بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *
ذكرنا سابقاً أنّ الإمام سلام الله عليه - وهو المعصوم - يطلب من الله تعالى حاجات، ويعلّمنا أيضاً - نحن المسلمين - كيف ندعو الله تعالى ونطلبها، ومن هذه الحاجات ما هي دنيوية، ومنها ما هي أُخروية؛ إذ الدنيا والآخرة عالمان متشابكان كتشابك أصابع اليدين، فلا ينال الإنسان الجنّة إلا بعمله في هذه الحياة الدنيا.
إنّ الإمام السجّاد سلام الله عليه يسأل الله تعالى أن ينجّيه من أُمور قد حدّدها، وأن يبدلها إلى أضدادها أو نقائضها. فالإمام سلام الله عليه لم يطلب من ربّه الكريم أن ينجّيه من البغضة والحسد والظنّة والعداوة فقط، وإنّما يرتجي منه سبحانه أن يبدّل تلك الخصال عند أهلها إلى نقائضها وأضدادها.
يقول الإمام سلام الله عليه: «ومن حسد أهل البغي المودّة».
إن من أهمّ الأمور التي يطلبها الإمام سلام الله عليه من ربّه تغيير حالة حاسده وإبدال حسده إلى مودّة، فالحاسد بطبيعته يتربّص الدوائر بمحسوده ويتحيّن له الفرص للبغي وإلحاق شتّى أنواع الأذى والمشاكل به، وهذا هو طبع الحسود، بيد أنّ التأمّل في عبارات الدعاء يُظهر أنّ الإمام سلام الله عليه لم يكتفِ في دعائه وطلبه من الله تعالى طلب إبدال هذه الحالات السلبية إلى نقائضها بل هو سلام الله عليه يطلب من الله تعالى في دعائه أن يبدّل أشدّ هذه الحالات سوءاً إلى أرفع ما يقابلها.
إنّ الإمام لم يقل: (من حسد الحاسدين) بل قال: من حسد أهل البغي، لأنّ الشخص قد يكون حاسداً يحبّ وصول الأذى للمحسود لأن هذا ديدنه، وقد يكون باغياً أي ظالماً، وهذا أسوأ بالطبع، لأنّه يصدر منه الإيذاء وإن لم يكن حاسداً، فكيف إذا اشتمل على الحسد مع البغي؟ لاشكّ أنّ إيذاءه سيتضاعف.
وكان يمكن للإمام سلام الله عليه أن يقول: «ومن حسد الباغين» ولكنّه عدل إلى عبارة أهل البغي لأنّ الباغي قد يصدق حتّى على من صدر منه البغي مرّة أو مرّتين، أمّا أهل البغي فهم الذين ديدنهم الظلم وشيمتهم البغي وعادتهم إيذاء الآخرين. وهذا معناه أنّ الإمام يطلب من الله تعالى أن يعالج له أصعب الحالات السلبية التي قد يبتلى بها الناس عادة.
ويمكن تصوير القضية بنحو آخر فنقول:
إنّ من طبيعة الحاسد تمنّي زوال نعمة المحسود دونما سبب وإن لم يكن هذا الحاسد ظالماً بل كان شخصاً عادياً، فكيف إذا كان مع حسده باغياً؟ بل كيف إذا كان من أهل البغي (أي ديدنه البغي)؟ حقّاً سيكون الظلم مضاعفاً في هذه الحالة؛ والإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالى أن يبدّل هذه الحالة التي تمثّل أدنى درجات السلبية إلى المودّة وهي أعلى درجات الحبّ والتي تعتبر الخصلة المناقضة لحسد أهل البغي.
فلقد ذكرنا في المحاضرة السابقة أنّ المودّة هي المحبّة مع إظهارها، ممّا يعني أنّ الإمام سلام الله عليه يطمح في الحصول على المزيد من الله تعالى؛ فهو لايطلب منه سبحانه كفّ حسد الحاسدين سيّما أهل البغي منهم وحسب، بل يطلب تحويل حسدهم إلى محبّة تكون ظاهرة عليهم.
