» الفهرست

» المقصود بالشنآن
» من هم أهل الشنآن؟
» كيف نتعامل مع أهل الشنآن؟
» دعم الدعاء بالعمل
» الاقتداء بعلمائنا الأعلام
» كيف نتعامل مع أهل البغي


» النص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *

«اللهم صلّ على محمد وآله، وأبدلني من بغضة أهل الشنئان المحبّة ومن حسد أهل البغي المودّة ، ومن ظنّة أهل الصلاح الثقة، ومن عداوة الأدنين الولاية، ومن عقوق ذوي الأرحام المبرّة، ومن خذلان الأقربين النصرة، ومن حبّ المدارين تصحيح المقة، ومن ردّ الملابسين كرم العشرة، ومن مرارة خوف الظالمين حلاوة الأمنة».
هذه فقرة أُخرى من دعاء مكارم الأخلاق يفتتحها الإمام السجّاد سلام الله عليه بالصلاة على النبي وآله الأطهار سلام الله عليهم أجمعين، ثمّ يطلب من الله تعالى تسعة مطالب في تسع جمل نتناول في هذه المحاضرة المطلبين الأوّلين منها، حيث يقول الإمام سلام الله عليه:«وأبدلني من بغضة أهل الشنآن المحبّة ومن حسد أهل البغي المودّة».


:.المقصود بالشنآن

يوجد في اللغة البغض والعداوة وسوء الخُلُق، ولكلّ منها معنى، فقد يكون الشخص مبغضاً ولكنّه لا يعادي، وقد يجمع الخصلتين ولكن من دون سوء خُلُق، وقد يجمع سوء الخُلُق إلى البغض والعداوة، ولذا فسّر الشنآن لغةً بالبغض والعداوة مع سوء الخُلُق؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾(1).
وقد يكون الشنآن نتيجة أعمال الإنسان السيئة فيكون من مصاديق قوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾(2)، وقد يبتلى الشخص بأهل الشنآن من غير أن يكون له دور فيه، كما لو رزق بجمال أو حسن خُلُق أو ذهن وقّاد أو نعم أُخرى، فيبغضه المبغضون لذلك.


:. من هم أهل الشنآن؟

عندما نتأمّل في دعاء الإمام السجّاد سلام الله عليه نجد أنّه عدل من كلمة الشانئ أو الشانئين إلى «أهل الشنآن»، ولابدّ أن نتدبّر قليلاً لمعرفة السبب. فتارة يكون الشنآن عفوياً وتارة يكون بمنزلة الحرفة عند بعض الناس، كما أنّ للعلم والتجارة وغيرهما أهلاً بحيث يصدق عليهم أنهم علماء أو تجّار، ولا يصدق على من تعلّم مسألة أو بعض المسائل الشرعية أنّه من أهل العلم، أو من ربح في صفقة واحدة أو صفقتين اتّفاقاً أنّه من أهل التجارة؛ إذ لا يقال للشخص أنّه من أهل العلم مثلاً ما لم يكن جنّد نفسه للدراسة حتّى عدّت كالحرفة له.

والإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالى أن يبدله المحبّة ليس فقط من بغضة كائن من كان، ولا من بغضة أيّ شانئ، بل يطلب من الله تعالى أن يبدله من بغضة أهل الشنآن الذين يضمّون إلى البغض والعداوة سوء الخلق والذين طبيعتهم وشغلهم وديدنهم الشنآن وبغض الآخرين. وهذا أكثر ممّا لو طلب الإمام سلام الله عليه التخلّص من بغض الشانئين فقط، ففيه اقتصار على طلب إبدال بغض الشانئ العادي فقط لكن الإمام سلام الله عليه ترقّى إلى طلب التخلّص من بغضة المتمرّسين من أهل الشنآن وإبدالها بالمحبّة.


:. كيف نتعامل مع أهل الشنآن؟

فماذا ترى يفعل الإنسان للتخلّص من أُناس هذه شيمتهم؟ وكيف يتعامل مع أهل الشنآن وهم ِأشبه شيء بالعقارب التي شغلها اللدغ؟ في الحديث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله مدّ يده ليستلم الحجر الأسود فلسعته عقرب فقال: «لعنك الله لا برّاً تدعين ولا فاجراً»(3).
فماذا بوسعك أن تفعل مقابل عقارب كهذه في المجتمع تلدغك من حيث لا تشعر؟ إلاّ أن تتوجّه إلى الله تعالى بالدعاء وتقول له كما علّمك الإمام السجّاد سلام الله عليه: «اللهمّ وأبدلني من بغضة أهل الشنآن المحبّة».

