» الفهرست

» الاقتداء بسيرة العلماء
» ستر العائبة
» في القصص عبرة


» النص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *

يقول إمامنا زين العابدين وسيد الساجدين سلام الله عليه في طيّ دعاء مكارم الأخلاق: (وإفشاء العارفة وسَتْر العائبة).
الإفشاء: النشر والإذاعة والإظهار. والعارفة: المعروف، والتاء فيها باعتبار الخصلة؛ فإفشاء العارفة يعني نشر المعروف.
أما العائبة ـ وهي مؤنث العائب، والتأنيث فيها باعتبار الخصلة أيضاً ـ فهي ضدّ العارفة والمعروف. والسَّتر: الإخفاء؛ فيكون المعنى: نشر المعروف وعدم ستره وإخفائه، وإخفاء المنكر وعدم إظهاره وإذاعته. وهاتان الخصلتان من صفات الله تعالى أيضاً؛ ففي الدعاء المرويّ عن الإمام الصادق سلام الله عليه: «يا من أظهر الجميل وستر القبيح».(1)

أما كيف نقوم بإفشاء العارفة (أي المعروف) وستر العائبة (أي المنكر)؟ فالجواب:
أولاً: بالعمل بالمعروف، والانتهاء عن المنكر؛ فإن العمل بالمعروف من مصاديق إفشائه وإظهاره، والانتهاء عن المنكر وتجنّبه من مصاديق إماتته وإخفائه.
ثانياً: أن نذكر الذين يعملون المعروف ونشيد بهم، فنقول مثلاً: فلان وقور وفلان ذو خلق وهكذا. فهذا يعدّ نشراً للعارفة، وأن نستر على الذين زلّوا ولا نشيع ذكر ما عملوا من المنكرات والفواحش.
ثالثاً: أن نذكر معروف الآخرين إلينا، ولا نذكر معروفنا إليهم؛ روي عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أنه قال: «إذا صنع اليك معروف فاذكره، إذا صنعت معروفاً فانسه»(2) . أي إذا أحسن إليك شخص، فمن إفشاء العارفة أن تذكر لهذا وذاك من الناس أن فلاناً قد أحسن إليّ. أمّا إذا أحسنت إلى شخصٍ، فليس من العارفة أن تذكر ذلك أينما حللت وارتحلت لتقول مثلاً: «لولاي لكان وضع فلان كذا وكذا» لأن هذا يعدّ من العائبة.
وهاتان الخصلتان من الخصال التي يحتاج التحلي بهما إلى عزم وتصميم وتوكل على الله تعالى.


:. الاقتداء بسيرة العلماء

كان السيد محمد تقي الخونساري رحمة الله عليه مرجعاً للتقليد في مدينة قم المقدسة يوم دخلها السيد البروجردي رحمة الله عليه - وكان مرجعاً هو الآخر - ليسكن فيها، وكلاهما كانا من تلامذة المرحوم الآخوند (صاحب الكفاية) رحمة الله عليه.
ففي إحدى الزيارات المتبادلة بينهما قال السيد الخونساري للسيد البروجردي: لقد درست عندك في النجف الأشرف فأنت أستاذي.
وربما كانت المدة التي تتلمذ فيها السيد الخونساري عند السيد البروجردي قصيرة جداً، ولكن السيد الخونساري كان يرى أن من إفشاء العارفة وأداء حق التعليم أن يذكر ذلك ويبيّنه، وإن كان مرجعاً للتقليد.

ومن هنا نعلم أن إفشاء العارفة بحاجة إلى عزم وإيثار وايمان وتوكّل؛ فإن النفس لا تدع الإنسان عادة يتنازل أمام أصدقائه ومعارفه.
ففي مثل هذه الحالة، ترى ماذا سيكون موقف السيد البروجردي تجاه ما أعلنه السيد الخونساري؟ وماذا سيكون ردّه عليه؟ هل يؤيد كلام السيد الخونساري وهو يعلم أنه ليس من العارفة أن يذكر الإنسان إحسانه إلى غيره؟ أم ينكر الحقيقة التي أظهرها السيد الخونساري؟ لذلك بادر السيد البروجردي إلى حلّ وسط، فجعل نفسه كمن لا يتذكر؛ تخلّصاً من حراجة الموقف. ولكن السيد الخونساري أعاد الكلام ثانية وأكّده، فقال السيد البروجردي: لعلي لا أتذكّر. فقال السيد الخونساري: إن من حقّي أن لا أنسى، ومن حقّكم أن لا تتذكّروا؛ لأنّي قلّما أجد استاذاً مثلكم، أما أنتم فما أكثر التلاميذ الذين درسوا عندكم!


