ أَشْواطاً ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَال: يا مَالكَ بْنَ دينَارٍ ويَا ثَابتُ البنانيُّ ويا أَيُّوبُ السِّجِسْتَانِيُّ ويا صَالِحُ المُرِّيُّ ويا عُتْبَةُ الْعلاّمُ ويا حَبيبُ الْفَارسيُّ ويا سَعْدُ ويا عَمْرُو ويا صَالحُ الأعمَى ويا رابعَةُ وياسَعْدَانَةُ ويا جَعْفَرَ بنَ سُلَيْمَان. فَقُلْنَا: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ يا فَتَى. فَقَال: أ مَا فيكُمْ أَحَدٌ يُحبُّهُ الرَّحْمَنُ؟ فَقُلْنَا: يَا فَتَى عَلَيْنَا الدُّعَاءُ وعَلَيْهِ الإجَابَةُ. فَقَال: ابْعُدُوا عَن الْكَعْبَة، فَلَوْ كَانَ فِيكُمْ أَحَدٌ يُحبُّهُ الرَّحْمَنُ لأجابه. ثُمَّ أَتَى الْكَعْبَةَ فَخَرَّ سَاجداً، فَسَمعْتُهُ يَقُولُ في سُجُوده: سَيِّدي بحُبِّكَ لي إلاّ سَقَيْتَهُمُ الْغَيْث. قال: فمَا اسْتَتَمَّ الْكَلامَ حَتَّى أَتَاهُمُ الْغَيْثُ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ. فَقُلْتُ: يَا فَتَى مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنَّهُ يُحِبُّكَ؟ قَال: لَوْ لَمْ يُحِبَّنِي لَمْ يَسْتَزِرْني، فَلَمَّا اسْتَزَارَنِي عَلمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّنِي، فَسَأَلْتُهُ بِحُبِّهِ لِي فَأَجَابَنِي. ثُمَّ وَلَّى عَنَّا ، فسألتُ أَهْلَ مَكَّة قُلتُ: مَنْ هَذَا الْفَتَى؟ قَالُوا: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سلام الله عليهم»(10).
أرأيتم كيف ضخّموا أشخاصاً وأسماءً عدّوهم من العبّاد المعروفين - والعبادة جزء من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله فقط - وترکوا مَن جَعلهم الله تعالى ورسوله مناراً للعباد وهم أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله؟!


:. لو عرضت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله على العالم!

لو عرضت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله على العالم لأقبل عليها الملايين، لأن الناس في الغالب غير معاندين. وأكثر المعاندين لم يكونوا كذلك إلا على أثر غسل الدماغ الذي تعرضوا له بسبب المواضيع المختلفة المدسوسة؛ ومسؤوليتنا نحن هي تطهير هذه الأدمغة من تلك المطالب.
حكی لي صديق يعيش في بلد آخر - ويمرّ على القصة اليوم أكثر من سنة - قال: وجّه شخص عبر الانترنت نقداً لاذعاً لبند من بنود الإسلام، وترك عنوانه الإلكتروني للرد، وكان نقده مصحوباً بالسب أيضاً، فانبرى له أحد المؤمنين وردّه رداً علمياً موضوعياً خالياً من التجريح ومستنداً إلى المصادر. يقول راوي القصة: فكتب الأول في اليوم الثاني أنه يعتذر عما بدر منه في هذا المجال لأنه كان مغفلاً ولا يعرف الموضوع حق معرفته! فما أكثر أمثال هؤلاء وما أعظم مسؤوليتنا في هذا المجال!


:. وضوء السيد البروجردي قدس سره

لقد أسس آية الله البروجردي (رحمه الله) مركزاً إسلامياً في هامبورغ في ألمانيا، وبعث مبلّغاً دينياً هناك.
نقل: فطُلب من هذا المبلّغ في هامبورغ أن يعطيهم صورة للسيد البروجردي لعرضها في التلفزيون. ففكر المبلّغ أي صورة ستكون مؤثرة جداً لو عرضت، وانتهى تفكيره إلى أن يعطيهم صورة السيد وهو يتوضأ لأنها ستكون مؤثرة جداً في نفوس مشاهديها؛ لما تعكس من خشوع السيد حال تهيئه للقاء الله تعالى في الصلاة.
لا شك أن أفعال الوضوء التي يأتي بها السيد البروجردي لا تختلف عن الأفعال التي يؤديها سائر المتوضئين من المسلمين ممن هم على مذهب أهل البيت سلام الله عليهم على الأقل، فهي عبارة عن غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين بالكيفية المشروحة في الرسائل الفقهية العملية.

يقول هذا المبلّغ: ما إن عرض هذا الفيلم الذي يصوّر وضوء السيد البروجردي حتى أثار في نفوس المشاهدين روح الحب والولاء، وأسلم في اليوم نفسه عشرة من النصارى ممن شاهدوا الفيلم.
فإذا كان هذا تأثير مشاهدة صورة وضوء السيد البروجردي وهو بمثابة تلميذ تلميذ تلميذ النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله فكيف بالتأثير الذي تتركه سيرة النبي صلّى الله عليه وآله على الناس؟!
فلنتزود بمعرفة السيرة الصحيحة لنبي الإسلام بمقدار ما أوتينا من طاقة، وإمكانات ولنسعَ لتفهيم الآخرين بها؛ فإنه لو عرضت السيرة الصحيحة لنبي الإسلام على العالم لغيّرت وجهه. وما أسرع تغيّر العالم في هذا الزمان!
ولنستمدّ من تلك الروح المحمدية العظيمة التي أشار إليها المؤلف المسيحي في كتابه المذكور آنفاً.
نسأل الله تعالى أن يستعملنا بما يسألنا غداً عنه، وأن يوفّقنا للمزيد من معرفة سيرة النبي والتأسي به.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


* ألقيت هذه المحاضرة في 12 ربيع الأول 1421 هـ.
(1) النجم، الآية 29.
(2) الفرقان، الآية 77.
(3) بحار الأنوار: 75 / 346.
(4) الأحزاب، الآية 21.
(5) القلم، الآية 4.
(6) التحريم، الآية 4.
(7) وسائل‏ الشيعة: 11 / 150.
(8) وسائل ‏الشيعة: 20 / 21 باب كراهة العزوبة و ترك التزويج.
(9) مستدرك‏ الوسائل: 6 / 210.