نُقل أنّ شخصاً مرض وأوشك على الموت فقال لابنه: اذهب واعُ لي فلاناً وفلاناً وفلاناً، وسمّى له بعض الأشخاص.
وعندما حضروه التفت إليهم وهو مسجّىً على فراش الموت وقال: إنّ لكم جميعاً عليّ حقوقاً وأرجو أن تحلّلوني منها فإنّي قد أُفارقكم الساعة. تعجّب القوم وسألوه مستغربين: لا نعرف لنا عليك حقوقاً فهلاّ عرّفتنا بها؟
فقال: دعوكم من هذا وتفضّلوا عليّ بالعفو لأنّي موشك على الموت.
ولكنّهم أصرّوا على معرفة حقوقهم. ولمّا رأى إصرارهم التفت إلى الأوّل وقال: أتذكر حينما احترق بستانك واتّهمت فلاناً من الناس وحكم عليه القاضي؟ أنا الذي حرقتها وليس ذلك المسكين!

وزاد فضول الشخص لمعرفة تفاصيل القضية فالتمسه أن لا يبخل بها عليه. فقال له: لقد دار النقاش في أحد الأيام بينك وبين زيد واحتدم، فهدّدك هو بحرق نخيلك، وكنتُ أسمع كلامكما فجئت في منتصف الليل وقمت أنا بإحراقها.
وحيث إنّ زيداً كان قد هدّدك أُلبست في حقّه التهمة وأُودع السجن.
ثمّ التفت إلى الثاني وقال له: إنّ المشكلة التي نزلت بك في يوم كذا أنا افتعلتها. وهكذا أخذ يعدّد لهم قضاياه واحدة بعد الأُخرى.
إنّ الدعاء والتوجّه إلى الله تعالى هو الكفيل بأن يخلّص الإنسان من شرور أشخاص كهذا، لأنّ كثيراً من الناس لا يدرون من الذي يتربّص بهم ليوقعهم في حفر المشاكل والمصائب.

هذا في حين إن دعاءً صغيراً - قد لا يستغرق دقائق - يتوجّه به الإنسان إلى الله تعالى كفيل بأن ينجيه من الوقوع في مشاكل قد تدوم عقوداً ولا يُعرف كيف الخلاص منها. وفي يوم القيامة يدرك الإنسان أنّه لو كان قد دعا ربّه بذلك الدعاء لما ابتلي هذه المدّة الطويلة، ولكن ماذا يجدي وقد ذهبت السنوات من عمره سدىً ولات حين مندم.


:. دعم الدعاء بالعمل

الدعاء والعمل يكمل أحدهما الآخر ولا ينفع أحدهما من دون الثاني إلاّ إذا كان الإنسان عاجزاً إلاّ عن الدعاء.
قال تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى﴾(4).
وقال أيضاً: ﴿قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم﴾(5).
وفي هذا المجال (إبدال بغضة أهل الشنآن بالمحبّة) ينبغي للإنسان أن يسعى - بمقدار علمه - إلى جانب الدعاء، لكي يقلب أهل الشنآن إلى محبّين؛ كما في قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه ولي حميم﴾(6).

في هذه الآية الكريمة نكتة لطيفة يمكن استفادتها من كلمة «ادفع»؛ لأنّ الدفع في اللغة كالوقاية من المرض، والرفع كالعلاج للتخلّص منه بعد الإصابة به. فمثلاً إذا دخل لصّ دارك فإنّك عندما تحاول إخراجه فهذا يعني أنّك تسعى لرفع السرقة، ولكنّك عندما تقفل الأبواب بوجه اللصّ قبل دخوله الدار فهذا يعني أنّك تقوم بدفع السرقة قبل وقوعها وتحول دون دخول اللصّ إلى دارك.
وفي المقام يرشدنا المولى تعالى إلى دفع السيّئة (أي الحيلولة دون وقوعها) بالتي هي أحسن منها كفعل الخير والصلة وما أشبه.
أمّا النتيجة من هذا الدفع بالتي هي أحسن، فقد أشارت إليها الآية نفسها في قوله تعالى: ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه ولي حميم﴾، أي أنّه سيحبّه بقلبك ويدافع عنك بجوارحه وطاقاته.