:. ستر العائبة

وكما ينبغي لنا أن نتحلّى بحلية الصالحين في إفشاء العارفة ـ كما هو الحال في ذكر معروف الناس وأعمالهم الخيّرة ـ فكذلك يجب علينا الاقتداء بهم في ستر العائبة وإخفاء عيوب الآخرين فضلاً عن عيوب أنفسنا؛ لأن ذكرها يعدّ من العائبة أيضاً.
ومن يراجع الأحكام الجنائية في الإسلام يلاحظ بوضوح تأكيد الإسلام لهذا المبدأ، في حين لا تجد هذا في القوانين الوضيعة أبداً.
فرغم أن إقرار العقلاء على أنفسهم حجّة أي نافذ ومقبول، ولكن الشريعة الإسلامية لا تكتفي بإقرار المجرم على نفسه مرة واحدة دائماً، بل ثمة موارد لا تكثرت بهذا الإقرار ما لم يُكرّر أربع مرات.

تحكي الروايات في موارد عديدة أن أشخاصاً كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وآله ليعترفوا له بأنهم قد ارتكبوا إحدى المعاصي التي تستوجب إقامة الحدّ عليهم كالزنا مثلاً، ولكن النبي صلى الله عليه وآله كان يعرض عنهم كأن يُعرض بوجهه الشريف عنهم أو ما شابه ذلك؛ لكي يمهل المذنب ويدفعه على التراجع.

فمن باب المثال:
روي أن ماعز بن مالك جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، ثم جاء من شقّه الأيمن، فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه فقال: إني قد زنيت، ثم جاءه فقال: إني قد زنيت، قال ذلك أربع مرات... وروي أنه صلى الله عليه وآله قال له: لعلك قبّلت، أو غمزت أو نظرت(3) كلّ ذلك محاولة منه صلى الله عليه وآله للستر على المعترف ودفعه للتراجع والاكتفاء بالتوبة، مما يدلّ على أن روح الشريعة الإسلامية وتعاليم أهل البيت سلام الله عليهم إنما تصبّ في ستر المعايب لا إفشائها ونشرها.
كما روي أيضاً أن رجلاً جاء للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أيام حكومته ـ الظاهرية ـ وطلب منه أن يطهّره من زنا قد ارتكبه، فقال الإمام: «... أيعجز أحدكم اذا قارف هذه السيئة أن يستر على نفسه كما ستر الله عليه»(4).
إن المجتمع الذي تسري فيه روح ستر العائبة وإفشاء العارفة لهو حقيق بأن ينعم بالطمأنينة والسعادة.


:. في القصص عبرة

كان السيد أحمد الروحاني القمي رحمه الله عالماً مجتهداً وخطيباً بارعاً يرتقي المنبر، سمعت منه بعض القصص الغنية بالمواعظ والعبر، وقد حكى مرة فقال:
اتصل بي في أحد الأيام شخص وطلب مني أن أحضر لتشييع جنازة أحد المؤمنين، فاعتذرت منه وقلت له: إنني لا أعرف المتوفى
وربما كانت لدى السيد الروحاني التزامات أخرى كان يراها أهمّ، وإلا فإن تشييع المؤمن أمر قد حثّت عليه الروايات كثيراً، ولا يشترط فيه معرفة المتوفى – فقال لي: ولكنه إنسان مؤمن، فأرجو أن تحاول حضور تشييعه وإن لم تعرفه.

يقول السيد الروحاني: فوافقت بعد ذلك، ولما حضرت التشييع لفت انتباهي شخص من المشيّعين يبكي بكاءً مرّاً، مع أنه لم يكن من ذوي أقرباء الميت، لأرى أحداً يقدّم له التعازي، وعندما اقتربت منه سألته: هل أنت ابن المرحوم؟ فقال: لا. قلت: فمن أقربائه؟ قال: لا. قلت: فكيف هذا البكاء عليه، وما هو السبب؟ قال: لذلك قصّة سأحدثك عنها بعد انتهاء التشييع.