يقول الإمام السجّاد سلام الله عليه بعد ذلك: ومن ظنّة أهل الصلاح الثقة والظنّة - بكسر الظاء - : التهمة. وههنا لابدّ من وقفة أيضاً؛ فنقول: تارةً يتّهم الإنسانَ شخصٌ فاسق ويظن به سوءاً فهذه حالة عادية؛ لأنّ من طبيعة الفسّاق أن يظنّوا بالناس السوء، وتارةً يكون المتّهِم له والظانّ به سوءاً هم أُناس عاديون أي ليسوا بصلحاء ولا فسّاقاً، وهذه الحالة قد تهون أيضاً، ولكن ماذا لو أنّ الصالحين كانوا هم الذين يتّهمون الإنسان ويظنّون به سوءاً؟ لا شكّ أنّ الأمر يختلف في هذه الحالة. فكيف إذا كان المتّهِم للإنسان من وصفهم الإمام سلام الله عليه بأنّهم أهل الصلاح، أي شيمتهم الصلاح؟ فههنا الطامة الكبرى؛ وذلك لأنّ أهل الصلاح لا يتّهمون أحداً جزافاً، ولا يتسرّعون في إصدار الأحكام بلا رويّة بل يحتاطون في أُمورهم كثيراً ويحملون أفعال الناس على محامل حسنة ما استطاعوا، لتقيّدهم بالشرع وأحكامه، ومراعاتهم لحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله: احمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير(1).
وكما أنّهم لا يتّهمون أحداً سراعاً، كذلك لا يثقون بأحد جزافاً، بل إنّهم يرجعون إلى مقاييسهم الشرعية والأخلاقية، ولهذا لو اتّهم أهل الصلاح أحداً ما فلابدّ أن يكون هناك سبب وراء ذلك!
ومن هنا كان لزاماً علينا - في موارد كثيرة - أن لا نكلّف أنفسنا عناء التحقيق في حال من عرّفه أهل الصلاح بالمدح أو القدح. فمن وثّقه شخص كالسيّد بحر العلوم أو المقدّس الأردبيلي أو الشيخ الأنصاري رضوان الله عليهم أجمعين مثلاً، أو ضعّفوه فإنّنا نأخذ برأيهم لما عرفنا فيهم من الصلاح الذي يحملهم على عدم الثقة بالآخرين أو اتّهامهم هكذا اعتباطاً ومن دون التزام بمقاييس الشرع والأخلاق.
بعد هذه المقدّمة نقول: إنّ الإمام سلام الله عليه لا يكتفي بطلبه من الله تعالى أن يدفع عنه ظنون الآخرين وتهمهم فحسب بل يطلب إبدالها إلى الثقة وعدم الاتهام، كما لا يتوقّف في طلبه عند مجرد طلب تبديل هذه الظنون والاتّهامات من أيّ شخص صدرت بل يطلب تبديل تهمة من يُحسَب لتهمهم وظنونهم حساب، وهم الصالحون، بل أهل الصلاح، أي الذين دأبوا على الصلاح حتّى عُرفوا به.
كما نلاحظ أيضاً وجود الفاصلة الكبيرة والبون الشاسع بين الحالتين التي يطلب فيها الإمام من الله تعالى إبدالهما بما هو أحسن.
فإذا انتقلنا إلى الجملة الثالثة من هذا المقطع من الدعاء نرى الإمام سلام الله عليه يعلّمنا أيضاً أن ندعو الله تعالى ونطلب منه أحسن الطلبات وأعلاها بعد التخلّص من أسوأ الحالات وأدناها فيقول: ومن عداوة الأدنين الولاية أي أبدلني من عداوة هؤلاء القوم ولاية ومحبّة.
فلفظة «الأدنين» جمع «الأدنى» وهو اسم التفضيل من الدناءة والدنوّ؛ ذلك أنّ الشخص قد يكون قريباً ظرفيّاً فيقال عنه دانٍ، ويجمع على «أدنين»، وقد يكون إنساناً سيّئاً أي فيه دناءة وحقارة فيقال عنه دنيء، وربما لوحظ المعنيان في كلمة «دنيا»، لأنّ الدنيا تلي الآخرة، فهي أقرب بالنسبة لنا من الآخرة، فيقال إنّها دنيا أي دانية قريبة بالنسبة لنا، وإنّها دنيئة المنزلة أيضاً قياساً إلى سموّ الآخرة ورفعتها، فمن هذا الباب سمّيت (دنيا).