ولا يخفى أنّ الإحسان إلى المسيئين يحتاج إلى عزيمة قوية؛ ولذلك عبّرت الآية نفسها عن هذه الخصلة بقوله تعالى: ﴿وما يلقّاها إلاّ الذين صبروا وما يلقّاها إلاّ ذو حظّ عظيم﴾(7).
وبقدر ما يكون الصبر على الإساءة تكون النتيجة مرضية، وإنّ هذا التوفيق وإن كان يحتاج إلى حظّ عظيم إلاّ أنّ مفتاحه بيد الإنسان نفسه.


:. الاقتداء بعلمائنا الأعلام

في تاريخ علمائنا الأبرار - فضلاً عن أهل البيت سلام الله عليهم - الكثير من القصص التي يمكن للإنسان أن يستضيء بنورها.
نقل لي أحد الأشخاص - وكان هو الواسطة بين السيّد أبي الحسن الإصفهاني قدّس سرّه وشخص آخر لا أعرفه كان يكيل السباب والشتائم للسيّد أي كان شانئاً له - قال:
في أحد الأيّام قلت للسيّد أبي الحسن الإصفهاني - وكان قد بلغه أمر الرجل- : ماذا نصنع معه؟ قال: أنت صديقه، فلا بأس أن تغتنم إحدى المناسبات لنذهب معاً إلى زيارته.

فقلت له: سيّدنا أتزوره؟
قال: نعم.
فسررت كثيراً لذلك لأنّي كنت أُحبّ أن تحلّ المشكلة، لأنّ ذلك الشخص كان صديقاً وكان شخصية اجتماعية أيضاً، وكان السيّد مرجعي في التقليد، فكنت أستاء كثيراً من تصرّف ذلك الصديق.
وكلّما ذكرت اسم السيّد عنده لأُقنعه بزيارة السيّد له، كان ينفعل ولا يدع مجالاً لذلك، حتّى مرض في أحد الأيّام، فأخبرت السيّد الإصفهاني بالأمر وقلت له: إنّها فرصة مناسبة. وجئت للرجل وقلت له: أنت مريض والناس يعودونك، فربما يعودك السيّد أبو الحسن الإصفهاني.

فإذا به يلتفت إليّ ويقول: بعد أن بلغه منّي ما بلغ؟ لا أظنّه يفعل.
قلت: أنت تعرف السيّد فهو يزور الجميع، ويعود المرضى.
ثمّ التفتُّ إليه وقلت: هب أنّ السيّد جاء لعيادتك ماذا أنت صانع؟
قال: أُهينه والله، ولا أقوم له.
قلت له: هب أنّه ليس من وصايا الإسلام الأكيدة احترام المؤمن، ولنفرض أنّك لا تلتفت لكونه عالم دين ومن سلالة البيت النبوي الطاهر، ولكن هل يسوغ لك أن تهين شخصاً جاء لزيارتك وحلّ ضيفاً عليك وأنت رجل عربيّ؟!

فتأمّل هنيهة ثمّ قال: إذن لا أُهينه، ولا أقوم احتراماً له.
فذهبت إلى السيّد وأخبرته بالقضية وجئنا سوية لعيادة الرجل، وحينما دخلنا تظاهر أنّه لا يستطيع القيام من شدّة المرض مع أنّه كان يستطيع، وأخذ يتثاقل في جواب السيّد ولا يجيب إلا بقدر الضرورة، ولكن السيّد ظلّ يلاطفه ويسأل أحواله وهو يجيب بكلّ برود.
واستمرّ السيّد بملاطفته بأخلاقه الحسنة بحيث عندما خرج قام الرجل لمشايعته إلى الباب، وسألته بعد ذلك: كيف وجدت السيّد؟ قال: بعد إمام الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف لا شخص أفضل منه على الإطلاق!
وهكذا صار هذا الشخص وليّاً حميماً للسيّد بعد أن كان عدواً لدوداً؛ لأنّ السيّد قدّس سرّه عمل بقوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم﴾.