وبعد انتهاء مراسم التشييع جلست أستمع الى قصّته، فقال: كنت رجلاً فقيراً ومعيلاً وأخجل أن أمدّ يدي إلى أحد، ولم يكن المال الذي أكسبه يكفي لمعيشتي وعائلتي، فقد كنت استأجرت لهم غرفة في مكان متواضع وبأجرة زهيدةٍ، وعندما طالبني المؤجّر بالزيادة، اضطررت لنقل عائلتي إلى مكان آخر أزهد منه، وكنت أغيّر مكاني كل سنة للسبب ذاته، فمكثت على هذه الحال أعاني من شظف العيش وصعوبة الحياة، حتى اتفق في أحد الأيام أن التقيت بهذا الرجل، ولكن أيّ لقاء؟!

كنت قد دخلت المسجد لأداء الصلاة، وكانت الجماعة منعقدة والصفوف متراصّة، ولم أجد مكاناً بين الصفوف فوقفت بمفردي خلف الصفوف، وإذا بهذا الرجل الذي شيّعنا جنازته قد جاء ـ ولم أكن أعرفه قبل ذلك ـ فوقف بجانبي، وقبل أن يكبّر تكبيرة الإحرام أفرغ ما في جيبه ووضعه أمامه ـ لعلّه كان يلتزم بالآداب الإسلامية في هذا المجال، فثمة أشياء يكره للمصلي حملها أثناء الصلاة ـ ثم التحق بالمأمومين لأداء صلاة الجماعة وكانوا في حالة الركوع، فلفت انتباهي أن من بين الأشياء التي وضعها أمامه خاتماً من ذهب، وفجأة قفزت إلى ذهني فكرة سرقته، مع أني لم أكن قد تجرأت يوماً للسرقة قبل ذلك - وكنت في ذلك اليوم أمرّ في أسوأ حالاتي الماديّة، حتى أنه لم يكن عندي ما أبتاع به طعاماً لعائلتي ـ فبقيت متردداً لحظات أحدّث نفسي وتحدّثني، وأجذبها وتجذبني، أأسرقه أم لا؟ وأخيراً جذبتني فطاوعتها على سرقته وبدأت أخطّط لذلك وأراقب الرجل هل هو منتبه للأشياء التي وضعها أمامه، أم هو غارق في الصلاة ليس ملتفتاً لشيء سواها؟ فرأيته غارقاً في صلاته، فقرّرت أن أشرع بسرقة الخاتم حالما نهوي الى السجود ـ لأن المسافة بين موضعي سجودنا لم يكن كثيراً، وهذا لا يتطلّب مني سوى أن أسبقه في رفع رأسي من السجود لكي أضع يدي على الخاتم قبل أن يرفع هو رأسه ثم أسحبه في خفّة وأضعه في جيبي وأواصل صلاتي لئلا ألفت انتباهه فضلاً عن غيره، ثم أغادر بمجرد أن تنتهي الصلاة ـ ولكني لم أجرؤ على القيام بذلك في سجود الركعة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، حتى بلغنا السجدة الثانية من الركعة الرابعة والأخيرة، وفي تلك اللحظة قرّرت أن أقوم بالمجازفة مهما كلّف الأمر، وفعلاً أنجزت الأمر أخيراً، ووضعت يدي على الخاتم وسحبتُهُ، ووضعتُ يدي على رجلي، إلا أنني كنت متوجّساً خيفة علّه قد رآني، فصرت أرقبه باختلاس فرأيته كأنّه غير منتبه ولم يبد أيّ رد فعل، ولكن مع ذلك بدأت دقّات قلبي تتسارع وبدأت أفكّر كيف أفرّ بالخاتم إذا انتهت الصلاة، وبينما الأفكار كانت تمزّقني نفذ الى سمعي صوت الإمام قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ولما هممت بالقيام وضع الرجل يده على يدي وقال لي: الخاتم لك!! ولكن قل لي: لماذا فعلت فعلتك هذهِ؟ وعندما سمعته يقول لي: "الخاتم لك" اطمأننت قليلاً وهدأ قلبي وقلت له: صدّقني إنها المرة الأولى وإني لم أسرق قبلها في حياتي قطّ. فقال: هذا بادٍ عليك لأن وجهك مصفرّ ويديك ترتعشان وبدنك يرتجف، فأخبرني عن شأنك؟ يقول: فقلت له: أنا رجل معيل وقد أضرّ بي الفقر، حتى بلغ بي الحال أن لا أقدر على تأمين قوت أهلي. فقال لي: الخاتم لك ولكن إياك أن تبيعه بثمن بخس، وأضاف: أنا رجل غني وجديد عهد بالزواج، وقد اشتريت هذا الخاتم لأقدّمه هدية لزوجتي، ولكن لا بأس سأشتري لها غيره، ولكني أنصحك أولاً أن لا تفرّط به وتعرف قدره لئلا يغشّوك. وثانياً أن لا تتفاجأ ـ فيما إذا أصررت على بيعه ـ حين تذهب إلى بائع الذهب لأنه ربما ينكر أن يكون هذا الخاتم لك، واذا ما حصل هذا ولكي تتخلّص من مساءلته قل له: إن فلاناً ـ وذكر لي اسمه ـ يعرفني وكان الأمر كما أخبرني بالفعل، فعندما أعطيته بائع الذهب أخذ ينظر إليه وينظر إليّ ثم قال: من أين أتيت بهذا الخاتم؟! قلت: هو خاتمي. قال: ليس خاتمك!! قلت: إن كنت تشتريه فادفع لي ثمنه وإلا فادفعه لي لكي أنصرف. قال: لا أدفع ثمنه ولا أسلّمه لك إلا في مركز الشرطة. فقلت له: إن فلاناً يعرفني ويعرف أن هذا الخاتم لي. ولكنه لم يقتنع وطلب مني أن أحضره لكي يشهد لي عنده. وبالفعل حضر الرجل وشهد عند بائع الذهب أنه يعرفني وأن الخاتم خاتمي، فأعطاني بائع الذهب حينها ثمنه وخلّى سبيلي.