ولكن الإمام سلام الله عليه يقصد المعنى الثاني في قوله «أدنين»، لأنّه سيشير إلى هذا المعنى في قوله: «ومن خذلان الأقربين» بعد ذلك. ثمّ إنّ التفضيل - في اسم التفضيل - يكون في اللغة بواسطة أحد ثلاثة أنحاء هي حرف الجر «من» و«الإضافة» و «أل» التعريف، ولكنّه يكون نسبياً في الحالتين الأُوليين، ومطلقاً عن كلّ قيد في الحالة الثالثة. فلو قلت: (زيد أدنى من عمرو) فهذا لا يعني بالضرورة أنّه الأدنى مطلقاً فقد يكون الأرفع بالنسبة لغيره ولكنّه أدنى من عمروٍ خاصّة، وهكذا إذا قلنا: (زيد أدنى ثقيف) مثلاً فإنّه لا يعني أيضاً أن يكون الأدنى مطلقاً وإن توسّعت نسبة دناءته، حتّى بلغت تقاس بقوم، ولكنّه قد لا يكون كذلك بالنسبة لقوم آخرين.
أمّا إذا قلنا: (الأدنى) كما في عبارة الدعاء فإنّ التفضيل هنا يفيد الإطلاق، أي إنّ زيداً - مثلاً - أدنى من كلّ ما يُتصوّر؛ لأنّه غير مقيّد لا بشخص ولا بقوم أو مكان أو زمان أو غير ذلك.
إذا اتّضح هذا نقول: إنّ الإمام سلام الله عليه في هذه الجملة أيضاً لم يكتفِ بطلبه من الله تعالى أن يخلّصه من العداوة فقط، بل يطلب تبديلها إلى محبّة بل قمّة المحبّة وهي الولاية كما سنبيّن لاحقاً، كما أنّ الإمام سلام الله عليه لم يكتفِ بطلب ذلك الاستبدال على المستويات العادية بل ترقّى إلى طلب إبدال أشدّ الحالات سوءاً بأفضل الحالات حسناً.
بيان ذلك: إذا كان الشخص الدنيء يبحث عن المشاكل عادة ويسبّب بطبعه متاعب للآخرين، فإنّ الأدنى يكون أشدّ كلَباً، لذا فالإمام السجّاد سلام الله عليه يعلّمنا كيف نطلب من الله تعالى أن يبدّل هذه العداوة - التي هي ليست عداوة كلّ أحد ولا عداوة الداني فقط. ولا حتّى عداوة من هو أدنى بالنسبة لقومه بل عداوة الأدنى مطلقاً - إلى محبّة بل إلى ولاية.
معنى الولاية في الدعاء
إنّ الولاية غير الصداقة والصداقة غير الصحبة، فتارةً يكون الشخص صاحباً لك أو رفيقاً وزميلاً وتارةً يكون صديقاً، والصداقة أعلى درجة، لأنّ الصديق من صادقك أي صدقك، ولا يشترط في الصاحب والرفيق ذلك؛ عن سعيد بن الحسن قال: قال أبو جعفر عليه السلام: أيجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه؟ فقلت: ما أعرف ذلك فينا. فقال أبو جعفر عليه السلام: فلا شيء إذاً. قلت: فالهلاك إذاً. فقال: إن القوم لم يعطوا أحلامهم بعد (2).
وأعلى من الصداقة المودّة، وأعلى منها الولاية - بفتح الواو - لأنّ الولاية ليست صرف المحبّة حسب بل المحبّة المقرونة بالصداقة والمودّة، وإظهارها مع الانصياع التامّ لمن تتولاّه.
أمّا الولاية - بالكسر - فهي الحكومة، على أي مستوى كان، فإذا قبلتَ ولاية أحد عليك فهذا معناه أنّك قبلت أن يكون رئيساً أو قائداً لك؛ ومن ذلك قوله تعالى:(ومن يتولّ الله ورسوله...﴾(3).