الحسد وأهل البغي والمودّة
يقول الإمام سلام الله عليه بعد ذلك: «ومن حسد أهل البغي المودّة». إنّ الحسد أصله من القلب، ولكن لا يحاسب عليه الإنسان إلا إذا انعكس على الجوارح؛ ولذلك ورد في حديث الرفع المروي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: «رفع عن أُمّتي تسع ... والحسد والطيرة و... ما لم ينطق بشفة ولا لسان»(8).

وأمّا قوله سلام الله عليه: «أهل البغي» فيعني من ديدنهم البغي، كما تقدّم في قوله سلام الله عليه عن أهل الشنآن.
وأمّا المودّة فهي المحبّة الظاهرة؛ فقد يحبّ الإنسان شخصاً ولكنّه لا يظهر هذا الحبّ فهذا لا يسمّى مودّة، أمّا إذا كان يحبّه ومع ذلك يظهر ذلك الحبّ فهذه هي المودّة.
وفي هذا الدعاء يطلب الإمام من الله تعالى أن يخلصّه ليس من حسد الباغي العادي فقط بل من حسد أهل البغي أي من بنى أمره على البغي، ويبدل حسده ليس إلى محبّة فقط بل إلى مودّة أيضاً وهي الحبّ مع إظهاره.


:. كيف نتعامل مع أهل البغي

هنا أيضاً لا يكفي الدعاء وحده بل لابدّ للمؤمن أن يسعى بعمله لتجنّب أهل البغي وتبديل حسدهم إلى مودّة؛ فإنّ الإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالى أن يخلّصه من السلبيات الموجودة في المجتمع ويلفت نظر المؤمنين إليها أيضاً.
أمّا كيف نتصرّف مع أهل البغي، فلنا في علمائنا قدوة، ومنهم – على سبيل المثال - الخواجه نصير الدين الطوسي رحمة الله عليه، فقد ذكر في أحواله صاحب (الكنى والألقاب) أنّ شخصاً نكرة كتب له رسالة وجّه له فيها سبّاً لاذعاً، كما تجاوز عليه بقوله (ياكذا)، فأجابه الشيخ وكان عالماً ووزيراً مقتدراً:

وأمّا قولك أنّني كذا فهذا غير صحيح لأنّ الكذا يمشي على أربع وأنا أمشي على اثنين، والكذا فصله «نابح» وأنا فصلي «ناطق»!
لنراجع أنفسنا ونرى حقّاً هل نستطيع أن نتحلّى بمثل هذا الصبر والخُلُق الرفيع الذي تحلّى به هذا الشخص العالم الذي لم يكن عاجزاً - لا من حيث قوّة القلم والبيان ولا من حيث السلطة - أن يقابله بأشدّ من فعلته! ولكنّه تلميذ مدرسة أهل البيت سلام الله عليهم الذي تعلّم منهم الصبر والأخلاق الرفيعة.

فلنقتدِ بأئمّتنا وعلمائنا؛ لأنّ ردّ الصاع بصاعين سهل إذا كانت لدى الشخص المقدرة ولكنّ الصبر أصعب وأجدر.
ولو كان الخواجه الطوسي أمر بحبس الرجل أو ضربه - وكان قادراً على ذلك – لما كان موقفه ذاك جديراً بالتأسّي؟!
لا شكّ أنّ بلوغ هذه الدرجة العالية يحتاج إلى رياضة نفسية قد تستغرق سنوات.
لذا علينا بالمواظبة على قراءة هذه الأدعية بإمعان وتدقيق، والسعى للعمل بما توجّهنا إليه، والطلب من الله تعالى أن يوفّقنا في ذلك.

أسأل الله تعالى أن يوفّقنا للعمل وأن يستجيب دعواتنا ببركة أهل البيت سلام الله عليهم وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.


ألقيت هذه المحاضرة بتاريخ 16 شوال 1421 هـ .
(1) الكوثر: 3.
(2) النساء: 79.
(3) الكافي للكليني: 4 / 363 ح 2 باب ما يجوز للمحرم قتله وما يجب عليه فيه الكفّارة.
(4) النجم: 39.
(5) الفرقان: 77 .
(6) فصّلت: 34 .
(7) فصلّت: 35 .
(8) تحف العقول: 50.