ولكن هذا الرجل ـ صاحب الخاتم ـ لم يتركني بل لحقني وقال لي: ولكن قل لي ماذا ستصنع إذا نفد ثمن الخاتم؟ فلم أحر جواباً حينها. ولما عرف حيرتي سلّمني مبلغاً مناسباً من المال واقترح عليّ أن أشتري به بيتاً صغيراً في منطقة مناسبة، وعندما وافقت على اقتراحه لم يتركني أيضاً بل ظل يبحث معي حتى وجد لي بنفسه منزلاً يتكون من طابقين وقال لي: اسكن في أحدهما واعمل على تأجير الطابق الثاني لكي تستفيد من عائد إجارته في تمشية أمورك المعاشية حالما تجد عملاً يسدّ الحاجة.

ومرّت عليّ السنوات بعد ذلك وقد خفّ ثقل الماضي عني ولم يعد يقلقني شئ من ضنك العيش الذي كنت اعاني. أفلا ترى أن من حقّه علي أن أبكيه من كلّ قلبي، إزاء احسانه لي، كيف لا وهو الذي ستر عليّ العائبة ولم يحدّث أحداً بصنيعه هذا وكرمه إليّ؟!
اُنظروا كيف أن ستر العائبة من قبل هذا الرجل التاجر أخذت بيد إنسان كان على شفير السقوط في الهاوية، فربما لو كان هذا الرجل قد صاح به ونهره وأذاع به أثناء سرقته الخاتم لسقطت شخصية وانهارت كرامته ولم يبال بعدها بما سيؤول إليه أمره؛ لسقوطه عن أعين الناس، ولتحوّل من إنسان بسيط إلى سارق محترف يضرّ نفسه والمجتمع.
نسأل الله سبحانه وتعالى ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين أن يوفّقنا للتحلي بهاتين الخلصلتين (إفشاء العارفة، وستر العائبة) اللتين هما من حلية الصالحين وزينة المتقين.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


* ألقيت المحاضرة بتاريخ 22 صفر عام 1422 هـ.
(1) تهذيب الأحكام للطوسي: 3/ 84 ح12.
(2) مستدرك الوسائل للنوري: 12/ 361 ح15 باب تحريم كفر المعروف.
(3) جواهر الكلام 41/ 280 ثبوت الزنا بالإقرار أو البينة وتعريف الشهادة.
(4) من لا يحضره الفقيه للصدوق: 4/ 31 رقم 5017 كتاب الحدود الزنا واللواط.