الخلاصة: إنّ الإمام سلام الله عليه في هذا المقطع يطلب من الله تعالى أن يبدّل عداوة الأدنين - وهي أشدّ العداوة - إلى الولاية - وهي أشدّ المحبّة - .
أقول: انظروا كيف يدعو الإمام؟ حقّاً لولا الأدعية الواردة عن الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم لما توصّل فكرنا إلى مثل هذه النكات الدقيقة. ولو كنّا ندعو بعبارات من عند أنفسنا لقلنا مثلاً: يا إلهنا إذا نصب الآخرون العداء لنا فحوّل بقدرتك عداءهم مودّة، وإذا كان هناك من يتربّص بنا فغيّر بحكمتك فكره و... . ولكن الإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالى ويسأله ويعلّمنا أن نسأله هذه المطالب الدقيقة.
ثمّة نقطة ينبغي الالتفات إليها، وهي أنّ هذه الأدعية المروية عن الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم ليست دعوة منهم لترك الأُمور على الله تعالى يعالجها بطريقة إعجازية دون أن يحرّك الداعي نفسه باتّجاه تحقيق مطالبه؛ بل الأمر على العكس من ذلك، فإنّ هذه الأدعية تنهض بدور بيان السلبيات الموجودة في المجتمع لكي يعيها المتديّنون ويسعوا لتلافيها.
أذكر فيما يلي مسألة تنفعنا في إيضاح الفكرة أعلاه، وهي: أنّ هناك بحثاً ونقاشاً بين العلماء في قضية الأوامر غير الاختيارية التي يكلّف الله بها عباده وكيفية توجيهها؛ ومثال تلك الأوامر قول الله تعالى في كتابه المجيد خطاباً لنبيّه الكريم: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى)(4)، فإنّ مفهوم هذه الآية هو أنّ الله تعالى يأمر المسلمين بمودّة آل البيت النبوي الطاهر، والسؤال هو: إذا كانت المودّة تعني المحبّة مع إظهارها، وإذا كان الإظهار أمراً اختيارياً، فإنّ المحبّة نفسها ليست فعلاً اختيارياً بل هي مناط قلبيّ، لأنّك إذا كنت لا تحبّ أحداً فلا معنى لأن تؤمر بمودّته – أي إظهار محبّته - ! إذاً فما هو معنى ووجه هذا الأمر مع أنّ التكاليف لا تتعلّق بالأُمور غير الاختيارية؟
يجيب العلماء على هذا السؤال بقولهم: إذا كان المسبّب غير اختياريّ وكان السبب اختيارياً، فإنّ الأمر بالمسبَّب يعني الأمر بالسبب، والمودّة - في المقام - كذلك فإنّها وإن كانت أمراً غير اختياري لأنّ الإنسان إذا رأى خيراً من أحد تعلّق به قلبه دون اختياره، كما هو الحال في البغض أيضاً فإنّ الإنسان إذا رأى شرّاً من أحد أبغضه، إلاّ أنّ أسباب الحبّ والبغض اختيارية يمكن أن يتوفّر عليها الإنسان.
فيكون معنى الأمر الإلهي بحبّ أهل البيت سلام الله عليهم هو العمل بما من شأنه أن يؤدّي بالإنسان إلى حبّهم، كقراءة فضائلهم والاطّلاع على سيرهم العطرة؛ لأنّ الإنسان إذا عرف أهل البيت سلام الله عليهم فإنّه لا يمكنه أن لا يحبّهم إلاّ أن يكون سقيم الفطرة فينكر ذلك رغم وقوفه على عظمتهم، كما قال الله تعالى واصفاً منكري آياته: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)(5)فإنّهم متيقّنون من صحّتها في قلوبهم وهذا أمر غير اختياريّ، ولكنّهم لا يظهرون ذلك جحوداً.
ويمكن أن نضرب مثلاً آخر كما في خصوص الهلال في شهر رمضان المبارك، فإنّ المكلّف مأمور بأن يصوم لرؤيته ويفطر لرؤيته؛ لذلك إمّا أن يستهلّ بنفسه أو يسأل مرجع تقليده حتّى يحصل له اليقين أو الظنّ بأنّ الهلال قد هلّ فيعمل بوظيفته؛ فاليقين أو الظنّ الحاصل ليس أمراً اختيارياً ولكن الأسباب التي أدّت إليه اختيارية؛ ولذلك يتوجّه إليها الأمر.
قضية الدعاء والطلب من الله تعالى تشبه المثالين اللذين تقدّما - أي الأمر بالحبّ في المثال الأوّل، والظنّ أو اليقين في المثال الثاني - فكما أنّ الأمر بهما يعني الأمر بتهيئة مقدّماتهما، فكذلك عندما يعلّمنا المعصومون أن نطلب أُموراً من الله تعالى فإنّ في ذلك دعوة لنا لكي نعمل في ذلك الاتّجاه، وإلاّ لا معنى لأن تطلب من الله شيئاً وأنت تعمل على خلافه لأنك بذلك تحول دون تحقيقه، وليس معنى الدعاء أن يحقّق الله لك المطالب كلّها بطريقة إعجازية؛ يشير إلى ذلك قوله تعالى:(وأن ليس للإنسان إلاّ ما سع)(6)فعلى المرء أن يسعى لتحقيق الأُمور التي يحبّها وإلى جنبه يطلب من الله تعالى أن يعينه عليها؛ لأنّ الدنيا دار عمل وليس دار دعاء فقط، فالدعاء ركن كما جاء في قوله تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم)(7) والعمل ركن آخر كما في قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى).
فعندما يدعو الإنسان ربّه أن يجنّبه عداوة الأدنين، فعليه أيضاً أن يتجنّب كلّ ما من شأنه أن يثير تلك العداوة. ففي المجتمع عادة يوجد أُناس دنيئون ديدنهم إيذاء الآخرين، فعلى العاقل أن لا يجعل نفسه عرضة لإيذائهم، ولا يعمل ما من شأنه أن يثير عداوتهم.
نُقل عن شخص أنّه كتب رسالة جوابية لشخص دنيء ضمّنها عبارة تغيظه، فكانت النتيجة أن ألحق به ذلك الدنيء أضراراً كبيرة، وعندما سئل الشخص: لماذا كتبت تلك العبارة؟ أجاب: أردت أن أُغيظه لأنّي كنت أعرف أنّه يتأذّى منها كثيراً فتعمّدت إيذاءه!
فمثل هذا الشخص لم يعمل ما من شأنه أن يجنّبه عداوة الأدنين.
إذن مفهوم الدعاء في قول الإمام سلام الله عليه: وأبدلني من عداوة الأدنين الولاية يُظهر - إضافة إلى عنصر الطلب من الله تعالى – وجوب أن يضمّ إليه العمل على تجنّب الخصلة السيئة من قبل الداعي نفسه.
وهكذا الأمر بالنسبة لقوله سلام الله عليه: ومن ظنّة أهل الصلاح الثقة فإنّ الأحاديث الشريفة وتعاليم النبي صلى الله عليه وآله والأئمّة المعصومين من آله سلام الله عليهم تدعو الإنسان المسلم وتحثّه للعمل علىاتّقاء مواضع التّهم(8) عامّة فكيف بظنّة أهل الصلاح!
فقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان مع إحدى نسائه، فمرّ به رجل فدعاه صلى الله عليه وآله، فجاء، فقال: يا فلان هذه زوجتي فلانة. فقال: يارسول الله من كنت أظنّ به فلم أكن أظنّ بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم(9).
ربما لم يكن هذا الشخص الرائي متّهِماً رسول الله صلى الله عليه وآله ولكنّ الرسول صلى الله عليه وآله أراد أن يعلّمه ويعلّمنا كيف نتّقي مواضع التّهم، وربما كان من المنافقين الذين يتربّصون بالنبي فيتّخذه سلاحاً ضدّه صلى الله عليه وآله، فقطع النبي صلى الله عليه وآله الطريق بذلك.
إذن لا يكفي للمرء أن يقول «اللهمّ جنّبني مواضع التّهم» أو «أبدلني من ظنّة أهل الصلاح»، وهو لا يتّقي مواضع التّهم، بل عليه أن يسعى بعمله لتجنّب توجّه التّهمة إليه من أبسط الناس، فكيف بتهمة أهل الصلاح الذين لا يتّهمون أحداً جزافاً، وإذا اتّهموا فإنّ تهمتهم لا يقدر على إزالتها ومسحها إلاّ الله، وهنا لا يحلّ مشكلة الإنسان إلاّ الدعاء والتضرّع إلى الله تعالى.
وهذا يعني أنّ على الإنسان أن يحاول ما أمكنه تجنّب كلّ ما من شأنه أن يسبّب تهمة أهل الصلاح له، وإذا ما صدر منه ما يجعل أهل الصلاح يظنّون به يطلب من الله تعالى أن يبدّل ذلك الظنّ إلى ثقة بحوله وقوّته.
وهاهنا كلمة بالمناسبة وهي: إنّ الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم هم خيرة أهل الصلاح بل أئمّتهم وقادتهم وعظماؤهم، فلو أُطلقت هذه الكلمة (أهل الصلاح) فالمصداق الحقيقي والأوّل لها والأولى بها هم سلام الله عليهم؛ فما أعظم مَن يكسب ثقة الإمام المعصوم سلام الله عليه؟
ومن الذين حازوا هذا الشرف عائلة كبيرة من الأشعريين عاصروا الإمام السجّاد أو الباقر سلام الله عليهما حتّى صاحب الأمر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، والعشرات منهم كانوا من أصحاب الأئمّة والعديد منهم جيّدون بل جيّدون جدّاً، منهم زكريا بن آدم المدفون في المقبرة القريبة من مرقد السيّدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها .. عبّر عنه الإمام المعصوم سلام الله عليه بقوله المأمون على الدين والدنيا((10).
فما أعظم مقام هذا الشخص حقّاً؟! ففرق بين أن يقول هذه الكلمة شخص عادي بحقّ آخر وبين أن تصدر من إمام معصوم يعرف خفايا الأمور وظواهرها، ونحن نعتقد استناداً إلى الروايات سواء بالأدلّة المطابقية أو التضمّنية أو الالتزامية أنّ الإمام المعصوم سلام الله عليه هو نفس رسول الله صلى الله عليه وآله باستثناء النبوّة؛ قال تعالى: (وأنفسنا وأنفسكم)(11). صحيح أنّ درجاتهم تختلف ولكنّهم نور واحد ومن طينة واحدة، لا يتخلّف عن ذلك أيّ منهم. فحينما ينعت الإمام زكريا بن إبراهيم بأنّه مأمون على الدين والدنيا أو يصف «العمري» وابنه بأنّهما ثقتان(12) فإنّه يريد التصريح بنزاهتهم ووثاقتهم، وهذه مرتبة عظيمة. ينقل أنّ الشيخ البهائي رحمه الله سئل: أيّهما أفضل؛ زكريا بن آدم أم الشيخ الصدوق؟ فأجاب الشيخ البهائي: زكريا بن آدم. هذا رغم قلّة ما وصلنا منه عن الأئمّة وكثرة ما وصلنا من الشيخ الصدوق من كتب ملأت أدراج المكتبات وبيوت الشيعة، وقد لا أُبالغ إن قلت بأنّه لا توجد عبادة نؤدّيها ولا كثير من الأحكام والإرشادات والأدعية والزيارات والأخلاق والآداب إلاّ وقد وصلنا جزء منها عن طريق الشيخ الصدوق؛ فكم هو عظيم إذن؟
لكن الشيخ البهائي مع ذلك قال: إنّ زكريا أعظم من الشيخ الصدوق، وبرّره بأنّ الإمام المعصوم سلام الله عليه قال عنه بأنّه المأمون على الدين والدنيا ولم يرد مثل ذلك بحقّ الشيخ الصدوق!
يقال: فرأى الشيخ البهائي في منامه الشيخ الصدوق وهو يعاتبه قائلاً: لو قال الذي قلته غيرك لعذر، أمّا أنت العالم فكيف تقول ذلك؟ فقال الشيخ البهائي: ما قلت الذي قلت إلاّ لقول المعصوم في زكريا. فقال: ولكنّي لم أكن معاصراً للمعصوم سلام الله عليه لتستظهر تزكيته لي، فالمقارنة غير صحيحة. فتوقّف الشيخ البهائي بعد ذلك عن هذه المفاضلة.
ولكن شاهدنا أنّ تزكية المعصوم لشخص يوجب الاطمئنان الكامل به وبعظمة منزلته.
وعلى أيّة حال، فإنّ بإمكان الإنسان أن يكسب ثقة أهل البيت سلام الله عليهم حتّى في هذا الزمن، فهذا ليس بالمستحيل ولا بالصعب جدّاً، ولعلّه في هذا الزمان أسهل من زمن زكريا بن آدم، لا أقول إنّه ليس صعباً أبداً، ولكنّي أُريد القول إنّه ممكن تحقيقه ولكنّه يتطلّب الجدّ والإرادة.
قد يستطيع الإنسان أن يحوز على ثقة الناس العاديين ولكن حصوله على ثقة الإمام المعصوم سلام الله عليه ليس بتلك السهولة؛ لأنّ المعصوم سلام الله عليه يعرف خفايا الإنسان وما يظهره.
يحكى أنّ أحد الأشخاص كان ذا التزام ديني ظاهراً فذهب لزيارة الإمام الرضا سلام الله عليه لطلب الحوائج منه. وكانت حوائجه كثيرة إلاّ أنّ أيّاً منها لم يتحقّق. يقول الشخص نفسه: ولكنّي قبيل خروجي من الروضة المباركة طلبت من الإمام سلام الله عليه أن يبيّن لي منزلتي عنده، وإذا بشخص يناديني باسمي الحقيقي الذي كنت أُخفيه عن سائر الناس ولا يعرفه إلاّ الخواص جدّاً، فاستغربت من ذلك، ثمّ إنّه أنبأني بأنّ منزلتي ومقامي كذا وكذا .. ويبدو أنّه كان مقاماً بائساً..
ويقال إنّ شخصاً كان في زيارة للإمام الرضا سلام الله عليه فبدر إلى ذهنه هذا السؤال: إذا كان ردّ السلام واجباً فهل الإمام سلام الله عليه يردّ جواب كلّ زائر يسلّم عليه منفرداً أم يجيب بجواب واحد للجميع كأن يقول: عليكم السلام جميعاً؟ فظهر له الإمام في عالم الالمكاشفة وهو يردّ سلام كلّ مسلِّم باستقلال، ومنهم الشخص الذي بدر إلى ذهنه هذا التساؤل. وهذا معناه أنّ الأئمّة يشهدوننا ويعرفون عن كلّ منّا كلّ شيء، فقد روي عنهم سلام الله عليهم قولهم: نحن صنائع الله(13).
وبذلك فالأئمة صلوات الله وسلامه عليهم لا يثقون بأحد هكذا اعتباطاً، كما لا يتّهمون أحداً جزافاً لأنّهم أهل الصلاح بل قادة أهل الصلاح، وكما لا يخدع الله عن جنّته فكذلك لا يخدع الإمام المعصوم سلام الله عليه.
إذن بمقدور كلّ مؤمن أن يحوز على ثقة أهل البيت سلام الله عليهم، شرط أن لا يقصّر معهم. فمن عرف عظمتهم وقدّم ما في وسعه في سبيلهم، كسب ثقتهم سلام الله عليهم حتّى يصل إلى مرتبة زكريا بن آدم وأعلى؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يحصر مقاماً ما – غير مقام العصمة – لأحد دون آخر.
فلنسرع لكسب ثقة الإمام المعصوم سلام الله عليه ولنتنافس في ذلك خاصّة في الأشهر الحرم لأنّ كلّ عمل حسن فيها أفضل منه في غيرها، وكلّ عمل قبيح في غيرها فهو فيها أشدّ قبحاً وجرماً.
أسأل الله تعالى أن يجمع لي ولكم هذه التوفيقات ببركة أهل البيت سلام الله عليهم وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.